أهوار العراق تهلك عطشاً... والمتهمة إيران

46 % من المسطحات المائية جفت... ومنظمة الفاو تحذر

نهر جاف في أهوار الجبايش الجنوبية بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
نهر جاف في أهوار الجبايش الجنوبية بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
TT

أهوار العراق تهلك عطشاً... والمتهمة إيران

نهر جاف في أهوار الجبايش الجنوبية بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
نهر جاف في أهوار الجبايش الجنوبية بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)

بات هاشم مرغماً على قطع عشرة كيلومترات عبر أراضٍ قاحلة في جنوب العراق، للحصول على ماء وعلف لجواميسه وحمايتها من الهلاك، بسبب جفاف يضرب الأهوار بعدما كانت لآلاف السنين مضرب مثل بوفرة المياه فيها.
اختفت اليوم مساحات مائية واسعة جداً من هور الحويزة الواقع على الحدود مع إيران، وهور الجبايش الذي يعد مقصداً سياحياً إلى الجنوب، وتحولت هذه المستنقعات أرضاً جافة متشققة خرجت بينها شجيرات صفراء.
والسبب هو الجفاف وغياب شبه تام للأمطار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لكن كذلك انخفاض مستوى المياه المتدفقة من الأنهار التي تنبع من دولتي الجوار إيران وتركيا، ما أرغم بغداد على تقنين استخدام احتياطاتها.
يعيش هاشم كاصد (35 عاماً) في قرية فقيرة عند هور الحويزة. ويقول «الجفاف أثر علينا جداً، على البشر والحيوان».
في هذه المنطقة، لم يبق من هور أم النعاج سوى برك مياه موحلة هنا وهناك، وخطوط جافة لجداول مياه كانت تتحدر عبر مستنقعات الأهوار التي كانت خصبة ذات يوم، وأدرجت على لائحة التراث العالمي من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو) في 2016.
كما والده من قبل، يعمل هاشم مربي جواميس. ويروي: «كنا نعيش من الأهوار. نصطاد السمك، والحيوانات تشرب المياه وترعى بين القصب».
ليس لعائلة هاشم اليوم سوى خمسة جواميس من أصل أكثر من ثلاثين رأساً كانت تملكها، نتيجة نفوق بعضها، وبيع أخرى خلال السنوات القليلة الماضية لتغطية نفقات العائلة، وأصبحت العائلة مجبرة على الانتباه لما بقي لديها من ماشية لحمايتها من الهلاك في حال سقطت بالوحل. فالحيوانات المنهكة، التي تعاني سوء التغذية، لن تكون قادرة على انتشال نفسها.
وشهدت الأهوار سنوات سابقة من الجفاف القوي قبل أن ترويها من جديد مواسم الأمطار الغزيرة، إلا أنه بين عامي 2020 و2022، انخفض مستوى المياه والرطوبة في 41 في المائة من مساحة الأهوار في جنوب العراق، من بينها الحويزة والجبايش، فيما جفت مسطحات مائية في 46 في المائة من مساحة الأهوار، حسب مسح قامت به منظمة «باكس» الهولندية غير الحكومية معتمدة على صور من الأقمار الصناعية.
وفي ظل الانخفاض الحاد في مياه الأهوار، دقت منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة (فاو) ناقوس الخطر، محذرة في تقرير نشر منتصف يوليو (تموز) من أن الأهوار «واحدة من أفقر المناطق في العراق وإحدى أكثر المناطق تضرراً من تغير المناخ ونقص المياه»، وأشارت إلى «آثار كارثية على سبل عيش أكثر من ستة آلاف أسرة ريفية إذ إنها فقدت جواميسها التي تعد مصدر رزقهم الوحيد».
