الدبلوماسية الفرنسية تتحرك مع ماكرون لمواجهة التحديات

ماكرون خلال احتفال بالذكرى الـ 78 لإنزال قوات الحلفاء في جنوب فرنسا في الحرب العالمية الثانية (أ.ب)
ماكرون خلال احتفال بالذكرى الـ 78 لإنزال قوات الحلفاء في جنوب فرنسا في الحرب العالمية الثانية (أ.ب)
TT

الدبلوماسية الفرنسية تتحرك مع ماكرون لمواجهة التحديات

ماكرون خلال احتفال بالذكرى الـ 78 لإنزال قوات الحلفاء في جنوب فرنسا في الحرب العالمية الثانية (أ.ب)
ماكرون خلال احتفال بالذكرى الـ 78 لإنزال قوات الحلفاء في جنوب فرنسا في الحرب العالمية الثانية (أ.ب)

عادت الحياة تدب في شرايين الدبلوماسية الفرنسية بعد غياب «قسري» سببه العطلة الصيفية. ورغم أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يوقف اتصالاته بعدد من قادة العالم من منتجعه الصيفي في حصن بريغونسون المطل على مياه المتوسط، ومنهم الرئيس الروسي ونظيره الأوكراني ورئيس وزراء الهند والرئيس الجزائري وغيرهم، فإنه هذا العام امتنع عن دعوة شخصية عالمية، كما فعل في السنوات الماضية مع فلاديمير بوتين في أغسطس (آب) عام 2019 أو مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركيل في التوقيت نفسه من العام اللاحق.
من هنا، فإن الزيارة التي سيقوم بها ماكرون إلى الجزائر ما بين 25 و27 الجاري تعد نقطة الانطلاق لإعادة تفعيل الدبلوماسية الفرنسية ولمواجهة التحديات الكثيرة التي تنتظرها للأشهر المقبلة.
ولا شك أن الاجتماع التقليدي لسفراء فرنسا في العالم سيوفر الفرصة، في حال انعقاده، لمراجعة سياسة فرنسا الخارجية وما كان لها من نجاحات وإخفاقات وللتخطيط للقادم من الأيام خصوصاً أن ماكرون سيباشر فعلياً عهده الثاني من خمس سنوات بعد نجاحه في انتخابات أبريل (نيسان) الماضي.
بيد أن تناول تحديات فرنسا الخارجية لا يمكن أن يقرأ إلا على ضوء المتغيرات التي فرضت نفسها على أوروبا والعالم وانعكاساتها على الأداء الفرنسي ولكن أيضاً الأوروبي، باعتبار أن باريس جزء لا يتجزأ من الاتحاد الأوروبي والأكثر حماسة لمزيد من الانخراط، بما في ذلك للاستقلالية الاستراتيجية لا بل لتشكيل قوة عسكرية تكون قادرة، في نطاق جغرافي معين، الدفاع عن المصالح الأوروبية بحيث لا تعود أوروبا رهينة القرارين الأميركي والأطلسي. من هنا، فإن الحرب التي أطلقها الرئيس الروسي في 24 فبراير (شباط) الماضي ضد أوكرانيا تشكل التحدي الأكبر وتدفع باريس، ومعها العواصم الأوروبية الأخرى، إلى طرح السؤال «الوجودي» الذي يتناول أمنها الجماعي. الحرب تدور منذ ستة أشهر على التراب الأوروبي. ورغم أن روسيا سبق لها أن اقتطعت جزءاً من أوكرانيا (شبه جزيرة القرم) وضمتها إلى أراضيها عام 2014، وأن انفصاليي منطقة الدونباس أقاموا في الفترة عينها جمهوريتين لم تعترف بهما أي جهة خارجية باستثناء روسيا الشتاء الماضي، فإن ذلك لا يمكن مقارنته بما يحصل في أوكرانيا منذ 178 يوماً حيث الحرب شاملة ومتواصلة ولا شيء في الأفق يدل على احتمال توقفها أو التوصل إلى هدنة ما بسبب تمسك كل طرف بمطالبه وغياب الوساطات الجدية. وترى مصادر دبلوماسية رسمية في باريس أن موضوع الأمن الأوروبي والعلاقة مع الحلف الأطلسي من جهة ومع روسيا من جهة أخرى يشكلان الشغل الشاغل لفرنسا وللدول الأوروبية بشكل عام.
