ليزرات مطورة لتعطيل أقمار التجسس الصناعية

تشوش عمل أجهزة الاستشعار البصرية الفضائية

ليزرات مطورة لتعطيل أقمار التجسس الصناعية
TT

ليزرات مطورة لتعطيل أقمار التجسس الصناعية

ليزرات مطورة لتعطيل أقمار التجسس الصناعية

كشف تقرير أخير نشره موقع «ذا سبيس ريفيو» أن روسيا بصدد بناء منشأة ليزر أرضية لإعاقة عمل الأقمار الصناعية، التي تدور في سماء الأرض. وتهدف فكرة المنشأة إلى تعمية أجهزة الاستشعار البصرية في أقمار التجسّس التابعة لدولٍ أخرى، عبر «إغراقها» بضوء الليزر.

ليزرات مطورة

تشهد تقنية الليزر تطوّراً هائلاً، إلى درجة أصبح فيها هذا الدفاع المضاد للأقمار الصناعية ممكناً. ولكن إذا نجحت روسيا ببناء هذه المنشأة، فإنها ستصبح قادرة على حجب مساحة كبيرة من البلاد عن الأقمار الصناعية المزوّدة بأجهزة استشعار بصرية، فضلاً عن أنّها ستفتح الباب لمزيد من الاحتمالات المشؤومة لصناعة أسلحة ليزر قادرة على تعطيل الأقمار الصناعية بشكلٍ دائم وكامل.
• كيف يعمل الليزر؟ الليزر هو جهاز ينبعث منه شعاع ضيّق من الطاقة الموجّهة. وقد طُوّر أول جهاز ليزر عام 1960. وظهرت منذ ذلك الوقت أنواع عدّة تستخدم نفس الآليات الفيزيائية لتوليد الفوتونات أو «جسيمات» الضوء.
يضخّ الليزر الغازي كميات كبيرة من الطاقة في جزيئات محدّدة، مثل ثاني أكسيد الكربون، بينما يستمدّ الليزر الكيميائي طاقته من تفاعلات كيميائية محدّدة تطلق الطاقة. بدوره، يستخدم ليزر الحالة الصلبة مواد بلّورية مخصّصة لتحويل الطاقة الكهربائية إلى فوتونات. ولكن في جميع أنواع الليزر، تشهد الفوتونات تضخيماً لاحقاً من خلال تمريرها عبر نوعٍ خاص من المواد المعروفة باسم «الوسط الفعّال»، لتتركّز بعدها في شعاع متماسك بواسطة موجّه شعاعي.
• تأثيرات الليزر. يستطيع شعاع الطاقة الناتجة عن الليزر توليد مجموعة متنوعة من التأثيرات حسب كثافة وطول موجة الفوتون. فإذا كانت الفوتونات موجودة في الجزء المرئي من الطيف مثلاً، يستطيع الليزر توصيل الضوء المرئي إلى هدفه. يستطيع الليزر أيضاً تسخين وتبخير وإذابة، وحتى حرق، المواد الموجودة في الهدف عندما يتمكن من تحقيق تدفّق عالٍ وكافٍ من الفوتونات عالية الطاقة. تعتمد القدرة على إنتاج هذه التأثيرات على مستوى قوّة الليزر، والمسافة الفاصلة بينه وبين هدفه، والقدرة على تركيز الشعاع على الهدف.

تطبيقات الليزر

تتجلّى التأثيرات المتنوّعة لليزر في تطبيقات واسعة الانتشار في حياتنا اليومية، أبرزها مؤشرات الليزر اليدوية، وآلات الطباعة، ومشغّلات قرص الفيديو الرقمي، وتوظيفه في الإجراءات الجراحية في شبكية العين وغيرها من الأعضاء، بالإضافة إلى العمليات الصناعية والتصنيعية كالقصّ والتلحيم. ويسعى الباحثون اليوم لتطوير أضواء ليزر تحلّ محلّ تقنية موجات الراديو في تقوية الاتصالات بين السفن الفضائية والأرض.
يبرز الليزر في تطبيقات عدّة في المجال العسكري أيضاً، أبرزها سلاح الليزر المحمول المثبّت في الطائرات، الذي كان ينوي الجيش الأميركي استخدامه للتصدّي للصواريخ الباليستية. يتألّف السلاح من ليزر كبير جداً، وعالي الطاقة، مثبّت في طائرة «بوينغ 747». ولكنّ البرنامج أُلغي بسبب التحدّيات التي ترافق التنظيم الحراري وصيانة الليزر الكيميائي.
ساهم الأداء المتقدّم لليزر الحالة الصلبة في ابتكار تطبيقات عسكرية جديدة، حيث عمد الجيش الأميركي إلى تثبيت أجهزة ليزر على الشاحنات العسكرية وسفن القوات البحرية للدفاع عن نفسها في وجه الأهداف صغيرة الحجم كطائرات «الدرون» وقذائف «الهاون». تدرس القوات الجويّة بدورها استخدام الليزر لأهداف دفاعية وهجومية على الطائرات.

