مصلحة الأطراف وقف النار... لكن دينامية الحرب أقوى

أطفال فلسطينيون لحظة وقوع غارة إسرائيلية في غزة أمس (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون لحظة وقوع غارة إسرائيلية في غزة أمس (أ.ف.ب)
TT

مصلحة الأطراف وقف النار... لكن دينامية الحرب أقوى

أطفال فلسطينيون لحظة وقوع غارة إسرائيلية في غزة أمس (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون لحظة وقوع غارة إسرائيلية في غزة أمس (أ.ف.ب)

لو كانت المصلحة هي الاعتبار الأساسي الذي يأخذه أطراف الحرب الجديدة على غزة، لكانوا أوقفوا إطلاق النار فوراً، بعد 24 ساعة من نشوبها؛ فقد حقق كل طرف جملة من أهدافه، وصار له مبرّر يتباهى به أمام جنوده وجمهوره. لكن في هذه الحرب، كما في كل حرب، تتولَّد دينامية أقوى من القرارات وأصحابها. وقد ينجرون وراء كرة الثلج المتدحرجة، وتتسع رقعتها إلى آماد لا يرغب فيها أحد.
ولنبدأ بتلخيص اليوم الأول:
إسرائيل، التي بادرت إلى هذه العملية الحربية، تستطيع أن تسجل لنفسها عدة نقاط؛ فهي خاضت عملية حربية ضد غزة، بعد 15 شهراً فقط من العملية السابقة. وجهت ضربة قاسية لحركة «الجهاد الإسلامي»، «عقاباً لها» على عملياتها المسلحة ضد جيشها ومدنها خلال السنة. واغتالت اثنين من قادتها الأساسيين: تيسير الجعبري، مسؤول الجبهة الشمالية في قطاع غزة، وعبد الله قدوم، قائد وحدة الصواريخ. واستخدمت أنواعاً جديدة من الأسلحة، التي ستبيعها الآن لزبائنها الكثيرين، كأسلحة مجرَّبة. ورغم القصف المدمر لـ28 هدفاً، وإلقاء 16 طناً من المتفجرات، وقتل 11 شخصاً، بينهم طفلة وامرأة وثلاثة مدنيين آخرين، لم يتصدَّ لها العالم، بل إن الإدارة الأميركية أبدت تفهماً، واعتبرت العملية دفاعاً عن أمن مواطنيها. وخلال هذه المدة نجحت في تحييد حركة «حماس» التي تمتلك ترسانة أسلحة أكبر وأضخم وأدق من ترسانة «الجهاد» بعشرة أضعاف. والأهم من ذلك، حققت العملية الحربية مكسباً سياسياً يُعتبر هدفاً أساسياً؛ فرئيس الحكومة الجديد والمؤقت، يائير لبيد، الذي تستخف به المعارضة، وتنعته بالرجل الضعيف وغير المجرب، الذي لا يصلح لإدارة أزمة ولا حرب، يفوز اليوم بفرصة الظهور كرئيس حكومة بالكامل «مِلْوِ هدومه»، يدير الحرب بأعصاب باردة، يجمع هيئة أركان الحرب في مقر القيادة العامة في تل أبيب، ويجلس على رأس طاولة تضم كبار الجنرالات ورؤساء الأجهزة الأمنية، ويحقق مكاسب (حتى الآن).
في العادة، يطمح رؤساء الحكومات إلى حرب خفيفة كهذه عشية الانتخابات تجعلهم يبدون قادة أقوياء. لكن في هذه المرة، الجيش هو الذي بادر إلى الحرب، وقدم هذه العملية هدية للبيد، قبل ثلاثة شهور من الانتخابات. بالنسبة إلى الجيش، هذه مساهمته لمنع بنيامين نتنياهو من العودة إلى الحكم. بها ينتقم من نتنياهو على الحرب التي يديرها ضد الجيش، بواسطة صحفه ووسائل الإعلام الإلكترونية ومعاهد الأبحاث التي يسيطر عليها رجاله، ويحاولون فيها المساس بهيبة الجيش، ويطعنون في قدراته، ويتهمونه بالجبن والهزال أمام الأعداء، وبتبذير أموال الدولة.

