آيرلندا الشمالية للتعاون مع السعودية في رفع معدلات تحويل مكبات النفايات وإعادة التدوير

المدير التنفيذي لوكالة التنمية الاقتصادية هاربر لـ «الشرق الأوسط» : ملتزمون بدعم الابتكار التكنولوجي المتنامي بالمملكة

السعودية تدفع بعمليات إعادة التدوير والحفاظ على البيئة (الشرق الأوسط)
السعودية تدفع بعمليات إعادة التدوير والحفاظ على البيئة (الشرق الأوسط)
TT

آيرلندا الشمالية للتعاون مع السعودية في رفع معدلات تحويل مكبات النفايات وإعادة التدوير

السعودية تدفع بعمليات إعادة التدوير والحفاظ على البيئة (الشرق الأوسط)
السعودية تدفع بعمليات إعادة التدوير والحفاظ على البيئة (الشرق الأوسط)

في وقت تتسارع فيه الخطى السعودية لتعزيز التوجهات البيئية وعمليات التدوير، أكدت آيرلندا التزامها بدعم الابتكار التكنولوجي المتنامي في السعودية، حيث كشف ستيف هاربر، المدير التنفيذي لمجموعة الأعمال الدولية في وكالة التنمية الاقتصادية الإقليمية لآيرلندا الشمالية، عن خطط بلاده لتعزيز التعاون مع السعودية لزيادة معدلات تحويل مكبات النفايات وإعادة التدوير إقليمياً وعالمياً، علاوة على إعادة تدوير جميع مخلفات البناء من مشروع البحر الأحمر السياحي العملاق غرب المملكة. وقال هاربر لـ«الشرق الأوسط»، إن الوكالة على أهبة الاستعداد لتبادل الخبرات الجديدة وسرعة التطور في مجالات الابتكارات التكنولوجية الحديثة والتكنولوجيا المالية والهندسة المتقدمة مع السعوديين، فضلاً على التوسع بمجالات النفايات الصلبة البلدية، وإنتاج الطاقة من النفايات، والرعاية الصحية وإدارة النفايات والتعليم والتكنولوجيا والأمن السيبراني، متطلعاً إلى الاستمرار في تعزيز الشراكة الوثيقة بين البلدين. وإلى تفاصيل الحوار:

> هل يمكنك أن تعطينا لمحة عن نشاط «إنفست نورثرن آيرلند» في السعودية؟
- باختصار، «إنفست نورثرن آيرلند» هي وكالة التنمية الاقتصادية لآيرلندا الشمالية، وهي تعمل على توفير خبرات آيرلندا الشمالية العالمية في قطاعات متعددة المجالات للشركات السعودية. يعود تاريخنا في المنطقة إلى ما يقارب الثلاثين عاماً، ونحن نعمل في السعودية منذ أكثر من عقد، ونولي اهتماماً لهذه العلاقة بشكل خاص، لا سيما في ظل التغييرات السريعة التي تشهدها المملكة وسعيها إلى تحقيق رؤية السعودية 2030 التي تركز على تعزيز التنوع الاقتصادي والنمو.
هناك توافق كبير بين رؤية السعودية 2030 ومهمتها «رؤية طموحة لوطن طموح»، ولذا نرى كثيراً من الفرص المتاحة أمام شركات آيرلندا الشمالية للمشاركة بشكل أكبر في التحول المستمر بالمملكة.
وتعمل حالياً شركات آيرلندا الشمالية عن كثب مع كثير من الشركات القائمة في المملكة، مستفيدة من خبراتها في مشاريع رئيسية بالمملكة. وتشمل هذه القطاعات علوم الحياة والصحة والتعليم العالي والإدارة البيئية، مثل إدارة نفايات البناء والهدم، وإدارة النفايات الصلبة البلدية، وإنتاج الطاقة من النفايات، وصولاً إلى الابتكارات التكنولوجية الحديثة. وفي هذا الإطار، تقوم الشركات ببناء شراكات مع الشركات والقطاعات المحلية بهدف بناء المعرفة، وتطبيق أفضل الممارسات والابتكارات، وبشكل عام، تحقيق الجاهزية للتطورات المستقبلية في مجال الأعمال.