ليزر روسي

تحمل منشأة «الليزر» الروسية الناشئة اسم «كالينا» Kalina، وتهدف إلى تشتيت وتعمية أجهزة الاستشعار البصرية المزروعة في الأقمار الصناعية التي تجمع البيانات الاستخبارية من الفضاء. يعمل التشتيت على صدّ أجهزة الاستشعار البصرية بقدرٍ كافٍ من الشعاع لتعطيلها. ولكنّ هذه المهمّة ليست سهلة نظراً لبعد المسافات، وضرورة مرور شعاع الليزر عبر غلاف الأرض الجوي أولاً.
لا يُعدّ تسليط الليزر بشكلٍ دقيق فوق مساحات كبيرة في الفضاء بالأمر الجديد. فقد وضعت مهمّة «أبولو 15» التي أرسلتها لـ«ناسا» عام 1971 عاكسات بعرض مترٍ واحد على القمر استهدفتها أجهزة ليزر موضوعة على الأرض لتأمين معلومات عن التموضع. ولكنّ توصيل الفوتونات الكافية لمسافات بعيدة يعتمد على قوّة الليزر ونظامه البصري.
تنتج منشأة «كالينا» أشعة فوق حمراء نابضة بمعدّل ألف جول في السنتيمتر المربّع الواحد، بينما يستهلك الليزر النابض الذي يُستخدم في جراحات شبكية العين نحو 1 - 10000 من هذه الطاقة. وتنشر منشأة «كالينا» جزءاً كبيراً من الفوتونات التي تولّدها على امتداد المساحات الواسعة التي تغطيها مراقبة الأقمار الصناعية، وذلك لأنّ الليزر يوصل أشعّته بموازاة عالية، ما يعني أنّ الفوتونات تسافر باتجاه موازٍ لضمان عدم توسّع رقعة انتشار الشعاع. تركّز «كالينا» شعاعها باستخدام تلسكوب لا يتعدّى قطره بضعة أمتار.
تعمل الأقمار الصناعية التجسسية التي تستخدم أجهزة استشعار بصرية في مدار الأرض المنخفض على ارتفاع بعض مئات الكيلومترات، وتحتاج غالباً إلى بضع دقائق فقط للمرور فوق نقطة معيّنة على سطح الأرض، ما يتطلّب من «كالينا» عملاً متواصلاً، ولفترات طويلة، مع المحافظة على رصدٍ مستمرّ لأجهزة الاستشعار البصرية بمساعدة نظام التلسكوب.
تشير المعلومات المرسلة من التلسكوب إلى أنّ «كالينا» ستكون قادرة على استهداف قمر صناعي يحوم في الفضاء في مسار يمتدّ لمئات الكيلومترات، الأمر الذي سيسمح بحجب منطقة كبيرة جداً (بمساحة تقريبية تصل إلى 100 ألف كيلومتر مربّع) عن المهمّة الاستخبارية الموكلة لأجهزة الاستشعار البصرية في الأقمار الصناعية.
يدّعي الروس أنهم وظّفوا نظام ليزر مشتِّتاً أقلّ قوّة على ظهر شاحنة، عام 2019، سموه «بيريسفيت» (Peresvet)، دون التصريح بأي معلومات عن نتائج عمله.
من المتوقّع أن نشهد تزايداً في قوّة الليزر إلى درجة تتجاوز تأثير التشتيت الحالي إلى إحداث ضرر دائم في أدوات التصوير في أجهزة الاستشعار. يستوجب تقدّم تقنية الليزر في هذا الاتجاه دراسة مسائل سياسية مهمّة، لا سيما أن تدمير جهاز استشعار مثبّت في الفضاء تابع لدولة معيّنة يمكن أن يوضع في خانة النشاطات العدائية التي تؤدّي إلى تفاقم سريع للتوتر.