ويقول الناشط البيئي أحمد صالح نعمة (40 عاماً) الذي يقطن في مدينة العمارة المجاورة، إن «الجفاف قضى على التنوع البيولوجي بشكل كامل. لا وجود لأسماك ولا حيوانات مثل كلب الماء وخنازير برية أو طيور».
وعلى موقعها على الإنترنت، ذكرت اليونيسكو أن الأهوار موطن «أنواع متعددة من الحيوانات المهددة بالانقراض»، وتمثل كذلك «أحد أكبر مواقع التوقف الشتوي» للبط و«موقع توقف رئيسياً» لنحو مائتي نوع من الطيور المهاجرة.
ويتغذى هور الحويزة، حسب الناشط أحمد صالح، بشكل أساسي، من رافدين لنهر دجلة الذي ينبع من تركيا. لكن السلطات قننت تدفقهما في إطار خطة حكومية لترشيد استخدام المياه تلبية لكافة احتياجات البلاد منها.
ويقول صالح إن «الحكومة تريد المحافظة على أكبر قدر ممكن من المياه لحماية احتياطياتها الاستراتيجية». لكنه ينتقد في الوقت نفسه «الإدارة الخاطئة لملف المياه» و«التقسيم غير العادل للمياه»، وتحت ضغط التظاهرات، فتحت السلطات جزئياً تدفق المياه قبل أن توقفها من جديد، وفق ما ذكره صالح.
من الجانب الإيراني، تعاني هذه الأهوار التي تسمى بـ«هور العظيم»، كذلك من تراجع المياه. فقد جف نصف الجزء الإيراني منها، كما أفادت مؤخراً وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا).
ويحمل المدير العام للمركز الوطني لإدارة الموارد المائية حاتم حميد، الجارة إيران، مسؤولية الأزمة. ويقول إن «التغذية الرئيسية لهور الحويزة هي من الجانب الإيراني، لكن النهر مقطوع تماماً منذ أكثر من سنة».
وأضاف المسؤول أن الاحتياجات المائية للأنشطة الزراعية والأهوار مغطاة جزئياً فقط في ظل التقنين في المياه من الجانب العراقي أيضاً، بينما هناك بين الأولويات ضرورة تأمين مياه الشرب.
ويوضح المسؤول أن «قطاع الزراعة والأهوار هما الأكثر تأثراً بشح المياه لأنهما أكبر قطاعين مستهلكين للمياه».
ومع درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية، يشير أيضاً إلى «التبخر العالي الذي يحدث في الأهوار» ولا يمكن تعويضه بالمياه المتاحة.
ويضيف: «لا نستطيع تأمين (المياه) للزراعة 100 في المائة ولا للأهوار 100 في المائة».
من جهته، يقول مدير عام مركز «إنعاش الأهوار» حسين الكيلاني، إن هناك برنامجاً هذا العام لتوسيع وتعميق وإعادة تأهيل المجاري المائية والأنهار التي تروي الأهوار، موضحاً أن ذلك ساعد في الحد من هجرة مربي الجاموس وتمركزهم على ضفاف الأنهار المغذية للأهوار.
وتمتد الأهوار بين نهري دجلة والفرات في جنوب بلاد ما بين النهرين، يصفها البعض بـ«جنات عدن على الأرض».
لكن هذه الأرض الغنية بالحياة، تعرضت لجفاف متكرر ومعاناة خلال فترة حكم النظام السابق. فمن أجل قمع معارضين اتخذوها ملجأ، جفف صدام حسين الأهوار في تسعينات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين انخفضت مساحاتها الرطبة إلى النصف تقريباً.
وفي أهوار الجبايش، يلخص علي جواد (20 عاماً) الظروف الحالية بالقول، «سابقاً، عندما كنا ندخل الهور كنا نرى مساحات خضراء ومياهاً وسلاماً داخلياً... الآن صحراء».
عشرات العائلات هجرت المكان كما يقول «بحثاً عن أماكن فيها ماء».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يخشى على المفاوضات من «الاستباحة» الإسرائيلية

عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثمان ضحية قتلت في استهداف إسرائيلي لبلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ندّد لبنان الرسمي بالتصعيد الإسرائيلي المفاجئ في جنوب لبنان؛ إذ قرأ فيه رسائل سياسية، أُولاها «للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»، حسبما قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، وثانيها تقويض لدور الجيش اللبناني الذي يضطلع بـ«مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية»، حسبما أكد رئيس الحكومة نواف سلام، ما يشير إلى أن مؤشرات التصعيد لا تقتصر على العاملَين الأمني والعسكري فقط.

لبناني يتفقد آثار الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار في جنوب لبنان (أ.ب)

وجاء التصعيد الذي أسفر عن مقتل 11 شخصاً، بينهم عائلة كاملة، في ظل تأزم في مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل؛ إذ يرى لبنان أن إسرائيل لم تنفذ التزاماتها، وتشترط بيروت تثبيت وقف إطلاق النار، في وقت يبحث فيه رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، الجنرال جوزيف كليرفيلد مع المسؤولين وقيادة الجيش اللبناني، ترتيبات تقنية. وتشترط إسرائيل إخلاء «حزب الله» لمرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية شرق مدينة النبطية، لقاء تثبيت وقف إطلاق النار.

وقال الجيش الإسرائيلي، السبت، إنه «هاجم بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) في منطقتي النبطية وأنصار»، موضحاً أن الغارات جاءت «في أعقاب نشاط نفذته منظمة (حزب الله) ضد قواتنا في منطقة مرتفعات علي الطاهر» المطلة على النبطية.

عون

ودان رئيس الجمهورية جوزيف عون الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مناطق الجنوب ولا سيما على منطقة النبطية ومحيطها، وخروقاتها المتكررة لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية وللقوانين الدولية بحماية المدنيين، ما أدى إلى استشهاد عائلة كاملة من بلدة أنصار.

واعتبر الرئيس عون أن هذه الانتهاكات تشكل رسالة واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق.

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

بري

من جانبه، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن «المجزرتين اللتين ارتكبتهما طائرات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة أنصار ودير الزهراني، وأسفرتا عن استشهاد عائلة بكامل أفرادها جُلُّهُم من النساء والأطفال، تندرجان في سياق استكمال حرب الإبادة التي تواصل آلة القتل والدمار الإسرائيلية شنها ضد الحجر والبشر والتراث وكل ما هو متصل بحياة الإنسان في الجنوب، وهي بالدليل القاطع تثبت أن المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تقيم وزناً لأي اتفاقات وقوانين وجهود لإنهاء الحرب والتوتر في لبنان وكذلك في المنطقة».

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (د.ب.أ)

وأضاف بري: «إن العدوان على بلدة أنصار ودير الزهراني والمنصوري وقرى قضاء النبطية هو دعوة ممهورة بدماء الأطفال والنساء إلى اللبنانيين جميعاً وخاصة القوى السياسية على مختلف مواقعها، دعوة لمقاربة العدوان الإسرائيلي وتداعياته وأبعاده مقاربة وطنية بعيدة عن أي شكل مناطقي أو طائفي أو حزبي، هو دعوة لترسيخ مناخات الوحدة الوطنية، وهو أيضاً برسم رعاة المفاوضات واتفاقات وقف النار لتحمل المسؤولية لوقف حرب الإبادة قبل فوات الأوان».

سلام

بدوره، أكد رئيس الحكومة نواف سلام في بيان، أن التصعيد الإسرائيلي «وما رافقه من غارات وقصف كثيف وترهيب للأهالي في منازلهم، أمر بالغ الخطورة ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (د.ب.أ)

وقال سلام «إن شهداء الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار السبعة ليسوا (بنية تحتية عسكرية)، والأطفال والنساء الذين قُتلوا فيه ليسوا أهدافاً عسكرية».

وشدد سلام على أن «مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية، هي مسؤولية الدولة اللبنانية حصراً، من خلال الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية، ولا يمنح وجودها إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر».

وأكد رئيس الحكومة اللبنانية أن «على إسرائيل وقف هذا التصعيد. فأمن أهلنا وحقهم في الحياة على أرضهم ليسا موضع تفاوض أو مساومة».

«حزب الله»

ويرفض «حزب الله» المدعوم من طهران بشكل مطلق التفاوض المباشر مع إسرائيل والتخلي عن سلاحه. وفي تعليق على التصعيد الإسرائيلي، وصف «حزب الله» ما جرى بأنه «جريمة موصوفة تضاف إلى سجل العدو الحافل بالمجازر والجرائم وسفك دماء اللبنانيين وتفجير منازلهم وجرف حقولهم ومحو معالم قراهم».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني في موقع الاستهداف الإسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ)

ورأى أنه «يعبر عن رغبة وإرادة رئيس وزراء العدو المجرم نتنياهو بتصعيد الحرب تعزيزاً لواقعه السياسي الداخلي، وخدمة لأهدافه الانتخابية وإرضاءً لليمين المتطرف».

