مصر تعوّل على «الحوار الوطني» لإعادة الثقة بين «تحالف 30 يونيو»

أكدت مجدداً على جديته

جانب من إحدى جلسات الحوار الوطني (الصفحة الرسمية للحوار الوطني على فيسبوك)
جانب من إحدى جلسات الحوار الوطني (الصفحة الرسمية للحوار الوطني على فيسبوك)
TT

مصر تعوّل على «الحوار الوطني» لإعادة الثقة بين «تحالف 30 يونيو»

جانب من إحدى جلسات الحوار الوطني (الصفحة الرسمية للحوار الوطني على فيسبوك)
جانب من إحدى جلسات الحوار الوطني (الصفحة الرسمية للحوار الوطني على فيسبوك)

تستعد مصر لإطلاق المناقشات الفعلية لجلسات الحوار الوطني، الذي تعوّل عليه لإعادة «بناء جسور الثقة»، بين المشاركين في تحالف «30 يونيو»، الذي أطاح بحكم تنظيم «الإخوان» عام 2013. وقال منسق عام مجلس أمناء الحوار الوطني، ضياء رشوان، إن «الأيام والأسابيع القليلة المقبلة ستشهد انطلاقة جلسات الحوار الوطني».
ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 26 أبريل (نيسان) الماضي، إلى إجراء حوار وطني حول مختلف القضايا، وتلبية للدعوة تم تشكيل مجلس أمناء للحوار، الذي عقد حتى الآن 8 اجتماعات لوضع قواعد ومحاور الحوار، وتشكيل لجانه المختلفة.
وقال رشوان، في تصريحات تلفزيونية مساء (الجمعة) عبر برنامج «مصر جديدة»، إنه «على مدار الشهور الماضية عمل الحوار على إعادة بناء جسور الثقة بين كل من شارك في ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، من أجل عودة مصر إلى المصريين»، مستطرداً أن «هذه الجسور تحققت بنسبة كبيرة».
وفي عام 2013 دعا تحالف من قوى سياسية ونقابات وشخصيات مستقلة إلى مظاهرات في 30 يونيو ضد استمرار حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، وتمكنت المظاهرات الشعبية الحاشدة في ذلك الوقت من إنهاء حكم تنظيم «الإخوان»، وتولى رئيس المحكمة الدستورية رئاسة البلاد بشكل مؤقت.
وتسعى مصر من خلال جلسات الحوار الوطني إلى «تعزيز مفهوم الجمهورية الجديدة». وقال رشوان إن «الحوار الوطني هو بناء لجمهورية جديدة تقوم على المساحات المشتركة، وعلى وجود الجميع، رغم اختلافاتهم»، مشيراً إلى أن «الاختلاف قد يكون في طريقة إدارة المجتمع، وليس على قواعد الجمهورية الجديدة»، مؤكداً أن «الحوار لا يبحث عن حالة الإجماع، وإنما يسعى للتوافق والمساحات المشتركة التي قد تصل في بعض القضايا إلى نسبة 90 في المائة، بينما تكون أقل في قضايا أخرى»، مشدداً على أنه «أياً كانت مساحة التوافق، فالجميع يظل على أرضية واحدة للجمهورية المصرية الجديدة».
وأضاف المنسق العام للحوار الوطني أن «الاختلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية، وكل من يعتقد أن هدفنا إلغاء الاختلاف لا يفهم دعوة الرئيس».
وجدد رشوان التأكيد على «جدية الحوار الوطني»، واصفاً إياه بأنه «عملية جادة، وليست عملية تنفيس عن الآراء ولا خلق (مكلمة) واسعة في مصر، بل البحث عن أولويات العمل الوطني»، تنفيذاً لدعوة الرئيس السيسي، مشيراً إلى أن «كل جلسات الحوار ستكون علنية، وتحت بصر وبصيرة الرأي العام والإعلام، باستثناء القضايا التي يرى مجلس الأمناء أنها تمس الأمن القومي».
وعلى مدار الشهور الماضية، تعرض الحوار الوطني لانتقادات من قوى سياسية، ومحاولات للتشكيك في جدواه، بداعي «بطء» سير الجلسات، وهو الأمر الذي حاول مجلس أمناء الحوار الوطني الرد عليه أكثر من مرة، عبر شرح منهجية وآلية عمل مجلس الأمناء.
وفي هذا السياق، أشار رشوان إلى أن «المجلس عقد 8 اجتماعات حتى الآن، وانتهى من وضع قواعد لإدارة الحوار الوطني في جلساته، وتحديد 3 محاور رئيسية، (سياسي واقتصادي ومجتمعي)، قسم كل محور إلى عدد من اللجان الفرعية»، وقال رشوان إن «هذه المرحلة أخذت وقتاً طويلاً، لكنها أنجزت أشياء مهمة، على صعيد تحديد لجان الحوار، ولائحة عمل مجلس أمنائه»، مضيفاً أن «جدية الحوار تجعل البعض يشعر بأن حركاته بطيئة».
ويحظى الحوار الوطني باهتمام الأوساط السياسية والإعلامية المصرية، في انتظار لمخرجاته. وقال الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية، المقرر العام المساعد للمحور السياسي بالحوار الوطني، في تصريحات تلفزيونية مساء الجمعة، إن «الحكم على جدوى الحوار الوطني مبكر للغاية، فليس من الواضح ما الذي سينتج عنه»، مشيراً إلى «ضرورة ألا يستغرق الحوار وقتاً طويلاً».
وتفعيلاً لفكرة المشاركة المجتمعية، دعت الصفحة الرسمية للحوار الوطني على «فيسبوك» في منشورات على مدار اليومين الماضيين، المصريين إلى تقديم رؤيتهم حول القضايا التي تشغل اهتمامهم في المحاور المختلفة.
بدوره، أكد الدكتور أيمن عبد الوهاب، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أهمية «العمل على بناء جسور الثقة، وتفعيل المجال العام»، مشدداً على ضرورة «إفساح المجال للمشاركة المجتمعية في الحوار الوطني، التي ستمهد الطريق لطرح القضايا المختلفة بشكل أوسع»، وقال إنه «إذا اقتصر الحوار على الإطار النخبوي فسيفقد الكثير من الزخم».
وأضاف عبد الوهاب أن «التجارب القديمة ربما تلقي بأحكام مسبقة على تجربة الحوار الوطني»، مشيراً إلى أن «المحك الرئيسي الآن هو كيفية تلافي السلبيات السابقة، وتعظيم الإيجابيات، والمشاركة والمسؤولية حتى نصل لبناء وعي وثقة فيما هو قادم».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


