ألمانيا... «نقطة تحول» إلى الخليج

شولتس يزور المنطقة الأسبوع المقبل... ودعوات في برلين لدعم «الشرعية» باليمن

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى لقائه نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك عام 2019 (الخارجية السعودية)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى لقائه نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك عام 2019 (الخارجية السعودية)
TT

ألمانيا... «نقطة تحول» إلى الخليج

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى لقائه نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك عام 2019 (الخارجية السعودية)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى لقائه نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك عام 2019 (الخارجية السعودية)

أيقظت الحرب الأوكرانية ألمانيا من سباتها الطويل الذي دخلت فيه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين عمدت إلى تقليص جيشها إلى أدنى قدراته. وأيقظتها تلك الحرب كذلك من سبات آخر دخلته إثر تقسيم البلاد إلى شرقية وغربية إبان الحرب العالمية الثانية، وتقربها في تلك الفترة من روسيا بعد مساعدة الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف لها على إعادة توحيد البلاد. فزادت من اعتمادها على الغاز الروسي كجزء من هذا التقارب رافضةً التحذيرات المتكررة من أن روسيا قد تستغل هذا التقارب الاقتصادي للتلاعب بها سياسياً.
ولكن منذ الحرب في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، باتت أكثر كلمة تتكرر في ألمانيا هي «تزايتنفاندي» وتعني «نقطة التحول» التي دفعتها لإعادة التفكير بسياساتها الأمنية وسياستها المتعلقة بالطاقة. فأبحرت ألمانيا في إصلاحات دفاعية غير مسبوقة طاردة شبح الماضي من مستقبلها، وبدأت البحث عن مصادر جديدة للطاقة تساعدها في وقف اعتمادها على الغاز الروسي. قادها هذا البحث إلى دول الخليج التي رغم أنها تجمعها بها علاقات تجارية مميزة، خصوصاً مع السعودية والإمارات، فإن الكثير في السياسة يفرّقها، على رأسها مقاربتها لإيران.
وبات تعبير «نقطة تحول» يتكرر في ألمانيا اليوم عند الحديث عن علاقاتها بدول الخليج، وليس فقط عن علاقتها بروسيا ودورها في الأمن والسلم الإقليميين. وقد تكون زيارة المستشار الألماني أولاف شولتس المرتقبة إلى السعودية والإمارات وقطر نهاية الأسبوع المقبل، دليلاً على أهمية تطوير هذه العلاقة بالنسبة لألمانيا في الوقت الحالي، وربما تكون أيضاً «نقطة التحول» في هذه العلاقات.

