اللندنيون ما بين سندان الإضرابات وغلاء المعيشة... والآتي أعظم

النقل العام شبه مشلول والإيجارات «جنونية» واللوم على «بريكست» وحرب أوكرانيا والجائحة

الإضراب الخامس هذا العام في قطاع النقل العام (رويترز)
الإضراب الخامس هذا العام في قطاع النقل العام (رويترز)
TT

اللندنيون ما بين سندان الإضرابات وغلاء المعيشة... والآتي أعظم

الإضراب الخامس هذا العام في قطاع النقل العام (رويترز)
الإضراب الخامس هذا العام في قطاع النقل العام (رويترز)

مسلسل إضرابات السكك الحديدية ومترو الأنفاق والحافلات في لندن لا يزال مستمراً، حيث ينظم عشرات الآلاف من العاملين في قطاع النقل إضرابات بسبب خلافات طويلة الأمد حول الأجور والوظائف وظروف العمل.
ووفقاً لوكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا»، تعاني حالياً شركة «نتوورك ريل» (Network Rail) للسكك الحديدية وشركات تشغيل القطارات وشركة مترو الأنفاق «لندن أندر جراوند» والحافلات في العاصمة فوضى حقيقية، مما يسبب مشكلات عديدة في تنقل الموظفين والسياح ومحبي متابعة الفعاليات الرياضية مثل مباراة الكريكيت التي تقام حالياً في ملاعب لوردز في منطقة سانت جونز وود.
بدأ الإضراب يوم الخميس وسيستمر على مدى ثلاثة أيام، يشارك فيه أعضاء اتحاد السكك الحديدية والنقل البحري، ورابطة موظفي النقل واتحاد «يونايت» العمالي، بعد أن فشلت المحادثات الجارية في حل الخلافات التي وصلت إلى طريق مسدود. ويشارك حوالي 10000 من عمال مترو الأنفاق و400 عامل فوق الأرض في الإضراب، وغرب لندن هو القسم الأكثر تضرراً من هذا الإضراب.

طابور طويل للصعود إلى حافلة في لندن (رويترز)

