بعد «حرب حقيقية» في طرابلس... الليبيون سئموا المواجهات المسلحة المتكررة

مرور السيارات أمام مبنى تعرض للقصف خلال اشتباكات بين أنصار الحكومتين المتنافستين في منطقة الزاوية وسط العاصمة طرابلس(ا.ف.ب)
مرور السيارات أمام مبنى تعرض للقصف خلال اشتباكات بين أنصار الحكومتين المتنافستين في منطقة الزاوية وسط العاصمة طرابلس(ا.ف.ب)
TT

بعد «حرب حقيقية» في طرابلس... الليبيون سئموا المواجهات المسلحة المتكررة

مرور السيارات أمام مبنى تعرض للقصف خلال اشتباكات بين أنصار الحكومتين المتنافستين في منطقة الزاوية وسط العاصمة طرابلس(ا.ف.ب)
مرور السيارات أمام مبنى تعرض للقصف خلال اشتباكات بين أنصار الحكومتين المتنافستين في منطقة الزاوية وسط العاصمة طرابلس(ا.ف.ب)

بين «الصدمة» و«الخوف» عاشت العاصمة الليبية مدى ليلتين بعدما تحولت مسرحاً لاقتتال عنيف بين جماعات مسلحة أسفر عن مقتل 32 شخصاً وجرح 159، وتسبب في حالة من اليأس العميق لدى السكان الذين سئموا عدم الاستقرار المزمن وأزمة سياسية لا تنتهي.
بدا الهدوء سائداً الاثنين في طرابلس لليوم الثاني توالياً. أعيد فتح المتاجر، وأجرت الخدمات البلدية عمليات إزالة الأنقاض، وتمت تعبئة فنيين من شركة الكهرباء لإعادة الطاقة إلى المناطق المتضررة.

لكن السكان ما زالوا في حالة صدمة بعد الاشتباكات العنيفة بين الميليشيات المتناحرة وسط المدنيين، والتي اندلعت من فجر الجمعة حتى مساء السبت، في مؤشر إلى الفوضى التي لا تزال تسود ليبيا.
عشرات المباني المدمرة تحمل آثار نهاية الأسبوع الدامي، عندما ضج دوي الانفجارات وتبادل النيران الكثيفة بلا هوادة في أركان المدينة.
تقول منال (اسم مستعار) «لقد كانت حربا حقيقية. كنت خائفة على عائلتي قفز طفلي من نومه واستيقظ عدة مرات بسبب القصف لم أكن أعرف متى سينتهي».
وتضيف «أغلقت الأبواب وقضيت الليل في قاعة بلا نوافذ، حيث لجأنا لحماية أنفسنا من الانفجارات المحتملة».