و«الجهاد الإسلامي» من جهتها، لم تحقق مكاسب مادية، إذ إن صواريخها لم تصب أي إسرائيلي بشكل مباشر (هناك ستة جرحى؛ أحدهم أصيب من شظية صاروخ، وخمسة أصيبوا عندما أطلقت صفارات الإنذار وراحوا يتراكضون للوصول إلى الملجأ). ولكن حسابات الربح والخسارة لدى تنظيم صغير كهذا لا تصلح بالمقارنة بينه وبين إسرائيل؛ فهي دولة عسكرية كبرى ذات قدرات هائلة تتفوق بها على عدة دول مجتمعة، ولا يُتوقع أن تهزمها «الجهاد»، لكن «إسرائيل الكبرى» هذه خصت هذه الحركة بعملية حربية حقيقية، استخدمت فيها الطائرات المقاتلة والمسيرات، وجندت لمحاربتها 25 ألف جندي احتياط، وأغلقت منطقتها الجنوبية بحزام نصف قطره 80 كيلومتراً، وغيرت اتجاهات الطائرات في مطارها الدولي. هذا يضع «الجهاد» في مصاف التنظيمات ذات الشأن التي تدفع ثمناً لكفاحها، ويرفع مكانتها في صفوف الفلسطينيين، وكذلك في صفوف قيادة المحور، التي تدفع المال وتزود بالعتاد. وبالصدفة، جاءت العملية في وقت كان فيه قادة «الجهاد الإسلامي» يزورون طهران، واجتمع أمينها العام، زياد نخالة، مع الرئيس إبراهيم رئيسي. وحسب التقديرات الإسرائيلية الاستخباراتية المعلَنة، فإن إيران لا تؤيد تصعيداً كبيراً في الحرب.
من هنا، فإن المصلحة تقتضي بأن يوقف الطرفان النار فوراً. وهناك ما يساعدهما على ذلك؛ فمصر باشرت الوساطة، ودول العالم تناشد وقف النار، والجمهور في الطرفين تعب من الحروب وأنهك منها، و«حماس» الأخ الأقدر، تمتنع عن التدخل في المعركة ضد العدو المشترك، لحسابات تكتيكية واستراتيجية، و«حزب الله» في لبنان يكتفي ببيان تعزية ولا يدبّ قوته لنصرة الحليف الفلسطيني الأقرب إليه. عملياً هذا وضع مثالي لوقف الحرب.
إلا أن هناك عوائق أيضاً؛ فالحرب تولّد عادة دينامية تفرض واقعاً مختلفاً. أولها يتعلق بالصورة النهائية؛ ما يسمى بصورة النصر. فما سيعلق في ذهن الناس من هذه الحرب، لا يقل أهمية عن أهداف الحرب نفسها، وهناك عائق يتعلق بأخطاء الحرب؛ فإذا سقطت قذيفة في قلب تل أبيب، ووقع عدد كبير من الضحايا، ستغير إسرائيل اتجاه الحرب. وإذا أصابت إسرائيل أحد المرافق التابعة لـ«حماس»، واضطرت إلى الانجرار للحرب التي لا تريدها، سيكون الرد الإسرائيلي كفيلاً بتوسيع نطاقها.
وإذا وقع حدث في القدس، يمكن أن تلتهب الأوضاع في جميع الأراضي الفلسطينية، وعندها لن يكون ممكناً وقف الحرب، خصوصاً أن المستوطنين المتطرفين يخططون لاقتحام باحات المسجد الأقصى بأكبر عدد ممكن من اليهود، بمناسبة التاسع من أغسطس (آب)، الذي يصادف اليوم (الأحد)، حسب التقويم العبري، وفيه يصوم اليهود ويحدّون على خراب الهيكل. والمتوقع أن يصل مئتا ألف مصلٍّ منهم إلى باحة البراق، ويتوقع أن يتسلل منهم 3 أو 4 آلاف إلى الأقصى.
ولأن مثل هذه الأحداث وقعت في عمليات حربية سابقة، وأدت إلى إطالة الحرب أكثر بكثير مما رغب فيه أصحابها، فإن جميع اللاعبين السياسيين والعسكريين يسيرون على حبل دقيق، يستخدمون فيه ليس فقط الأسلحة بل كثيراً من الدعاء بأن تنتهي العملية على خير.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

«مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

قتلت إسرائيل 3 فلسطينيين في الضفة الغربية، الخميس، بعد حصار منزل تحصنوا داخله في نابلس شمال الضفة الغربية، قالت إنهم يقفون خلف تنفيذ عملية في منطقة الأغوار بداية الشهر الماضي، قتل فيها 3 إسرائيليات، إضافة لقتل فتاة على حاجز عسكري قرب نابلس زعم أنها طعنت إسرائيلياً في المكان. وهاجم الجيش الإسرائيلي حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس صباحاً، بعد أن تسلل «مستعربون» إلى المكان، تنكروا بزي نساء، وحاصروا منزلاً هناك، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة في المكان انتهت بإطلاق الجنود صواريخ محمولة تجاه المنزل، في تكتيك يُعرف باسم «طنجرة الضغط» لإجبار المتحصنين على الخروج، أو لضمان مقتلهم. وأعلنت وزارة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

في وقت اقتطعت فيه الحكومة الإسرائيلية، أموالاً إضافية من العوائد المالية الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، لصالح عوائل القتلى الإسرائيليين في عمليات فلسطينية، دفع الكنيست نحو مشروع جديد يتيح لهذه العائلات مقاضاة السلطة ورفع دعاوى في المحاكم الإسرائيلية؛ لتعويضهم من هذه الأموال. وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، الخميس، إن الكنيست صادق، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين جراء هجمات فلسطينية رفع دعاوى لتعويضهم من أموال «المقاصة» (العوائد الضريبية) الفلسطينية. ودعم أعضاء كنيست من الائتلاف الحكومي ومن المعارضة، كذلك، المشروع الذي يتهم السلطة بأنها تشجع «الإرهاب»؛

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

دخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب وقصف بدباباته موقعاً في شرق مدينة غزة، أمس الثلاثاء، ردّاً على صواريخ أُطلقت صباحاً من القطاع بعد وفاة القيادي البارز في حركة «الجهاد» بالضفة الغربية، خضر عدنان؛ نتيجة إضرابه عن الطعام داخل سجن إسرائيلي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

صمد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ، فجر الأربعاء، منهيا بذلك جولة قصف متبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية استمرت ليلة واحدة (أقل من 24 ساعة)، في «مخاطرة محسوبة» بدأتها الفصائل ردا على وفاة القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان في السجون الإسرائيلية يوم الثلاثاء، بعد إضراب استمر 87 يوما. وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل لـ«الشرق الأوسط»، إن وساطة مصرية قطرية وعبر الأمم المتحدة نجحت في وضع حد لجولة القتال الحالية.

كفاح زبون (رام الله)

الأمن العراقي يمنع جمهور الفصائل  المسلحة من الوصول إلى السفارة الأميركية

القوى الأمنية العراقية تطلق قنابل مسيلة للدموع على متظاهرين في المنطقة الخضراء (أ.ب)
القوى الأمنية العراقية تطلق قنابل مسيلة للدموع على متظاهرين في المنطقة الخضراء (أ.ب)
TT

الأمن العراقي يمنع جمهور الفصائل  المسلحة من الوصول إلى السفارة الأميركية

القوى الأمنية العراقية تطلق قنابل مسيلة للدموع على متظاهرين في المنطقة الخضراء (أ.ب)
القوى الأمنية العراقية تطلق قنابل مسيلة للدموع على متظاهرين في المنطقة الخضراء (أ.ب)

على الرغم من إعلان الحكومة العراقية الحداد العام لمدة ثلاثة أيام لمناسبة مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وتعطيل الدوام الرسمي في عدد من المحافظات العراقية، فضلاً عن برقيات التعزية التي أرسلتها الحكومة والقيادات العراقية إلى القيادة الإيرانية، حاولت الفصائل المسلحة اقتحام المنطقة الخضراء المحصنة وسط بغداد حيث توجد السفارة الأميركية.