وقال الحزب إن «هذا التمادي في العدوان وانتهاك سيادة لبنان تتحمل مسؤوليته حكومة العدو والولايات المتحدة التي تؤمِّن الدعم والغطاء لها، فيما يجب على السلطة اللبنانية أن تبحث عن السبل المتاحة لوقف هذا العدوان، وألا تصر على الاستمرار في مسار المفاوضات المباشرة المذلة وتقديم الهدايا المجانية للعدو، رغم كل ما يرتكبه من جرائم واعتداءات، وما يعلنه من نوايا عدوانية وتوسعية تجاه لبنان».

وقال الحزب في بيانه: «لقد آن للسلطة أن تراجع حساباتها مراجعة شاملة بما يحفظ سيادة لبنان وحقوقه، بدل الاستمرار في سياسات تأكّد عجزها عن حماية لبنان وشعبه، وأن تقف موقفاً وطنياً وشجاعاً ومسؤولاً، وأن تتوقف عن اللهاث خلف المفاوضات التي يجرّها إليها الأميركي، وأن تدرك أن الرهان على الضمانة والوساطة الأميركية هو رهان خائب، فالأميركي شريك للعدو الإسرائيلي في جرائمه ومجازره بحق لبنان».

وقال الحزب إن «اعتداءات العدو الإسرائيلي وتجاوزاته ومحاولاته فرْض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، وستقابل بما يناسبها، دفاعاً عن لبنان وشعبه وسيادته وكرامته الوطنية».


إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك مرتبطة بالسيطرة على «علي الطاهر»

مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحاول فرض قواعد اشتباك مرتبطة بالسيطرة على «علي الطاهر»

مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي لبلدة دير الزهراني بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

فجَّرت إسرائيل الهدوء النسبي في جنوب لبنان، بتصعيد مفاجئ أسفر عن مقتل 11 شخصاً على الأقل، بينهم 4 أطفال، وسقوط جرحى آخرين، وذلك في غارتين استهدفتا بلدتَي أنصار، ودير الزهراني في الجنوب؛ رداً على «نشاط عسكري» نفَّذه «حزب الله» ضد قواتها في مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي.

وبينما لم يتبنَّ «حزب الله» أي عملية عسكرية، عكس بيان الجيش الإسرائيلي محاولةً لتكريس قواعد اشتباك جديدة متصلة بالاستعدادات الإسرائيلية للسيطرة على مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية شرق مدينة النبطية، ومن بينها قصف يومي بالمدافع على التلة، وإسقاط عبوات متفجرة بالمحلقات، وقصف جوي بالمسيّرات. وتشترط إسرائيل إخلاء «حزب الله» مرتفعات علي الطاهر، لقاء تثبيت وقف إطلاق النار.

وقالت مصادر أمنية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إنَّ قواعد الاشتباك التي تُفهَم من البيان والقصف، تفيد بأنَّ أي محاولة من قبل «حزب الله» لصد التقدم الإسرائيلي باتجاه علي الطاهر، ستُقابَل بتوسعة مروحة القصف إلى العمق، وذلك «للضغط عليه وعلى بيئته، وعلى الدولة اللبنانية التي تطالب بتثبيت وقف إطلاق النار، وتوسعة المناطق النموذجية».

11 قتيلاً

وقُتل 11 شخصاً في غارتين إسرائيليَّتين على جنوب لبنان فجر وظهر السبت، في أعلى حصيلة منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في يونيو (حزيران) والتي تبعها تراجع وتيرة العنف بشكل كبير.

ركام ناتج عن استهداف إسرائيلي لمنزل في بلدة أنصار بجنوب لبنان أسفر عن مقتل 7 لبنانيِّين بينهم عائلة كاملة مؤلفة من 6 أشخاص (إ.ب.أ)

وقالت «الوكالة الوطنية للإعلام»، الرسمية: «إن غارة شنّتها الطائرات الحربية المعادية على منزل في أطراف بلدة أنصار لجهة الزرارية، أسفرت عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 3 آخرين». وأضافت أنّ الغارة أدت إلى تدمير المنزل، مشيرة إلى أنَّ فرق الإسعاف تعمل على «رفع الأنقاض وسحب الجثامين والجرحى إلى مستشفيات النبطية».

وقالت مصادر محلية إن الغارة أسفرت عن مقتل عائلة بأكملها، هي الأب والأم و4 أطفال كانوا ينامون في المنزل. كما استُهدف مبنى آخر قريب من المنزل الأول، بما أسفر عن مقتل شاب من جنوب لبنان.

وظهر السبت، استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي بلدة دير الزهراني القريبة من النبطية بغارة أسفرت عن مقتل 4 أشخاص، وسقوط 9 جرحى آخرين. وقالت مصادر محلية إنَّ الضربة قضت على مبنى بالكامل، كما أدت الشظايا إلى إصابة سيارة شاب كان يمر من المكان؛ مما أسفر عن مقتله.

متطوعون بالدفاع المدني يبحثون بين الأنقاض عن ناجين إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ)

عمق جنوب لبنان

وتقع المنطقتان إلى العمق في جنوب لبنان، ويجري استهدافهما للمرة الأولى من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وتقع دير الزهراني على مسافة نحو 10 كيلومترات من تلة علي الطاهر إلى العمق. أما الوادي بين بلدتَي أنصار والزرارية فيقع على بُعد نحو 15 كيلومتراً من علي الطاهر، وتعرض لغارة «هي الأولى التي تتعدى هذا العمق الجغرافي منذ وقف إطلاق النار منذ شهرين»، وفقاً للوكالة الوطنية.

وفي الوقت نفسه، نفَّذ الجيش الإسرائيلي «سلسلة غارات جوية استهدفت مرتفع علي الطاهر» الاستراتيجي الذي يطل على مدينة النبطية.

وأدى هذا التصعيد إلى حركة نزوح محدود من جنوب لبنان باتجاه مدينة صيدا والعاصمة اللبنانية، تحسباً لتجدد القتال والقصف. وشوهدت حركة نشطة للسيارات على طريق النبطية - صيدا، وأوتوستراد صور - صيدا.

وبعد الظهر، أفادت وسائل إعلام محلية بأنَّ حركة النزوح انحسرت، رغم أنَّ المخاطر لم تنحسر، بدليل التحليق المتواصل للمسيّرات الإسرائيلية على ارتفاع منخفض في الجنوب، خصوصاً فوق منطقتَي الزهراني والنبطية.

السيطرة على «علي الطاهر»

وتسعى القوات الإسرائيلية للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر، عبر قصف مُركَِز وإطباق جوي كثيف، إضافة إلى مهام لوجستية في محيط التلة التي تمتد على مسافة 1.5 كيلومتر وتشرف على مساحات واسعة تحيط بها تصل إلى شمال إسرائيل.

ووضعت تل أبيب القصف اليوم في خانة الرد على نشاط عمليات لـ«حزب الله» في التلة. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن الجيش «هاجم السبت بنى تحتية تابعة لمنظمة حزب الله في منطقتي النبطية وأنصار في جنوب لبنان»، مضيفاً: «نُفِّذت الغارات في أعقاب نشاط نفَّذته منظمة حزب الله ضد قواتنا في منطقة مرتفعات علي الطاهر، الواقعة داخل المنطقة الأمنية» التي تنشط فيها قواته. وأكد أنه «لن يسمح لحزب الله بالمساس بمواطني دولة إسرائيل أو بقواته، وسيواصل العمل لإزالة التهديدات».

انتهاكات متواصلة

ولم تقتصر الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، على القصف الجوي في عمق جنوب لبنان، فقد أشارت «الوكالة الوطنية» إلى أنَّ القوات الإسرائيلية «أقدمت فجر السبت على نسف عدد من المباني» في مدينة بنت جبيل المحاذية للحدود. كما دوت انفجارات عنيفة تبيَّن أنَّها ناتجة عن تفجيرات وعمليات نسف في بلدات الطيبة ودير سريان ومحيط كفرتبنيت، فضلاً عن قصف مدفعي مكثف طال تلال جبل الرفيع في إقليم التفاح ومرتفعات الدبشة في منطقة النبطية.