ليزر فضائي

ولكنّ الخوف الأكبر يترتّب على التوظيف المحتمل لأسلحة الليزر في الفضاء البعيد، لا سيما إذا تعزّزت فعالية هذه الأنظمة، في ظل تقلّص المسافات نحو الهدف، وغياب الغلاف الجوي الذي يضعف الشعاع عادة. علاوة على ذلك، تحتاج أجهزة الليزر المثبتة في الفضاء إلى قوّة أقلّ للتسبب بضرر كبير في المركبة الفضائية مقارنة بالأنظمة العاملة من على سطح الأرض. يمكن أيضاً استخدام الليزر في الفضاء لاستهداف أي قمر صناعي، من خلال تصويبه على خزّانات دافعة وأنظمة طاقة، ما قد يعطّل عمله بالكامل. ومع استمرار تطوّر هذه التقنية، ترتفع أرجحية استخدام أسلحة الليزر في الفضاء، وهنا تطرح التساؤلات حول العواقب المستقبلية لها.
* أستاذ في هندسة الطيران
والفضاء الجوي في جامعة
كولورادو الأميركية
«فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»



تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر
TT

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة كولومبيا الأميركية، عن إمكانية استخدام مزيج من تحليل للدم وفحص جيني للتنبؤ بموعد ظهور الأعراض الأولى لمرض ألزهايمر لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به، وذلك قبل ظهور الأعراض بنحو 3 إلى 6 سنوات.

مؤشر حيوي ومتغير جيني

تشير النتائج إلى أن قياس مستويات المؤشر الحيوي (p-tau217) في الدم، إلى جانب الكشف عن المتغير الجيني عالي الخطورة (APOE4)، قد يساعدان الأطباء مستقبلاً في تقدير موعد بدء الأعراض لدى الأشخاص الذين لا يعانون حالياً أي علامات واضحة للتدهور المعرفي، ما قد يتيح تحديد التوقيت الأنسب لبدء العلاجات الوقائية.

ونُشرت الدراسة في 9 سبتمبر (أيلول) 2026 بدورية «The Lancet Neurology»، وحللت بيانات نحو 8500 مشارك من خلفيات عرقية متنوعة. ووجد الباحثون أنه بمجرد ارتفاع مستويات «p-tau217» كان الأشخاص الذين يحملون نسخة واحدة أو أكثر من جين «APOE4»، أكثر عرضة لظهور أعراض ألزهايمر خلال 3 إلى 4 سنوات، في حين كان من يحملون متغيرات أخرى من جين «APOE» أكثر عرضة لظهور الأعراض خلال 5 إلى 6 سنوات.

وقال ريتشارد مايو، رئيس قسم طب الأعصاب في كلية فاجيلوس للأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا، وكبير أطباء الأعصاب في مركز نيويورك - بريسبتيريان - جامعة كولومبيا إيرفينغ الطبي بالولايات المتحدة، إن الجمع بين الاختبارين يُحدث فرقاً حقيقياً في القدرة على التنبؤ.

وأضاف أن هذه الطريقة قد تتيح مستقبلاً إجراء توقعات أكثر دقة بشأن موعد ظهور الأعراض لدى الأشخاص المعرضين للخطر، وتحديد الوقت المناسب لوصف الأدوية الوقائية عند توفرها.

لماذا لا يكفي تحليل مؤشر الدم وحده؟

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في اختبارات الدم التي تقيس «p-tau217»، وهو مؤشر حيوي يرتبط بالتغيرات المرضية لبروتيني الأميلويد وتاو في الدماغ. وأصبحت هذه الاختبارات تُستخدم بصورة متزايدة لمساعدة أطباء الأعصاب في تأكيد الإصابة بألزهايمر، أو استبعادها لدى كبار السن الذين يعانون فقدان الذاكرة أو التراجع المعرفي.

لكن ارتفاع مستويات «p-tau217» يمكن أن يظهر أيضاً لدى أشخاص لم تبدأ لديهم الأعراض بعد ما أثار احتمال استخدامه للكشف المبكر عن المرض. لذا وجد الباحثون أن الاعتماد على «p-tau217» وحده لا يوفر دقة كافية للتنبؤ بموعد ظهور الأعراض. لذلك بحث الفريق المشارك بالدراسة في إمكانية تحسين التوقعات من خلال الجمع بين المؤشر الحيوي والعامل الوراثي المرتبط بخطر الإصابة.