أول من أمس، عاد ماكرون إلى التواصل مع نظيره الروسي على خلفية المخاوف من كارثة نووية محتملة بسبب القصف المدفعي الذي استهدف منشآت تابعة لمحطة زابوريجيا النووية الأوكرانية التي احتلتها القوات الروسية منذ بدء الحرب على أوكرانيا. وكان آخر اتصال بين المسؤولين يعود لنهاية شهر مايو (أيار) الماضي. والحال أن التهديد النووي دفع ماكرون الذي سعى في الماضي لبناء علاقة خاصة مع بوتين ولم يفتأ يكرر أن روسيا تنتمي إلى أوروبا وأنه من الأفضل للأمن الأوروبي ربطها بالعربة الأوروبية على أن تقيم مع الصين تحالفاً يغير التوازنات الاستراتيجية، إلى التوجه مجدداً إلى سيد الكرملين. وهذه المرة، نجح ماكرون في انتزاع تنازل من بوتين فحواه قبول الأخير وصول بعثة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتقييم الموقف وإصدار توصيات لتجنب كارثة نووية أضعاف ما عرفته أوروبا والعالم لدى حادثة محطة تشرنوبيل، الواقعة في أوكرانيا في عام 1985. ولم يكتف ماكرون بذلك، بل طلب تحقيق هدنة في محيط المحطة وتوفير الضمانات الأمنية لمفتشي الوكالة. وسبق له أن دعا إلى انسحاب القوات الروسية من زابوريجيا. ولذا، فإن التحدي المباشر هو أن ينجح في حمل بوتين على تنفيذ وعده. والحال أنه أغدق كثيراً من الوعود في السابق ولكنها كانت زائفة وأبرزها أنه تعهد له بعودة القوات الروسية من بيلاروسيا ومن الحدود المشتركة مع أوكرانيا إلى قواعدها حال انتهاء المناورات التي كانت تجريها. والتتمة يعرفها الجميع.
- هشاشة البناء الأوروبي
يجمع المراقبون في العواصم الأوروبية على القول إن الحرب الدائرة في أوكرانيا بينت شيئاً رئيسياً وهو هشاشة البناء الأوروبي. فلا الأوروبيون نجحوا، من خلال الوساطة التي قام بها الرئيس ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتز مع الرئيس الروسي لإثنائه عن القيام بمغامرته العسكرية في أوكرانيا ولا استطاعوا لاحقاً التسويق لهدنة تفضي إلى مفاوضات. ويعني ذلك أن قدرة التأثير الأوروبية، أقله في مجالهم الأوروبي الحيوي، ضعيفة إن لم تكن معدومة. والهشاشة الأخرى برزت من خلال تبعيتهم مختلفة الدرجات للغاز والنفط الروسيين، ومخاوفهم من العجز عن توفير الطاقة اللازمة. ورغم أن باريس أقل تبعية من غيرها من الدول الأوروبية، كألمانيا مثلاً، للغاز والنفط الروسيين بفضل اعتمادها على إنتاج الطاقة الكهربائية من محطاتها النووية، إلا أن الرئيس ماكرون سارع قبل يومين إلى تنبيه الفرنسيين من «الأيام العصيبة» التي تنتظرهم فيما خص الطاقة التي ارتفعت أسعارها (المشتقات النفطية، الغاز، الكهرباء) بنسب جنونية.
من هنا، سعى ماكرون لدى الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية والجزائر والنرويج للتزود بما تحتاجه فرنسا تحسباً للشتاء القادم. وفي سياق التحديات الشاملة، لا بد من الإشارة إلى التحدي المناخي. وقد جاءت الحرائق التي التهبت في فرنسا نحو ستة ملايين متر مربع في الأسابيع الأخيرة وموجات القيظ المتلاحقة التي لم تعرفها البلاد منذ عقود والأعاصير، لتذكر السلطات الفرنسية بضرورة تنشيط «الدبلوماسية المناخية» حيث لباريس مسؤولية خاصة باعتبار أن اتفاقية المناخ الموقعة في العاصمة الفرنسية نهاية عام 2015 وضعت بشكل ما تحت رعايتها. وتعي السلطات الفرنسية أن الارتفاع المستمر لدرجات الحرارة ستظهر آثاره بالدرجة الأولى في البلدان الفقيرة، وفي أفريقيا على وجه الخصوص، ما من شأنه أن يفاقم أزمة الهجرات العشوائية التي تسعى أوروبا إلى حماية نفسها منها. وليست باريس في منأى عنها وعن تبعاتها على الصعيد الوطني الفرنسي لجهة تسببها بأزمات سياسية واجتماعية ولكونها رافعة لليمين المتطرف كما برز ذلك في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفرنسية. ففي الأولى، تأهلت مارين لو بن، مرشحة اليمين المتطرف للجولة الرئاسية النهائية. وفي الثانية، حصل حزبها على 89 مقعداً في البرلمان وهو رقم لم يسبق له أن حققه في تاريخه.
- تحدي الساحل والإرهاب
يوم الاثنين الماضي، خرج آخر جندي فرنسي من مالي بعد حضور عسكري دام تسع سنوات. ولم يكن رحيل قوة «برخان» طوعياً بل إن تدهور العلاقات بين باريس، القوة المستعمرة السابقة، وباماكو هو السبب. علماً بأن «برخان» التي وصل عددها في عام 2020 إلى 5500 رجل، كانت مهمتها محاربة التنظيمات الإرهابية والجهادية في منطقة الساحل وخصوصاً في مالي. وتجدر الإشارة إلى أن «عملية سيرفال» في 2013 التي تحولت لاحقاً إلى «برخان» أُطلقت لمنع سقوط العاصمة باماكو بأيدي التنظيمات الجهادية والإرهابية، وأهمها اثنتان: «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» و«الدولة الإسلامية» في منطقة الصحراء. وسارعت باريس إلى التأكيد أنها «لن تنسحب» عسكرياً من منطقة الساحل التي تضم، إلى جانب مالي، موريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد.
وخلال الجولة التي قام بها نهاية يوليو (تموز) إلى بنين والكاميرون وغينيا بيساو، أكد ماكرون أن بلاده جاهزة لمساعدة بلدان خليج غينيا ودول غرب أفريقيا بشكل عام في مساعيها لمحاربة الإرهاب. وتنظر باريس إلى هذه المسألة على أنها تحدٍ استراتيجي يمس المصالح الأساسية لفرنسا في هذه المنطقة من العالم، حيث تعاني من منافسة متعددة الأشكال تأتي من الصين وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، ولكن خصوصاً من روسيا ومن ذراعها الضاربة في أفريقيا أي ميليشيا «فاغنر» التي يعتبر الفرنسيون أنها على صلة بالكرملين.
- الشرق الأوسط
بيد أن ما سبق ليس سوى غيض من فيض التحديات التي تفرض نفسها على السياسة الخارجية الفرنسية. ففي الشرق الأوسط، تريد باريس أن يكون لها دور إن في الملف النووي الإيراني أو في توطيد مواقعها في بلدان الخليج العربية والعراق فضلاً عن لبنان الذي يعد بوابتها إلى المنطقة. وفيما خص لبنان، لم يوفر ماكرون أي جهود من أجل مساعدة هذا البلد للتغلب على أزماته المالية والاقتصادية والصحية والتربوية ولكن أيضاً السياسية. إلا أن نجاحاته كانت ضعيفة.
واليوم، ما تريده باريس تجنب الفراغ المؤسساتي في ظل وجود حكومة تصريف أعمال ورئيس مكلف لا يؤلف ورئيس جمهورية تنتهي ولايته بعد شهرين. ولا تريد باريس أن تعطي الانطباع بأنها تتدخل مباشرة في الشأن اللبناني. إلا أن مسؤوليها لا يخفون قلقهم من المرحلة المقبلة، ومما قد تحمله من مفاجآت غير سارة إذا بقيت الأمور سائرة على هذا المنوال.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.