وشهدت أطراف بلدة حداثا من جهة حاريص في قضاء بنت جبيل تحركاً لآليات إسرائيلية. كما أغار الطيران الحربي على أطراف النبطية الفوقا في جنوب لبنان، مستهدفا منزلاً خلف ثانوية الصباح القديمة. كما شاركت مروحية عسكرية بتمشيط جوي باتجاه منطقة التلال في علي الطاهر.

ونسف الجيش الإسرائيلي منازل في بنت جبيل واستهدف طريق كونين ـ صف الهوا في جنوب لبنان بالأسلحة الرشاشة. كما نفَّذ عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه أطراف بلدة عيتا الجبل.

وينصُّ اتفاق الإطار الذي أُبرم بين لبنان وإسرائيل بعد 5 جولات تفاوض برعاية أميركية، على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب الدولة العبرية تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من مناطق «تجريبية».

ودعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الأمم المتحدة، الخميس، إلى إبقاء قوة لحفظ السلام في لبنان بعد انتهاء ولاية بعثة «اليونيفيل» هذا العام، مؤكدة أنَّ هذه القوات «تعدُّ رادعاً حاسماً للهجمات على المدنيِّين، وانتهاكات حقوق الإنسان».


«حزب الله»: «اعتداءات» إسرائيل «ستُقابل بما يناسبها»

رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ)
رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

«حزب الله»: «اعتداءات» إسرائيل «ستُقابل بما يناسبها»

رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ)
رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض عقب غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في جنوب لبنان (د.ب.أ)

أعلن «حزب الله» أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان ستُقابل بـ«ما يناسبها»، بعد غارات دامية على جنوب البلاد، السبت، داعياً السلطات اللبنانية إلى وقف المفاوضات «المذلة» مع الدولة العبرية.

وقال الحزب، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن على إسرائيل «أن تفهم جيداً أن اعتداءاتها وتجاوزاتها ومحاولاتها فرض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، وستقابل بما يناسبها».

وأضاف أن على السلطات اللبنانية «ألا تصر على الاستمرار في مسار المفاوضات المباشرة المذلة وتقديم الهدايا المجانية للعدو».

بدوره، قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن غاراته في لبنان، حيث أفادت السلطات بمقتل 11 شخصاً بينهم أطفال، جاءت رداً على خرق اتفاق وقف إطلاق النار من جانب «حزب الله».

وكتبت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية إيلا واوية على منصة «إكس» أن الغارات الإسرائيلية جاءت «رداً على خرق خطير للاتفاق من قبل (حزب الله)، بعد أن هاجم قواتنا داخل المنطقة الأمنية المتفق عليها».

وقُتل 11 شخصاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، السبت، وفق مصادر رسمية، في أعلى حصيلة يومية منذ توقيع اتفاق الإطار بين لبنان والدولة العبرية أواخر يونيو (حزيران) الماضي.

وقال الرئيس اللبناني جوزيف عون إن الغارات الإسرائيلية على جنوب البلاد تشكّل «رسالة واضحة» للمسار التفاوضي مع إسرائيل، قبل جولة محادثات جديدة مرتقبة في روما مطلع الشهر المقبل.

وأدان عون «الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة» على الجنوب، و«خروقاتها المتكررة لاتفاق الإطار (...) وللقوانين الدولية بحماية المدنيين»، واعتبر أن «هذه الانتهاكات تشكل رسالة واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق»، وفق بيان للرئاسة.

بدوره، كتب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، على منصة «إكس»، أن «التصعيد الإسرائيلي... أمر بالغ الخطورة ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب».

وتابع أن «شهداء الغارة الإسرائيلية... ليسوا بنية تحتية عسكرية، والأطفال والنساء الذين قُتلوا ليسوا أهدافاً عسكرية». وأكد أن «‏مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانية، هي مسؤولية الدولة اللبنانية حصراً، من خلال الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية، ولا يمنح وجودها إسرائيل حق استباحة الأراضي اللبنانية أو تعريض المدنيين للخطر».