وركزت الدراسة على «APOE4» الذي يُعدّ أقوى عامل وراثي شائع مرتبط بزيادة خطر الإصابة بألزهايمر، ويحمل نحو شخص واحد من كل 5 أشخاص، نسخة واحدة على الأقل منه.

التدخل العلاجي المبكر

هل يمكن أن تساعد النتائج في توقيت العلاج؟ قد تصبح هذه النتائج أكثر أهمية مع انتقال علاجات ألزهايمر الجديدة نحو التدخل في مراحل مبكرة من المرض. ويجري تطوير واختبار عدد من الأدوية بهدف إبطاء تطور المرض، بما في ذلك دراسات تبحث فيما إذا كان العلاج قبل ظهور الأعراض يمكن أن يؤخر أو يمنع التدهور المعرفي.

ومع ذلك لا يوصي الباحثون في الوقت الحالي بإجراء هذه الاختبارات بصورة روتينية للأشخاص الذين لا يعانون أعراضاً، لأن الخيارات العلاجية المتاحة بناءً على هذه التنبؤات لا تزال محدودة. وقال مايو: «لا أوصي حالياً بأن يخضع الأشخاص الذين لا يعانون أعراضاً لهذه الاختبارات»، مشيراً إلى أن الأشخاص الذين لم تظهر عليهم الأعراض لا يُسمح لهم حالياً بتلقي أدوية الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (monoclonal antibody) المعتمدة لعلاج ألزهايمر.

علاجات وقائية جديدة

لكن هذا الوضع قد يتغير سريعاً مع ظهور علاجات وقائية جديدة. وتجري حالياً دراسة لمعرفة ما إذا كانت أدوية الأجسام المضادة قادرة على إبطاء تطور المرض عندما تُعطى لأشخاص لديهم مستويات مرتفعة من «p-tau217»، لكنهم لم يصابوا بعد بأعراض ألزهايمر.

وإذا أثبتت العلاجات المستقبلية قدرتها على تأخير ظهور الأعراض أو الوقاية منها، فقد تساعد نتائج الدراسة الجديدة في تحديد الفترة التي يمكن أن يكون فيها التدخل العلاجي أكثر فاعلية.

وبالنسبة للأشخاص الذين يحملون «APOE4»، تشير الدراسة إلى أن ارتفاع مستويات «p-tau217» قد يمثل نافذة زمنية تبلغ نحو 3 سنوات قبل ظهور الأعراض، بينما قد تمتد هذه الفترة إلى نحو 5 أو 6 سنوات لدى الأشخاص الذين لا يحملون هذا المتغير الجيني.

ويؤكد الباحثون أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى دقة هذا النهج عند استخدامه في الممارسة الطبية، وما إذا كان الاعتماد على هذه التنبؤات لتوجيه العلاج يمكن أن يؤدي بالفعل إلى تأخير ظهور أعراض مرض ألزهايمر.


الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء
TT

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

في ظهيرة أحد الأيام الماضية، كان عدد من العلماء يتحرك بنشاط ودأب داخل مختبر في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس، حيث عكفوا على إجراء سلسلة من التجارب. وكانت تجهيزات المختبر اعتيادية: خزانة تهوية مخصصة للتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، وحاضنة لزراعة الخلايا. كما بدت إجراءات العمل مطابقة لما يجري في مختبرات علم الأحياء في كل مكان.

ذكاء اصطناعي للمراقبة

إلا أنه مع إمعان النظر، ظهرت بعض الأمور الغريبة؛ إذ كان معظم العلماء يضعون كاميرات صغيرة مثبتة على عصابات للرأس إلى جانب المعاطف والقفازات الواقية التي يرتدونها. وتولت ثلاث كاميرات إضافية مراقبة كل محطة عمل من أعلى، حيث كانت مثبتة على رف قريب.

أما الغريب واللافت فكان غياب دفاتر التسجيلات المختبرية. وبدلاً منها، كان العلماء يصفون عملهم بصوت خافت، وهم يتمتمون في ميكروفونات. وفي أحد أطراف المختبر، تجمع فريق لمراجعة تسجيلات مصورة للتجارب.

في واقع الأمر، كان هذا هو بحث حقيقي يجري داخل المختبر، فمن خلال منظومة من أجهزة الاستشعار والبرمجيات، صُممت لتسجيل ما يحدث في أثناء إجراء التجارب، بدقة تصل إلى مستوى الملّي ثانية، كان العلماء يدربون نماذج للذكاء الاصطناعي على التعرف إلى كل أداة يستخدمها العلماء، وكل حركة أو إجراء يتخذونه.

