أعمال «الشعوذة» تتحول إلى سوق رائجة في مناطق سيطرة الحوثيين

200 مركز تعمل بشكل علني بستار طب الأعشاب وتصريح الميليشيات

يمنيون يسيرون في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون يسيرون في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)
TT

أعمال «الشعوذة» تتحول إلى سوق رائجة في مناطق سيطرة الحوثيين

يمنيون يسيرون في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون يسيرون في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)

صُعق الطبيب عندما قالت له والدة الطفل الذي يعالجه، إن طفلها تجرع بول أحد المشعوذين الحوثيين، بعد أن أقنعها هو وأتباعه بفوائد بوله الذي سيشفي طفلها من معاناته مع الأمراض. يقول الطبيب: «من حسن الحظ أن هذا المشعوذ الحوثي لم يفتح مركزاً حتى الآن لمداواة الناس ببوله، بعدما أصبحت الشعوذة تجارة رائجة في زمن الميليشيات».
كانت مراكز الشعوذة والعلاج بالتعاويذ منتشرة في عموم البلاد قبل الانقلاب الحوثي، وتزاول أنشطتها تحت مسميات عدة، بينها طب الأعشاب، إلا أن تدهور الخدمات الطبية والمنظومة الصحية بسبب الانقلاب وممارسات الميليشيات الحوثية التي تعمل على السيطرة على هذا القطاع أدى إلى ازدهار الشعوذة، وتحولها إلى استثمار تنشط فيه الميليشيات نفسها.
قبل الانقلاب بعام؛ قدر مركز الأبحاث والدراسات الاجتماعية اليمني، عدد الذين يزاولون أنشطة الشعوذة والسحر في اليمن، بما يزيد عن 15 ألف شخص، ويزورهم سنوياً ما بين 250 ألفاً، و300 ألف شخص، وتوقعت صحيفة محلية في الفترة نفسها، أن حجم اقتصاد هذه الظاهر يشير إلى ربع مليون دولار.
إلا أن باحثاً يقيم في صنعاء يتوقع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن حجم هذا الاقتصاد تضاعف عدة مرات، إذ تزايدت أعداد مراكز العلاج بالشعوذة بشكل لافت، وأحصى بنفسه ما يربو على 200 مركز تعمل بشكل علني، ووجد أن بعضها يزاول أنشطته بترخيص من وزارة الصحة التي تديرها الميليشيات الحوثية، والغالبية منها تتستر باسم الطب البديل وطب الأعشاب.
وأفاد الباحث، الذي فضل عدم ذكر اسمه لأسباب تتعلق بسلامته، بأن العديد من هذه المراكز يديرها أشخاص قدموا من صعدة، حيث معقل الميليشيات خلال سنوات الحرب، ويتم إقناع المتداوين فيها بالتبرع لصالح المقاتلين الحوثيين في الجبهات والدعاء لهم كشرط للشفاء، مؤكداً أن جدران المراكز من الداخل تغطيها صور قتلى الميليشيات ومقولات قائدها عبد الملك الحوثي وشقيقه حسين مؤسس الجماعة.
يقول الطبيب يحيى الأثوري المقيم في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمراض تنتشر بشكل كبير في ظل الحرب، حيث يتسبب الفقر في انتشار سوء التغذية ونقص الاهتمام بالصحة بشكل عام، إضافة إلى الضغوط النفسية التي تساعد في تدهور الصحة لدى الأفراد، وتنتشر الأوبئة تباعاً، وكل هذا يترافق مع تراجع الخدمات الصحية، ونزوح الكوادر الطبية.
ويتابع: «في هذا الوضع تتراجع الثقة بالطب الحديث، وتعود الخرافات إلى الانتشار والسيطرة على أذهان الناس، خصوصاً أنهم فقدوا الثقة بالخدمات الطبية المتردية وأسعارها الباهظة، وإلى جانب هذا؛ غياب التوعية وتراجع أو غياب أدوار المؤسسات الرسمية، وانعدام المسؤولية في التعاطي مع الشعوذة والخرافات».
ويضيف: «كطبيب خسرت الكثير من المرضى الذين كانوا يرتادون عيادتي، سيطرت على عقول الكثير من المرضى قناعات أن العلاج لدى الأطباء يأخذ أوقاتاً طويلة ومبالغ كبيرة، ولا يؤدي إلى نتيجة، وهناك من يوهمهم أن المشعوذ، وإن أخذ منهم مبلغاً كبيراً دفعة واحدة، فإن القوى الغيبية التي يملكها ستمنحهم الصحة في لحظات».