فاطمة محمود، صيدلانية (37 عاما) استيقظت الأحد وهي تتنفس الصعداء بعد سماعها أن القتال انتهى. وتقول: «انتهى الأمر، حتى يقرر أحدهما (الجماعات المسلحة) التعدي مرة أخرى على مواقع الآخر».
نتيجة الصراع على السلطة بين حكومتين متنافستين، قتل 32 شخصاً وأصيب 159 آخرون، من بينهم عدد غير معروف من المدنيين، بحسب أرقام وزارة الصحة.
مقر الحكومة التي جاءت وفق اتفاق سياسي برعاية أممية يقع في طرابلس (غرباً) ويقودها عبد الحميد الدبيبة منذ بداية عام 2021، والحكومة الأخرى بقيادة فتحي باشاغا عينها البرلمان في مارس (آذار) الماضي ويدعمها المشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» اللليبي.
ورفض الخصمان، الأحد، تحميلهما المسؤولية عن القتال في قلب العاصمة.
ويقول محمد النايلي، وهو مصرفي (33 عاماً) يريد أخيراً أن يرى مدينته هادئة، «طرابلس عاصمة كل الليبيين، ونأمل أن يتم تجنيبها الاقتتال وتكون عاصمة للعمل وللحب والسلم، بعيدا عن أي نزاعات وصراعات مسلحة».
ويضيف «ندعو الحكومة لفرض السيطرة على الكتائب المسلحة، وأن تدرجهم تحت القوات النظامية».
بعد 11 عاماً على مقتل معمر القذافي في ثورة دعمها تدخل دولي مثير للجدل تحت رعاية حلف شمال الأطلسي، لا تزال البلاد تجهد لاستكمال انتقالها إلى الديمقراطية، بسبب عدم وجود حكومة مقبولة من جميع الأطراف.
وبعيداً عن الاستجابة لتطلعات المتظاهرين، أغرقت ثورة 2011 الدولة الواقعة في شمال أفريقيا في دوامة من العنف والانقسامات بين الشرق والغرب، والتي أججها التدخل الأجنبي، على حساب السكان.
تستنكر فاطمة محمود الوضع الذي «يتجه إلى تكرار نفسه حتى لو كان هذه المرة أكثر عنفا».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1563859440205533186?s=20&t=3t_lBvp0WYajrWoYetiXOQ
قبل شهر، خلف قتال مماثل في طرابلس 16 قتيلاً. لكن الاشتباكات الأخيرة كانت على نطاق غير مسبوق منذ فشل محاولة المشير حفتر غزو العاصمة عسكرياً في يونيو (حزيران) 2020، في ذروة الصراع.
وتضيف محمود: «فقد البعض أحباءهم (في المعارك الأخيرة)، وآخرون يلتقطون الطوب لما كان في السابق منازلهم، ناهيك عن الصدمات، والأطفال يحتمون في الأقبية في انتظار انتهاء ذلك».
وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لم يتسن التأكد من صحته، يظهر فيه طفلان مذعوران وهما يفران من أحد الشوارع التي شهدت قتالا عنيفا ويغطيان آذانهما لشدة صوت القذائف والرصاص.
وقالت ميشيل سيرفادي، ممثلة اليونيسف في ليبيا على تويتر: «قتل طفل يبلغ من العمر 17 عاماً وأصيب أربعة آخرون، بينهم طفل في الخامسة من العمر، يجب إنهاء الانتهاكات ضد الأطفال».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1563587649067171841?s=20&t=3t_lBvp0WYajrWoYetiXOQ
حكومة عبد الحميد الدبيبة هي نتيجة لعملية سلام برعاية الأمم المتحدة لتوحيد البلاد. وكانت مهمتها الرئيسية تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية كان من المقرر إجراؤها نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي لكنها تأجلت لعقبات أمنية وقانونية وسياسية.
وأصيب الليبيون بخيبة أمل جديدة من التأجيل غير المحدود لهذا الموعد النهائي، على خلفية الخلافات المستمرة بين القادة الليبيين المتنافسين في شرق وغرب البلاد.
وبالنظر إلى انتهاء ولاية حكومة الدبيبة في يونيو وفقاً لخارطة الطريق، عين البرلمان فتحي باشاغا رئيساً للوزراء في فبراير (شباط). ومع ذلك، فإن الدبيبة يصر على تسليم السلطة لحكومة تأتي عبر الانتخابات.
وحتى اليوم، يبدو أنه لا يوجد اتفاق سياسي متين يلوح في الأفق لإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية منذ 11 عاما، الأمر الذي يزيد من إمكان اندلاع نزاع جديد قديم.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

جهود الوسطاء تتواصل لمنع «السيناريو الكارثي» في حرب إيران

وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)
وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)
TT

جهود الوسطاء تتواصل لمنع «السيناريو الكارثي» في حرب إيران

وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)
وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)

تتواصل جهود الوسطاء لوقف التصعيد الجديد في المنطقة، وتجنيبها «سيناريو كارثياً»، وفق تحذيرات مصرية رسمية دعت لترجيح الحوار والدبلوماسية مقابل مهلة أخيرة طرحتها واشنطن لاستهداف غير مسبوق لطهران، وتوعُّد إيراني بردٍّ مماثل.

هذه الجهود المتواصلة «أمامها فرصة ولو محدودة» لدفع الأطراف إلى شيء ملموس يُوقف التصعيد الحالي عبر المفاوضات، وفق رؤية دبلوماسي مصري سابق تحدّث لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنه ليس أمام المنطقة في تلك الساعات الحاسمة سوى سيناريوهين؛ الأول كارثيّ بتحول التهديدات إلى دمار شامل للمنطقة، والثاني الذهاب إلى طاولة المفاوضات لوضع حدٍّ لهذه الحرب المشتعلة منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وفي إطار جهود خفض التصعيد واحتواء الموقف العسكرى المتصاعد، واصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاته المكثفة، حيث تواصل مع نظرائه بالعراق فؤاد حسين، وباكستان محمد إسحاق دار، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للشرق الأوسط جان أرنو، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية، الثلاثاء.

