ليزرات مطورة لتعطيل أقمار التجسس الصناعية

تشوش عمل أجهزة الاستشعار البصرية الفضائية

ليزرات مطورة لتعطيل أقمار التجسس الصناعية
TT

ليزرات مطورة لتعطيل أقمار التجسس الصناعية

ليزرات مطورة لتعطيل أقمار التجسس الصناعية

كشف تقرير أخير نشره موقع «ذا سبيس ريفيو» أن روسيا بصدد بناء منشأة ليزر أرضية لإعاقة عمل الأقمار الصناعية، التي تدور في سماء الأرض. وتهدف فكرة المنشأة إلى تعمية أجهزة الاستشعار البصرية في أقمار التجسّس التابعة لدولٍ أخرى، عبر «إغراقها» بضوء الليزر.

ليزرات مطورة

تشهد تقنية الليزر تطوّراً هائلاً، إلى درجة أصبح فيها هذا الدفاع المضاد للأقمار الصناعية ممكناً. ولكن إذا نجحت روسيا ببناء هذه المنشأة، فإنها ستصبح قادرة على حجب مساحة كبيرة من البلاد عن الأقمار الصناعية المزوّدة بأجهزة استشعار بصرية، فضلاً عن أنّها ستفتح الباب لمزيد من الاحتمالات المشؤومة لصناعة أسلحة ليزر قادرة على تعطيل الأقمار الصناعية بشكلٍ دائم وكامل.
• كيف يعمل الليزر؟ الليزر هو جهاز ينبعث منه شعاع ضيّق من الطاقة الموجّهة. وقد طُوّر أول جهاز ليزر عام 1960. وظهرت منذ ذلك الوقت أنواع عدّة تستخدم نفس الآليات الفيزيائية لتوليد الفوتونات أو «جسيمات» الضوء.
يضخّ الليزر الغازي كميات كبيرة من الطاقة في جزيئات محدّدة، مثل ثاني أكسيد الكربون، بينما يستمدّ الليزر الكيميائي طاقته من تفاعلات كيميائية محدّدة تطلق الطاقة. بدوره، يستخدم ليزر الحالة الصلبة مواد بلّورية مخصّصة لتحويل الطاقة الكهربائية إلى فوتونات. ولكن في جميع أنواع الليزر، تشهد الفوتونات تضخيماً لاحقاً من خلال تمريرها عبر نوعٍ خاص من المواد المعروفة باسم «الوسط الفعّال»، لتتركّز بعدها في شعاع متماسك بواسطة موجّه شعاعي.
• تأثيرات الليزر. يستطيع شعاع الطاقة الناتجة عن الليزر توليد مجموعة متنوعة من التأثيرات حسب كثافة وطول موجة الفوتون. فإذا كانت الفوتونات موجودة في الجزء المرئي من الطيف مثلاً، يستطيع الليزر توصيل الضوء المرئي إلى هدفه. يستطيع الليزر أيضاً تسخين وتبخير وإذابة، وحتى حرق، المواد الموجودة في الهدف عندما يتمكن من تحقيق تدفّق عالٍ وكافٍ من الفوتونات عالية الطاقة. تعتمد القدرة على إنتاج هذه التأثيرات على مستوى قوّة الليزر، والمسافة الفاصلة بينه وبين هدفه، والقدرة على تركيز الشعاع على الهدف.

تطبيقات الليزر

تتجلّى التأثيرات المتنوّعة لليزر في تطبيقات واسعة الانتشار في حياتنا اليومية، أبرزها مؤشرات الليزر اليدوية، وآلات الطباعة، ومشغّلات قرص الفيديو الرقمي، وتوظيفه في الإجراءات الجراحية في شبكية العين وغيرها من الأعضاء، بالإضافة إلى العمليات الصناعية والتصنيعية كالقصّ والتلحيم. ويسعى الباحثون اليوم لتطوير أضواء ليزر تحلّ محلّ تقنية موجات الراديو في تقوية الاتصالات بين السفن الفضائية والأرض.
يبرز الليزر في تطبيقات عدّة في المجال العسكري أيضاً، أبرزها سلاح الليزر المحمول المثبّت في الطائرات، الذي كان ينوي الجيش الأميركي استخدامه للتصدّي للصواريخ الباليستية. يتألّف السلاح من ليزر كبير جداً، وعالي الطاقة، مثبّت في طائرة «بوينغ 747». ولكنّ البرنامج أُلغي بسبب التحدّيات التي ترافق التنظيم الحراري وصيانة الليزر الكيميائي.
ساهم الأداء المتقدّم لليزر الحالة الصلبة في ابتكار تطبيقات عسكرية جديدة، حيث عمد الجيش الأميركي إلى تثبيت أجهزة ليزر على الشاحنات العسكرية وسفن القوات البحرية للدفاع عن نفسها في وجه الأهداف صغيرة الحجم كطائرات «الدرون» وقذائف «الهاون». تدرس القوات الجويّة بدورها استخدام الليزر لأهداف دفاعية وهجومية على الطائرات.