- لماذا يضرب عمال السكك الحديدية؟
النقابات في نزاع مع الحكومة وشركات السكك الحديدية حول الرواتب وخفض الوظائف والتغييرات في الشروط والأحكام.
فيما يتعلق بالأجور، يقولون إن الرواتب يجب أن تزيد لتعكس ارتفاع تكاليف المعيشة.
يقول أحد المديرين في «Network Rail»، إن الشركة عرضت تقديم أكثر من 5 في المائة للموظفين، لكن هذا يعتمد على قبول العمال بهذه العلاوة. ومع ذلك، يرى العمال أن هذا المبلغ ضئيل جداً، ويمثل خفضاً حقيقياً للأجور لأنه لا يتناسب مع غلاء المعيشة المتفاقم.
ومن الواضح أن هذه الإضرابات تؤثر على الاقتصاد بشكل كبير في وقت تعاني فيه لندن تحديداً، وبريطانيا بشكل عام، من تداعيات جائحة «كورونا» و«بريكست» والحرب ما بين روسيا وأوكرانيا.
بحيث أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني ارتفاع معدل التضخم في بريطانيا خلال الشهر الماضي بأكثر من التوقعات، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ 40 عاماً، وهو ما يزيد معاناة المستهلكين والضغوط على الحكومة وبنك إنجلترا المركزي لاتخاذ إجراءات لكبح جماحه.
وذكر مكتب الإحصاء أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع خلال الشهر الماضي بنسبة عشرة فاصلة واحد في المائة مقابل تسعة فاصلة أربعة في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي، في حين كان المحللون، الذين استطلعت وكالة «بلومبرغ» للأنباء رأيهم يتوقعون ارتفاعه بنسبة تسعة فاصلة ثمانية في المائة.
وذكرت «بلومبرغ» أن هذه الأرقام تعمق أزمة نفقات المعيشة في بريطانيا، مع تراجع معدل الزيادة في الأجور عن معدل ارتفاع أسعار السلع والخدمات من كل نوع. وأشار أندرو بيلي رئيس بنك إنجلترا المركزي، إلى استعداده لمواصلة زيادة أسعار الفائدة لكبح التضخم، في حين يتعهد قادة حزب المحافظين الحاكم، الذين يسعون لخلافة رئيس الوزراء بوريس جونسون، بالمزيد من المساعدات الحكومية للفئات الأشد معاناة من ارتفاع الأسعار.
في الوقت نفسه، تزداد مخاوف الخبراء من دخول الاقتصاد البريطاني مرحلة ركود جديد بسبب ارتفاع ضغوط نفقات المعيشة. ويتوقع البنك المركزي بدء الركود خلال الربع الأخير من العام الحالي، واستمراره حتى الجزء الأول من 2024.
كما يتوقع البنك ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 13 في المائة في وقت لاحق من العام الحالي، عندما يسمح جهاز تنظيم قطاع الطاقة في بريطانيا بزيادة أسعار الكهرباء مجدداً. وسيكون معدل التضخم في هذه الحالة الأعلى منذ سبتمبر (أيلول) 1980 عندما كانت حكومة رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر، تكافح للسيطرة على التضخم المطرد للأجور والأسعار.
في دراسة أجريت حديثاً في بريطانيا، تبين أن لندن هي واحدة من بين أغلى مدن العالم، وحسب شركة «رايت موف» لبيع العقار، فسعر إيجارات البيوت في شهر مارس (آذار) الماضي زاد بواقع 14.4 في المائة، فسعر إيجار الشقة العادية في لندن الذي كان يبلغ 1900 جنيه إسترليني أصبح اليوم 2193 جنيهاً إسترلينياً. وهذا الارتفاع في الأسعار يعد الأعلى على الإطلاق.
قال تيم بانيستير مدير بيانات العقارات في «Rightmove»: «في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، شهدنا طلب المستأجرين يتجاوز المستويات المرتفعة التي تم تحديدها في العام الماضي، والتي عند اقترانها بعدد أقل من المنازل المتاحة للإيجار، نتج عنها سوق أكثر تنافسية سجلناها من أي وقت مضى».
كما سيتأثر سكان لندن بأكبر زيادة في أسعار مترو الأنفاق والحافلات العام المقبل، مما يضيف بشكل كبير إلى تكلفة الحياة اليومية في مدينة يعتمد أهلها على النقل العام، وتملك نصف الأسر فقط سيارة. ومن المتوقع أن تزيد أسعار النقل العام بواقع 12 في المائة في يناير (كانون الثاني) المقبل.
ولا تقتصر معاناة أهالي لندن على الاضطراب في وسائل النقل العام وارتفاع أسعارها، بل تتعداها إلى ارتفاع أسعار الوقود بشكل خيالي نتيجة لاضطرابات التجارة والإنتاج الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، ويتوقع البنك ارتفاعاً بنسبة 50 في المائة في أسعار الطاقة هذا العام. وتتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 100 دولار للبرميل في عام 2022، وهو أعلى مستوى له منذ 2013، وبزيادة أكثر من 40 في المائة مقارنة بعام 2021، ومن المتوقع أن تنخفض الأسعار إلى 92 دولاراً في عام 2023، لكنها ستظل أعلى بكثير مما كانت عليه.
من المتوقع أن تكون أسعار الغاز الأوروبية أعلى بمرتين في عام 2022 مما كانت عليه في عام 2021، بينما من المتوقع أن ترتفع أسعار الفحم بنسبة 80 في المائة. ويتوقع البنك أن ترتفع أسعار القمح بأكثر من 40 في المائة هذا العام، ما يضغط على الاقتصادات النامية التي تعتمد على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا.
من زار لندن من قبل ويزورها اليوم، يمكنه ملاحظة الغلاء والتغيرات والفوضى في جميع القطاعات، الجائحة لا تزال تلقي بظلها الثقيل على المطارات وقطاع الملاحة الجوية وشركات الطيران، وهذا واضح من خلال ما يعاني منه المسافر والطوابير الطويلة وإلغاء الرحلات قبل أقل من ثلاث ساعات من إقلاعها بشكل مستمر بسبب تدني عدد العاملين، وهذا الأمر ناتج عن تسريح العديد من القطاعات، على رأسها قطاع الضيافة، الموظفين، بسبب الإغلاق الذي رافق فترة الجائحة وتنفيذ «بريكست»، الذي جعل عدة قطاعات تعاني من نقص شديد في اليد العاملة.
يشار إلى أن هذا الإضراب هو الخامس على التوالي هذا العام، ولكنه الأول خلال عطلة الصيف والمدارس، كما أن معظم خطوط مترو الأنفاق مقفلة، فهناك حفنة من الحافلات التي تعمل حالياً في لندن، لكنها مزدحمة جداً، ولهذا شجعت الحكومة الموظفين من العمل من المنازل والتنقل في الحالات الضرورية فقط.