وزير خارجية موريتانيا: مالي لم تتجاوب مع مقترحنا بإنشاء لجنة لمراقبة الحدود

وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق (أ.ف.ب)
TT

وزير خارجية موريتانيا: مالي لم تتجاوب مع مقترحنا بإنشاء لجنة لمراقبة الحدود

وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الموريتاني، محمد سالم ولد مرزوق، إن بلاده سعت لدى جارتها مالي لتشكيل لجنة مشتركة لمراقبة الحدود، للمساهمة في وقف الهجمات التي تستهدف المدنيين الموريتانيين داخل أراضي مالي، غير أنها لم تتجاوب معها.

وأوضح ولد مرزوق في مقابلة نشرتها اليوم السبت صحيفة «جون أفريك» الصادرة في باريس، أن موريتانيا فقدت «عدداً كبيراً من الأرواح البريئة» على حدودها مع مالي خلال السنوات الأخيرة، وأعربت عن أسفها لاستمرار تكرار هذه الحوادث، مؤكداً أنها لا تزال متمسكة بمقترح إنشاء آلية تنسيق مشتركة مع باماكو لتعزيز أمن الحدود.

وقال الوزير الموريتاني إن بلاده اقترحت تشكيل لجنة تضم وزراء الخارجية والدفاع والداخلية وقادة الأجهزة الأمنية في البلدين، بهدف تنسيق الجهود الأمنية، والحد من الحوادث على الشريط الحدودي الممتد لنحو 2230 كيلومتراً، إلا أن السلطات المالية لم تتجاوب مع المبادرة حتى الآن، دون أن تتضح أسباب ذلك.

وأضاف ولد مرزوق موضحاً أن استقرار العلاقات مع دول الجوار، وفي مقدمتها مالي والسنغال والمغرب والجزائر، يمثل ركيزة أساسية لضمان الأمن في المنطقة، مشدداً على أن مواجهة التحديات الأمنية والتنموية وتداعيات التغير المناخي تتطلب تعاوناً إقليمياً أوسع في إطار «مسار نواكشوط».