وشهدت الاتصالات تقييماً للأوضاع المتسارعة والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران لتحقيق التهدئة وخفض التصعيد.

وشدد عبد العاطى على «ضرورة تغليب الحكمة لنزع فتيل التوتر وتجنب سيناريو كارثى لن يكون أى طرف بمنأى عن تداعياته»، مؤكداً أهمية ترجيح الحوار والدبلوماسية للتوصل إلى حل توافقي يحقق التهدئة ويجنب المنطقة تداعيات واسعة النطاق.

وتناولت الاتصالات التداعيات الوخيمة للحرب على حرية الملاحة وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي وحركة التجارة الدولية، فضلاً عن أمن الطاقة في ضوء ارتفاع الأسعار عالمياً، وتأكيد أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الحرب وتجنب مزيد من عدم الاستقرار وانعدام الأمن.

ونقلت «رويترز»، الثلاثاء، عن مصدرين باكستانيين أن الجهود الرامية لتيسير المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال جارية، غداة حديث «الوكالة» عن تلقّي البلدين مقترحاً من الوسطاء لإنهاء الأعمال العدائية.

كانت أربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات قد صرّحت، لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، بأن الولايات المتحدة وإيران تتناقشان مع الوسطاء - مصر وتركيا وباكستان - حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، واصفين المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في لقاء سابق مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة («الخارجية» المصرية)

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن أن هناك احتمالاً قائماً بأن يقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب العودة للمفاوضات، في ضوء بعض المؤشرات؛ ومنها تمديده المهلة التحذيرية أكثر من مرة، مؤكداً أن استمرار جهود الوسطاء بهذه الكثافة يؤكد إمكانية نجاح المساعي الحالية.

وحذّر ترمب، الثلاثاء، إيران من أن «حضارة بأكملها ستندثر الليلة، ولن تعود أبداً»، مشيراً إلى أنه رغم عدم رغبته في حدوث ذلك، فإنه أمر «من المرجح وقوعه».

وقال ترمب، في تدوينة على منصته «تروث سوشيال»، إن العالم يقف أمام «واحدة من أهم اللحظات في تاريخه الطويل والمعقد»، مضيفاً: «مع تحقيق تغيير كامل وشامل للنظام وبروز عقول أكثر ذكاءً وأقل تطرفاً، قد يحدث أمر ثوري ورائع».

ويوم الأحد الماضي، هدد ترمب إيران بقصف جسورها ومحطاتها للطاقة، مساء الثلاثاء، ما لم تُعِد فتح مضيق هرمز.

في المقابل، قال المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي (القيادة العسكرية المركزية الإيرانية)، في بيان نشرته هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، الاثنين، على تطبيق «تلغرام»: «إذا تكررت الهجمات على الأهداف المدنية، فإن المراحل التالية من عملياتنا الهجومية والانتقامية ستكون أكثر تدميراً وأوسع نطاقاً».

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال السفير حسن إن تحوّل تلك التهديدات إلى واقع «سيحمل سيناريو كارثياً للجميع، وليس لمنطقةٍ بعينها، كما سيتأثر به العالم بأسره».

وأضاف أن السيناريو الآخر يتمثل في بقاء هذه التهديدات مجرد ضغوط لدفع الأطراف إلى المفاوضات ونَيل مكاسب أكبر، في ظل إقرار أميركي بوجودها أساساً على طاولة التفاوض.


حميدتي يُبلغ مبعوث الأمم المتحدة استعداده للتعاون لوقف الحرب السودانية

قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)
قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)
TT

حميدتي يُبلغ مبعوث الأمم المتحدة استعداده للتعاون لوقف الحرب السودانية

قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)
قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)

أكد قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي يرأس حكومة «تأسيس» الموازية في السودان، للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافيستو، استعداده لــ«وقف الحرب، والتعاون لإيصال المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق المتضررة من النزاع في البلاد».

وجرى اللقاء في وقت متأخر من مساء الاثنين، في العاصمة الكينية نيروبي، حسب المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك.

وفي إفادة عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، قال حميدتي إنه بحث مع هافيستو «التطورات السياسية والأمنية إلى جانب الوضع الإنساني والجهود المبذولة لتحقيق السلام والاستقرار».