والمثير هنا أن الذكاء الاصطناعي ألًف سرداً خاصاً به، وصف من خلاله كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور بجمل مثل: «يعيد المشغّل تعليق الراسب، بتحريكه إلى أعلى وأسفل 10 مرات باستخدام الماصّة».

تعود هذه التكنولوجيا إلى شركة ناشئة تُدعى «ترانسفير»، أسست حديثاً، بعدما جمعت تمويلاً أولياً بقيمة 25 مليون دولار. وهي تسعى إلى معالجة تحدٍّ قديم قِدم البحث العلمي نفسه: رصد العوامل الخفية التي تجعل بعض التجارب تنجح، بينما تفشل أخرى.

إن الفشل قد يتخذ صوراً كثيرة. وعلى سبيل المثال، قد يقضي الباحثون شهوراً في إعداد سلالة من الخلايا المعدلة هندسياً، لتموت الخلايا فجأة على نحو غامض. وقد ينجح اختبار حكومي مثلاً للكشف عن فيروس «كورونا» في مختبر ما، ثم يفشل في اكتشاف الفيروس، عندما يستخدمه باحثون في مختبرات أخرى.

ويمكن أن تنجح شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية في ابتكار دواء جديد واعد، لكن ما إن تسلّم بروتوكول إنتاجه إلى فريق يتولى تصنيعه على نطاق واسع، تختفي فاعلية الدواء فجأة.

في هذا الصدد، قالت آنا ماري فاغنر، المؤسسة المشاركة في شركة «ترانسفير»: «إنها مشكلة مؤلمة للغاية. يبدأ تبادل الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك: هل كان البروتوكول الذي اتبعته خاطئاً؟ أم أنك ارتكبت خطأ ما؟ هذه أخطاء باهظة التكلفة للغاية، من حيث الوقت والمال وحياة البشر».

أيدي العلماء «السحرية»

العجيب أن النجاح لا يقل غموضاً أحياناً عن الفشل، فهناك باحثون يحالفهم النجاح باستمرار في تجاربهم، فيثيرون إعجاب زملائهم وحيرتهم في آن واحد. بل إن العلماء لديهم مصطلح خاص لوصف هذه الموهبة: «الأيدي السحرية». وقد تبدو هذه الفكرة مثيرة للدهشة لمن لا يقضون حياتهم داخل المختبرات؛ فالعلم، في نهاية المطاف، لا يُفترض أن يكون ضرباً من ضروب السحر.

بوجه عام، عندما يجري العلماء تجاربهم، فإنهم يحرصون على تسجيل نتائجها بدقة، سواء في دفاتر المختبر أو لاحقاً في أوراق بحثية منشورة. ويستعين باحثون آخرون بهذه المعلومات لمحاولة تكرار التجربة.

ومع ذلك، فإنه بمرور الوقت كل عالم يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن المعرفة الأساسية التي يحتاج إليها ليست بالضرورة مدونة في أي مكان. وفي هذا السياق، شرح جوناثان ليفني، كبير الباحثين لدى «معهد برود»، الذي تعاون مع شركة «ترانسفير»: «البروتوكول أشبه بالوصفة. يمكنك أن تعطي شخصاً وصفة، لكن هذا لا يعني أنها ستجعله طاهياً ماهراً».

ومثلما الحال مع الطهاة المتدربين، يقضي العلماء سنوات في التعلم والتدريب، ويلازمون الخبراء، ويطرحون الأسئلة، ويجربون بأنفسهم مختلف الإجراءات والأساليب.

ولكي تنجح تجربة ما، قد يضطر العالم إلى اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة على مدار اليوم. مثلاً، إذا كان أحد الأنابيب يحتاج إلى الرجّ، فهل يُترك ليدور على منصة اهتزاز، أم يكفي تحريكه ذهاباً وإياباً باليد؟

وأضاف ليفني: «أحياناً لا يعرف الأشخاص البارعون حقاً سر براعتهم؛ فهم لا يتذكرون المرات العشرين، التي جربوا فيها طرقاً أخرى وفشلت».

في ستينات القرن الماضي، أطلق الكيميائي والفيلسوف المجري مايكل بولاني، اسماً على هذه الخبرة الغامضة: «المعرفة الضمنية». وكان يردد دوماً: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وفيما بينهم، بات العلماء يتفقون عموماً مع بولاني على أن المعرفة الضمنية، تشكل جزءاً أساسياً من البحث العلمي، لكنها قد تعرقل تقدمه كذلك.