كما كشف ولد مرزوق أن موريتانيا تجري مشاورات مع عدد من الدول الأفريقية لإطلاق آلية تعاون إقليمي جديدة، لافتاً إلى أن مؤتمراً كان مقرراً عقده في نواكشوط تأجل بسبب التوترات الدولية. وأضاف أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تنجح بجهود دولة واحدة، مشيراً إلى أن منطقة الساحل أصبحت من أكثر مناطق العالم تأثراً بالهجمات الإرهابية.

ورداً على اتهامات رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، عاصيمي غويتا، لموريتانيا بإيواء عناصر من «جبهة تحرير أزواد»، نفى الوزير أن يكون هذا الملف قد طرح خلال لقاءاته مع المسؤول المالي، مؤكداً أن استقرار مالي يصب في المصلحة المباشرة لموريتانيا، ولا يمكن لنواكشوط أن تعمل على تقويضه.

وفي الشأن الدولي، قال ولد مرزوق إن زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا عززت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وأسفرت عن توقيع اتفاقيات في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا والتكوين المهني والتعليم.

وبخصوص الهجرة، أكَّد وزير الخارجية أن موريتانيا تعتمد مقاربة تجمع بين الحزم والبعد الإنساني، وترفض أن تكون منصة لشبكات تهريب المهاجرين، كما شدَّد على أن بلاده لن تقبل القيام بدور «حارس حدود» لصالح أوروبا.


الصمغ العربي السوداني... ثروة تنزف بين الحرب والنزوح

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
TT

الصمغ العربي السوداني... ثروة تنزف بين الحرب والنزوح

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)

أخرجت الحرب آلاف منتجي الصمغ العربي من مناطقهم، ودمرت مساحات واسعة من غابات الهشاب والطلح، بينما تحولت إحدى أهم السلع الاستراتيجية التي يتصدر السودان إنتاجها عالمياً إلى محور تحذيرات دولية من استغلال عائداتها في تمويل الصراع. وبينما يواجه العالم معضلة تتبع تجارة الصمغ العربي، يعيش المنتجون السودانيون مأساة مختلفة، بعد أن فقدوا أراضيهم ومحاصيلهم ومصادر رزقهم، لينتقل كثير منهم من الإنتاج إلى النزوح والاعتماد على المساعدات الإنسانية.

تعمل عايدة حسن في إنتاج الصمغ العربي بولاية النيل الأزرق منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وهي مهنة توارثتها أسرتها جيلاً بعد جيل. وبفضل عائداتها المجزية تمكنت الأسرة من ادخار الأموال والتوسع في زراعة الغابات ومزارعها، قبل أن تقلب الحرب حياتها رأساً على عقب، وتحولها من منتجة تعتمد على عملها إلى نازحة تنتظر المساعدات الإنسانية.

وتقيم عايدة منذ عام ونصف عام في أحد مراكز إيواء النازحين بمدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، ضمن مئات الأسر التي تعتمد على مساعدات إغاثية محدودة تصل على فترات متقطعة. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المهنة توارثناها أباً عن جد، ولا نعرف غيرها، كنا نوفر منها المال ونتوسع في مزارعنا، لكن حياتنا تبدلت ودخلنا دائرة الفقر».

مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)

تروي عايدة أن رحلة نزوحها بدأت عقب اقتحام «قوات الدعم السريع» لمنطقة بوط بولاية النيل الأزرق، حيث تعرض محصول الأسرة وآلياتها الزراعية وممتلكاتها للنهب، ما اضطرها إلى السير مع أفراد عائلتها عشرة أيام متواصلة للوصول إلى مدينة الدمازين هرباً من القتال. وتضيف بصوت خافت: «ما نعيشه الآن قطعة من نار، وليس لي غير دموعي لأطفئ بها حرارتها».

ولا تمثل قصة عايدة حالة فردية، بل تعكس واقع آلاف المنتجين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة حزام الصمغ العربي الممتد عبر ثلاث عشرة ولاية سودانية. ويتركز الجزء الأكبر من الإنتاج في إقليمي كردفان ودارفور، إلا أن مساحات واسعة منهما أصبحت تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» أو تحولت إلى مناطق مواجهات عسكرية، الأمر الذي أدى إلى توقف الإنتاج في كثير من المناطق ونزوح المزارعين وفقدانهم مصادر رزقهم.