ساحة مفتوحة

إعلان الفصائل العراقية الموالية لإيران كلها دخولها الحرب إلى جانب إيران، فضلاً عن قيامها باستهداف كثير من المواقع التي يوجد فيها الأميركيون، مثل محيط مطار بغداد وقاعدة حرير في إقليم كردستان والقنصلية الأميركية في أربيل، وضع العراق في دائرة الحرج السياسي، بالإضافة إلى أنه أصبح ساحة مفتوحة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وتم استهداف كثير من مواقع وتجمعات قوات «الحشد الشعبي» وعدد من الفصائل المسلحة لا سيما في منطقة «جرف الصخر»، جنوب بغداد، التي تعد أحد المعاقل الرئيسية لـ«كتائب حزب الله» التي كانت أولى الفصائل التي أعلنت دخولها الحرب إلى جانب إيران.

السوداني مترئساً اجتماعاً أمنياً (رئاسة الوزراء)

وفي الوقت الذي وضعت القوات الأمنية العراقية في حالة الإنذار القصوى تحسباً لأية هجمات يمكن أن تقوم بها إسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية لمواقع هذه الفصائل، فإن «الكتائب» دعت إلى ما سمته تنفيذ عمليات «اختراق» داخل إسرائيل.

وفي الوقت الذي تلقت فيه الحكومة العراقية رسالة شديدة اللهجة من واشنطن بشأن ضرورة التزام الحياد، والعمل على عدم السماح للفصائل المسلحة القيام بأية عمليات عسكرية ضد الوجود الأميركي في العراق أو تقديم أي دعم لإيران في هذه الحرب، فإن «كتائب حزب الله» أعلنت في بيان مساء السبت أن «المرحلة الحالية تمثل لحظة حاسمة في الصراع»، موجّهة خطاباً إلى فصائل مسلّحة في فلسطين ولبنان وسوريا، دعت فيه إلى «تصعيد المواجهة ضد إسرائيل والقوات الأميركية».

وحثّت على تنفيذ عمليات داخل الأراضي الإسرائيلية، عادّةً ذلك رداً على ما وصفته بالاعتداءات وسفك الدماء في المنطقة.

عراقيون يرفعون صور خامنئي في مظاهرة وسط بغداد (أ.ب)

من جهتها، أكدت «حركة النجباء» انخراطها في الحرب إلى جانب إيران. وقال الأمين العام للحركة أكرم الكعبي، في بيان، إن «ما تشهده المنطقة يمثل مواجهة مصيرية»، مشدداً على أن الحياد «لم يعد خياراً» في ظل التصعيد الإقليمي.

ودعا الكعبي إلى مواجهة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، مشيراً إلى ضرورة إنهائه، خصوصاً في العراق، عبر ما وصفه بـ«حرب استنزاف طويلة»، مؤكداً الاستمرار في نهج «المقاومة» خلال المرحلة المقبلة.

يُذكر أن فصائل عراقية أخرى أعلنت الانخراط في الحرب، مثل فصائل «سيد الشهداء»، و«سرايا أولياء الدم» وغير ذلك.

بين الحزن والاشتباك

وأعلنت الحكومة العراقية في بيان رسمي تقديمها أحر التعازي إلى الشعب والحكومة العراقية باغتيال خامنئي، فضلاً عن إعلان الحداد العام في البلاد لمدة ثلاثة أيام وبرقيات التعازي التي أرسلها القادة العراقيون إلى إيران بدءاً من رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ورئيس السلطة القضائية فائق زيدان.

إلا أن القوات الأمنية اضطرت طوال ليل السبت إلى صباح الأحد إلى اتباع كل السبل لمنع تدفق العشرات من أنصار الفصائل المسلحة نحو المنطقة الخضراء، في محاولة منها للوصول إلى السفارة الأميركية.

واستخدمت القوات الأمنية، صباح الأحد، الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق متظاهرين من أنصار فصائل مسلحة. وطبقاً لشهود عيان، فإن المواجهات تركزت عند «الجسر المعلق»، حيث حاول المحتجون تجاوز الكتل الأسمنتية التي وضعتها السلطات منذ ليلة أمس. وتأتي هذه الاحتياجات تنديداً بالضربات الجوية الأخيرة التي استهدفت إيران، وسط مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وعدد من القادة الإيرانيين.

وأظهرت مقاطع مصورة محاولات قوات مكافحة الشغب إبعاد الحشود عن التحصينات الأمنية، في وقت لا يزال فيه التوتر سيد الموقف عند مداخل المنطقة الرئاسية.