مقالات ذات صلة

الصين تدشن نظام تعليق كهربائي للقطارات بسرعة 600 كلم بالساعة

يوميات الشرق الصين تدشن نظام تعليق كهربائي للقطارات بسرعة 600 كلم بالساعة

الصين تدشن نظام تعليق كهربائي للقطارات بسرعة 600 كلم بالساعة

طورت شركة «CRRC» الصينية (أكبر شركة في العالم لتصنيع عربات السكك الحديدية والشحن) نظام نقل للتعليق الكهربائي فائق التوصيل ذي درجة حرارة عالية بشكل مستقل، وتم تشغيله لأول مرة في الصين، الأمر الذي يضع الأساس للتطبيق في الخطوات المقبلة. ووفقًا ليو تشينغ سونغ نائب كبير المهندسين بالشركة «CRRC» مدير معهد «ماغليف» للأبحاث، فإن «نظام نقل التعليق الكهربائي فائق التوصيل ذو درجة حرارة عالية ويتكون من المركبات والقضبان ومصدر طاقة الجر ونظام اتصالات التشغيل وأنظمة أخرى، ويمكن أن تصل السرعة فيه إلى 600 كيلومتر في الساعة وما فوق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق إحدى محطات الخط الثالث للمترو (وزارة النقل المصرية)

جدل في مصر بشأن أسعار تذاكر «مترو الأنفاق»

أثار كلام وزير النقل المصري، كامل الوزير، حول زيادة مرتقبة في أسعار تذاكر «مترو أنفاق القاهرة» حالة من الجدل في البلاد، خصوصاً مع استمرار أزمة الغلاء التي تطول بعض السلع الرئيسية في مصر، وانخفاض قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار (الدولار يساوي 30.63 جنيه مصري حتى مساء الأربعاء). وكان وزير النقل المصري قد ذكر خلال مؤتمر صحافي (الثلاثاء) أنه «سيتم رفع تذاكر (مترو الأنفاق) بقيمة جنيهين في سعر التذكرة لتصبح بسعر 12 جنيهاً بدلاً من 10 جنيهات، وذلك للركاب الذين يمرون بأكثر من 25 محطة»، وهو التصريح الذي شغل المصريين، ما دفع وزارة النقل المصرية لإصدار بيان إعلامي لتوضيح الزيادة المقصودة. وأكدت وزار

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق روسيا بصدد تطوير ترام نهري حديث

روسيا بصدد تطوير ترام نهري حديث

خلافا لسابقتها «سوتاليا» التي هي من تصميم «أونيغا» للتصاميم البحرية، فإن ارتفاع «سفينة الركاب أينيا» (نسبة إلى دلفين يعيش في نهر الأمازون) (الترام النهري الروسي الجديد) بلغ 1.4 متر، ما يسمح لاستخدامها في الأنهار وفي البحيرات والأحواض المائية الكبيرة الأخرى أيضا؛ حيث تشهد مدينة كالينينغراد الروسية إقامة مراسم انطلاق السفينة الجديدة التي تتسع لـ 54 راكبا وفرديْن من الطاقم وبعمق غطس 0.5 متر، فيما يبلغ طولها 24.8 متر وستعمل كـ«ترام نهري»، وذلك وفق ما ذكرت وكالة أنباء «نوفوستي» الروسية. ووفق الوكالة، أوضح سيرغي إيلياشينكو نائب مدير عام شركة السفن الموحدة الروسية «أن شركته توسّع أسطول النقل النهري ت

«الشرق الأوسط» (موسكو)
يوميات الشرق وزير النقل خلال تفقده «القطار الإسباني الفاخر» (وزارة النقل المصرية)

مصر: رحلة أولى لـ«قطار إسباني فاخر»

انطلقت في مصر، السبت، أولى رحلات «قطار إسباني فاخر» من القاهرة إلى الإسكندرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق محطة قطارات في فرنسا (رويترز)

فرنسا: اضطراب كبير في حركة قطارات الركاب بسبب إضراب المراقبين

تشهد حركة القطارات اضطراباً كبيراً في فرنسا بسبب إضراب للمراقبين أجبر الشركة الوطنية على إلغاء 60 في المائة من رحلاتها، اليوم (الجمعة)، وفي نهاية هذا الأسبوع، في تحرك يمكن تجديده خلال احتفالات نهاية العام. تنوي «الشركة الوطنية الفرنسية لسكك الحديد» (أس أن سي أف)، من الجمعة إلى الأحد، تسيير قطار واحد من أصل اثنين، وواحد من كل أربعة على شبكة القطارات السريعة (تي جي في)، وواحد من كل قطارين على الشبكة العادية بين المناطق، وإلغاء كل الرحلات الليلية. وبالنسبة للرحلات الدولية، تنوي الشركة تأمين الحركة العادية لقطارات «يوروستار» إلى بريطانيا وتاليس (بلجيكا وهولندا وألمانيا)، وتأمين واحدة من كل ثلاث رح

«الشرق الأوسط» (باريس)

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».