ويستخرج الصمغ العربي بصورة رئيسية من أشجار الهشاب والطلح، ويعد من أهم المواد الخام المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل والمشروبات الغازية، بينما يوفر السودان، بحسب مسؤولين في القطاع، نحو 80 في المائة من الإنتاج العالمي. غير أن استمرار الحرب يهدد هذه المكانة التاريخية، في وقت توسع فيه دول أخرى إنتاجها سعياً للاستفادة من اضطراب الإمدادات السودانية.

سودانيان يجمعان حصادهما من الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 9 يناير 2023 (أ.ف.ب)

يقول رئيس منتجي الصمغ العربي في شمال دارفور، أبكر أدومة أحمد، لـ«الشرق الأوسط»، إن القتال أدى إلى تراجع إنتاج الإقليم إلى أقل من ثلاثين ألف طن، بعد أن هجر معظم المنتجين مناطق الحزام بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، واضطروا إلى النزوح أو اللجوء عقب فقدان ممتلكاتهم. وأضاف: «الحرب دمرت بورصة الصمغ العربي، وأزالت مساحات من الغابات المنتجة، كما ألحقت أضراراً كبيرة بطرق نقل المحاصيل إلى الأسواق».

ويقدر رئيس اتحاد مزارعي الصمغ العربي، عوض الله إبراهيم، عدد العاملين في هذا القطاع بنحو مليون شخص ينتظمون في خمسة آلاف جمعية إنتاجية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن السودان ينتج نحو عشرين نوعاً من الصمغ العربي، ويعد صمغ الهشاب والطلح من أجود الأنواع عالمياً. وبحسب إبراهيم، كانت ولايات دارفور تنتج أكثر من ثلاثين ألف طن سنوياً، فيما كانت كردفان توفر نحو أربعين ألف طن، إضافة إلى كميات مقدرة من ولاية النيل الأزرق، إلا أن الحرب أدت إلى انخفاض إنتاج بعض مناطق كردفان إلى نحو عشرة آلاف طن فقط، بينما فقد آلاف المنتجين مصادر دخلهم بالكامل.

واضطر منتجون من الفولة والنهود وأولاد بخيت في ولاية غرب كردفان، والدبيبات والقوز في جنوب كردفان، إلى جانب مناطق واسعة في شرق دارفور، إلى النزوح نحو ولايات أكثر أمناً أو اللجوء إلى دول الجوار، بعد أن أصبحت مناطقهم ساحات للقتال.

الصمغ العربي يستخلص من عصارة صلبة مأخوذة من شجرتي السنط والطلح (أ.ف.ب)

وفي جنوب كردفان، يقول عضو جمعية المنتجين عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط» إن الإنتاج توقف في محليات كادوقلي والدلنج وهبيلا، وهي ثلاث من أصل سبع محليات منتجة للصمغ العربي، فيما نزح عدد كبير من المزارعين إلى مدينة الأبيض. وأوضح بقادي أن مدينة أبو جبيهة تحولت إلى السوق الرئيسية للصمغ العربي بعد تعطل عدد من الأسواق في شمال كردفان، واتجهت إليها شركات لشراء المحصول، إلا أن كثيراً من المزارعين امتنعوا عن العودة إلى المناطق التي استعادها الجيش بسبب انعدام مياه الشرب وبُعدها عن أماكن النزوح، كما توقف الإنتاج في المنطقة الممتدة من غرب الأبيض إلى النهود، والتي تضم أكثر من ثلاثمائة قرية كانت تشتهر بإنتاج أجود أنواع الصمغ العربي.

وفي إقليم النيل الأزرق، يقول المنتج والتاجر شاكر قنديل لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» هاجمت مناطق لم تكن تشهد أي اشتباكات، ونهبت نحو 60 في المائة من المحصول، موضحاً أن أكثر المناطق تضرراً تقع شمال مدينة الكرمك، وجنوب محلية باو، والمنطقة العربية بمحافظة التضامن.

مزارع سوداني يقوم بحصاد الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 9 يناير 2023 (أ.ف.ب)

من جهتها، تقول مديرة إدارة الأصماغ الطبيعية بالهيئة القومية للغابات، فاطمة محمد رملي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحرب قضت على غابات كاملة، وإن المساحات المستغلة حالياً لا تتجاوز 40 في المائة من حزام الصمغ العربي، مشيرة إلى أن الهيئة تعتزم توزيع مليون شتلة في ولايات كردفان لإعادة استزراع المناطق المتضررة واستعادة الغطاء الغابي.

