رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)
دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)
TT

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)
دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

لا يتلاشى المشهد من الذاكرة ولا الرائحة. هكذا يصف كثير من الحجاج والمعتمرين تجربتهم في المسجد الحرام؛ إذ يرافقهم عبقٌ مميز، ثابت، يعرفونه كلما عادوا بذاكرتهم إلى مكة، حتى بعد سنوات من الرحيل.

ليست رائحة عابرة، بل واحدة من أكثر العلامات الحسية رسوخاً في تجربة المكان، والأكثر دواماً عبر السنين، تصنع ذاكرة مشتركة بين ملايين الزوار. هنا، لا يُترك العطر للصدفة، بل يُدار كجزء من هوية المسجد الحرام، ضمن منظومة تشغيلية متكاملة تعكس جهود المملكة العربية السعودية في العناية بالحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن، من خلال تفاصيل دقيقة تعزز الأجواء الروحانية داخل هذا المكان المقدس.

1500 عبوة من العطور الخاصة بالكعبة المشرفة سنوياً (لهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

رمضان... ذروة التشغيل

في شهر رمضان، تتغير وتيرة العمل بالكامل. تتكثف الجهود الميدانية وتزداد جولات التعطير بشكل ملحوظ، حيث يصل الاستهلاك اليومي إلى نحو 30 عبوة من العطر، إضافة إلى ما يقارب 30 تولة من دهن العنبر والورد، مع ارتفاع المعدلات خلال العشر الأواخر نظراً لكثافة مرتادي المسجد الحرام.

كما يُخصص خلال الموسم أكثر من 50 كيلوغراماً من البخور، إلى جانب 900 عبوة من العطور المخصصة للمصلين، وأكثر من 500 تولة من دهن العنبر والورد لتطييب الزوار.

أما الأروقة والمصليات، فيُستهلك فيها ما يزيد على 13 ألف لتر من المعطرات خلال شهر رمضان، في انعكاس مباشر لحجم الإقبال الكبير والكثافة المتزايدة التي يشهدها المسجد الحرام.

ويظهر هذا التصاعد أيضاً في عدد المباخر، إذ يتم استخدام 20 مبخرة يومياً في موسم العمرة، ترتفع لتتجاوز 35 مبخرة خلال شهر رمضان، في استجابة مباشرة لتزايد أعداد الزوار عاماً بعد عام.

مع حلول وقت الإفطار، يبدأ العمل داخل المسجد الحرام، حيث يتم توزيع الفرق على المواقع الرئيسية، وتستمر جولات التبخير والتعطير حتى ما قبل صلاة الفجر.

ومع كثافة الزوار، يتم تكثيف الجولات، خصوصاً في المواقع الحيوية، وفي الليالي الوترية من العشر الأواخر التي تشهد حضوراً كثيفاً للمصلين والمعتمرين.

خطة توزيع دقيقة

تُنفذ أعمال التعطير والتبخير وفق خطة توزيع محددة داخل المسجد الحرام، حيث يتم تعطير وتطييب الزوار في المواقع والمداخل الرئيسية للمصلين، مع تجنّب مواقع المحرمين ومداخل النساء مراعاةً لخصوصية الشعائر.

ويُستخدم في هذه المنظومة عطر هوية الحرم الخاصة، إلى جانب تطييب المصلين والزوار بدهن العنبر والورد، في تكوين بصمة عطرية مميزة تلازم المكان.

أرقام سنوية بحجم الخدمة

وراء هذه التجربة الحسية، تقف أرقام تشغيلية كبيرة. إذ يتم استهلاك أكثر من 450 كيلوغراماً من البخور سنوياً، إضافة إلى ما يزيد عن 1800 تولة من دهن العود لتطييب الكعبة المشرفة.

1800 تولة من دهن العود لتطييب الكعبة المشرفة سنويّاً (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

كما يتم تطييب الزوار بما يقارب 4500 تولة من دهن العنبر والورد سنوياً، إلى جانب استخدام أكثر من 1500 عبوة من العطور الخاصة بالكعبة المشرفة، وما يتجاوز 12000 عبوة من عطور خاصة للمصلين خلال العام.

ويتم أيضاً تعطير المسجد الحرام باستخدام مضخات مخصصة تستهلك أكثر من 120 ألف لتر سنوياً.

شهدت عمليات التعطير تطويراً خلال السنوات الأخيرة، حيث تم إدخال أجهزة فواحات التعطير الكهربائية، التي بلغ عددها ما يتجاوز 400 فواحة موزعة على المسجد الحرام.

وتُدار المواد العطرية والبخور ضمن نظام محكم يساهم في تقليل الهدر، ويرفع من كفاءة الاستخدام الأمثل ضمن منظومة التشغيل اليومية.

وتوجد هوية عطرية خاصة بالمسجد الحرام تُستخدم في الزيوت العطرية الخاصة بأجهزة الفواحات، وكذلك العطور المستخدمة في تطييب الزوار، وفي عطر كسوة الكعبة المشرفة، إضافة إلى العطور التي تُستخدم لتعطير المسجد الحرام وساحاته، حيث تحمل جميعها نفس الرائحة والبصمة.

كادر مؤهل

ويضم فريق التبخير والتعطير كادراً مؤهلاً ومدرباً على تنفيذ الأعمال وفق أساليب مهنية تراعي قدسية المكان وكثافة الزوار، وذلك في إطار حرص القيادة على تقديم خدمات نوعية لضيوف الرحمن.

ويخضع العاملون لبرامج تأهيلية وتعريفية تشمل آليات استخدام المواد العطرية وطرق التبخير الصحيحة، إضافة إلى مهارات التعامل مع الزوار.

كما يحرص المختصون على تطوير معارفهم في مجال صناعة العطور، حيث حصل مدير إدارة التعطير على دورات متخصصة، منها دورة فن وتكنولوجيا تصميم العطور من معهد «عالم العطور»، إضافة إلى دورة تعليمية في صناعة العطور من المواد الأولية أقيمت في القاهرة.

وتبقى المواقف الإنسانية جزءاً من المشهد اليومي؛ فمن يستقبل الكادر بالدعوات، ومن يبحث عن المبخر ليسأل عن مصدر الرائحة الجميلة، ومن يقف متأملاً أثناء تطييب الكعبة المشرفة متمنياً أن يكون جزءاً من هذا العمل.

وهكذا، يمتد عبق العود داخل المسجد الحرام، ليس مجرد رائحة عابرة، بل ذاكرة حسية دائمة... تصنع تجربة، وتبقى مع كل من مرّ من هنا.


مقالات ذات صلة

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

يوميات الشرق توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

اعتمد تصميم التوسعة الثالثة على محاور إشعاعية تنطلق من الكعبة المشرفة وكتل حلقية تحيط بها، في رؤية معمارية تراعي قدسية المكان وتستوعب التوسعات المستقبلية.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج عدد المُصلين بالمسجد الحرام بلغ 30 مليوناً و16 ألفاً و73 مُصلياً خلال شهر (واس)

أكثر من 68 مليون زائر ومعتمر بالحرمين الشريفين خلال شهر

استقبل المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، أكثر من 68 مليون زائر خلال شهر.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه الاجتماع في مكة المكرمة الأربعاء (إمارة المنطقة)

سعود بن مشعل: خدمة المقدسات وقاصديها على هرم أولويات السعودية

أكّد الأمير سعود بن مشعل، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، أن السعودية منذ تأسيسها «أولت خدمة المقدسات وقاصديها اهتماماً خاصاً، وجعلتها على هرم الأولويات».

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج عدد المعتمرين القادمين من الخارج أكثر من مليون معتمر (واس)

السعودية: 5.4 مليون معتمر خلال الربع الثاني من عام 2025

صدرت الهيئة العامة للإحصاء السعودية، نتائج إحصاءات العمرة للربع الثاني من عام 2025م، التي أظهرت أن إجمالي عدد المعتمرين من داخل السعودية والقادمين إليها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تخطى عدد المصلين في المسجد الحرام 17.7 مليون مصلٍّ خلال شهر واحد (واس)

54.5 مليون زائر ومعتمر بالحرمين الشريفين في شهر

استقبل الحرمين الشريفين، أكثر من 54.5 مليون زائر خلال الفترة بين 23 سبتمبر و22 أكتوبر 2025، بزيادة بلغت أكثر من 938 ألف زائر مقارنة بالشهر الذي سبقه.

«الشرق الأوسط» (جدة)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.