«البلاد»... ديوان جديد لعقل العويط

«البلاد»... ديوان جديد لعقل العويط

الاثنين - 11 محرم 1444 هـ - 08 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15959]
الشاعر عقل العويط يتصفح ديوانه

بعد قصيدتيه «الرابع من آب» (شرق الكتاب، 2020) و«آب أقسى الشهور يُشعل الليلك في الأرض الخراب» (دار نلسن، 2021)، يختم الشاعر عقل العويط ثلاثية شعرية عن هول مذبحة مرفأ بيروت بضلع أخير، هو قصيدة «البلاد» الصادرة قبل أيام عن دار «هاشيت أنطوان/ نوفل» بالعربية والفرنسية (ترجمة رنيه أسمر هربوز).
وما بين افتتاح يعلن التنصل من البلاد «هذه ليست بلادي»، وبين ختام يُجدد الاتحاد بها «هذه هي البلاد»، تحضر 17 رؤيا شعرية إنسانية مضرجة بالأعطال، «أعطال في الروح، أعطال في القلب، وأعطال في التاريخ»، فيما تشير لوحة شوقي شمعون على غلاف المجموعة، بسوادها وشق البياض خارق الظلمة، إلى وجوه وأشكال في حالة من التبعثُر، إلى أن ما ينتظر في الداخل هو «تابوت ومقبرة ومقبرة وتابوت» في بلاد يراها الشاعر كما تراه، «متناثرة». القصيدة مسرحُها النفق، بالكاد يمر شعاع في افتتاحيتها، سوداء كفحم هو اختزال الروح المقتولة بعد انفجار المرفأ. يخاطبها باللغتين، تلك البلاد وليدة الأمطار الموحلة والهامات على الحضيض وفي الأكوام المُهملة. البلاد الخارجة على السكة، «ذلك سبب الضجر الوجودي».
هل يعزي عقل العويط البلاد ليُتمها وانسلاخها عن الحياة؟ لعله يفعل، غارساً مسماراً أخيراً في النعش. ينطلق من «خراب العقل» كمؤجج لجثة المكان وعويل أمهاته. فهذا الليل الطويل، هو جزء من اختناق النفق، وتأكيد حسي لإحباط يعم الشاعر، فيفتح له نافذة ليتنفس في نهاية القصيدة، فيما طوال متنها، يمتد ويتسلل بحيث «ماء البحر لن ينشق ولن تعود الزوارق إلى بيوتها».
مسعى القصيدة جدي في إدانة القتل، الجريمة، التفجير، قدراً للبلاد. «يا لأقدارنا يا لأقدارنا»، يكررها كدندنة في مقبرة. يتساوى في شعر العويط وجع العقل بوجع الفجيعة. تعرض العقل، أو «مولاي العقل» كما يصر على التسمية، لاغتيال يقترب بوحشيته من اغتيال بحر المدينة ومرفأها، يجعل من الوحش «يسير غريزته المتخثرة في شرايين المدن، في الأرياف»؛ وها هنا، «يُنحَر نبعٌ في حلم غمدِه، فإذا اعتراه نزفٌ كتم الأمر لئلا يختنق نهرُ البلاد (...) فكيف ينمو نبع في البلاد بعد أن يطفحَ دمُ البلاد».
في القصيدة تمسكٌ بفعل الكتابة، كرجاء. «اكتبْ اكتبْ»، ينادي الشاعر. يبدأ شعاعٌ بالتسرب معانداً نفق البلاد المظلم بعد نكبتها، «ما من أحد ليحمي عصفوراً من قبضة الزمهرير، لكن لا يخمد ريشَه الزمهرير». طرفا النزاع، الألم والأمل، يتعاركان في وجع العقل. من جهة، هو المدرك إمعانَ القتيل في فتح عينيه ليرى بهما مقتل البلاد، و«ما من منفذ لهابيل ولا للنسيم ولا لعبور هتاف في الفضاء»؛ ومن ثانية، «وردة واحدة، وردة شقيقة واحدة في الصقيع تقلب التراب، تُزحزح ليلاً عن قبر البلاد». مشهدان مريران لموت البلاد وخروجها من موتها.