جانب من اللقاء بين «حميدتي» والمبعوث الأممي في نيروبي (الدعم السريع)

وأضاف أن حكومة «تأسيس» التي تتخذ من مدينة نيالا بدارفور عاصمة لها، «مستعدة للتعاون الكامل مع الأمم المتحدة والعمل على تقديم المساعدات اللازمة بما يسهم في رفع المعاناة عن الشعب السوداني».

وذكر البيان أن حميدتي قدم للمبعوث الأممي «شرحاً حول أسباب الحرب التي أشعلتها جماعة الإخوان المسلمين وأعوانها في الجيش السوداني»، مجدداً تأكيد تمسك حكومته بـ«وحدة البلاد لقطع الطريق على المحاولات الساعية إلى تمزيق السودان وتفكيك نسيجه الاجتماعي».

وشدد قائد «الدعم السريع» على «أهمية إجراء تحقيق شفاف وعادل بشأن الانتهاكات التي تعرض لها السودانيون، وعلى رأسها استخدام السلاح الكيميائي»، مشيراً إلى أن ذلك «يمثل خطوة أساسية نحو وقف الحرب وتحقيق السلام في البلاد... وهذا المطلب لا تنازل عنه تحت أي ظرف من الظروف».

وجدد حميدتي طلبه من الأمم المتحدة فتح مكاتبها في مناطق سيطرة حكومة «تأسيس» في إقليمَي دارفور وكردفان، لتقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين هناك.

من جانبه، أكد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، هافيستو، سعي الأمم المتحدة إلى إنهاء الحرب في البلاد وتحقيق السلام.

ووفق البيان، أشاد هافيستو باستجابة قائد «قوات الدعم السريع» للقاء، الذي تبادلا فيه وجهات النظر حول مجمل الأوضاع في السودان، مشيراً إلى أنه استمع إلى عدد من الأطراف السودانية في إطار البحث عن أنجح الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى حل الأزمة.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، دوجاريك، إن اجتماع مبعوث الأمين العام، مع قائد «الدعم السريع»، «أتاح فرصة بنّاءة لتبادل وجهات النظر واستكشاف سبل عملية لخفض التصعيد وضمان استمرار حماية المدنيين».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان و«حميدتي» خلال تعاونهما لإطاحة نظام عمر البشير وقبل أن يتقاتلا في الحرب الحالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأضاف في إيجاز صحافي، أن جميع الأطراف السودانية التي التقاها المبعوث في نيروبي، أعربت عن استعدادها للتعاون مع الأمم المتحدة، مشيراً في هذا الصدد، إلى اللقاء الذي جمع هافيستو مع رئيس «مجلس السيادة»، عبد الفتاح البرهان، في العاصمة السودانية الخرطوم الأسبوع الماضي، وبحثا فيه الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد.

وأكد دوجاريك «أن هذه اللقاءات أمر مشجع، وتجب ترجمته بسرعة إلى تقدم ملموس نحو إنهاء معاناة جميع السودانيين بصورة نهائية».

وجدد المتحدث باسم الأمم المتحدة، دعوة أطراف النزاع في السودان إلى «ضرورة الوقف الفوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين والبنية التحتية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل سريع وآمن ودون عوائق».

في السياق ذاته، ذكَّر دوجاريك بأن هناك حاجة إلى تمويل إضافي لتقديم المساعدات الإنسانية في السودان، بمبلغ 2.9 مليار دولار للوصول إلى أكثر من 20 مليون شخص في جميع أنحاء البلاد.

تجدد المعارك

ميدانياً تجددت الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الدلنج، ثانية كبرى مدن ولاية جنوب كردفان.

وقال شهود عيان ومصادر عسكرية إن قوات تحالف «تأسيس» المكونة من «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، هاجمت صباح الثلاثاء، مدينة الدلنج، من 3 محاور قتالية.

عائلات سودانية نازحة في الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)

ووفق الشهود، توغلت قوات «تأسيس» وفرضت سيطرتها على منطقة التكمة على أطراف المدينة.

كان الجيش السوداني قد تصدى، الاثنين، لهجوم بري واسع النطاق نفّذته «الدعم السريع» من محاور عدة على الدلنج، واستولى على عربات قتالية ودراجات نارية تخص القوة المهاجمة.

وعلى مدى أكثر من عام، بقيت مدينة الدلنج، التي تبعد نحو 110 كلم عن مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، تخضع لحصار «قوات الدعم السريع»، قبل أن تكسر قوات من الجيش الحصار في 26 يناير (كانون الثاني) الماضي.