ولا يقتصر تأثير الحرب على تراجع الإنتاج، بل يمتد إلى عمليات النهب والتهريب التي تهدد مكانة السودان في الأسواق العالمية. فقد اتهم مسؤولون سودانيون «قوات الدعم السريع» بنقل كميات من الصمغ العربي إلى دول مجاورة، وهو ما أشار إليه أيضاً تقرير للأمم المتحدة، تحدث عن نقل كميات كبيرة من مناطق خاضعة لسيطرة «الدعم السريع» إلى دول عبور مجاورة، قبل إعادة تصديرها باعتبارها منتجات محلية، بما يصعب تتبع مصدرها الحقيقي. ولم يرد المتحدث باسم الحكومة التابعة لتحالف «تأسيس»، أحمد نقد، على طلب «الشرق الأوسط» للتعليق على هذه الاتهامات.

ويجمع العاملون في قطاع الصمغ العربي على أن وقف الحرب، رغم أهميته، لن يكون كافياً لإعادة القطاع إلى سابق عهده. فاستعادة الإنتاج تتطلب برنامجاً متكاملاً لإعادة الإعمار، يشمل تمويل المنتجين الذين فقدوا محاصيلهم وآلياتهم الزراعية، وتأمين مناطق الإنتاج، وتوفير المياه والخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل الطرق والأسواق، إلى جانب حماية غابات الهشاب والطلح ومنع قطع الأشجار، حتى يتمكن السودان من الحفاظ على مكانته بوصفه أكبر منتج ومصدر للصمغ العربي في العالم.


مصر وتنزانيا لتطوير العلاقات والتوسع في المشروعات الاستثمارية

رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)
رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وتنزانيا لتطوير العلاقات والتوسع في المشروعات الاستثمارية

رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)
رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)

في محطة جديدة لتعزيز الشراكة بين مصر وتنزانيا، بحث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيرته التنزانية، سامية صلوحو حسن، في العاصمة التنزانية دار السلام، «سبل إحداث نقلة نوعية في التعاون الثنائي تحقيقاً للمنفعة المتبادلة بين البلدين».

وأجرى السيسي زيارة رسمية إلى تنزانيا السبت، بهدف بحث «تطوير علاقات التعاون بين البلدين، لتشمل مختلف المجالات والقضايا»، حسب الرئاسة المصرية.

وشهدت العلاقات المصرية - التنزانية زخماً خلال السنوات الأخيرة، على صعيد التنسيق والتشاور السياسي، وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، وسبق أن أجرى السيسي زيارة إلى دار السلام في أغسطس (آب) 2017، عُدَّت وقتها الأولى لرئيس مصري منذ عام 1968، فيما عُقدت عدة لقاءات قمة بين الرئيس المصري ونظيرته التنزانية خلال السنوات الأخيرة، لدعم الروابط بين البلدين.

وحسب الرئاسة المصرية، أجرى السيسي ونظيرته التنزانية، لقاءً ثنائياً مغلقاً، ثم محادثات موسعة بحضور وفدي البلدين، أكد خلالها «تطلع بلاده لمواصلة تعزيز العلاقات الثنائية المميزة مع تنزانيا في المجالات كافة».

«وعكست المحادثات المصرية - التنزانية الإرادة المشتركة للبلدين نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية بينهما في مختلف المجالات»، وفق السيسي، الذي قال في مؤتمر صحافي مع نظيرته التنزانية، إن «المحادثات كانت بمنزلة فرصة لتبادل الرؤى حول سبل إحداث نقلة نوعية في التعاون الثنائي، تحقيقاً للمنفعة المتبادلة، ودعماً للتنمية المشتركة، خصوصاً الدفع قدماً بكل أوجه التعاون الاقتصادي، بما في ذلك التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات».

الرئيس المصري في مؤتمر صحافي مع نظيرته التنزانية بدار السلام (الرئاسة المصرية)

وبلغت قيمة التبادل التجاري بين مصر وتنزانيا، 12.3 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الحالي، مقابل 15.8 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في حين ارتفعت الصادرات المصرية إلى تنزانيا بنسبة 3.2 في المائة، حسب إفادة لـ«الجهاز المركزي للإحصاء» في مصر.