رصد تقدم البحوث

نظرياً، يتقدم العلم حين يبني الباحثون على ما توصل إليه من سبقوهم. وعندما تصدر دراسة جديدة، يحاول علماء آخرون تكرار العمل الذي أُجري فيها، فإذا كانت النتيجة الأصلية صحيحة، فمن المفترض أن تؤدي محاولة تكرارها إلى النتائج نفسها.

بيد أن المثير للدهشة أن ذلك لا يحدث، في الغالب. وهنا، تمثل المعرفة الضمنية جزءاً من المشكلة. وعليه، يبقى العلماء عاجزون عن معرفة الطريقة الدقيقة لتكرار دراسة ما بمجرد قراءة ما كُتب عنها.

خلال عملها بأبحاث ما بعد الدكتوراه، أدركت رينيه ويغرزين، إحدى مؤسسات شركة «ترانسفير»، هذه الفجوة بوضوح. فقد كانت تدون تفاصيل تجاربها على البروتينات في دفتر المختبر، لكن ما سجّلته لم يكن سوى جزء بسيط من جهودها.

وعندما نشرت ويغرزين نتائجها اضطرت إلى اختزال سجلاتها بدرجة أكبر. وقالت: «أمضيت ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، ثم جرى اختزال كل ذلك في ورقة بحثية من ثلاث صفحات».

وبطبيعة الحال، غابت عن تلك الملاحظات والتقارير، جميع القرارات الصغيرة التي اتخذتها ويغرزين، في أثناء إجراء أبحاثها.

وقال برايان نوسِك، الخبير في دلائل تكرار الدراسات بجامعة فرجينيا، والذي لا تربطه صلة بشركة «ترانسفير»: «قد تكون كل هذه التفاصيل مهمة، لكننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين ما إن كانت مهمة بالفعل».

وعندما تفشل دراسة مكررة في الوصول إلى النتائج الأصلية، فإن هذا قد يعني أن الدراسة الأولى كانت خاطئة. وربما كانت صحيحة بالفعل، لكن العلماء الذين حاولوا تكرارها ارتكبوا خطأً ما، من دون أن يدركوا ذلك. وقد يكون من الصعب على فرق العلماء أن تتفق على ما حدث بالضبط.

عام 1993، أفادت عالمة النفس فرانسيس راوشَر وزملاؤها بأن الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى من تأليف فولفغانغ أماديوس موتسارت، يحققون تحسناً مؤقتاً في اختبارات الاستدلال. وأدى الجدل الذي أُثير حول ما عُرف باسم «تأثير موتسارت»، إلى دفع باحثين آخرين لإجراء تجاربهم الخاصة.

المثير أن كثيرين منهم لم يجدوا أي فائدة تُذكر. أما راوشَر، فقد قللت من أهمية هذه الإخفاقات، وقالت إن العلماء الآخرين لم يجربوا «تأثير موتسارت»، لأنهم لم يكونوا بارعين بما يكفي في إجراء التجارب؛ أي إنهم لم يكونوا «طهاة» علميين جيدين.

ولسنوات طويلة، استمر البحث عن «تأثير «موتسارت». وفي نهاية المطاف، لم يجد علماء آخرون سوى أدلة ضئيلة على وجوده.

ودفع هذا الوضع بعض العلماء نحو البحث عن وسائل جديدة لنقل المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، عام 2006، أسس عالم الأحياء موشي بريتسكر دورية علمية حملت اسم «JoVE» تُنشر فيها مقاطع مصورة لعلماء، وهم يجرون تجارب معقدة.

وعام 2014، أنشأ عالم الأحياء ليني تيتلمان منصة تتيح للعلماء مشاركة بروتوكولاتهم ومناقشتها. ويستخدم الباحثون الموقع، ويحمل اسم «بروتوكولز دوت آي أو Protocols.io »، للمساعدة في تدريب الأعضاء الجدد في مختبراتهم، خاصة بعد رحيل العلماء ذوي الخبرة، الذين لطالما امتلكوا تلك «الأيدي السحرية».