Your Premium trial has ended


استنفار أمني وشعبي في الجزائر قبيل الزيارة التاريخية لرئيس الفاتيكان

الرئيس الجزائري مع البابا ليو الرابع عشر في إيطاليا في 25 من يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مع البابا ليو الرابع عشر في إيطاليا في 25 من يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

استنفار أمني وشعبي في الجزائر قبيل الزيارة التاريخية لرئيس الفاتيكان

الرئيس الجزائري مع البابا ليو الرابع عشر في إيطاليا في 25 من يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مع البابا ليو الرابع عشر في إيطاليا في 25 من يوليو الماضي (الرئاسة الجزائرية)

تشهد مدينة عنابة، المعروفة بـ«جوهرة الشرق الجزائري»، حركية استثنائية وتحسينات ملموسة على عدة أصعدة، تحضيراً للزيارة التاريخية للبابا ليو الرابع عشر المرتقبة بين 13 و15 أبريل (نيسان) 2026.

زيارة بأبعاد متعددة

هذه الزيارة في سياق خاص يعكس الأبعاد الروحية والثقافية التي تمثلها، حيث خضعت «كنيسة القديس أوغسطين» ومحيطها لعمليات تجميل وصيانة دقيقة، باعتبارها المحطة المركزية التي سيحيي فيها البابا قداساً ذا رمزية كبيرة، بالنظر إلى ارتباطه بالنظام الأوغسطيني. كما انتهت أشغال التهيئة في «موقع هيبون» (هيبون التسمية القديمة لعنابة) الأثري ومتحفه، ليظهرا في أجمل صورة، مع عرض قطع أثرية نادرة من بينها «الغورغون» وتمثال النصر.

وزيرة الثقافة الجزائرية تتابع اللمسات الأخيرة من أشغال تهيئة كنيسة القديس أوغسطين (الوزارة)

وأشرفت وزيرة الثقافة مليكة بن دودة بنفسها على أشغال التحسين الجارية منذ شهور، حيث أظهرت السلطات العليا للبلاد أهمية غير عادية لهذه الزيارة، التي تعد الأولى لمسؤول الفاتيكان.

وامتدت التحضيرات لتشمل تحسين البنية التحتية والوجه الجمالي للمدينة، التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، من خلال إعادة طلاء الواجهات، وتعزيز الإنارة العمومية، وتهيئة الطرقات المؤدية إلى المواقع التاريخية، إلى جانب إعداد ملف تقني لتصنيف «موقع هيبون» ضمن التراث العالمي لـ«اليونيسكو» في إطار المسارات الأوغسطينية.

الرئيس يلتقي بأبرز المسؤولين المدنيين والعسكريين في إطار التحضيرات لزيارة البابا ليو الرابع عشر (الرئاسة الجزائرية)

كما تم استغلال هذه المناسبة لرفع التجميد عن مشروعات قديمة، من بينها ترميم «القلعة الحفصية»، وتعزيز حماية أسوارها، في خطوة لاقت استحساناً واسعاً لدى سكان المدينة، الذين عبّروا بنوع من الدعابة عن أملهم في تكرار مثل هذه الزيارات، لما تحمله من أثر إيجابي على التنمية المحلية.

وبهذا الخصوص، قال سليمان لمجد، وهو عامل نظافة بوسط مدينة عنابة: «نعمل ليل نهار منذ ثلاثة أشهر لتنظيف كل الشوارع التي سيمر بها موكب البابا. ولم يسبق لي أن شهدت كل هذه الأهمية لزيارة مسؤول أجنبي لمدينتنا، وعلى أي حال، فقد حظي السكان بفرصة رد الاعتبار للمسالك الحضرية، وتأهيل الأرصفة التي تدهورت حالتها منذ فترة طويلة».

وزيرا الشؤون الدينية والخارجية ومدير الديوان بالرئاسة في اجتماع تحضير زيارة البابا (الرئاسة)

وعبر كريم، وهو موظف شركة الاتصالات الحكومية بعنابة، عن بهجة ممزوجة بأسف، بالنظر للظروف الاستثنائية التي تعيشها المدينة، قائلاً: «لست أدري إن كان ينبغي أن نشكر سلطاتنا أم البابا على كل هذه التحسينات التي تزينت بها مدينتنا وعلى أعمال الترميم الواسعة... فقد انتظرنا هذا الاهتمام منذ سنوات طويلة، لكنه لم يأت في النهاية إلا بفضل زيارة شخصية أجنبية».