ستيف هاربر المدير التنفيذي بوكالة التنمية الاقتصادية الإقليمية لآيرلندا الشمالية (الشرق الأوسط)

> كيف ترى مساهمة آيرلندا الشمالية في الإسهام بترجمة التوجه السعودي على مدى الـ10 أعوام المقبلة؟
- السعودية متجهة بسرعة كبيرة نحو الازدهار بلا شك، خصوصاً مع استمرار آيرلندا الشمالية في العمل عن كثب مع شركائها السعوديين، في مجالات الرعاية الصحية وإدارة النفايات والتعليم والتكنولوجيا والأمن السيبراني على سبيل المثال لا الحصر. ولهذا التعاون آثاره الإيجابية، ليس فقط في زيادة نقاط القوة بمحفظة خبرات آيرلندا الشمالية في هذه القطاعات، إنما أيضاً على خبراتنا الجديدة وسرعة التطور في مجالات الابتكار التكنولوجي والتكنولوجيا المالية والهندسة المتقدمة. بالتأكيد، هذه القدرات الهجينة تضع دولتنا في موقع فريد يمكنه من لعب دور رئيسي في دعم جهود المملكة لتحقيق رؤية السعودية 2030 والطموحات الأخرى على المدى الطويل.
وفي حين أننا قد لا نتشارك المناخ نفسه، هذا ما نقوله مازحين لأصدقائنا السعوديين، فإن شعبي المملكة وآيرلندا الشمالية لديهما كثير من أوجه التشابه، مثل أهمية الأسرة، وروح الابتكار، والمرونة، والقدرة على التكيف والتغيير عند مواجهة التحديات، والقدرة على تحقيق أهداف الغد في نهاية المطاف. لذلك، أتطلع إلى الاستمرار في تعزيز الشراكة الوثيقة بين منطقتينا، لنبني معاً مستقبلاً جديداً يعود بالفائدة على مجتمعاتنا كافة.
> ذكرت أن شركات آيرلندا الشمالية موجودة منذ وقت طويل في المملكة، كيف كان ذلك؟ وما نوع النشاط الذي تقوم به؟
- تقدم آيرلندا الشمالية الدعم في كثير من القطاعات والمجالات في السعودية، كمثال على ذلك، كلفت شركة «أفيردا»، لإدارة النفايات وشركة «كيفيركو» من مقاطعة «تيرون»، لتصميم وبناء وتركيب مصنع لإعادة تدوير النفايات، ما سيساعد في إعادة تدوير جميع مخلفات البناء من مشروع البحر الأحمر بالمملكة.
كما استضافت وكالة التنمية الاقتصادية لآيرلندا الشمالية أخيراً، أعضاء الإدارة العليا في الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير لاستعراض خبراتنا العالمية في مجال تصنيع تقنيات ومعدات إعادة تدوير النفايات الجافة والرطبة، حيث تسعى الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير لأن تكون مثالاً يحتذى به في هذا المجال من خلال تطوير وتشغيل المشاريع لزيادة معدلات تحويل مكبات النفايات وتعزيز إعادة التدوير على الصعيدين الإقليمي والعالمي، مدفوعة برؤية السعودية 2030.
بجانب ما سبق، لا بد من القول إن شركاتنا تدعم الابتكار التكنولوجي الذي بدأ يبرز بقوة في المملكة. فشركة «سيم سيستمز» على سبيل المثال، أكبر مزود في «بلفاست» لنظم التحكم في الوصول ونظم إدارة الأمن المتكاملة، تعمل على توفير هذه النظم لمستشفى الملك خالد الجامعي، بالإضافة إلى عدد من المطارات الدولية الرئيسية في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، تقدم حالياً شركة «كراود فيشن» وهي شركة تعمل في تحليلات وإحصاءات المشاة الآلية، بيانات في الوقت الفعلي للمساعدة في إدارة الحشود وضمان سلامة ملايين الحجاج بمكة المكرمة.
أما «ديفينيش»، أحد المصدرين الرئيسيين للمملكة، فتوفر مكملات الأعلاف لقطاع الدواجن والألبان في المملكة، ما يضمن أفضل المعايير في فئتها للمنتجات الإقليمية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل شركتا «قرين فيليدز» و«بريتشيتس» ومقرهما آيرلندا الشمالية، على توريد منتجات الزبدة والجبن ومسحوق الحليب، في حين أن شركة «راندوكس فوود دياقنوستيكس» تشهد نمواً ملحوظاً، وذلك لتقديمها حلولها الغذائية الأكثر أماناً.
أما على صعيد أنشطة الرفاهية والكماليات، فتحظى شركة «ألستر كاربيتس» بسجل حافل بالنجاح في منطقة الشرق الأوسط من خلال توفير أنواع السجاد الفاخر لعملائها من الفنادق المرموقة، وهي تعمل حالياً بالشراكة مع شركة «جبل عمر للتطوير» في المملكة. إن هذه الأمثلة القليلة هي دليل راسخ على حجم الطلب في المملكة على منتجات آيرلندا الشمالية وخبراتها ذات المستوى العالمي.
> هل جامعات آيرلندا الشمالية ملتزمة أيضاً بتقديم الدعم للسعودية لتعزيز الكوادر البشرية والقدرات التنموية؟ وهل يمكنك تحديد نطاق الدعم الذي تقدمه؟
إن أكبر جامعتين في آيرلندا الشمالية، هما «أولستر» و«كوينز بلفاست»، أقامتا مجموعة من الشراكات مع جامعات السعودية، حيث عملت جامعة «أولستر»، طوال مدة عقد، على تقديم برامج التمريض الناجحة في السعودية. أما خبرتها في مجال السياحة والضيافة بشكل خاص فقد «احتلت المرتبة الأولى بالمملكة المتحدة في مجال الضيافة، فتتوافق مع رؤية السعودية 2030، وهي المحرك الأساسي للتحوّل المميز الذي يشهده قطاع السياحة في المملكة». تعد جامعة «أولستر» جامعة عريقة في عدد من المجالات الأخرى بما في ذلك الصيدلة وعلم الأدوية «المرتبة الثانية في المملكة المتحدة»، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2021، وفحص البصريات وتصحيح البصر «المرتبة الأولى في المملكة المتحدة»، بحسب صحيفة «الغارديان» عام 2020، والتي تعد من أكثر خيارات الطلاب السعوديين شيوعاً.
أما جامعة «كوينز بلفاست»، فأسست بدورها علاقات وثيقة مع قطاع التعليم العالي في المملكة، بما في ذلك شراكة مع جامعة جدة في مجموعة من التخصصات على مستوى الدراسات العليا ومستوى الأبحاث. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الجامعة مع وزارتي الصحة والداخلية في السعودية على تدريب وتطوير القوى العاملة السعودية في مجال الرعاية الصحية، بما في ذلك الأطباء وأطباء الأسنان والممرضون. ويوجد حالياً أكثر من 150 طالباً من المملكة، يتابعون كثيراً من البرامج الجامعية وبرامج الدراسات العليا والأبحاث، منها في مركز تقنيات المعلومات الآمنة بجامعة «كوينز بلفاست». يمكن القول إن جميع ما ذكرته هو أفضل مثال للدعم الذي تقدمه «إنفست نورثرن آيرلند وآيرلندا الشمالية» ككل للمملكة في تحقيق رؤية السعودية 2030.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
TT