أما ويغرزِن وفاغنر فتعملان من خلال «ترانسفير» على بناء نظام قادر على جمع كميات هائلة من البيانات عما يحدث داخل المختبر، في صورة تسجيلات مصورة وتسجيلات صوتية وبيانات صادرة عن أجهزة الاستشعار في معدات المختبر. بل وتتبع «ترانسفير» مصدر مستلزمات العمل، وصولاً إلى أرقام تشغيلات علب القفازات. والسؤال: لماذا كل هذا؟ عن ذلك، أجابت فاغنر: «ربما كان هناك أبخرة أو مواد متصاعدة من القفاز تؤثر في تجربتك».

من جهته، يرى نوسِك أن هذا النهج الجديد قد يكشف بعض الأسرار التي تفسر سبب نجاح التجارب أو فشلها. وقال: «أكثر ما يعجبني في عملهم أنهم ينطلقون بكل قوة في محاولة تفكيك كل تفصيلة. من المنطقي تماماً أن نذهب إلى أبعد مدى، ثم نكتشف ما الذي يهم بالفعل».

وتُدخل الشركة سجلها الرقمي للتجارب إلى أجهزة حاسوبية جرى تدريبها على التعرف إلى المعدات المستخدمة في تجارب الكيمياء الحيوية. وتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبع المعدات، إلى جانب أيدي العلماء، وفك شفرة كل إجراء يقومون به.

وقد كشف هذا التحليل عن أن العاملين في المختبرات يجرون التجربة نفسها بطرق مختلفة للغاية. وعن هذا، قالت فاغنر: «إن حجم التباين الذي نراه حتى بين العلماء المدربين جيداً، مذهل حقاً».

جدير بالذكر هنا أن شركة «ترانسفير» تعاقدت مع شركة متخصصة في الاختبارات التشخيصية، إلى جانب عملاء آخرين يرغبون في استخدام برمجياتها لتتبع أبحاثهم. وقالت فاغنر إنه ربما في نهاية المطاف يقتصر دور النظام على كشف الأخطاء، بل ويمتد كذلك إلى توثيق الاكتشافات غير المتوقعة.

وبدلاً من تقليب دفاتر المختبر بحثاً عن خيوط تقود إلى تفسير ما حدث، يستطيع النظام العودة إلى كل ثانية من العمل، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث عن أمور غير مألوفة قام بها العاملون من دون أن يدركوا ذلك.

وقال نوسِك إن على «ترانسفير» تقديم نتائج مفصلة لإثبات أن هذا النظام يجعل العلم أفضل بالفعل. واقترح قائلاً: «خذ 50 مختبراً، وتتبع التجارب في نصفها باستخدام هذه التكنولوجيا، ولا تتتبعها في النصف الآخر، ثم ابحث عن الفروق في مستوى التقدم».

• خدمة «نيويورك تايمز»

نظم ذكية تؤلف سرداً خاصاً بها وتصف كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور ما ينفذه الباحثون في تجاربهم


علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
TT

علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)

في خطوة علمية قد تفتح باباً جديداً لعلاج أمراض القلب الوراثية نجح باحثون أستراليون في عكس حالة «اعتلال عضلة القلب الناتج عن خلل جيني»، باستخدام حقنة واحدة تحمل نسخة سليمة من جين ALPK3. وأظهرت التجارب أن العلاج الجيني تمكن من استعادة وظيفة عضلة القلب في نماذج من الفئران كما أعاد قوة وانتظام النبض إلى أنسجة قلبية مصغرة جرى إنماؤها في المختبر من خلايا مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها. وأجريت الدراسة بقيادة معهد مردوخ لأبحاث الأطفال (MCRI) في ملبورن بأستراليا، ونُشرت في مجلة «Nature Cardiovascular Research» في 19 أغسطس (آب) 2026 بمشاركة باحثين من مؤسسات أسترالية ودولية.

نجاح «جيني»

• جين واحد يعيد للقلب قدرته. يمكن للطفرات في جين ALPK3 أن تسبب اعتلال عضلة القلب وهي مجموعة من الأمراض التي تضعف قدرة القلب على ضخ الدم، وقد تؤدي إلى تضخم القلب واضطراب ضرباته وزيادة خطر فشل القلب والوفاة. ويُعتقد أن اعتلال عضلة القلب يؤثر في نحو 30 مليون شخص حول العالم، بينما تبقى الخيارات العلاجية محدودة في بعض أشكاله الوراثية خصوصاً لدى الأطفال الذين قد تتطور حالتهم إلى درجة تستدعي زراعة القلب.