جانب من أشغال تهيئة طريق بمدينة عنابة (ولاية عناية)

وتبدو مدنية عنابة اليوم، من خلال الأجواء التي تسبق زيارة البابا، كأنها تعيد اكتشاف إرثها الحضاري الممتد لقرون، في مسعى لتقديم صورة حديثة لمدينة، تجمع بين التاريخ والتجدد، وتواكب حدثاً دولياً غير مسبوق بكل ما يحمله من أبعاد رمزية وحضارية.

جاهزية أمنية عالية

وعكست هذه الديناميكية جاهزية رسمية مكثفة، حيث ترأس الرئيس عبد المجيد تبون اجتماع عمل، الاثنين، بحضور كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، خُصّص للوقوف على آخر الترتيبات التنظيمية واللوجيستية لضمان نجاح هذه الزيارة. كما تم في كل من الجزائر العاصمة وعنابة رفع درجة الجاهزية الأمنية والتنظيمية، مع تنسيق محكم بين مختلف الأجهزة لضمان مرور الحدث في ظروف آمنة، تعكس صورة البلاد على الصعيد الدولي.

وزيرة الثقافة ووالي عنابة بالموقع الأثري المسيحي هيبون الذي سيزوره البابا (الوزارة)

وأكد مسؤول بمحافظة الجزائر العاصمة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، مفضّلاً عدم نشر اسمه، أن السلطات الجزائرية «تتعامل مع هذه الزيارة باعتبارها أكثر من مجرد محطة بروتوكولية، بل بوصفها واجهة دولية تعكس قيم التسامح والحوار الروحي. ويتجلى ذلك أيضاً في الحركية الثقافية المتزامنة مع التحضير لمهرجان الفيلم المتوسطي، المقرر في 24 أبريل بعنابة، ما أسهم في تسريع وتيرة تهيئة المرافق الثقافية، على غرار قاعة السينماتيك ومسرح عز الدين مجوبي بالمدينة».

وسط مدينة عنابة (ولاية عنابة)

ومن المرتقب أن يتوزع برنامج الزيارة بين الجزائر العاصمة ومدينة عنابة، حيث سيشمل في العاصمة استقبالاً رسمياً من قبل رئيس الجمهورية وقيادات الدولة، إلى جانب لقاءات دبلوماسية وزيارات لمواقع سيادية. أما في عنابة فسيكون البرنامج متمحوراً حول زيارة موقع هيبون والكنيسة، والمعالم الأثرية، في مشهد يعكس عمق التاريخ الديني والحضاري للمنطقة.

وأعلن الفاتيكان عن البرنامج الرسمي للزيارة التاريخية، حيث ستبدأ الرحلة بمغادرة روما صبيحة يوم 13 أبريل الحالي، باتجاه الجزائر العاصمة. ومن المقرر أن يستهل البابا نشاطه بالمشاركة في مراسم الاستقبال الرسمية، تليها زيارة رمزية إلى «مقام الشهيد»، ثم عقد لقاء مع الرئيس تبون بمقر الرئاسة. كما سيلتقي في «قصر المؤتمرات» التابع لـ«جامع الجزائر» بكل من السلطات العمومية وممثلي المجتمع المدني، وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في البلاد.

وفي مساء اليوم نفسه، سيؤدي البابا زيارة للصرح الديني «جامع الجزائر الأعظم»، ثم يتوجه إلى حي باب الوادي الشعبي العتيق لزيارة «مركز الأخوات الراهبات الأوغسطينيات»، ليختتم يومه الأول بلقاء مع الطائفة المسيحية في «كنيسة سيدة أفريقيا» بأعالي العاصمة.

كنيسة القديس أوغسطين بعنابة (الكنيسة)

وفي 14 من أبريل، ستنتقل الزيارة إلى مدينة عنابة، حيث سيتعرف البابا على المعالم التاريخية في «موقع هيبون» الأثري، ويعقد لقاءات مع «الجماعة الأوغسطينية»، و«جمعية الأخوات الصغيرات للفقراء». وسيكون الحدث الأبرز في هذه المحطة هو إحياء قداس ديني في بازيليك القديس أوغسطين، قبل أن يعود في نهاية اليوم إلى الجزائر العاصمة تأهباً لختام زيارته.