هيلاري مانتل أحيت الرواية التاريخيّة... ورحلت

اعتبرها كثيرون مبتدعة لغة جديدة

ندى حطيط
ندى حطيط
TT

هيلاري مانتل أحيت الرواية التاريخيّة... ورحلت

ندى حطيط
ندى حطيط

فجعت الأجواء الثقافيّة البريطانيّة يوم الخميس الماضي بغياب الروائيّة هيلاري مانتل، الشهيرة بتحفتها ثلاثية الأدب التاريخي المستوحاة من حياة توماس كرومويل، كبير مستشاري وتنفيذي بلاط الملك هنري الثامن.
ويعزى لمانتل الفضل في إعادة الحيوية إلى فضاء الرواية الأدبيّة التاريخيّة بعدما خرجت لبعض الوقت من دائرة اهتمام القراء والناشرين الأنغلوساكسون على حد سواء. وقد باعت كتبها السبعة عشر ملايين النسخ، وتحوّل بعضها إلى أعمال تلفزيونيّة ناجحة، كما توجت بجائزة بوكر البريطانيّة المرموقة مرتين (عن الجزأين الأوّل والثاني من ثلاثيتها عن كرومويل: «قاعة الذئب»، 2009، و«إيقاظ الجثث»، 2012، واختير الجزء الثالث «المرآة والضوء» ضمن القائمة الطويلة للجائزة عام 2020. وبفضل هذه الثلاثيّة تحديداً أصبح لها بالفعل جيش من القراء المتابعين الأوفياء الذين يتلقفون كل ما تكتب بما في ذلك مقالات كانت تنشرها بين الحين والآخر في مجلّة لندن ريفيو أوف بوكس نصف الشهريّة - جمعت في كتاب صدر في 2020 -
يصف النقّاد مانتل بأنّها قرنت قدرتها الهائلة على التنقيب العميق في قلب الحدث التاريخي مع الحدس الدقيق لاستقراء المشاعر الإنسانيّة الممكنة عند شخصياته، واعتبرها كثيرون مبتدعة لغة جديدة «غيّرت الخيال التاريخي إلى الأبد»، وصنعت شيئاً ممتعاً من مادة العلاقة المعقَدة بين التاريخ، والحقيقة، والخيال. وتعجب معنيّون بالتاريخ والأدب من الطريقة التي ترسم فيها فصولاً كاملة من الماضي بكامل الألوان من خلال نثرها المتمكن، وإحساسها النفسي المتوقّد، وتنقّلها اللّماح في متاهة العواطف الإنسانيّة والأركان المظلمة في الأرواح. وبالفعل، فإن قراءة «قاعة الذئب»، فاتحة الثلاثيّة، تبدو أشبه بالعيش داخل رأس توماس كرومويل، أكثر منها وصفاً أدبيّاً لسيرته. ويدين لها المؤرخون بإعادة تأهيل صورة هذه الشخصية الإنجليزية المهمّة في المخيال الشعبي من خلال تقديمها له كاستراتيجي بارع وثوري لامع، حتى أن ديارميد ماكولوك، بروفسور اللاهوت في جامعة أكسفورد ومؤلف أهم سيرة تاريخيّة لكرومويل كتب عنها لصحيفة التايمز اللندنية قائلاً: «إن هيلاري قد أعادت ضبط الأنماط التاريخيّة لنا».
لمانتل منهجها الخاص في فهم التاريخ. فالأدلة عندها، دائماً، جزئية، و«الوقائع لا تمثِل الحقيقة»، و«التاريخ ليس الماضي بقدر ما هو النمط الذي طورناه لتنظيم جهلنا بالماضي. إنه سِجلّ ما تبقَى مسجَلاً فحسب». وقالت في محاضرة لها إن «القرّاء مخلصون، بشكلٍ يثير الشفقة، لأوّل تاريخ تعلّموه، وإنْ أنت طعنتَ فيه، فكأنك تسلب منهم طفولتهم». ولذلك، فإن مقارعتها للحدث التاريخي أتت مثيرة ومبدعة، كما لو كانت منجز مخرج سينما عبقري يعيد خلق عوالم كاملة من بضع صفحات عثر عليها في مكتبة عتيقة.
ولدت مانتل، كهيلاري ماري طومسون في 6 يوليو (تموز) 1952. في غلوسوب، وهي قرية في ديربيشاير، ونشأت ابنة كبرى في أجواء عائلة كاثوليكية فقيرة آيرلنديّة الجذور. كانت والدتها، مارغريت، سكرتيرة مدرسة، قد تركت زوجها هنري طومسون وانتقلت بأبنائها للعيش مع جاك مانتل - الذي أخذت الروائيّة مانتل لقبها منه -. وقد دونت مذكراتها عن طفولتها في نصّ عنونته بـ«التخلي عن الشبح - 2003» وصفه محرر صفحة الكتب في جريدة التايمز بأنه «نصّ حارق» على رغم أناقته ودقة تطريزه بالتفاصيل.