إصلاحات تنظيمية وتمويلية تقفز بتملُّك المنازل في السعودية إلى 66 % خلال عقد

أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)
أحد مشاريع الشركة الوطنية للإسكان في السعودية (واس)

أسهمت جهود الحكومة السعودية مستندةً إلى برنامج الإسكان، أحد برامج «رؤية 2030»، في تسريع وتيرة التملك، بعدما اختُصرت فترات الانتظار الطويلة إلى إجراءات ميسّرة مدعومة بحلول تمويلية مبتكرة، ومنصات رقمية متكاملة. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة تملّك الأسر بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 66 في المائة خلال عقد واحد، في مؤشر واضح على فاعلية السياسات المتبعة، وقدرتها على تحقيق الاستقرار، وتعزيز جودة الحياة.

وشهد القطاع العقاري والإسكاني في المملكة تحولاً نوعياً خلال السنوات الماضية، مدفوعاً بمستهدفات «رؤية 2030»، وتدخلات الحكومة الأخيرة التي وضعت تملّك المواطنين للمساكن في صدارة أولوياتها التنموية، مع حزمة واسعة من الإصلاحات التنظيمية، والتشريعية، إلى جانب تطوير منظومة التمويل العقاري، وتوسيع الخيارات السكنية، وتمكنت الدولة خلالها من إعادة تشكيل السوق العقارية لتصبح أكثر توازناً وكفاءة في تلبية الطلب المتزايد.

ومهدت «رؤية 2030» الطريق لإصلاح البيئة التنظيمية والتشريعية للقطاع العقاري والإسكان، بهدف إيجاد حلول للتحديات التي مرَت على هذه المنظومة، في إدراك للقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعقار.

ووضعت مستهدفاً طموحاً، وهو رفع نسبة تملك الأسر السعودية لمنازلهم، لتنتج خلال 5 أعوام فقط من رفع النسبة من 47 في المائة إلى 60 في المائة بنهاية 2020.

ضبط العلاقة الإيجارية

نجحت «رؤية 2030» في إعادة صياغة المشهد العقاري والإسكاني بالمملكة، محولة القطاع من مرحلة التحديات الهيكلية المتمثلة في فجوة العرض والطلب وطول فترات الانتظار، إلى منظومة متينة ومبتكرة تواكب المتغيرات المتسارعة. وبحلول عام 2025، أثبتت السياسات الإسكانية كفاءتها عبر اختصار رحلة المستفيد من انتظار دام لسنوات إلى دعم فوري مكن أكثر من 851 ألف أسرة من امتلاك منازلها.

كما أن محدودية الحلول والخيارات العقارية بطأت نمو المعروض، الأمر الذي استدعى تدخلاً تشريعياً وتنظيمياً يستفيد من التحول الرقمي، ورغبة الناس في بذل الخير، والمساهمة الاجتماعية.

مشروع «نساج تاون» في ضاحية الواجهة بالدمام وهو أحد مشاريع برنامج سكني بالشراكة مع القطاع الخاص (واس)

وبرز الاهتمام بمعالجة التشوهات في السوق العقارية عبر مجموعة من التوجيهات، بهدف تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، ومن ذلك التوجيهات الصادرة للمنظومة في الرياض، والتي شملت توجيهاً بمضاعفة مشروعات الإسكان شمال العاصمة للضعفين، ورفع الإيقاف عن تطوير أكثر من 81 كيلومتراً مربعاً من الأراضي في شمال المدينة، والعمل على توفير أراضٍ سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 إلى 40 ألف قطعة سنوياً خلال الـ5 سنوات بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

وأصدرت الموافقة على الأحكام النظامية الخاصة بضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر بالرياض، بالإضافة إلى التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتوجيه برصد ومراقبة أسعار العقار في العاصمة، والمدن الأخرى، والرفع بتقارير دورية.

واستمر تنفيذ القطاع العقاري خلال العام الماضي، بما يسهم في إيجاد سوق حيوية وجاذبة، عبر التوسع في العمل على ضمان شمولية وتكامل بيانات الأراضي، والممتلكات، ليتخطى مؤشر «نسبة تغطية الأراضي والممتلكات في المملكة» مستهدفه البالغ 45 في المائة، محققاً ما نسبته 53 في المائة.

القروض العقارية

ونتيجةً لهذه الإجراءات المتتالية وجهود الـ10 أعوام الماضية منذ إطلاق «رؤية 2030»، تمكنت السعودية من تحقيق 66.24 في المائة نسبة تملّك المواطنين للمساكن خلال العام السابق، ووصول إجمالي قيمة القروض العقارية القائمة للأفراد أكثر من 907 مليارات ريال (241 مليار دولار) في الربع الثالث من 2025، وبلوغ عقود المنتجات السكنية لأكثر من مليون عقد، ومنتج الأراضي بما يزيد عن 74 ألف عقد.

وبالنسبة لعقود منتج البناء الذاتي فقد تجاوزت 286 ألفاً في العام المنصرم، ومنتج الوحدات الجاهزة بما يزيد عن 534 ألف عقد، أما نصيب عقود منتج البيع على الخريطة فقد تجاوز 114 ألف عقد.

البيئة التنظيمية والتشريعية

وازدادت قدرة المنظومة الإسكانية والعقارية على توفير الحلول المتنوعة، مستفيدة من البيئة التنظيمية والتشريعية، لتصبح هناك منتجات متنوعة شملت الأراضي، والبيع على الخريطة، والوحدات الجاهزة، والبناء الذاتي، ويحفز ذلك منصات رقمية تسهل تجربة الوصول إليها، إلى جانب منظومة تمويلية تعمل وفق ضوابط متوازنة، لتقليل الأعباء المالية على الأسر.

وأصبح أثر السياسات في الإسكان والعقار واضحاً، بتمكين الأسر السعودية من تسهيلات غير مسبوقة، إذ اختصرت رحلة المؤهلين للاستفادة من الدعم السكني المتمثل في التمويل العقاري، من انتظار يستغرق عدة سنوات إلى دعم يحصل عليه المواطن في غضون وقت قصير، ليشهد عدد الأسر التي امتلكت منازلها زيادة ملحوظة وصلت إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية العام الفائت لترتفع بدورها نسبة امتلاك المنازل.


«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.