وسيطرت الميليشيات الحوثية على قطاع الصحة ضمن سيطرتها على مؤسسات الدولة منذ الانقلاب أواخر عام 2014، متسببة في تجريف نظام الرعاية الصحية في اليمن، وانتشار الأمراض والأوبئة وتدمير المستشفيات وتراجع قدراتها على مواجهة الأمراض المعدية والمزمنة.
يقول طبيب آخر في مستشفى الثورة العام في صنعاء، إن السلطات الرسمية لم تكن حاضرة في السابق للرقابة على المراكز التي تقدم خدمات علاجية خارج المنظومة الصحية، خصوصاً أن الكثير من تلك المراكز كانت تمارس الدجل والشعوذة والعلاج بالتعاويذ، لكن السلطات الحالية (يقصد الحوثيين) تقدم ما يشبه الحماية والرعاية للمشعوذين.
ويؤكد الطبيب، الذي طالب بعدم ذكر اسمه لدواعٍ تخص أمنه وسلامته، أن هناك قيادات حوثية تدير شبكة من هذه المراكز العلاجية التي يديرها أشخاص أدعياء ولا علاقة لهم بالطب، أو حتى ما يعرف بالطب البديل، بل إن غالبية هذه المراكز تمارس الشعوذة والدجل، برضا الميليشيات ودعمها.
ويشير إلى أن الميليشيات تستفيد من هذه المراكز بتحقيق عوائد مالية كبيرة، حيث يلجأ الكثير من زبائنها إلى إنفاق مدخراتهم، أو بيع أراضيهم ومجوهراتهم، من أجل التداوي فيها، في حين تفرض الميليشيات إتاوات كبيرة على المراكز التي لا تتبعها أو تتبع قيادات فيها.
أما الفائدة الأهم التي تعود على الميليشيات، حسب الطبيب، فهي تجهيل الناس وإقناعهم بالخرافات والشعوذة من أجل تنازلهم عن حقهم في الحصول على العلاج الحديث القائم على العلم والتكنولوجيا، لأن الميليشيات تسعى إلى تدمير قطاع الصحة الرسمي، وتحويله إلى مؤسسة استثمارية تابعة لها، وإلغاء مجانية التطبيب والرعاية الصحية للمواطنين.
يُلاحظ أن انتشار مراكز التداوي بالشعوذة تنتشر بالتوازي مع انتشار مراكز التداوي بالأعشاب والطب البديل، والكثير من هذه المراكز تعمل بالتخصصين معاً، وبعد أن كانت هذه المراكز تنتشر في أطراف المدن، وفي الأرياف النائية كمحافظتي حجة وإب، برزت العديد منها في قلب العاصمة صنعاء بشكل علني دون خوف من رادع قانوني.
يصف أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة عدن، قاسم المحبشي، لـ«الشرق الأوسط»، تنامي هذه الظاهرة، بـ«الحالة السريالية المفارقة لكل منطق وتاريخ». ويقول «إن إجبار الناس على العودة إلى السحر والشعوذة والخرافة؛ يندرج ضمن التعمية الآيديولوجية للحركة الحوثية الطائفية برمتها الكلية، فهذه الحركة هي بنت الخرافة والسحر والشعوذة في منطلقاتها وأدواتها ومسيرتها وشعاراتها وأهدافها المعلنة والمضمرة».
وينوه المحبشي إلى القاعدة المتعارف عليها «الناس على دين ملوكهم»، ويضيف: «من هنا نفهم أن السياسة الطبية الحوثية تأتي في سياق علاقات القوة بين السلطة والمعرفة، فكل سلطة تنتج المعرفة والأدوات التي تبررها وتكرسها وتطيل دوامها، والناس دائماً هم الضحايا لتلك الحلقة الجهنمية التبادلية بين المعرفة والسلطة وليس بمقدورهم الهرب من إكراهاتها الواقعية».
ويستطرد: «إن أفكار الناس تنبع من واقع علاقاتهم الاجتماعية في عالم الممارسة اليومية، والسؤال هو: ليس ماذا يفعل الناس ويعتقدون ويقولون؟ بل لماذا يفعلون ما يفعلونه ويقولون ما يقولونه؟ فالممارسة هي الجزء المختفي من جبل الجليد، وشيوع ظاهرة السحر والشعوذة والخرافة في الحالة اليمنية الراهنة هو ملمح من ملامح الوضع العام الذي يتحدر إليه اليمن الآن ولا شيء خلف الستار».


مقالات ذات صلة

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
TT

الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)

تحرك جديد للممثل الأعلى لقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، مع الوسطاء، بعد نحو أسبوع من طرح خطته لنزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار، في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار يراوح مكانه منذ اندلاع حرب إيران قبل شهر تقريباً.

المحادثات الجديدة التي يجريها ملادينوف مع الوسطاء تمثل محاولة لإيجاد مقاربة لتحقيق ما أعلن عنه في مجلس الأمن الدولي يوم 25 مارس (آذار) الماضي، في ظل اعتراضات في الكواليس من «حماس».

ويؤكد خبراء، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن التحركات الأخيرة تهدف إلى ممارسة ضغوط على «حماس» أو الوصول إلى تفاهمات تعجل بتنفيذ الخطة في أقرب وقت بعد انتهاء حرب إيران.

خطة النزع مقابل الإعمار

ونزع سلاح «حماس» أحد بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في مجلس الأمن. وتوضح وثيقة بشأنها، نقلتها «رويترز»، أنها تتطلب موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتوقَّع مسؤول فلسطيني، مقرَّب من المحادثات تحدث لـ«رويترز»، قبل أيام، أن تسعى «حماس» إلى إدخال تعديلات وتحسينات عليها، لافتاً إلى أن الخطة لم تقدم ضمانات لتنفيذ إسرائيل التزاماتها، وتخاطر بالتسبب في عودة الحرب، من خلال ربطها بين إعادة الإعمار وتحسين ظروف المعيشة، وقضايا سياسية مثل نزع السلاح.

وقال باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لـ«حماس» والمشارك في وفدها المفاوض: «يحاول ملادينوف أن يكون ملكياً أكثر من الملك نفسه، إذ يحاول ربط كل شيء بملف السلاح، بما فيه دخول اللجنة الإدارية والقوات الدولية إلى قطاع غزة».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني عبد المهدي مطاوع أنه لا مؤشرات على قبول «حماس» للخطة في ظل انقسام داخل الحركة بين فرع يميل إلى تركيا يريد تنفيذ الخطة، وفرع يميل إلى إيران ينتظر ما ستسفر عنه الحرب.

محادثات جديدة

ووسط ذلك التعثر، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مع ملادينوف، بالقاهرة الأربعاء، «الجهود الجارية لدعم تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركى دونالد ترمب».

وأكد عبد العاطي «أهمية بدء اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة في ممارسة مهامها من داخل القطاع وفي كل مناطقه، بما يعزز من قدرتها على الاضطلاع بمسئولياتها في إدارة الشؤون اليومية، تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية إلى ممارسة مهامها بشكل كامل».

وشدد كذلك على «ضرورة الإسراع بنشر قوة الاستقرار الدولية لضمان مراقبة وقف إطلاق النار»، مبرزاً «الجهود التي تبذلها مصر في مجال تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية، بما يسهم في تهيئة البيئة الأمنية اللازمة لدعم المرحلة الانتقالية»، وفق البيان المصري.

وأكد أهمية التزام كل الأطراف بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية بكامل بنودها، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي، وبالصورة التي تفتح المجال للبدء في مشروعات التعافي المبكر في كل أنحاء القطاع، والانتقال لمرحلة إعادة إعمار غزة وفق مقاربة شاملة ومنسقة تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان.

وجاء الاجتماع، غداة لقاء ملادينوف بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في أنقرة.

وزير الخارجية التركي يستقبل ملادينوف (حسابه على منصة «إكس»)

ويلمح ملادينوف إلى مساعيه في منشورين عبر حسابه بمنصة «إكس»، الثلاثاء والأربعاء، حيث أكد، عقب لقائه مع فيدان الثلاثاء، أهمية المضي قدماً بخطى حثيثة نحو إتمام المرحلة الثانية. كون ذلك «السبيل الوحيد لضمان إعادة إعمار غزة، واستعادة المسار السياسي لحل القضية الفلسطينية على أساس السيادة وحق تقرير المصير».

وكشف عن أنه راجع مع عبد العاطي، الأربعاء، «الخطوات التالية في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة»، مضيفاً: «تظل مصر شريكاً أساسياً في سعينا المشترك نحو غزة مُعاد إعمارها ومؤمّنة من قِبل الإدارة الفلسطينية الانتقالية، خالية من الأسلحة والأنفاق، وموحدة مع السلطة الفلسطينية الشرعية».

وتابع ملادينوف: «والآن حان وقت الاتفاق على إطار تنفيذ خطة ترمب من أجل الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».


معبر طابا المصري... بوابة «هروب الإسرائيليين» مع تصاعد التوترات

منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
TT

معبر طابا المصري... بوابة «هروب الإسرائيليين» مع تصاعد التوترات

منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)
منفذ طابا يعد أحد أهم الموانئ البرية في مصر بالقرب من إسرائيل (محافظة جنوب سيناء)

مئات الرحلات الإسرائيلية تهرول إلى مصر يومياً عبر معبر طابا الحدودي، منذ أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة، حرباً على إيران ورد الأخيرة بقصف يومي متواصل، على مدار أكثر من شهر، غير أن الشكاوى لم تنقطع من ارتفاع رسوم العبور والتنقل والإقامة.

ووفق مصادر مطلعة، وخبراء مصريين في السياحة، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن المعبر بات «بوابة هروب للإسرائيليين» بعدّه ملاذاً آمناً في ظل تعرض مطارات إسرائيل للقصف، منتقدين الشكاوى الإسرائيلية من ارتفاع الرسوم، باعتبار ذلك «حقاً سيادياً مصرياً، وأن الرسوم لا تزال أقل من دول أخرى بالعالم، وأن المواطن الإسرائيلي يدفع ثمن حرب أشعلتها بلاده، وليست مصر التي من حقها أن ترفع الرسوم في ظل تداعيات الحرب على اقتصادها».

محطة رئيسية للهروب

وأفادت صحيفة «ذا ماركر» الإسرائيلية، الأربعاء، بأن «مطار طابا المصري تحول إلى المحطة الرئيسية للسفر إلى الخارج للراغبين بمغادرة إسرائيل بشكل عاجل، في ظل القيود المفروضة على مطار بن غوريون بسبب التوترات الأمنية والهجمات الصاروخية الإيرانية الأخيرة مما جعل المطار المصري بمثابة بوابة الهروب الكبرى وشريان حياة بديلاً عن المطارات الإسرائيلية المغلقة جزئياً».

وذكرت الصحيفة أن «المعبر قبيل عيد الفصح اليهودي شهد تدفق مئات الإسرائيليين، بينهم عائلات حريدية كثيرة تتحدث الإنجليزية والفرنسية، تحاول الوصول إلى بلدانها الأصلية للاحتفال بالعيد، بعد أن قضى البعض منها ليلة كاملة في إيلات إثر إطلاق صافرات الإنذار بسبب اختراق طائرات مسيّرة للحدود».

مدينة طابا المصرية تتيمز بطبيعة خلابة تجعلها مقصداً سياحياً مميزاً (محافظة جنوب سيناء)

وأكد مستشار وزير السياحة المصري سابقاً سامح سعد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن معبر طابا صار بوابة هروب للإسرائيليين للخارج بعدّه بالنسبة لهم ملاذا آمنا في ظل احتمال تعرض مطارات أخرى للقصف، لافتاً إلى أن هذه الأعداد لا تمثل قيمة مضافة للسياحة بمصر، فضلاً عن أن 72 في المائة من المعدلات السياحية تأتي من أوروبا و10في المائة من الدول العربية وغيرها.

وقال الخبير السياحي ورئيس شعبة السياحة والطيران بالغرفة التجارية سابقاً، عماري عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرب بالأساس أشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة، وإحدى نتائجها زيادة الأسعار بشكل غير مسبوق عالمياً، ومصر تأثرت كثيراً بها رغم أنها ليست طرفاً».

أسعار رسوم مرتفعة

وليس الهروب وحده من يحاصر عقل الإسرائيليين، لكن ارتفاع أسعار الرسوم أيضاً، إذ أشارت صحف عبرية لهذه الزيادة، حيث شهد «معبر طابا» ثلاث زيادات متتالية في الرسوم خلال فترة زمنية قصيرة جداً، بدأت من 25 دولاراً ارتفاعاً من 15 في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم ارتفعت إلى 60 دولاراً في منتصف مارس (آذار) 2026، قبل أن تقفز إلى 120 دولاراً في 28 مارس 2026.

وأشارت «ذا ماركر» إلى «ارتفاع رسوم العبور وتكاليف النقل والإقامة المؤقتة في سيناء»، فيما قالت صحيفة «يسرائيل هيوم» يوم 28 مارس الماضي، إن زيادة مصر رسوم عبور نقطة طابا الحدودية للإسرائيليين إلى 120 دولاراً، أثارت غضباً واسعاً بين الإسرائيليين المعتمدين على المعبر للسفر لخارج البلاد، خاصة أنه يجعل تكلفة العبور للعائلة المكونة من أربعة أفراد تتجاوز 480 دولاراً.

وعن الزيادة في الرسوم، يرى مستشار وزير السياحة سابقاً سامح سعد، أن وصول الرسوم إلى 120 دولاراً ليس تعجيزياً، خاصة أن هناك دولاً كثيرة تضع أرقاماً أكبر من ذلك، ومن حق مصر أن تصدر هذا القرار السيادي في الوقت الذي ترتئيه.

وأضاف الخبير السياحي عماري عبد العظيم، أنه من حق مصر، أن ترفع رسوم العبور في معبر طابا كما ترى، فهذا حقها السيادي لتعويض الأضرار التي لحقتها من الحرب.


الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended