اللندنيون ما بين سندان الإضرابات وغلاء المعيشة... والآتي أعظم

النقل العام شبه مشلول والإيجارات «جنونية» واللوم على «بريكست» وحرب أوكرانيا والجائحة

الإضراب الخامس هذا العام في قطاع النقل العام (رويترز)
الإضراب الخامس هذا العام في قطاع النقل العام (رويترز)
TT

اللندنيون ما بين سندان الإضرابات وغلاء المعيشة... والآتي أعظم

الإضراب الخامس هذا العام في قطاع النقل العام (رويترز)
الإضراب الخامس هذا العام في قطاع النقل العام (رويترز)

مسلسل إضرابات السكك الحديدية ومترو الأنفاق والحافلات في لندن لا يزال مستمراً، حيث ينظم عشرات الآلاف من العاملين في قطاع النقل إضرابات بسبب خلافات طويلة الأمد حول الأجور والوظائف وظروف العمل.
ووفقاً لوكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا»، تعاني حالياً شركة «نتوورك ريل» (Network Rail) للسكك الحديدية وشركات تشغيل القطارات وشركة مترو الأنفاق «لندن أندر جراوند» والحافلات في العاصمة فوضى حقيقية، مما يسبب مشكلات عديدة في تنقل الموظفين والسياح ومحبي متابعة الفعاليات الرياضية مثل مباراة الكريكيت التي تقام حالياً في ملاعب لوردز في منطقة سانت جونز وود.
بدأ الإضراب يوم الخميس وسيستمر على مدى ثلاثة أيام، يشارك فيه أعضاء اتحاد السكك الحديدية والنقل البحري، ورابطة موظفي النقل واتحاد «يونايت» العمالي، بعد أن فشلت المحادثات الجارية في حل الخلافات التي وصلت إلى طريق مسدود. ويشارك حوالي 10000 من عمال مترو الأنفاق و400 عامل فوق الأرض في الإضراب، وغرب لندن هو القسم الأكثر تضرراً من هذا الإضراب.

طابور طويل للصعود إلى حافلة في لندن (رويترز)

- لماذا يضرب عمال السكك الحديدية؟
النقابات في نزاع مع الحكومة وشركات السكك الحديدية حول الرواتب وخفض الوظائف والتغييرات في الشروط والأحكام.
فيما يتعلق بالأجور، يقولون إن الرواتب يجب أن تزيد لتعكس ارتفاع تكاليف المعيشة.
يقول أحد المديرين في «Network Rail»، إن الشركة عرضت تقديم أكثر من 5 في المائة للموظفين، لكن هذا يعتمد على قبول العمال بهذه العلاوة. ومع ذلك، يرى العمال أن هذا المبلغ ضئيل جداً، ويمثل خفضاً حقيقياً للأجور لأنه لا يتناسب مع غلاء المعيشة المتفاقم.
ومن الواضح أن هذه الإضرابات تؤثر على الاقتصاد بشكل كبير في وقت تعاني فيه لندن تحديداً، وبريطانيا بشكل عام، من تداعيات جائحة «كورونا» و«بريكست» والحرب ما بين روسيا وأوكرانيا.
بحيث أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني ارتفاع معدل التضخم في بريطانيا خلال الشهر الماضي بأكثر من التوقعات، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ 40 عاماً، وهو ما يزيد معاناة المستهلكين والضغوط على الحكومة وبنك إنجلترا المركزي لاتخاذ إجراءات لكبح جماحه.
وذكر مكتب الإحصاء أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع خلال الشهر الماضي بنسبة عشرة فاصلة واحد في المائة مقابل تسعة فاصلة أربعة في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي، في حين كان المحللون، الذين استطلعت وكالة «بلومبرغ» للأنباء رأيهم يتوقعون ارتفاعه بنسبة تسعة فاصلة ثمانية في المائة.
وذكرت «بلومبرغ» أن هذه الأرقام تعمق أزمة نفقات المعيشة في بريطانيا، مع تراجع معدل الزيادة في الأجور عن معدل ارتفاع أسعار السلع والخدمات من كل نوع. وأشار أندرو بيلي رئيس بنك إنجلترا المركزي، إلى استعداده لمواصلة زيادة أسعار الفائدة لكبح التضخم، في حين يتعهد قادة حزب المحافظين الحاكم، الذين يسعون لخلافة رئيس الوزراء بوريس جونسون، بالمزيد من المساعدات الحكومية للفئات الأشد معاناة من ارتفاع الأسعار.
في الوقت نفسه، تزداد مخاوف الخبراء من دخول الاقتصاد البريطاني مرحلة ركود جديد بسبب ارتفاع ضغوط نفقات المعيشة. ويتوقع البنك المركزي بدء الركود خلال الربع الأخير من العام الحالي، واستمراره حتى الجزء الأول من 2024.
كما يتوقع البنك ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 13 في المائة في وقت لاحق من العام الحالي، عندما يسمح جهاز تنظيم قطاع الطاقة في بريطانيا بزيادة أسعار الكهرباء مجدداً. وسيكون معدل التضخم في هذه الحالة الأعلى منذ سبتمبر (أيلول) 1980 عندما كانت حكومة رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر، تكافح للسيطرة على التضخم المطرد للأجور والأسعار.
في دراسة أجريت حديثاً في بريطانيا، تبين أن لندن هي واحدة من بين أغلى مدن العالم، وحسب شركة «رايت موف» لبيع العقار، فسعر إيجارات البيوت في شهر مارس (آذار) الماضي زاد بواقع 14.4 في المائة، فسعر إيجار الشقة العادية في لندن الذي كان يبلغ 1900 جنيه إسترليني أصبح اليوم 2193 جنيهاً إسترلينياً. وهذا الارتفاع في الأسعار يعد الأعلى على الإطلاق.
قال تيم بانيستير مدير بيانات العقارات في «Rightmove»: «في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، شهدنا طلب المستأجرين يتجاوز المستويات المرتفعة التي تم تحديدها في العام الماضي، والتي عند اقترانها بعدد أقل من المنازل المتاحة للإيجار، نتج عنها سوق أكثر تنافسية سجلناها من أي وقت مضى».
كما سيتأثر سكان لندن بأكبر زيادة في أسعار مترو الأنفاق والحافلات العام المقبل، مما يضيف بشكل كبير إلى تكلفة الحياة اليومية في مدينة يعتمد أهلها على النقل العام، وتملك نصف الأسر فقط سيارة. ومن المتوقع أن تزيد أسعار النقل العام بواقع 12 في المائة في يناير (كانون الثاني) المقبل.
ولا تقتصر معاناة أهالي لندن على الاضطراب في وسائل النقل العام وارتفاع أسعارها، بل تتعداها إلى ارتفاع أسعار الوقود بشكل خيالي نتيجة لاضطرابات التجارة والإنتاج الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، ويتوقع البنك ارتفاعاً بنسبة 50 في المائة في أسعار الطاقة هذا العام. وتتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 100 دولار للبرميل في عام 2022، وهو أعلى مستوى له منذ 2013، وبزيادة أكثر من 40 في المائة مقارنة بعام 2021، ومن المتوقع أن تنخفض الأسعار إلى 92 دولاراً في عام 2023، لكنها ستظل أعلى بكثير مما كانت عليه.
من المتوقع أن تكون أسعار الغاز الأوروبية أعلى بمرتين في عام 2022 مما كانت عليه في عام 2021، بينما من المتوقع أن ترتفع أسعار الفحم بنسبة 80 في المائة. ويتوقع البنك أن ترتفع أسعار القمح بأكثر من 40 في المائة هذا العام، ما يضغط على الاقتصادات النامية التي تعتمد على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا.
من زار لندن من قبل ويزورها اليوم، يمكنه ملاحظة الغلاء والتغيرات والفوضى في جميع القطاعات، الجائحة لا تزال تلقي بظلها الثقيل على المطارات وقطاع الملاحة الجوية وشركات الطيران، وهذا واضح من خلال ما يعاني منه المسافر والطوابير الطويلة وإلغاء الرحلات قبل أقل من ثلاث ساعات من إقلاعها بشكل مستمر بسبب تدني عدد العاملين، وهذا الأمر ناتج عن تسريح العديد من القطاعات، على رأسها قطاع الضيافة، الموظفين، بسبب الإغلاق الذي رافق فترة الجائحة وتنفيذ «بريكست»، الذي جعل عدة قطاعات تعاني من نقص شديد في اليد العاملة.
يشار إلى أن هذا الإضراب هو الخامس على التوالي هذا العام، ولكنه الأول خلال عطلة الصيف والمدارس، كما أن معظم خطوط مترو الأنفاق مقفلة، فهناك حفنة من الحافلات التي تعمل حالياً في لندن، لكنها مزدحمة جداً، ولهذا شجعت الحكومة الموظفين من العمل من المنازل والتنقل في الحالات الضرورية فقط.


مقالات ذات صلة

الصين تدشن نظام تعليق كهربائي للقطارات بسرعة 600 كلم بالساعة

يوميات الشرق الصين تدشن نظام تعليق كهربائي للقطارات بسرعة 600 كلم بالساعة

الصين تدشن نظام تعليق كهربائي للقطارات بسرعة 600 كلم بالساعة

طورت شركة «CRRC» الصينية (أكبر شركة في العالم لتصنيع عربات السكك الحديدية والشحن) نظام نقل للتعليق الكهربائي فائق التوصيل ذي درجة حرارة عالية بشكل مستقل، وتم تشغيله لأول مرة في الصين، الأمر الذي يضع الأساس للتطبيق في الخطوات المقبلة. ووفقًا ليو تشينغ سونغ نائب كبير المهندسين بالشركة «CRRC» مدير معهد «ماغليف» للأبحاث، فإن «نظام نقل التعليق الكهربائي فائق التوصيل ذو درجة حرارة عالية ويتكون من المركبات والقضبان ومصدر طاقة الجر ونظام اتصالات التشغيل وأنظمة أخرى، ويمكن أن تصل السرعة فيه إلى 600 كيلومتر في الساعة وما فوق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق إحدى محطات الخط الثالث للمترو (وزارة النقل المصرية)

جدل في مصر بشأن أسعار تذاكر «مترو الأنفاق»

أثار كلام وزير النقل المصري، كامل الوزير، حول زيادة مرتقبة في أسعار تذاكر «مترو أنفاق القاهرة» حالة من الجدل في البلاد، خصوصاً مع استمرار أزمة الغلاء التي تطول بعض السلع الرئيسية في مصر، وانخفاض قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار (الدولار يساوي 30.63 جنيه مصري حتى مساء الأربعاء). وكان وزير النقل المصري قد ذكر خلال مؤتمر صحافي (الثلاثاء) أنه «سيتم رفع تذاكر (مترو الأنفاق) بقيمة جنيهين في سعر التذكرة لتصبح بسعر 12 جنيهاً بدلاً من 10 جنيهات، وذلك للركاب الذين يمرون بأكثر من 25 محطة»، وهو التصريح الذي شغل المصريين، ما دفع وزارة النقل المصرية لإصدار بيان إعلامي لتوضيح الزيادة المقصودة. وأكدت وزار

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق روسيا بصدد تطوير ترام نهري حديث

روسيا بصدد تطوير ترام نهري حديث

خلافا لسابقتها «سوتاليا» التي هي من تصميم «أونيغا» للتصاميم البحرية، فإن ارتفاع «سفينة الركاب أينيا» (نسبة إلى دلفين يعيش في نهر الأمازون) (الترام النهري الروسي الجديد) بلغ 1.4 متر، ما يسمح لاستخدامها في الأنهار وفي البحيرات والأحواض المائية الكبيرة الأخرى أيضا؛ حيث تشهد مدينة كالينينغراد الروسية إقامة مراسم انطلاق السفينة الجديدة التي تتسع لـ 54 راكبا وفرديْن من الطاقم وبعمق غطس 0.5 متر، فيما يبلغ طولها 24.8 متر وستعمل كـ«ترام نهري»، وذلك وفق ما ذكرت وكالة أنباء «نوفوستي» الروسية. ووفق الوكالة، أوضح سيرغي إيلياشينكو نائب مدير عام شركة السفن الموحدة الروسية «أن شركته توسّع أسطول النقل النهري ت

«الشرق الأوسط» (موسكو)
يوميات الشرق وزير النقل خلال تفقده «القطار الإسباني الفاخر» (وزارة النقل المصرية)

مصر: رحلة أولى لـ«قطار إسباني فاخر»

انطلقت في مصر، السبت، أولى رحلات «قطار إسباني فاخر» من القاهرة إلى الإسكندرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق محطة قطارات في فرنسا (رويترز)

فرنسا: اضطراب كبير في حركة قطارات الركاب بسبب إضراب المراقبين

تشهد حركة القطارات اضطراباً كبيراً في فرنسا بسبب إضراب للمراقبين أجبر الشركة الوطنية على إلغاء 60 في المائة من رحلاتها، اليوم (الجمعة)، وفي نهاية هذا الأسبوع، في تحرك يمكن تجديده خلال احتفالات نهاية العام. تنوي «الشركة الوطنية الفرنسية لسكك الحديد» (أس أن سي أف)، من الجمعة إلى الأحد، تسيير قطار واحد من أصل اثنين، وواحد من كل أربعة على شبكة القطارات السريعة (تي جي في)، وواحد من كل قطارين على الشبكة العادية بين المناطق، وإلغاء كل الرحلات الليلية. وبالنسبة للرحلات الدولية، تنوي الشركة تأمين الحركة العادية لقطارات «يوروستار» إلى بريطانيا وتاليس (بلجيكا وهولندا وألمانيا)، وتأمين واحدة من كل ثلاث رح

«الشرق الأوسط» (باريس)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».