رضوى عاشور... الريادة الكامنة

كانت سباقة في المجال النقدي والبحثي الذي تنامى منذ ثمانينات القرن الماضي

رضوى عاشور... الريادة الكامنة
TT

رضوى عاشور... الريادة الكامنة

رضوى عاشور... الريادة الكامنة

اتَحضر الكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور إلى ذهن الكثيرين، وأنا أحدهم، بوصفها روائية تجلّت أهميتها في أعمال مهمة مثل «ثلاثية غرناطة» و«الطنطورية» وغيرهما. لكن على الرغم من ذلك الحضور الروائي المهم والمنتشر، فإن البعض يدرك أنها كانت إلى جانب ذلك ناقدة وأستاذة أدب إنجليزي لها إسهاماتها في مجال النقد والبحث أيضاً.
ومع أني كنت ممن أدركوا ذلك الجانب النقدي لدى عاشور إلى جانب معرفتي وإعجابي الشديد بإبداعها الروائي، فقد فوجئت قبل أشهر بأن لرضوى كتاباً بدا لي رائداً في مجالٍ نقديٍّ تَطوَّر في الغرب ويبدو أن أحداً لم ينتبه إلى أن عاشور، تلك الطاقة الإبداعية الكبيرة، كانت في ذلك الكتاب سباقة إلى ذلك المجال النقدي والبحثي الذي تنامى منذ ثمانينات القرن الماضي على يد نقاد آخرين جلهم يعودون إلى أصول آسيوية أو غير غربية عامة. أقصد الدراسات ما بعد الكولونيالية. في كتاب بعنوان «التابع ينهض: الرواية في غرب أفريقيا» نُشر عام 1980 وأعادت «دار الشروق» نشره عام 2016، تتناول عاشور الرواية الأفريقية موظِّفةً منذ العنوان عبارةً لطالما التصقت في الأذهان بالناقدة والمفكرة الهندية تشاكرافورتي غاياتري سبيفاك: «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» (Can the Subaltern Speak?). ذلك هو العنوان الشهير الذي جاء مع مقالة لسبيفاك التي هاجرت منذ الستينات للدراسة والاستقرار في الولايات المتحدة حيث تشغل الآن منصباً أكاديمياً رفيعاً في جامعة كولومبيا. نشرت سبيفاك مقالتها عام 1988، أي بعد كتاب عاشور بثمانية أعوام. لكن بين المقالة والكتاب فروق مهمة يجب ألا تُغفل.
أول تلك الفروق أن عاشور في كتابها ليست معنية بالتنظير النقدي، على الأقل بالقدر الذي تفردت به سبيفاك وغيرها من نقاد ما بعد الكولونيالية. كتاب عاشور يتركز على النقد الروائي الذي تقدم منه نماذج مميزة دون شك، لكن دون تأطير نظري كافٍ يحلها في موقع الريادة لمجالٍ تَطوَّر في ذلك الحين وبسرعة هائلة.

