سيندي تشاو.. نحاتة ومعمارية ومصممة في وقت واحد

أجهضت والدتها حلمها بامتهان الهندسة المعمارية فأبدعت في مجال الجواهر

«سيندي تشاو»  -  النجمة الصينية زييي زانغ ترتدي مجوهرات من تصميم تشاو  خلال حفل متحف الميتروبوليتان الأخير  -  سيندي تشاو مع الممثلة سارة جيسيكا باركر
«سيندي تشاو» - النجمة الصينية زييي زانغ ترتدي مجوهرات من تصميم تشاو خلال حفل متحف الميتروبوليتان الأخير - سيندي تشاو مع الممثلة سارة جيسيكا باركر
TT

سيندي تشاو.. نحاتة ومعمارية ومصممة في وقت واحد

«سيندي تشاو»  -  النجمة الصينية زييي زانغ ترتدي مجوهرات من تصميم تشاو  خلال حفل متحف الميتروبوليتان الأخير  -  سيندي تشاو مع الممثلة سارة جيسيكا باركر
«سيندي تشاو» - النجمة الصينية زييي زانغ ترتدي مجوهرات من تصميم تشاو خلال حفل متحف الميتروبوليتان الأخير - سيندي تشاو مع الممثلة سارة جيسيكا باركر