«يا لأقدارك يا لأقدارك، أيتها البلاد»، يوقظها من غفلتها. لا يريد عقل العويط التنزه في محيط الجرح، يفضل اقتحامه. ولا يتخذ لنفسه دور المراقب من الخارج. دائماً في اللهب. ينبه إلى حماقات ترتكبها الأرض تجاه أبنائها: «ها جنين في بطن بلادي يصرخ في بطن أمه، لا تأخذيني يا أماه إلى مقبرة أخرى لئلا تقتلني وحشة البلاد. فلأختنق في الرحم لأني لا أتوقع فجراً إذا خرجتُ من رحم البلاد». ثم يستدرك أن عهد العقل «لا ينطوي ولا يخون»، كمركب ينجو به من الغرق. بالعقل يدعو إلى الضوء كرد اعتبار للندى والنبع وغناء البلابل.
يعبر الموت إلى الحياة، ليصبح هو الحياة والدعوة إليها بعد تكثفه وتماديه في الإنسان والأرض. «موتاً تموت موتاً تحيا يا لبنان». كان حذره ألا يفتح أبوابه «فتأكل النار أرزَك». في بلاد قدرها كـ«قدر مَن لا يولد بأم وأب»، تُباح العصافير والغزلان للذئاب فتشتغل بها وتسلخ جلدها وتجعل لحمها الطري «وليمة للقساة، للجاحدين، للمتآمرين، للجلادين الطغاة». ترتطم القصيدة بزمنها، ارتطام وجه في مرآة ظنها محض وهم: «في هذا الزمان سيبطل البحر. في الزمان، في هذا الزمان، لم يعد البحر بحراً ولا النوارس نوارسَ ولا الرزق ولا الشاطئ ولا الميناء».
الشعراء هم المنقذون، «الشعراء الملعونون»، يحرسون نوم البلاد، يلاعبون شعرها بالأغنيات... الشعراء هؤلاء «يغلقون الطرق/ يفتحون ممرات آمنة على كلمات السر/ الأدوية الشافية/ لإقامة المستشفيات الميدانية/ لتكون المشانق للظلمات للشرور للاغتيالات للاحتلالات لمن تسول له أفكاره الأذى ببيتكِ». يصطفي الشعراء لنجدة البلاد، قبل نداء أخير يطال اليائسين للانضمام إلى النسيم، «إلى عمل البستان، انضموا إلى المعاول، إلى إيقاع البتر والاستئصال».
هذه هي البلاد، إن لم تُرفع الرايات البيض ولم تغادر الشمس. وإلا «المشانق المشانق»، صرخة القصيدة من صميمها. يستطيب الشاعر المشانق والأحكام العرفية «في الحكام، في السلاطين، في الطغاة، في العملاء، في الخونة، في الانتهازيين، في ماحقي بيت لبنان». والثورة، «هاتوا ثورة»، كسبيل اعتراضي ينشد الخلاص. يجعل صرخة المشانق مَهمته: «ماذا يُرتجى من شاعر إذا تغاضى؟ إذا سلم؟»، لبلوغه أقصى اللا تحمل، «لم أعد أستطيع لم أعد أستطيع/ هل مَن يُميتني من أجل أن أنضم إلى موت البلاد؟ هل مَن يُحييني من أجل أن أوهم نفسي بإحياء البلاد؟ هل مَن يحررني من حب البلاد؟». لن يجدوا عندي موطئاً لغيرك يا لبنان. ما من عجب إذا قال العقل إنك عيناي، إنك بيتي. هكذا قال العقل إنك قعر يأسي، إنك شاهق آمالي وحلمي.


Art

اختيارات المحرر

فيديو