وقال الدكتور جيمس ماكنمارا من معهد فيكتور تشانغ لأبحاث القلب ومعهد مردوخ لأبحاث الأطفال أستراليا إن النتائج تمثل خطوة كبيرة باتجاه تطوير علاج يستهدف السبب الجيني للمرض بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعراضه.

• نجاح لافت في الفئران. بدأ الباحثون بتطوير نموذج مخبري لفئران حديثة الولادة تحمل نسخة معيبة من جين ALPK3. وأظهرت هذه الحيوانات تضخم القلب وضعفاً في وظيفته في صورة مشابهة لبعض الحالات الشديدة التي تظهر لدى الأطفال المصابين بالمرض.

وعندما أدخل الباحثون نسخة سليمة من الجين باستخدام العلاج الجيني التجريبي تحسنت بنية خلايا عضلة القلب واستعادت القلوب قدرتها على ضخ الدم. واللافت أن العلاج لم يمنع ظهور المرض في الفئران الصغيرة فحسب بل تمكن أيضاً من عكس المرض لدى الفئران البالغة، وهي نتيجة عدّها الباحثون مؤشراً مهماً على اعتماد عضلة القلب على البروتين الذي ينتجه جين ALPK3.

• «قلوب صغيرة» في المختبر تؤكد النتيجة. وللتأكد من أن النتائج لا تقتصر على الحيوانات أعاد الفريق إنتاج المرض باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها ثم حوّلوها إلى أنسجة قلبية مصغرة في المختبر.

وأظهرت هذه «القلوب الصغيرة» علامات اعتلال عضلة القلب قبل أن يؤدي استبدال النسخ المعيبة من ALPK3 بواسطة نسخة سليمة إلى استعادة قوة الانقباض، وانتظام ضربات القلب بصورة طبيعية.

الذكاء الاصطناعي في العلاج

• هل يمكن علاج أمراض وراثية أخرى؟ ولم يتوقف الباحثون عند جين ALPK3 بل استعانوا بأداة للذكاء الاصطناعي تُعرف باسم Geneformer لدراسة العلاقة بين البروتين الناتج عن الجين وعدد من البروتينات المهمة في عضلة القلب.

وأشارت التحليلات إلى وجود ارتباط قوي بين ALPK3 وبروتين «تيتين» Titin الذي ينتجه جين TTN. وتُعد الطفرات التي تؤدي إلى قطع أو توقف إنتاج بروتين «تيتين» من أكثر الأسباب الوراثية شيوعاً لاعتلال عضلة القلب التوسعي، وقد تمثل ما يصل إلى ربع الحالات. وأظهرت التجارب أن إضافة نسخة سليمة من جين ALPK3 حسّنت انقباض أنسجة قلبية مأخوذة من أشخاص يحملون طفرات في TTN.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة مهمة بشكل خاص لأن جين TTN ضخم جداً ما يجعل استبداله مباشرة بواسطة استخدام تقنيات العلاج الجيني الحالية أمراً بالغ الصعوبة. أما استهداف ALPK3 فقد يوفر نهجاً مختلفاً يمكن أن يفيد مجموعة أوسع من أمراض القلب الوراثية.

• من المختبر إلى المرضى. ورغم النتائج الواعدة يؤكد الباحثون أن العلاج لا يزال في المرحلة ما قبل السريرية، وأن هناك حاجة إلى مزيد من دراسات السلامة قبل الانتقال إلى التجارب البشرية.

ويأمل الفريق في التعاون مع شركاء تجاريين لتطوير العلاج والوصول به إلى التجارب السريرية.

وتعكس قصة الطفلة الأسترالية كيت البالغة من العمر تسعة أعوام، حجم الحاجة إلى مثل هذه العلاجات. فقد شُخّصت كيت باعتلال عضلة القلب التضخمي الناتج عن طفرة في جين MYH7 وخضعت في سن الثالثة لجراحة قلب مفتوح لإزالة جزء من عضلة القلب المتضخمة وتحسين تدفق الدم.

ورغم تحسن حالتها وعودتها إلى حياة نشطة فإنه لا تزال الجراحة لا تمثل علاجاً نهائياً للمرض، وقد تحتاج مستقبلاً إلى جهاز مزيل للرجفان القلبي. ويأمل العلماء أن تسهم مثل هذه الاكتشافات مستقبلاً في الانتقال من علاج آثار أمراض القلب الوراثية إلى استهداف أسبابها الجينية مباشرة بما قد يوفر خيارات علاجية جديدة للأطفال والعائلات التي تواجه هذه الأمراض.