«لم نفهم التهديد الإيراني»
في ضوء كل هذه التغييرات الجيوسياسية، استضافت برلين للمرة الثانية لقاءً خليجياً - ألمانياً، نظّمته جمعية الصداقة العربية - الألمانية وأكاديمية الدراسات الأمنية الفيدرالية، بعدما توقف لعامين بسبب وباء «كورونا». اللقاء الذي انعقد للمرة الأولى عام 2019 كان الأول من نوعه، وقال منظموه آنذاك إنه يهدف لفتح حوار مباشر بين الطرفين بهدف تحسين العلاقات.
وهذا العام، رغم أن الكثير من التغيرات سبقت اللقاء، بدا كأن المشكلات في العلاقات الخليجية الألمانية التي تناولها اللقاء للمرة الأولى قبل 3 سنوات، لم تتغير. ما زالت ألمانيا ترفض تصدير السلاح إلى السعودية بحجة الحرب في اليمن وما زالت مواقفها من إيران هي نفسها.
ولكن مع ذلك، فإن الكثير تغير أيضاً. النقاش حول السلاح الذي بدأته ألمانيا مع نفسها منذ الحرب في أوكرانيا، وجعلتها تغير عقيدتها بعدم إرسال السلاح إلى مناطق نزاع أو إلى دول قد تستخدمها في نزاعات، بدأ يتوسع شيئاً فشيئاً. كريستيان باك، الدبلوماسي الألماني الذي يرأس القسم السياسي لمنطقة الشرق الأوسط في الخارجية الألمانية، يقول إن ألمانيا الآن في وسط نقاش مع نفسها حول سياستها في التسليح، ويعترف بأن حرب أوكرانيا جعلت «ألمانيا تعي أن السلاح يلعب دوراً مهماً للغاية في الدفاع وأن هذه النقطة قللت ألمانيا من شأنها في الماضي».
وحتى الأزمة اليمنية التي يكرر المسؤولون الألمان دعواتهم لإنهائها، بدأت تعلو أصوات حولها تطالب بدعم الحكومة الشرعية اليمنية التي تدعمها السعودية. وكان لافتاً أن الدعوة صدرت عن المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات الفيدرالية أوغست هانينغ الذي قال إنه «يجب دعم الحكومة في اليمن لأننا نرى تدخل إيران هناك ونعرف أنه من دون هذا التدخل لما كنّا نشهد الصراع الذي نشهده هناك»، وأضاف بضرورة عدم الاقتصار على دعم الحكومة اليمنية وحسب، بل بدعم السعودية التي تدعم تلك الحكومة أيضاً.
حتى حزب الخضر المشارك في الحكومة بمناصب رئيسية مثل الخارجية، اعترفت النائبة عن الحزب في البرلمان الأوروبي هانا نويمان، بأن «ألمانيا وأوروبا صمتتا لفترة طويلة عن إدانة اعتداءات الحوثيين على السعودية». وذهبت نويمان إلى أبعد من ذلك عندما قالت: «علينا أن نقبل بعض الاتهامات الموجهة إلينا من الدول الخليجية، فنحن لم نفهم التهديد الإيراني في المنطقة».
تكررت هذه الجملة على لسان نواب آخرين شاركوا في اللقاء، منهم النائب هنينغ شبيك عن الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض الذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، والذي قال إن «الألمان والأوروبيين لم يأخذوا بجدية المخاوف الأمنية لدول الخليج لفترة طويلة»، مضيفاً أن «التعاون الأمني في المستقبل يجب أن يكون مختلفاً، ونقطة التحول يجب أن تطال كذلك التعاون الأمني مع دول الخليج لنثبت لهم بأننا نأخذ مخاوفهم الأمنية بجدية».

جانب من لقاء سلطان عمان هيثم بن طارق مع المستشار الألماني أولاف شولتس في برلين منتصف يوليو الماضي (وكالة الأنباء العمانية)

 

استراتيجية جديدة
كان واضحاً في النقاشات أن الخلاف الأكبر الذي ما زال يشكل عقبة أمام تطور العلاقات الخليجية الألمانية، هو مقاربة برلين لإيران. ولم يتردد ضيف الشرف في اللقاء، الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، بتوجيه انتقادات لاذعة للأوروبيين. وقال الأمير الذي كان الرئيس الأسبق للاستخبارات العامة السعودية إن «العلاقات الثنائية بين دولنا طبيعية ولكن في العلاقات المتعددة الأطراف بين الاتحاد الأوروبي والدول الخليجية العلاقة لا تتعدى كونها مجرد كلام دبلوماسي». ورأى أن الدول الخليجية والأوروبية «لم تجد أرضية مشتركة حول التهديدات التي تواجه المنطقة بسبب برنامج إيران النووي وتغذيتها لزعزعة الأمن في الدول الشرق الأوسط». وأضاف أنه «لم تتم اتخاذ أي خطوات عملية رغم أن هناك تفهماً من طرف الاتحاد الأوروبي لمشكلات المنطقة».
ولكن الأمير تركي تحدث عن «نقطة تحول» أيضاً فرضتها الحرب في أوكرانيا على العلاقات الخليجية - الأوروبية «ساعدت أوروبا على فهم أهمية استقرار منطقتنا واستقرار سوق الطاقة العالمية». ودعا إلى علاقة استراتيجية جديدة بين الدول الأوروبية والخليجية، مشيراً إلى أن ألمانيا تلعب فيها دوراً بالغ الأهمية.
وتبنى الاتحاد الأوروبي في مايو (أيار) الماضي «شراكة استراتيجية جديدة مع الخليج»، تهدف لتوسيع وتعميق التعاون بين الطرفين، حسب بيان المفوضية الأوروبية. وقال مفوض الشؤون الخارجية جوزيف بوريل آنذاك، إنه «في ظل انعدام الأمن ووجود تحديات كبيرة تواجه النظام الدولي القائم وتفاقمها بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، سيستفيد الاتحاد الأوروبي ودول الخليج من شراكة أكبر وأكثر استراتيجية تشمل عدداً من المجالات الأساسية». وتحدث بوريل عن ضرورة العمل معاً لمواجهة التهديدات الأمنية وأمن الطاقة والتجارة وتعزيز الاستقرار في المنطقة. وفصلت الورقة الاستراتيجية أن تعزيز التعاون يهدف إلى زيادة ورادات الغاز المسال إلى أوروبا وتثبت أسعار النفط العالمية والتعاون في الطاقة الهدروجينية والطاقة البديلة.
وذكرت الوثيقة أن «إنهاء المفاوضات النووية في فيينا مع إيران بشكل إيجابي، يمهد للعودة الكاملة لتطبيق الاتفاق، ويمكن أن يشكّل أرضية لجهود إضافية لتخفيف التوتر وبناء الثقة في المنطقة». ولكن منذ ذلك الحين والمفاوضات النووية مع إيران دخلت في حالة جمود، أمام استمرار إيران بفرض شروط إضافية للتوقيع.