كما هناك نهضة فنية عالمية تشهد عليها المزادات، هناك أيضا نهضة في تصميم الجواهر. من بيروت ولندن إلى باريس والصين، نجحت مجموعة من المصممين الشباب في تغيير خريطة التصميم والإبداع، مستندين على خلفيات ثقافية متنوعة وتأثيرات غنية يستمدونها من كل ما يجري حولهم ثم يترجمونها في أشكال مبتكرة وفريدة تحاكي التحف. الكثير من هؤلاء متأثر بفن العمارة أو درسها، مما يظهر جليا في أعمالهم. سيندي تشاو، التايوانية الأصل، واحدة من هؤلاء. فهي تمزج أناقة الغرب بفنية شرقية خاصة تستهدف بها زبائن نخبويين من عشاق اقتناء القطع الفنية في المقام الأول. الآن أصبح اسمها يرادف كل ما هو مترف وفخم، وأي قطعة من تصميمها يمكن أن تُباع بملايين الدولارات في المزادات العالمية، بدليل أن قطعة من مجموعتها «بلاك لايبل» عرضت بـ10 ملايين دولار أميركي، بينما تتراوح مجموعاتها الأخرى ما بين 10 آلاف إلى 100 ألف دولار أميركي.
رغم النجاح الذي حققته وقدرتها الفذة على الإبداع، لم تتلق سيندي تشاو أي تدريب في تصميم الجواهر، على الأقل بالمفهوم التقليدي. فهي لم تدرس أو تتخرج من معاهد عالمية معروفة، وكل التقنيات والخبرات التي تتمتع بها، تعلمتها في بيت العائلة، وهو ما تعتبره ميزة كبيرة خدمتها لأن طريقة تفكيرها وتصورها للأشياء ليست تقليدية، وتركيزها على الأبعاد الثلاثية التي أبهرتها وهي طفلة صغيرة، تجعلها تصوغ جواهر أقرب إلى المنحوتات، مع فارق بسيط ومهم وهو أنها منحوتات يمكن للمرأة أن تستعملها بسهولة في النهار كما في المساء إذا لم تكن لها نية بتخزينها كاستثمار لتباع في مزاد علني في يوم ما.
لم يكن اللقاء مع سيندي تشاو مبرمجا، وكانت الفكرة من التوجه إلى فندق الفورسيزونز، جورج V، خلال أسبوع باريس للموضة الراقية، لمجرد التعرف على تصاميمها عن قرب، إلا أن وجودها في عين المكان، كان مفاجأة سارة على كل الأصعدة. فقد فتح الباب لحديث عفوي كان فرصة ثمينة لكي نتعرف على شخصيتها وأعمالها من منظورها الخاص. عند مصارحتها بأن أحجام تصاميمها مذهلة، ترد بصوت شبه هامس ولكنة آسيوية بأنه لم يكن يخطر ببالها أن تصبح مصممة جواهر في يوم ما، لأن حلمها كان أن تصبح معمارية، وهو ما ينعكس على هذه الأحجام. عندما ترى نظرات الاستغراب على وجهي، تشرح بأنها تتنفس فن العمارة والنحت منذ طفولتها، فجدها، زي زينان، هو الذي صمم الكثير من المعابد في آسيا، كما أن والدها نحات معروف، ومنهما تعلمت أن الفن الحقيقي هو الذي يتحدى الزمن حتى تستمتع به أجيال متتالية. فعندما كان جدها يصحبها معه إلى المعابد التي كان يبنيها، كانت تراقبه بفضول وتسأله عن النماذج التي كان يرسمها، وما يقوم به العامل وهو يشكلها بالصورة التي تصورها الجد. كانت تقف مبهورة لأنه كان يخيل لها أن كل من حولها عمالقة. ما زاد من إعجابها أنها وجدت مؤخرا بعض أعماله القديمة، وكانت كلها مرسومة باليد وبأبعاد ثلاثية في منتهى الدقة والجمال في وقت لم يكن فيه الكومبيوتر متوفرا لكي يسهل على المعماريين مهماتهم مثلما هو الحال الآن، مما رسخ إعجابها وأكد لها أن إعجابها لم يكن نابعا من طفوليتها فحسب. تقول: «أعتقد أنني تعلمت من جدي أن أنظر للأشياء من كل الزوايا، وأن أتعامل مع كل جانب، بغض النظر عن حجمه ومكانه، على أنه واجهة بحد ذاتها، تحتاج مني أن أصب فيها كل طاقتي». وبالفعل فكل قطعة تحمل توقيعها تأتي مزينة بأحجار في كل أجزائها، بما في ذلك الأجزاء الداخلية التي لا يمكن رؤيتها، لكن صاحبتها تعرف بوجودها. فهذه ليست جواهر عادية بقدر ما هي تحف تتوجه للمقتنين وعشاق الفن بالأساس، وهو ما لا يسمح لها بإنتاجها بكميات وأعداد كبيرة، ويفسر في الوقت ذاته إقبال السوق الآسيوية عليها بنهم باعتبارها استثمارا بعيد المدى نظرا إلى وزنها وجودة أحجارها وطبعا تصاميمها المبتكرة والفريدة، التي تروق للسوق الآسيوية على وجه الخصوص. فضلا عن أنها قطع فريدة من المستحيل استنساخها حسب قول سيندي تشاو: «فمهما حاولت أنا نفسي أن أصوغها بنفس الشكل والحجم لا أستطيع».