وأشار السيسي إلى «أهمية مشاركة القطاع الخاص في البلدين في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية والواعدة، مثل التشييد والبناء والطرق والنقل البحري والموانئ، والمناطق اللوجستية، والكهرباء والطاقة والزراعة واستصلاح الأراضي والري، والدواء والمستلزمات الطبية»، حسب الرئاسة المصرية.

وأعلن الرئيس المصري استعداد بلاده لـ«العمل على توسعة ميناء دار السلام وتطويره، وربطه بدول جوار تنزانيا»، وأشار إلى أنه جرى بحث «مقترح استحداث خط ملاحي للربط البحري بين ميناءي سفاجا على البحر الأحمر بمصر ودار السلام»، إلى جانب «إنشاء ممر متعدد الوسائط يربط بين القاهرة ودار السلام».

وأشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، إلى «أن المقترح الذي قدمه الرئيس المصري، بإقامة خط ملاحي بين البلدين يأتي ضمن رؤية مصرية تستهدف تعزيز وربط إدارة الموانئ البحرية على الساحل الغربي للبحر الأحمر، لتشكل ممراً تنموياً يبدأ من القاهرة إلى دار السلام، في شرق أفريقيا، وصولاً إلى كيب تاون في جنوب أفريقيا».

ويرى حجازي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة ودار السلام يترجمها عديد من المشروعات على أرض الواقع»، مشيراً إلى أن «استثمارات الشركات المصرية في تنزانيا تعكس قدرة القوى الناعمة المصرية في الساحة الأفريقية، حيث إنها تقوم على تبادل الخبرات وبناء القدرات»، وقال إن «مستوى التفاهم والتنسيق المصري التنزاني، وصل إلى مستويات مهمة خصوصاً بشأن القضايا الإقليمية».

وشهد الرئيس المصري ونظيرته التنزانية عقب المحادثات «التوقيع على مذكرتي تفاهم بين البلدين في مجالات النقل والكهرباء والطاقة المتجددة».

ودعا السيسي إلى توظيف النجاح الذي حققته الشركات المصرية في تشييد مشروع «سد جوليوس نيريري»، في إتاحة مزيد من المشروعات التنموية التنزانية أمام الشركات المصرية، والاستفادة من أصول هذه الشركات المتعددة الموجودة على الأراضي التنزانية، وأشار إلى أنه وجه «بتكثيف نقل الخبرات المصرية وتوفير الدعم الفني وبرامج التأهيل والتدريب وتطوير القدرات مع الجانب التنزاني».

رئيسة تنزانيا خلال استقبال الرئيس السيسي في دار السلام (الرئاسة المصرية)

من جانبها، أشادت رئيسة تنزانيا بـ«مشروع سد جوليوس نيريري الذي يقيمه تحالف شركات مصرية»، وقالت إنه «يجسد نموذجاً إيجابياً للتعاون من أجل تحقيق التنمية والرخاء»، مشيرةً إلى التعاون القائم بين بلادها والقاهرة بوصفه «نموذجاً للتكامل المنشود بين الدول الأفريقية»، وأكدت «تطلع بلادها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات»، حسب الرئاسة المصرية.

وباعتقاد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، فإن «التعاون المصري - التنزاني، يشكل نموذجاً للعلاقات الأفريقية - الأفريقية»، وقال إن «الشراكة بين البلدين، تمتد لمجالات مختلفة، وأسهم التعاون في إقامة تحالف شركات مصرية، أكبر المشروعات التنموية والاستثمارية التي تنفذها مصر في دول أفريقيا، وهو مشروع سد جوليوس نيريري».

وأوضح حليمة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاستثمارات المصرية في تنزانيا، تؤكد أن القاهرة ليست ضد التنمية في دول حوض النيل، ولكنها ترفض أي مشروعات تؤثر على حصتها المائية التاريخية، كما هو الحال في قضية السد الإثيوبي»، وقال إن «الجانب المصري يسعى لاستثمار نجاحه في مشروعات تنموية في تنزانيا بالاستثمار في مشروعات جديدة».

وعلى صعيد التعاون الإقليمي، ناقشت القمة المصرية - التنزانية «التعاون الإيجابي بين دول حوض النيل»، إلى جانب «الأوضاع في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وسبل تعزيز العمل الأفريقي الجماعي»، ووفق السيسي، «جرى التوافق على مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين في مختلف القضايا».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended