«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

عاشور الطويبي يتأمل صورهما في سيرة البشر وذاكرة المدن

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر
TT

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

يضع الشاعر الليبي عاشور الطويبي، الحرب والحكمة في كفتي ميزان، تاركاً الشعر يحلق في فضائهما كسؤال قلق لا يبحث عن إجابة إنما عن حقيقة مراوغة. فالحكمة هي خلاصة خبرة الشاعر في الحياة وفي الشعر، أما الحرب فهي صراع الأخوة الفرقاء في ليبيا وميليشياتهم المسلحة، التي لم تستطع أن تصل إلى بر الأمان منذ الثورة على نظام معمر القذافي والإطاحة به عام 2011.
يحكم هذان المعولان أجواء ديوان «إبيجرامات ليبية وقصائد ريفية» الصادر أخيراً للشاعر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في نحو مائتي صفحة من القطع المتوسط، ويتوزع على ثلاثة عناوين رئيسية هي: إبيجرامات الحرب الليبية، وقصائد ريفية، وبيت ليدا قبالة بحر صبراتة. تشكل هذه العناوين فيما بينها متوالية لجدل الانفصال/ الاتصال، بينما تمثل الجغرافيا والطبيعة الليبية ومناخات الصبا والطفولة محور إيقاع الوصل والقطع في النصوص.
يمهد الشاعر لعالمه بمفتتح صغير بعنوان «مسعى» تطل من خلاله صورة الحقيقة المراوغة مشربة بظلال من الحكمة، في شكل يقين عبثي مبتور وهش قائلاً:
«لم أسع لقصيدة حكيمة، ولا لطرافة ساذجة.
كل ما حاولت فعله، هو أن أعرف ما وراء المنعطف.
لم أسع لفهم قلق الكائنات، أول لفض خبيئة قديمة.
كل ما حاولت فعله، هو أن أعرف كيف ينام جبل في ليل موحش.
لم أسع لرمي الحصى في البحر، ولا غرس الأماني تحت القمر
كل ما حاولت فعله، هو حياكة ثوب للصباح الجديد!»
ثم يقول في ختام المفتتح وكأنه في مواجهة حادة مع الذات: «أنا لم أسع لشيء...»، ومن ثم تبرز ثنائية المع والضد كآلية من آليات توليد المعنى والمفارقة في الديوان، ويتوسل الشاعر بفن «الإبيجراما» كغلالة شفيفة لإبراز كثافة المعنى، وطاقة الرمز على التنوع والإيحاء. فالحرب ليست في الميدان بين الشرق والغرب فحسب، وإنما في سيرة الشخوص، والأمكنة والأزمنة، وكيف تحولت إلى مسرح لها تحت قسوة الواقع وضغوط الحياة.


يقول في نص (ص 15) بعنوان «فتى أوباري»:
«لسنوات بعتُ البصل في أوباري
البصل وليد التراب والحصى
البصل حارس القمر في تقلباته
ينعس كما تنعس النخيل على حافة الوادي
الآن أنا في طرابلس في معسكر كئيب
آكل شرائح خبز بالتنَ التايلادي
البندقية في يدي لها رائحة عفنة
حُفر قبري مرتين
مرة من جهة الشرق
ومرة من جهة الغرب
ليتني بقيت بائع بصل في أوباري!»
لا يتوقف البوح في النص عند كونه مونولوغاً داخلياً، أو مجرد نجوى خاصة، إنما يشكل صك إدانة للذات والحرب معاً، وقبلهما إدانة دامغة لواقع مضطرب سياسياً، ومرثية لوطن مشتت خارجياً بين نفوذ قوى دولية ومحلية، وصراعات الأخوة الفرقاء في الداخل. هكذا يبدو المشهد في نص آخر بعنوان «فتى الهضبة الشرقية - طرابلس»، حيث تطالعنا صور خاطفة لمشاهد من طفولة الشاعر في المدينة:
«لكن لم تكبر ليبيا أبداً
منذ عقد من الزمان
بعضنا يرفع راية لقائد ميت
بعضنا يرفع راية لملك ميت
بعضنا يرفع راية من زمن سحيق ميت
وكلنا نرفع البنادق وأسماء الشهداء
لم نتوقف عن استبدال أسماء المقاهي والمطاعم والأحياء والشوارع
بأسماء إيطالية لافتة. أسماء جنرالات إيطاليين وترك
فقط لنصدق أننا في نشوتنا
حقاً قتلنا القائد الملهم، ملك الملوك».
في «قصائد ريفية»، وهو الفصل الأطول في الديوان (نحو مائة صفحة) يتسع فضاء سيرة الشاعر في عباءة العائلة، الأب والأم والأخوة والأخوات والجدات، ودكان القرية والمغني، وتنفتح حقول الدلالة على براح الصحراء والطبيعة، بينما تشكل خيوط من الخرافة والأسطورة جسراً شفيفاً ما بين الأمكنة والأزمنة، وتبدو نصوص هذا الفصل بهدوئها المشمس كأنها رحلة في ذاكرة المدن الليبية المنداحة في الشرق والغرب والجنوب، وفي الجبال والأودية، «ترهونة، صبراتة، مسلاتة، غات، وغيرها». ونلاحظ هنا أن الفعل الشعري يركز على التأمل، ومحاولة النفاذ فيما وراء الأشياء والعناصر، كما أنه مسكون بروح الحكاية والحوار، ويكتسي بمسحة صوفية، تومض في ثنايا النصوص، وفي تاريخ هذه المدن، بتقاليدها وثقافتها وطرائق عيشها. ويكثف الطويبي من دلالات الحوار مع الآخر، بصورته الواقعية والمتخيلة التي أحياناً تصنعها الذات الشاعرة.
فنياً يعتمد الديوان بشكل أساسي على آلية السؤال في التعامل مع الآخر، والبحث عن تاريخ مشترك معه، وتلعب المصادفة دوراً مهماً في اكتشافه والتعبير عنه، والتناص معه أحياناً، بخاصة إذا كان رمزاً معروفاً أدبياً أو فنياً مثل الشاعرين حافظ الشيرازي، وشموس هيني، الذي يداعبه في ختام نص طويل يحمل اسمه (ص 74): «فكرت أن أسال شموس هيني عن تلك الورقة في جيب صديريته، ذات الحافة الزرقاء! لم أعتقد أنها قصيدة كتبها على عجل كما لم أشم عطراً فأقول إنها من إحدى معجباته. حاولتْ يدي عدة مرات أن تخطفها منه، لكنني كلما اقتربت ملأتْ ابتسامة وجهه الجميل».
هذا الحنو في مداعبة الشاعر الآيرلندي الحائز على جائزة نوبل، يرافقه حنو آخر، يتوزع على عناصر حميمية من الطبيعة والبشر، وذلك بالاعتماد على بنية المنادى المضمر في صيغة التعجب والتمني أحياناً، بخاصة في القسم الأخير من الديوان، مثل «يا لثقل البيضة على الماء»، «يا لثقل السحابة على العشب»، «يا لثقل زفرة الغريب على النار»... وغيرها. هذه الأجواء تطالعنا في نص بسيط بعنوان «نبيذ من ترهونة»، حيث يتحول السؤال الخاطف إلى أداة للمعرفة والكشف وإثارة المفارقة أيضاً:
«إلى أين تقود أغنامك؟
- إلى سفينة راسية في صبراتة
- ماذا يوجد في تلك الجرار؟
- نبيذ من ترهونة وزيت زيتون من مسلاتة
- ماذا تحمل تحت إبطك؟
- قراطيس أرسم عليها خيالات وأوهاماً
- أنا لا أعرفك!
- أنا أعرف نفسي»
بهذا الانفتاح الخصب على الطبيعة والعناصر والأشياء، تبرز سمات خاصة للمشهدية في هذا الديوان، من أبرزها أنها مشهدية سردية، لا تضع الصورة الشعرية في عين العدسة مباشرة، إنما تحافظ على مسافة بينهما، فيها يلعب الوصف مقوماً أساسياً في إبراز المشهد وإنضاجه درامياً، من زاويتي القرب والبعد؛ ثم التوثيق له ليس كنثريات حياة ماضية ومنقضية، إنما كحياة تولد من النص نفسه، وتتنفس هواءً جديداً.
تشف هذه السمات المشهدية، في نص (ص 84) بعنوان «عين الفرس»، وهي عين ماء في مدخل مدينة غدامس. يسائل النص القصيدة والشاعر؛ أيهما يلد الآخر، وكيف يكون شكل هذه الولادة في لحظة الكتابة، ثم من يقطف الثمرة أولاً من شجرة الشعر والحياة. يستعير الشاعر الماء من هذه العين كرمز للحياة، ويكثفه على مستوى الدلالة، ليصبح الحد الفاصل بين الوجود والعدم، تماماً مثلما في الكتابة التي تشبه الكهف... يقول الشاعر:
«: هل تذكر، كيف تسربت القصيدة من بين يديكَ،
مدت رأسها من سطح الماء،
وقطفت الأرضَ مثلما تقطف يدٌ خائفة ثمرة.
كنتُ جالساً يبلل الموجُ رجلي
وكان نفرٌ من الناس طوافين
بين الرمل وبين قوافل قادمة من تلك العين
هل ركضتَ وحدكَ خلف ذلك الكهف؟
لا أعلم إن كان غيري يركض معي
لكنني كنت قريباً من الشمس قبل أن تسقط في الماء
وماذا بعد؟
أنا لم أعد أكتب الشعر
أليس هذا محزناً؟!»
في الختام، لم يختر الشاعر عاشور الطويبي، هذا النص على ظهر غلاف الديوان ليكون مجرد مفتاح أو عتبة لعالمه الثري الخصب، إنما أراد أن ينتصر للشعر، ويؤكد أنه ابن الحياة، ابن الماء والهواء والشمس، وهو الباقي أمس واليوم وغداً، أما الحرب فمصيرها إلى زوال لأنها مجرد انعكاس عابر لعتمة البشر في مرآة مهشمة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.