مراجعة الأولويات
المقاربة لملف إيران هي التي تشكل عائقاً أمام تطور العلاقات الخليجية - الأوروبية. وحرص الأمير تركي على تذكير الحاضرين من الألمان بأن توقيع الاتفاق النووي الأساسي مع إيران عام 2015 كان المفترض أن تتبعه محادثات معها حول دورها في دعم ميليشيات في المنطقة بهدف زعزعة الاستقرار، مضيفاً أن هذا الأمر «لم يتحقق». ودعا الأوروبيين إلى مواجهة إيران في دورها المزعزع في المنطقة وليس فقط العمل على منعها من حيازة سلاح نووي. واستند إلى ذلك للقول: «علينا أن نكون قادرين على اكتساب ما يكفي من القدرات المالية والعسكرية والاجتماعية للدفاع عن أنفسنا، وهذا هو السبب الذي دفعنا لاعتماد رؤية 2030 التي لا تقتصر على الطاقة بل التحسين الاجتماعي والعسكري ومحاربة الإرهاب».
ومع ذلك، رأى الأمير تركي أن الاستراتيجية الأوروبية الجديدة يمكنها أن تشكل منطلقاً لعلاقات أعمق بين الطرفين، على أن يتبعها «حوار بناء ومثمر».
ورغم اعتراف المسؤول الألماني، ممثل وزارة الخارجية في الاجتماع، بأن «ألمانيا تعيد الآن مراجعة أولوياتها وإعادة ترتيبها»، فهو لم يخرج عن الكلام الدبلوماسي الحذر حول إيران، مكرراً أن الأهم هو عدم السماح لدول نووية جديدة بأن تقوم. وفي كلام يشير إلى مدى حذر ألمانيا في مقاربة إيران ومخاوفها من اعتماد لهجة أقسى معها، قال بيك إنه «يجب ألا يدفع إيران للحصول على سلاح نووي».
وفي إشارة أخرى لتفكير حزب الخضر الذي يدير الخارجية الألمانية، قالت النائبة نويمن إن «أمن الخليج يصب في مصلحة الجميع، خصوصاً الآن، ومصير المحادثات النووية غير معروف». وأضافت: «هناك استعداد للتعاون ولكنّ هذا لا يعني أننا نتفق على كل شيء». ورغم تكرارها ضرورة إنهاء الحرب في اليمن، فهي اعترفت بأن «تورط طرف ثالث يجعل من الصعب حل هذه الأزمة».
ويضيء كلامها هذا على الصراع الداخلي المتزايد الذي تعيشه الحكومة الألمانية والتي يبدو أنها بدأت تعي مدى الضرر الذي تتسبب به إيران بدعمها لميليشيات في المنطقة، ولكنها تجد نفسها في الآن ذاته عاجزة عن اتخاذ قرار أو إيجاد استراتيجية فعالة للتعامل مع إيران فيما يتعلق بتدخلاتها في المنطقة. وهذا تحديداً ما يمنعها حتى الآن من تعميق علاقتها الدفاعية والأمنية مع الدول الخليجية، رغم أنها قد تجد الآن فرصة مناسبة لذلك وهي تمر في «نقطة تحول» فرضتها عليها الحرب في أوكرانيا، قد تصل إلى الشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

العالم ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

عشية بدء المستشار الألماني أولاف شولتس زيارة رسمية إلى أفريقيا، هي الثانية له منذ تسلمه مهامه، أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً إنهاء مهمة الجيش الألماني في مالي بعد 11 عاماً من انتشاره في الدولة الأفريقية ضمن قوات حفظ السلام الأممية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكومة الألمانية شددت على أنها ستبقى «فاعلة» في أفريقيا، وملتزمة بدعم الأمن في القارة، وهي الرسالة التي يحملها شولتس معه إلى إثيوبيا وكينيا.

راغدة بهنام (برلين)
العالم ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

منذ إعلانها استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، العام الماضي، كثفت برلين نشاطها في القارة غرباً وجنوباً، فيما تتجه البوصلة الآن شرقاً، عبر جولة على المستوى الأعلى رسمياً، حين يبدأ المستشار الألماني أولاف شولتس، الخميس، جولة إلى منطقة القرن الأفريقي تضم دولتي إثيوبيا وكينيا. وتعد جولة المستشار الألماني الثانية له في القارة الأفريقية، منذ توليه منصبه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2021. وقال مسؤولون بالحكومة الألمانية في إفادة صحافية، إن شولتس سيلتقي في إثيوبيا رئيس الوزراء آبي أحمد والزعيم المؤقت لإقليم تيغراي غيتاتشو رضا؛ لمناقشة التقدم المحرز في ضمان السلام بعد حرب استمرت عامين، وأسفرت عن مقتل عشرات

العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الرياضة مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

لا يرغب هانز يواخيم فاتسكه، المدير الإداري لنادي بوروسيا دورتموند، في تأجيج النقاش حول عدم حصول فريقه على ركلة جزاء محتملة خلال تعادله 1 - 1 مع مضيفه بوخوم أول من أمس الجمعة في بطولة الدوري الألماني لكرة القدم. وصرح فاتسكه لوكالة الأنباء الألمانية اليوم الأحد: «نتقبل الأمر.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

السعودية تدعو إلى تحرك دولي لحماية الملاحة وتحذر من تداعيات هجمات الحوثيين

الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)
الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تدعو إلى تحرك دولي لحماية الملاحة وتحذر من تداعيات هجمات الحوثيين

الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)
الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية خلال مشاركته في أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» (الشرق الأوسط)

دعت السعودية، الأحد، إلى تحرك دولي مشترك لحماية الممرات البحرية، وضمان حرية الملاحة، محذرة من استخدام المضايق أدوات للضغط السياسي والعسكري، أو تحويلها إلى ساحات للصراع والتنافس، في ظل التهديدات التي تواجه حركة السفن والتجارة الدولية، وتصاعد التوترات في المنطقة.

وأكد الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي، نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية، خلال مشاركته في جلسة «الأمن البحري عند نقطة تحول حاسمة»، ضمن أعمال منتدى «حوار المنامة 2026» في العاصمة البحرينية، أن أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الدولي، وأن التهديدات التي تواجه هذه الممرات تمس مصالح جميع الدول، وتستوجب استجابة جماعية فاعلة.

وشدّد الغفيلي على أن المضايق البحرية يجب ألا تتحول إلى أدوات للضغط أو التصعيد، مؤكداً أن «الأمن البحري ليس مسؤولية دولة واحدة، والقوة لا يمكن أن تكون بديلاً عن القانون».

وأوضح أن الرؤية السعودية للأمن البحري تقوم على احترام سيادة الدول وحقوقها، وضمان حرية الملاحة وسلامتها، ورفض الاعتداء على السفن المدنية والعسكرية، مع الالتزام بالقانون الدولي بصفته أساساً لتسوية النزاعات ومنع المواجهات.

وحذّر من تحويل الخلافات السياسية بين الدول إلى تهديد للملاحة والتجارة العالمية، مشيراً إلى أن حماية الممرات البحرية لا تتحقق بالقدرات العسكرية وحدها، وإنما تتطلب الشفافية والالتزام بالقواعد الدولية، وتوفير قنوات للتواصل وآليات لخفض التصعيد خلال الأزمات.

ودعا نائب رئيس هيئة الأركان السعودي إلى تبني مفهوم شامل للأمن البحري، يرتكز على الوقاية والكشف المبكر عن التهديدات، وتعزيز التنسيق بين الدول وتبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات، بما يتيح التعامل مع المخاطر قبل تحولها إلى أزمات تهدد أمن المنطقة والمصالح الدولية.

وأكد أهمية حماية السفن والموانئ وتأمين خطوط الملاحة، من خلال تعاون دولي يجمع بين القدرات الدفاعية والالتزام بالقانون الدولي، ويحول دون استخدام الممرات البحرية في النزاعات السياسية والعسكرية.

وشدّد الغفيلي على أن أهمية المضايق والممرات البحرية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها، نظراً إلى ارتباطها بالتجارة العالمية وسلاسل الإمداد، مؤكداً ضرورة أن تبقى مجالاً للتعاون والتنسيق بين الدول، بعيداً عن الصراعات والتنافس العسكري.

واختتم بالتأكيد على أهمية تغليب الحوار على المواجهة، والعمل المشترك لحماية أمن البحار واستقرارها، بما يصون مصالح الدول، ويضمن استمرار حركة الملاحة والتجارة الدولية.


«مجلس التعاون» يؤكد التمسك بالدبلوماسية مع إيران... وتعزيز القدرات الدفاعية

جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مشاركته في «حوار المنامة» (مجلس التعاون)
جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مشاركته في «حوار المنامة» (مجلس التعاون)
TT

«مجلس التعاون» يؤكد التمسك بالدبلوماسية مع إيران... وتعزيز القدرات الدفاعية

جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مشاركته في «حوار المنامة» (مجلس التعاون)
جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون خلال مشاركته في «حوار المنامة» (مجلس التعاون)

أكد مجلس التعاون الخليجي تمسكه بالحلول الدبلوماسية لمعالجة التوترات مع إيران، بالتوازي مع تعزيز قدراته الدفاعية والأمنية المشتركة، محذراً من استمرار التهديدات التي تواجه دول المنطقة والممرات البحرية الدولية، وما تتركه من تداعيات على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

وقال جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون، خلال مشاركته في جلسة «مرتكزات الأمن الإقليمي» ضمن أعمال منتدى «حوار المنامة 2026»، السبت، إن دول المجلس لم تكن طرفاً في الحرب مع إيران ولم تسعَ إليها، مؤكداً استمرار قنوات التواصل مع طهران رغم التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة.

وشدد البديوي على أهمية استجابة إيران للجهود الدبلوماسية، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، باعتبار ذلك أساساً لخفض التوترات واستعادة الاستقرار الإقليمي.

وفي ملف أمن الملاحة، دعا الأمين العام إلى عودة حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، محذراً من أن استمرار اضطراب الملاحة يهدد إمدادات الطاقة ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويلقي بأعباء إضافية على الاقتصاد العالمي.

وأكد أن التطورات الأمنية الأخيرة أظهرت أهمية تعزيز منظومة الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون، بما في ذلك تطوير قدرات الإنذار المبكر لمواجهة الصواريخ الباليستية، ورفع مستوى التنسيق العسكري والأمني بين الدول الأعضاء.

وأشار إلى توجه دول المجلس لتعزيز أمن الطاقة، من خلال دراسة إنشاء مناطق للاحتياطيات الاستراتيجية، وتوسيع مشروعات خطوط أنابيب النفط والغاز، بما يحد من تأثير اضطراب الممرات البحرية على تدفقات الطاقة إلى الأسواق العالمية.

وفي الشأن اليمني، أدان البديوي الهجمات الحوثية التي تستهدف السعودية، مؤكداً أن أمن دول مجلس التعاون مترابط، وأن التهديدات التي تواجه أياً من دوله تمس أمن المنطقة واستقرارها.

وتأتي هذه المواقف في وقت تتزايد فيه الدعوات خلال منتدى «حوار المنامة» إلى احتواء الأزمات الإقليمية، وتعزيز قدرة دول الخليج على حماية أمنها، مع الإبقاء على المسارات الدبلوماسية لتجنب اتساع المواجهات العسكرية.


السعودية ومصر تدعوان إلى احتواء الأزمات ومنع اتساع الصراعات

المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال جلسة في «حوار المنامة 2026» (واس)
المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال جلسة في «حوار المنامة 2026» (واس)
TT

السعودية ومصر تدعوان إلى احتواء الأزمات ومنع اتساع الصراعات

المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال جلسة في «حوار المنامة 2026» (واس)
المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال جلسة في «حوار المنامة 2026» (واس)

دعت السعودية ومصر، السبت، إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمات الإقليمية ومنع اتساع الصراعات، محذرتين من تداعيات التصعيد العسكري على أمن المنطقة والملاحة الدولية وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي، وذلك خلال مشاركتهما في أعمال الدورة الثانية والعشرين من منتدى «حوار المنامة 2026» الذي تستضيفه العاصمة البحرينية.

وفيما أكدت السعودية مواصلة مساعيها لخفض التوترات وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، حذرت مصر من أن أي جولة جديدة من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران قد تكون أكثر خطورة وتدميراً، داعية إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء آليات إقليمية تحول دون اندلاعها.

وقال المهندس وليد الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، خلال جلسة بعنوان «تداعيات الصراع الإقليمي التحويلي»، إن المنطقة تمر بمرحلة دقيقة، في ظل اتساع دوائر الصراع خلال الأعوام الماضية، وتفاقم المعاناة الإنسانية، وتزايد المخاطر التي تهدد الملاحة وإمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي.

وشدد على ضرورة احتواء الأزمات وترسيخ مقومات الأمن والاستقرار، من خلال تسويات سياسية تعالج الأسباب الجذرية للنزاعات وتمنع تجددها، وتحفظ أمن الدول والشعوب.

وأوضح الخريجي أن السياسة السعودية تنطلق من ارتباط أمن المملكة باستقرار محيطها الإقليمي، وأن تحقيق التنمية والازدهار يتطلب سلاماً مستداماً، مؤكداً أن الرياض تواصل جهودها الدبلوماسية، بالتنسيق مع الدول الشقيقة والشركاء الدوليين، لخفض التصعيد وتسوية الخلافات سلمياً، على أساس احترام سيادة الدول وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وأكد في الوقت نفسه أن المملكة تعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية لحماية أمنها وسيادتها، وتطوير أمن بنيتها التحتية ومنشآتها الحيوية، وتعزيز الأمن السيبراني واستمرارية الخدمات الأساسية، إلى جانب توثيق التنسيق الخليجي وتوسيع شراكاتها الدفاعية.

وفي الشأن اليمني، جدد نائب وزير الخارجية السعودي دعم المملكة للحكومة الشرعية والجهود الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة اليمن وأمنه واستقراره.

وأدان استمرار هجمات الحوثيين ضد المملكة والأعيان المدنية وتهديدهم أمن الملاحة، معتبراً أن تصعيد الجماعة يقوض جهود التهدئة والمساعي الدبلوماسية لتسوية الأزمة اليمنية، ويسهم في توسيع دائرة الصراع وإضعاف فرص استعادة الاستقرار الإقليمي.