ويبدو أن تلك المرحلة من حياتها لم تكن سهلة، إذ عانت من مصاعب صحيّة فشل الأطبّاء في التعامل معها، ورافقتها الحمى دائماً في مختلف صفحات حياتها، ولم تتأقلم أبداً مع المدرسة الابتدائية الكاثوليكية التي ألحقت بها، وآلمها عاطفيّاً انفصالها عن والدها في سن مبكرة. وقد انتقلت في الثامنة عشرة من عمرها إلى العاصمة لندن لدراسة القانون في كلية لندن للاقتصاد، لكنها لم تستطع تحمل تكاليف إنهاء تدريبها، فعملت في مستشفى للمسنين قبل أن تتزوج تالياً (1972) من مهندس الجيولوجيا جيرالد ماكوين وتمتهن التعليم، بينما اتخذت من الكتابة الأدبيّة هواية جانبيّة لها.
عانت مانتل من عدم تشجّع الناشرين لروايتها الأولى (1979) التي تدور أحداثها في مناخات الثورة الفرنسيّة، على أن النقاد رحبّوا بها بحرارة عندما أصدرت روايتها الثانية (1985)، الأمر الذي فتح أمامها فرص النشر لتتحوّل خلال سنوات إلى واحدة من أكثر الروائيين المحبوبين من قبل القراء في بريطانيا، وأصبح وجود اسمها على الغلاف ضمانة نجاح تجاري محتّم لأي عمل جديد. لكنّها كسرت كل القواعد مع روايتها العاشرة «قاعة الذئب»، التي ترجمت لأكثر من أربعين لغة وبيع منها ما يزيد عن ثلاثة ملايين نسخة، وهو ما تكرر لاحقاً مع الجزأين التاليين من الثلاثية الملحميّة عن كرومويل الذي كان ابن حداد انتهى به المطاف لأن شق طريقه ليصبح واحداً من أكثر مساعدي هنري الثامن مكانة وتأثيراً، قبل أن يفقد رأسه في النهاية من أجل ولائه للملك.
وقعت مانتل في غرام الكتابة المسرحية خلال وقت لاحق من حياتها، فنقلت كرومويل شخصيتها الأثيرة إلى الخشبة في سلسلة من العروض التي حازت على جوائز عدّة، وشاركت أيضاً في كتابة الاقتباس المسرحي لخاتمة الثلاثية، «المرآة والضوء». لكن حكايتها مع كرومويل استهلكتها جسديّاً وروحيّاً، فقالت بعد اختتام الثلاثيّة بأنها لا تشعر بامتلاكها القدرة على التحمل للقيام بمشروع خيال تاريخي كبير آخر، ووصفت مجمل العمليّة الإبداعيّة التي مرت بها بـ«الشاقّة للغاية»، وأنّها «حتماً لن تلتقي بتوماس كرومويل آخر بعد كل هذه المدة التي قضاها في، مسيطراً على فكري». وقد استبعد وكيل أعمالها، السيد هاميلتون، أن تكون قد تركت بعد رحيلها أي عمل متكامل يمكن نشره، وإن كانت إلى وقت قريب تعمل على مسرحية واحدة على الأقل وعدة أعمال أخرى في مراحل مختلفة من الإنجاز.
رغم الشهرة البالغة والثراء الكبير اللذين عادا عليها مع نجاح أعمالها، لم تندمج مانتل بالمشهد الأدبي الصاخب في لندن، فقضت معظم أوقاتها في بودلي سالترتون، وهي قرية وادعة على ساحل ديفون، حيث عاشت حياة هادئة مع وزوجها، ومحورت وقتها حول كتاباتها. ولم ينجب الزّوجان أطفالاً بسبب المشاكل الصحيّة التي عانت منها الكاتبة منذ الصغر.
وقد عُرفت بلسانها السليط سياسياً، فوجهت انتقادات لاذعة لسياسيين وأفراد من العائلة المالكة البريطانيّة، ولم تخش أبداً من إثارة الجدل، بخاصة مع أصحاب التوجهات المحافظة في النخبة الحاكمة. وقد هاجمها سياسيون من حزب المحافظين بسبب قصة قصيرة كتبتها عن مخطط لاغتيال مارغريت ثاتشر زعيمة الحزب ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة، ومرّة أخرى بعدما اتهمتم في مقال نشرته أسبوعيّة نيوستيتمان عام2017 بأنّهم «لا يكترثون بمصالح أخرى غير مصالحهم». وقد ناهضت بشدّة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، واعتبرته كارثة شعبوية جعلتها وزوجها جيرالد يخططان للانتقال إلى آيرلندا. ومع ذلك بقيت دائماً رمزاً وطنياً جامعاً، وقد منحها الملك تشارلز الثالث - عندما كان ولياً للعهد وأميراً لويلز - وسام الإمبراطورية البريطانية الرفيع، ولقباً شرفيّاً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
TT

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وحصد «معركة بعد أخرى» 6 جوائز، أهمها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسن.

ودخلت السياسة بقوة على الخط نظراً لتزامن الحفل مع أصوات المعارك الضارية في المنطقة العربية.

وقال يواكيم تراير، مخرج «قيمة عاطفية» الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو يتسلم جائزته: «لدي ولدان، وعندما أشاهد ما يحدث لأطفال غزة وأوكرانيا والسودان أبكي أنا وزوجتي».

وقبله وقف الممثل الإسباني خافيير باردِم (الذي قدّم الجائزة لتراير) ليقول: «لا للحرب، وفلسطين حرّة». (تفاصيل ص 22)


«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
TT

نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)

تشكل إطلالة الممثل نزيه يوسف بشخصية «عمر» في مسلسل «المحافظة 15» عودة لافتة إلى الساحة الفنية بعد فترة غياب. وقد أتاح له العمل مساحة درامية أوسع مما حظي به في أعماله السابقة. ومن خلال شخصية متعددة الاتجاهات، كما يصفها لـ«الشرق الأوسط»، نجح في إقناع المشاهد وأثبت قدرته على أداء الأدوار الجادة والملتزمة. ورغم اشتهاره بتقديم الأدوار الكوميدية ومشاركته في أعمال درامية ومسرحية عدة، فإن تلك التجارب لم تمنحه الفرص التي تبرز كامل قدراته.

يقدّم يوسف دوره بمرونة وعفوية، مستفيداً من حرفيته لإقناع المشاهد بوفائه المتفاني لمديرته النائبة «منية» (كارين رزق الله). وقد أثار هذا الارتباط تساؤلات كثيرة لدى الجمهور في طبيعة علاقته بها، خصوصاً مع تطور الأحداث واقتراب العمل من حلقاته الأخيرة، حيث يُتوقع أن تنكشف حقيقة الشخصية ويسقط القناع عن وجهها البريء.

عن مشاركته في «المحافظة 15»، يؤكد أنه وافق سريعاً على الدور فور تلقيه اتصالاً من المخرج مكرم الريس. ويقول: «عندما تواصل معي مكتب المنتج مروان حداد وشرحوا لي تفاصيل العمل، لم أتردد لحظة. أعتقد أن هذا الاتفاق كان الأسرع في مسيرتي التمثيلية. فمجرد أن عرفت أن النص من كتابة كارين رزق الله والإخراج لسمير حبشي، أدركت أن العرض لا يمكن تفويته».

في كواليس تصوير «المحافظة 15» (نزيه يوسف)

ويشير إلى أنه عادةً ما يتأنى في دراسة العروض التي تُقدم له، فيدقق في تفاصيل الدور والأجر وطبيعة العمل قبل اتخاذ قراره. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، إذ لم يشغل نفسه بكل تلك التفاصيل، ويقول إن قراءته للنص جعلته يتعلق به سريعاً، مؤكداً أن حدسه في الموافقة السريعة كان في مكانه.

وعن عودة الثنائية بين بطلي العمل يورغو شلهوب وكارين رزق الله، يعلّق قائلاً: «قبل الحديث عن هذه الثنائية الناجحة، لا بد من الإشادة بأجواء العمل ككل. فقد كان الفريق متجانساً ويسعى إلى إنجاح المسلسل بكل ما يملك. كنا أشبه بعائلة صغيرة تجمعها غاية واحدة، وهو ما انعكس إيجاباً على العمل».

ويضيف: «أما ثنائية يورغو وكارين فهي حكاية بحد ذاتها. كان الجمهور ينتظر عودتهما بفارغ الصبر. يورغو يتمتع بسحر خاص في الأداء يجعل المشاهد أسيراً لجاذبيته، فيما تقدم كارين أداءً صادقاً ومحترفاً، ما يصنع بينهما تناغماً واضحاً يحفّز المشاهد على متابعتهما دون ملل».

وقد أتاحت شخصية «عمر» لنزيه يوسف إبراز جانب مهم من موهبته التمثيلية، إذ لا يزال يحتفظ بطاقة فنية وشغف واضحين، ويأمل أن تفتح له هذه المشاركة أبواباً جديدة لإظهار قدراته على نطاق أوسع.

نزيه يوسف خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وشارك في أعمال تلفزيونية بارزة لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد اللبناني، من بينها «مرتي وأنا»، و«عيلة ع فرد ميلة»، إضافة إلى «أماليا»، و«جوليا»، و«الكاتب». كما يمتلك تجربة سينمائية مهمة بعد مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية مثل «رصاصة طايشة»، و«مدام بامبينو»، و«حبّة لولو»، و«عطلة نهاية الأسبوع». أما على المسرح فقد شارك في أعمال يعتز بها، منها «آخر أيام سقراط»، و«أبو الطيب المتنبي» مع الرحابنة.

ويصف يوسف قصة العمل بأنها جديدة، عولجت بأسلوب ذكي رغم صعوبتها، إذ تتخللها محاذير حساسة.

وعن اعتباره الدور فرصة طال انتظارها، يقول: «لا شك أن مساحة الدور وطبيعته تختلفان عما قدمته سابقاً. فالشخصية تحتمل تأويلات متعددة وتفتح المجال أمام مفترقات درامية عدة، لأنها غنية بطبقاتها. والأهم أنها شخصية محورية في بناء العمل وحبكته».

مع كارين رزق الله وتربطه بها علاقة مهنية طويلة (نزيه يوسف)

ويضيف: «المسلسل يطرح أبعاداً اجتماعية ووطنية، ويسعى إلى إبراز العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني بالصورة التي طالما تمنيناها. كانت تجربة مميزة وتستحق الجهد الذي بذلناه كفريق عمل».

ولا يرى يوسف أن ما كتبته كارين رزق الله مجرد قصة جريئة، بل يراها معالجة دقيقة لموضوع حساس، ويوضح: «استوحت كارين الحكاية من حادثة حقيقية في عائلتها، إذ اختفى ابن خالتها قبل 28 عاماً أثناء رحلة غطس في البحر. ومن هذه الحادثة بنت المسلسل وأضافت إليها أبعاداً درامية أخرى».

ويتابع: «حرصت المؤلفة أيضاً على إدخال تفاصيل إنسانية صغيرة لكنها مؤثرة، تلامس مشاعر المشاهد. كما تطرقت إلى قضايا عدة، منها الأزمة الاقتصادية في لبنان، والحرب، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى موضوعات اجتماعية مثل الوحدة وأحلام الشباب وتأثير أخطاء الأهل في الأبناء، ما جعل الحبكة متماسكة وغنية».

وقد لاقت شخصية «عمر» ترحيباً لدى الجمهور، الذي تأثر بوفائه وصدقه تجاه شخصية «منية». وعن تحضيره للدور يقول: «شعرت في البداية بالخوف من حجم المسؤولية، فالشخصية تتولى منصباً سياسياً حساساً يتطلب دقة في الأداء. وبما أن الكوميديا طبعت جزءاً كبيراً من مسيرتي، كنت حريصاً على ألا ينعكس ذلك على الشخصية. حتى إن المخرج كان متخوفاً من هذا الأمر».

ويضيف: «لذلك حضّرت للدور بجدية كبيرة، وكنت ألتزم بالنصيحة التي كررها المخرج لي دائماً: تذكّر أنك تؤدي شخصية جدية. وكنت أكرر لنفسي دائماً: أنا عمر».

ويتوقع كثير من المشاهدين أن يحمل المسلسل نهاية تراجيدية، وفق مسار الأحداث وتطوراتها.

ويختم نزيه يوسف قائلاً: «لا أستطيع الكشف عما ستؤول إليه النهاية. لكن أحياناً تحمل الأحداث التراجيدية جوانب إيجابية. لذلك أدعو الجمهور إلى متابعة العمل حتى النهاية لاكتشاف المفاجأة المنتظرة».

Your Premium trial has ended