مواجهة التداعيات

إلى ذلك طلبت كتلة «حقوق» البرلمانية، وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»، استضافة رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، ووزير الدفاع وقيادة العمليات المشتركة، لمناقشة ملف حماية الأجواء والسيادة العراقية.

ومن المتوقع أن تعقد القوى السياسية العراقية التي يضمها «ائتلاف إدارة الدولة» مساء الأحد لمواجهة تداعيات الأزمة الراهنة في مسعى لإصدار موقف سياسي واضح يلزم الجميع، بمن في ذلك الفصائل المسلحة، بعدم الانخراط في الحرب.

وطبقاً لمصدر سياسي، فإن «هناك توجّهاً واضحاً من الحكومة والإطار لتجنيب العراق تداعيات النزاع القائم، عبر التأكيد على ضرورة عدم مشاركة أي جهة عراقية في الأحداث الجارية، حفاظاً على الاستقرار الداخلي ومنع اتساع رقعة التوتر».

وأضاف أن «قوى الإطار التنسيقي والحكومة وجّهت رسائل واضحة إلى الفصائل المسلحة، شددت فيها على ضرورة تحييد العراق عن الأحداث الجارية في المنطقة، وعدم الانخراط في أي تصعيد عسكري».

لكن كتلة حقوق البرلمانية التابعة لـ«كتائب حزب الله»، ومن خلال تصريحات للقيادي فيها وعضو البرلمان العراقي مقداد الخفاجي، دعت الحكومة إلى الاضطلاع بدورها في حماية القوات العراقية، وتفعيل منظومة الدفاع الجوي، بعد أن « استخدم الطيران الأميركي والصهيوني الأجواء العراقية لقصف مواقع وأراضٍ إيرانية».

وأشار الخفاجي إلى أن حركة «حقوق» أبلغت رئيس مجلس النواب بضرورة إدراج مناقشة حماية الأجواء والأراضي العراقية على جدول أعمال جلسة المجلس، مع استضافة السوداني ووزير الدفاع وقيادة العمليات المشتركة، للاطلاع على الاستعدادات العراقية، والتعاقد مع الشركات العالمية لشراء منظومات دفاع جوي لحماية الأجواء العراقية.


قصف يستهدف مقارّ لـ«الحشد الشعبي» شرق العراق

صورة أرشيفية لعناصر من «كتائب حزب الله» في جرف الصخر (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لعناصر من «كتائب حزب الله» في جرف الصخر (أ.ف.ب)
TT

قصف يستهدف مقارّ لـ«الحشد الشعبي» شرق العراق

صورة أرشيفية لعناصر من «كتائب حزب الله» في جرف الصخر (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لعناصر من «كتائب حزب الله» في جرف الصخر (أ.ف.ب)

أكدت مصادر أمنية عراقية وإعلامية مطلعة تعرُّض مقر لـ«الحشد الشعبي» الموالي لإيران، في محافظة ديالى (60 كيلومتراً شرق بغداد) للقصف؛ ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 4 عناصر وإصابة آخرين.

وهذا الحادث هو الثالث من نوعه منذ بدء الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران.

وأبلغت المصادر «الشرق الأوسط» أن القصف طال مقراً لفصيل من «عصائب أهل الحق» يعمل تحت مظلة الحشد.

وأكد المصادر أن الحادث وقع في منطقة أبو خرابيش في الوجيهية التابعة لقضاء المقدادية شرق المحافظة.

ونفت المصادر علمها بالأنباء التي تحدثت عن أن الموقع المستهدف كان مكاناً لصناعة وتخزين الطائرات المسيرة.

وصدرت عن بعض المنصات التابعة لـ«الحشد الشعبي» أسماء الأربعة الذين قُتلوا في الحادث.

أفادت مصادر أمنية، الأحد، بأن طائرة مسيّرة صغيرة ألقت قنبلة على نقطة تابعة للواء 50 التابع لـ«الحشد الشعبي»، على الطريق العام لبلدة باتمايا ضمن قضاء تلكيف بمحافظة نينوى (شمالاً).

وتعرضت قاعدة «حرير» الجوية في محافظة أربيل التي توجد فيها قوات أميركية لهجومين متتاليين، الأحد، دون تحديد طبيعة ما إذا كانا بصواريخ أو طائرات مسيّرة.