مصر تحذر من التصعيد

من جانبه، أعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن قلق بلاده البالغ من احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، محذراً من أن أي تصعيد جديد ستكون له تداعيات أشد خطورة على المنطقة.

وقال عبد العاطي، خلال مشاركته في المنتدى: «ستكون الجولة القادمة أكثر خطورة وأكثر تدميراً، ولن تؤدي إلى أي نتيجة. علينا استخلاص الدروس من الماضي».

وتأتي التحذيرات المصرية في ظل تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف دائم لإطلاق النار بين واشنطن وطهران، واستمرار الخلافات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية والعقوبات النفطية.

وكان الوسطاء القطريون قد عادوا إلى طهران، الجمعة، في محاولة لاستئناف جهود التوصل إلى اتفاق، وسط تباين المواقف بشأن ترتيب الخطوات المطلوبة، وما إذا كانت الأولوية لاستئناف المفاوضات النووية أم لتخفيف الحصار والعقوبات.

وأكد عبد العاطي، خلال جلسة «ركائز الأمن الإقليمي»، رفض مصر الاعتداءات على دول الخليج وإدانتها، مشدداً على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن المصري.

ودعا إلى تجاوز سياسة التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، والعمل على بناء منظومة إقليمية للإنذار المبكر والاستجابة السريعة، قادرة على منع اندلاع النزاعات واحتواء التوترات قبل تحولها إلى مواجهات عسكرية.

وطرح الوزير المصري رؤية لتعزيز الأمن الإقليمي تستند إلى احترام سيادة الدول والقانون الدولي، وعدم استخدام القوة أو التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز المسؤولية الإقليمية المشتركة عن الأمن، مع الجمع بين الدبلوماسية وقدرات الردع لحل النزاعات.

كما شدد على ضرورة حماية الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة والبنية التحتية الحيوية، محذراً من تأثير اتساع المواجهات العسكرية على الاقتصاد العالمي وسلاسل إمدادات الغذاء والطاقة

وربط عبد العاطي تحقيق الاستقرار الإقليمي بالتوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مع رفض التهجير والضم والاستيطان.

تحركات دبلوماسية

وفي سياق الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمات، أجرى نائب وزير الخارجية السعودي سلسلة لقاءات ثنائية على هامش «حوار المنامة»، تناولت التطورات الإقليمية والدولية وسبل تعزيز التعاون الأمني والسياسي.

وبحث الخريجي مع دونالد بلوم، مساعد وزير الخارجية الأميركي، العلاقات السعودية - الأميركية والتطورات الإقليمية والجهود المبذولة لمعالجتها.

كما ناقش مع ياسوهيرو كوبي، نائب مستشار الأمن القومي الياباني، العلاقات الثنائية والمستجدات الدولية، فيما تناول لقاؤه مع أنيت ويبر، المبعوثة الخاصة للاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي، تطورات الأوضاع في القارة الأفريقية وسبل تعزيز العمل المشترك لتحقيق الأمن والاستقرار.

وتعكس المواقف السعودية والمصرية التي شهدها المنتدى تقارباً في الدعوة إلى خفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية، وتعزيز قدرة دول المنطقة على حماية أمنها، في ظل استمرار التوترات العسكرية والتهديدات التي تواجه الممرات البحرية وإمدادات الطاقة.

أمن الملاحة

وكان الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في البحرين، قد افتتح منتدى الأمن الإقليمي «حوار المنامة 2026»، بمشاركة وزراء ومسؤولين أمنيين وقادة عسكريين وأكاديميين من مختلف دول العالم.

وأكد على أهمية ضمان أمن الممرات المائية الحيوية الدولية، وحرية الملاحة البحرية، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية والازدهار للمنطقة والعالم.

وقال ولي عهد البحرين، في كلمته، إن المملكة تواصل دعم الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز الجهود المشتركة والتعاون الدولي لما لها من أهمية في ترسيخ قواعد الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.