ثاني تلك الفروق يتصل بأن مقالة سبيفاك الشهيرة تتركز، إلى جانب التنظير، على النقد النسوي الذي أضافت إليه بعداً ما بعد كولونيالي أو ما بعد استعماري من الزاوية النسوية بصفة خاصة لم يكن مطروحاً بقوة في تسعينات القرن الماضي. ليست عاشور معنية بالنقد النسوي في كتابها لا من حيث المرأة بوصفها كاتبة ولا من حيث هي موضوع للكتابة.
هذان فرقان مهمّان لكنهما لا يقللان بحال من أهمية كتاب الناقدة العربية المصرية. هو كتاب مهم ومشكلته الوحيدة أنه لم يُترجَم إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو يُكتَب بأيٍّ من تلكما اللغتين –اللتين تتقن عاشور منهما الإنجليزية على الأقل كونها أستاذة أدب إنجليزي. وبطبيعة الحال أدى ذلك إلى ما أدى إليه في حال أعمال أدبية ونقدية وفكرية عربية كثيرة لم تتسع لها دائرة التلقي. وكان يمكن لكتاب عاشور أن تكون له أصداء أوسع ويكون لمؤلفته دور ريادي أو شراكة على الأقل في ريادة حقل كان من رواده ناقد عربي آخر، إن لم يكن أهم رواده، هو إدوارد سعيد الذي كتب بالإنجليزية وحقق شهرة واسعة ليس في الغرب وحده وإنما في العالم. ولا أدري إن كان سعيد قد اطّلع على كتاب رضوى عند نشره، ومن المؤكد أنه لو اطلع عليه لذكره وأشاد به.
غير أن كتاب «التابع ينهض» لا يخلو مع ذلك من رؤى نقدية لافتة ضمّتها مقدمتان إحداهما ذات بعد نظري عام والأخرى تتصل بموضوع الكتاب. في الأولى تشير المؤلفة إلى الرواية الأفريقية وما أحاط بها من سوء الفهم أو سوء التناول سواء من النقاد الغربيين أو من الكتاب الأفارقة أنفسهم. فهناك تحيز غربي حدَّ من تلقي تلك الرواية بالصورة الصحيحة، كما أن هناك انحيازاً أفريقياً لدى بعض الكتاب الأفارقة توخى إرضاء الذائقة والفهم الغربيين. فالغرب، من ناحية وباستثناءات محدودة، تجاهل الرواية الأفريقية بصفة عامة أو نظر إليها نظرة دونية باستثناء تلك التي أرضت فرضياته القبلية حول القارة السوداء، والأفارقة، من ناحية أخرى، كما في رواية الكاتب المالي يامبو أولوجوم «واجب العنف» (1968) استجابوا لتوقعات المتلقي الغربي بتصوير أفريقيا تصويراً مشوهاً يجعلها مسرحاً تأصل فيه العنف والفحش، حسب عاشور. وكان فوز الرواية بجائزة أدبية فرنسية، كما تشير الناقدة المصرية، دليلاً على تحيز غربي تجاه أفريقيا، وتشير في ذلك السياق إلى مفهوم «العالمية» الذي تراه مسؤولاً إلى حد بعيد عن أحكام نقدية تأبى أن تتعامل «مع أدب سياسي إلا على أنه (أدب دعائي)، بسبب التمسك ببعض المفاهيم الأدبية الشائعة كمفهوم العالمية الذي يقصد به الناقد دائماً ما هو مشترك بين أبناء العالم الأوروبي الأميركي...». ثم تضيف سبباً آخر يتصل بالبعد «الشديد عن الواقع التاريخي الذي أنتج هذا الأدب وعدم بذل الناقد ما يكفي من جهد لفهمه».
هذه الآراء تصب في ذات السياق الذي سار فيه النقد ما بعد الكولونيالي سواء عند إدوارد سعيد أو سبيفاك أو هومي بابا أو غيرهم من أساطين ذلك النقد. الأقرب إلى عاشور، والذي أيضاً لم ينل نصيبه من التقدير في تطوير النظرية ما بعد الكولونيالية، هو الروائي والناقد الأفريقي نغوغي واثيونغو الذي أكد حتى في نصوصه النقدية المكتوبة بالإنجليزية، التي أُتيح لي أن أترجم أحدها، أنه سبق إلى الكثير من أطروحات النقد الما بعد كولونيالي لكنّ ذلك لم يُلتفت إليه. يشترك واثيونغو مع الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي وكتاب أفارقة آخرين إلى جانب رضوى عاشور في مساءلة مفاهيم قارَّةٍ في الثقافات الغربية –وغير الغربية- لا سيما النقد الأدبي المؤسَّس عليها مثل العالمية وقيمة أدب العالم الثالث، وأثر الاستعمار أو الإمبريالية على الثقافة. وليس هؤلاء متفقين على وجهات نظر في كل تلك المسائل. فأتشيبي مثلاً يختلف مع واثيونغو في أهمية اللغة الأوروبية الموروثة من عهود الاستعمار: يرى الكاتب النيجيري أن الإنجليزية صارت إرثاً للمستعمر (بفتح الميم) ولم تعد حكراً على من جلبها إلى البلاد التي وقع عليها الاستعمار وأن من حقه نتيجة لذلك أن يكتب بها. ويرى واثيونغو غير ذلك. لذا أصر الأول على الاستمرار في الكتابة بالإنجليزية والثاني على كتابة رواياته باللغة المحلية (ليترجمها لاحقاً إلى الإنجليزية). ولعل ذلك يذكّرنا بما يراه بعض الكتاب العرب الفرانكوفونيين حول الكتابة بالفرنسية.
ليست عاشور معنية بهذه القضايا، ربما لأنها غير مطروحة بقوة في الثقافة العربية، فباستثناء الأدب الفرانكوفوني والأنغلوفوني اللذين يمثلان حضوراً لافتاً فإن قضية اللغة ليست قضية أساسية أو رئيسية لدى الكتاب العرب عامةً كما هو الحال في الآداب الأفريقية. لغة الأدب العربي لغة عربية وليس الأمر موضوعاً للنقاش.
أمر آخر يلفت النظر في عنوان كتاب عاشور: أنها معنية بالنهوض وليس بالكلام. ففي حين تُعنى سبيفاك بمسألة تعبير التابع، أو المستعمَر، عن ذاته وقدرته على الاحتجاج، ما يهم عاشور هو النهوض، وهو قضية كبرى تشغل بال مثقفي العالم غير الغربي، أي نهوض بلادهم، القضية التي تراها عاشور مركزية في الرواية الأفريقية بصفة خاصة. ومع أن مسألتَي القدرة على التعبير والنهوض متلازمتان فإن مما لا يخلو من الأهمية إبراز إحداهما دون الأخرى. سبيفاك المعنية بالمرأة تشير إلى إشكالية جندرية في حين أن عاشور المعنية بالوضع الحضاري العام، بالنهوض، تبرز ما تراه أكثر حيوية وأهمية. ولكن الناقدة المصرية استطاعت على أي حال أن تبادر إلى ما كان حالة كامنة تنتظر الظهور.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.