المهم أنها وقعت في حب الهندسة المعمارية بشكل طبيعي بحكم بيئتها والتأثيرات المحيطة بها، وبدأت تحلم بامتهانها فعليا وتبرمج لذلك، لولا أن أجهضت والدتها هذه الرغبة. بالنسبة للأم كان عمل أي فتاة في مجال ذكوري يتعارض مع أنوثتها والتقاليد الآسيوية التي شبت عليها، لأنها تعني التعامل مع عمال ومقاولين في أجواء لا تناسب المرأة. بل رفضت حتى فكرة أن تصبح ابنتها مصممة ديكور داخلي عندما توجهت هذه الأخيرة إلى نيويورك لدراسة هذا المجال كبديل للهندسة. استجابت البنت لرغبة والدتها خصوصا أن هذه الأخيرة كانت هي التي تدفع مصاريف دراستها من جهة، كما أنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن والدتها ليست ظالمة أو فقط تريد أن تفرض رغبتها. فقد كانت مثل أغلبية بنات جيلها ابنة بيئتها وما تفرضه الطقوس الاجتماعية عليها. في المقابل، تركت لها الباب مفتوحا لكي تبحث عن طرق أخرى للتعبير عن فنيتها وقدرتها على الابتكار، على شرط أن تتوافق مع صورة المرأة الآسيوية وما يتطلبه المجتمع منها من رقة. كانت تعرف أن بداخل ابنتها بركانا فنيا يغلي، لم ترثه من جدها فحسب بل أيضا من والدها النحات، الذي تقول سيندي تشاو أنها تعلمت منه تقدير جمالية الأشكال وأهمية أن تكون متوازنة. كان يثيرها ولا يزال، أن جدها ووالدها ينتميان إلى جيل ما قبل الكومبيوتر، ومع ذلك كانا يتقنان رسم نماذج ثلاثية الأبعاد باليد، وهو ما تحاول تطبيقه في جواهرها التي تولي كل زاوية منها اهتماما كبيرا، مؤكدة أنها تؤمن بأن أي قطعة جواهر يجب أن تأتي بمثابة تحفة فنية، أو عمل معماري مصغر، لهذا عندما تبدأ في العمل عليها، تفكر كثيرا في حجمها والمكان الذي ستضع فيه الأحجار بدقة، لخلق تناغم جمالي يجمع جمال الشكل بقوة الضوء. فقد يكون والدها نحاتا مشهورا، إلا أنها تحاول دائما تطبيق نفس التقنيات التي تعلمتها منه، فوجه الاختلاف بينهما يتمثل في المواد فقط، فهو يستعمل الطين والصلصال، وهي تستعمل الذهب والأحجار الثمينة. تتذكر أنها حين كانت ترافقه إلى الاستوديو الخاص به، كانت تنصت إليه بإعجاب وهو يشرح لها بصبر ما يتطلبه النحت من أدوات. كانت الأوقات التي تقضيها معه من أسعد أوقاتها لأنه كان يشركها في العمل معه، بالسماح لها بتهوية أعماله حتى تجف بسرعة أحيانا. تبتسم وهي تقول إنه كلما أراد بعض الهدوء، يلهيها بعمل صغير تقوم به، يشعرها بأهميتها فتركز عليه ناسية ما يجري حولها. وعندما تنتهي من مهمتها، يعلق على النتيجة، ويتبرع لها بالنصائح التي باتت تقدرها وتفهمها أكثر كلما كبرت في السن. كان يقول لها: «بغض النظر عن الموضوع الذي تتناولينه، يجب أن تأتي النتيجة النهائية نابضة بالحياة كما لو كانت حقيقية تتحرك. خذي وقتك في التأمل وانتبهي إل أدق التفاصيل، ثم حكمي قلبك وعقلك قبل البدء في تشكيل أي قطعة». هذه الكلمات لا تزال تتردد على آذانها إلى الآن وربما أقوى من ذي قبل.
جولة في معرضها المصغر في فندق «الفورسيزونز» تشير إلى أن التأثيرات التي تظهر فيها متنوعة، تتراوح بين الأشكال الطبيعية والكائنات البرية إلى المباني المعمارية الكلاسيكية، بأشكالها الضخمة، التي خزنتها ذاكرتها من الطفولة، أو الحداثية والانسيابية خصوصا تصاميم أنطوني غاودي وزها حديد. عند مواجهتها بهذه الملاحظة، ترد بأنها من أكثر المعجبات بزها حديد، مضيفة أن أي عمل، مهما كان، يدين بنجاحه إلى الأحاسيس التي يتضمنها ويثيرها في النفس، لأن هذا ما يمنحه حيويته وقوته. فـ«نظرة كل فنان للشيء الواحد تختلف، مما ينعكس على طريقة ترجمته» حسبما تقول. وتضيف: «خذي مثلا مجموعة (ماي ريبن My Ribbon) فهي ثمرة عشقي للأقمشة، التي يثيرني ترفها وحركتها وملمسها ما حاولت أن أجسده في هذه المجموعة بالتركيز على الأحجار الكريمة التي تبدو وكأنها مغلفة بأشرطة من الماس أو تبدو وكأنها تتمايل وتتراقص. فليس هناك عنصر واحد يحدد عملي، لأني أستوحي تصاميمي من كل شيء يحيط بي، بدءا من الطبيعة إلى تجاربي وتفاعلي مع الناس. فليس هناك حدود للأشياء التي يمكن لأي فنان أو مصمم أن يستقي منها أفكاره. صحيح أن الطبيعة ملهم قوي في أعمالي، خصوصا الكائنات المائية والأزهار المتفتحة لكن أسفاري وفن العمارة والهندسة، وثقافات متنوعة لها أيضا فضل في تشكيل الصور في خيالي.
المهم أن أسعى إلى التقاط جمالية لحظة ما، أو شيء في وقت زمني محدد، وأنجح أن أجسده بطريقة توقظ عاطفة جياشة تربط بين القطعة وبين صاحبها».
وهذا بالفعل ما توقظه تصاميمها من النظرة الأولى في النفس: عاطفة جياشة يتمازج فيها الإعجاب بقدرتها على الإبداع بجرأة فنية مع رغبة في لمسها، لأنك تعرف بأنها ستبقى بالنسبة للأغلبية حلما بعيد المنال، ومجرد لمس انعراجاتها وتقوساتها فرصة لا تعوض.



الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.