ليزر روسي

تحمل منشأة «الليزر» الروسية الناشئة اسم «كالينا» Kalina، وتهدف إلى تشتيت وتعمية أجهزة الاستشعار البصرية المزروعة في الأقمار الصناعية التي تجمع البيانات الاستخبارية من الفضاء. يعمل التشتيت على صدّ أجهزة الاستشعار البصرية بقدرٍ كافٍ من الشعاع لتعطيلها. ولكنّ هذه المهمّة ليست سهلة نظراً لبعد المسافات، وضرورة مرور شعاع الليزر عبر غلاف الأرض الجوي أولاً.
لا يُعدّ تسليط الليزر بشكلٍ دقيق فوق مساحات كبيرة في الفضاء بالأمر الجديد. فقد وضعت مهمّة «أبولو 15» التي أرسلتها لـ«ناسا» عام 1971 عاكسات بعرض مترٍ واحد على القمر استهدفتها أجهزة ليزر موضوعة على الأرض لتأمين معلومات عن التموضع. ولكنّ توصيل الفوتونات الكافية لمسافات بعيدة يعتمد على قوّة الليزر ونظامه البصري.
تنتج منشأة «كالينا» أشعة فوق حمراء نابضة بمعدّل ألف جول في السنتيمتر المربّع الواحد، بينما يستهلك الليزر النابض الذي يُستخدم في جراحات شبكية العين نحو 1 - 10000 من هذه الطاقة. وتنشر منشأة «كالينا» جزءاً كبيراً من الفوتونات التي تولّدها على امتداد المساحات الواسعة التي تغطيها مراقبة الأقمار الصناعية، وذلك لأنّ الليزر يوصل أشعّته بموازاة عالية، ما يعني أنّ الفوتونات تسافر باتجاه موازٍ لضمان عدم توسّع رقعة انتشار الشعاع. تركّز «كالينا» شعاعها باستخدام تلسكوب لا يتعدّى قطره بضعة أمتار.
تعمل الأقمار الصناعية التجسسية التي تستخدم أجهزة استشعار بصرية في مدار الأرض المنخفض على ارتفاع بعض مئات الكيلومترات، وتحتاج غالباً إلى بضع دقائق فقط للمرور فوق نقطة معيّنة على سطح الأرض، ما يتطلّب من «كالينا» عملاً متواصلاً، ولفترات طويلة، مع المحافظة على رصدٍ مستمرّ لأجهزة الاستشعار البصرية بمساعدة نظام التلسكوب.
تشير المعلومات المرسلة من التلسكوب إلى أنّ «كالينا» ستكون قادرة على استهداف قمر صناعي يحوم في الفضاء في مسار يمتدّ لمئات الكيلومترات، الأمر الذي سيسمح بحجب منطقة كبيرة جداً (بمساحة تقريبية تصل إلى 100 ألف كيلومتر مربّع) عن المهمّة الاستخبارية الموكلة لأجهزة الاستشعار البصرية في الأقمار الصناعية.
يدّعي الروس أنهم وظّفوا نظام ليزر مشتِّتاً أقلّ قوّة على ظهر شاحنة، عام 2019، سموه «بيريسفيت» (Peresvet)، دون التصريح بأي معلومات عن نتائج عمله.
من المتوقّع أن نشهد تزايداً في قوّة الليزر إلى درجة تتجاوز تأثير التشتيت الحالي إلى إحداث ضرر دائم في أدوات التصوير في أجهزة الاستشعار. يستوجب تقدّم تقنية الليزر في هذا الاتجاه دراسة مسائل سياسية مهمّة، لا سيما أن تدمير جهاز استشعار مثبّت في الفضاء تابع لدولة معيّنة يمكن أن يوضع في خانة النشاطات العدائية التي تؤدّي إلى تفاقم سريع للتوتر.

ليزر فضائي

ولكنّ الخوف الأكبر يترتّب على التوظيف المحتمل لأسلحة الليزر في الفضاء البعيد، لا سيما إذا تعزّزت فعالية هذه الأنظمة، في ظل تقلّص المسافات نحو الهدف، وغياب الغلاف الجوي الذي يضعف الشعاع عادة. علاوة على ذلك، تحتاج أجهزة الليزر المثبتة في الفضاء إلى قوّة أقلّ للتسبب بضرر كبير في المركبة الفضائية مقارنة بالأنظمة العاملة من على سطح الأرض. يمكن أيضاً استخدام الليزر في الفضاء لاستهداف أي قمر صناعي، من خلال تصويبه على خزّانات دافعة وأنظمة طاقة، ما قد يعطّل عمله بالكامل. ومع استمرار تطوّر هذه التقنية، ترتفع أرجحية استخدام أسلحة الليزر في الفضاء، وهنا تطرح التساؤلات حول العواقب المستقبلية لها.
* أستاذ في هندسة الطيران
والفضاء الجوي في جامعة
كولورادو الأميركية
«فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