وتعلن فصائل مسلحة موالية لإيران مسؤوليتها عن الهجمات التي تطول أربيل.

وبينما لم يصدر أي بيان عن الجهات الرسمية حول حادث محافظة ديالى، أعلنت قيادة العمليات المشتركة، السبت، تعرض منطقة جرف النصر شمال محافظة بابل لضربتين جويتين.

وقالت القيادة في بيان، إنه «في استهداف ثانٍ، تعرّضت منطقة جرف النصر شمال محافظة بابل لضربتين جويتين عند الساعة 19:25 من مساء اليوم، وإن الجهات المختصة تتابع الموقف من كثب لاتخاذ الإجراءات اللازمة».

ولم تشر قيادة العمليات إلى الخسائر الناجمة عن الضربة الأولى، لكنها أعلنت عن مقتل شخصين وإصابة ثلاثة.

ومعروف أن «كتائب حزب الله» الموالية لإيران والتي تعمل تحت مظلة الحشد الشعبي تسيطر على منطقة جرف الصخر من سنوات طويلة، ولا تسمح للجهات الرسمية والأمنية بالدخول إليها؛ ما يعرِّضها لاتهامات بإمكانية أن تكون قد «حولت المنطقة إلى قاعدة عسكرية متقدمة تخدم أهدافاً إيرانية».

ورغم الموقف شبه المحايد الذي تتخذه الحكومة العراقية حيال الصراع الإقليمي الدائر، فإن نيران الحرب وصلت أراضيه، سواء عبر الاستهدافات التي تنفذها واشنطن وتل أبيب ضد مقار لفصائل مسلحة، أو عبر ما تقوم به الأخيرة من هجمات لصالح إيران داخل الأراضي العراقية.

وأدانت وزارة الخارجية العراقية، مساء السبت، الاعتداءات التي استهدفت مناطق مختلفة في البلاد، سواء في وسط البلاد أو في إقليم كردستان، معتبرة إياها تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الوطنيين.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن «هذه الهجمات العدوانية تهدف إلى دفع العراق إلى أتون الحرب الدائرة في المنطقة».

وأعلنت ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، السبت، عن تنفيذ 16 عملية قالت إنها استُخدمت فيها عشرات الطائرات المسيّرة داخل العراق وفي المنطقة.

البصرة جنوباً

أعلنت قيادة العمليات المشتركة، الأحد، إسقاط 5 طائرات مسيرة حاولت استهداف مواقع عسكرية في محافظة البصرة (جنوباً)، وذكرت قيادة العمليات المشتركة في بيان لخلية الإعلام الأمني، أنه «تمكنت الدفاعات المختصة من رصد وإسقاط طائرتين مسيرتين حاولتا استهداف أحد المواقع العسكرية داخل قاعدة الإمام علي في محافظة ذي قار، أعقب ذلك إسقاط طائرتين مسيرتين أخريين حاولتا استهداف الموقع نفسه».

وأضاف: «كما تم، في أوقات مختلفة من يوم أمس، رصد وإسقاط 5 طائرات مسيرة أخرى حاولت استهداف مواقع عسكرية في محافظة البصرة، وبذلك يكون مجموع الطائرات المسيرة التي تم إسقاطها 9 طائرات، دون تسجيل أي خسائر بشرية أو مادية».

وأشار إلى أن «الجهات المعنية تؤكد استمرارها في اتخاذ أعلى درجات الجاهزية والتصدي لأي تهديد يمس أمن وسلامة المنشآت العسكرية، مع مواصلة التحقيقات والإجراءات اللازمة وفق السياقات المعتمدة».

وفي بيان آخر، أعلنت القيادة عن إصابة 3 أشخاص إثر سقوط حشوتي صاروخين بمحافظة البصرة.

ويوم السبت، أعلنت أن «راداراً قديماً في قاعدة الإمام علي الجوية في محافظة ذي قار تعرض في الساعة 22:50 لاستهداف بطائرتين مسيريتين مفخختين، من دون خسائر تُذكر»، لكن القيادة لم تشر في بياناتها إلى الجهات المتورطة والمسؤولة عن تلك الهجمات.


تأكيد لبناني على أن «قرار الحرب والسلم بيد الدولة» ومؤشرات «إيجابية» من «حزب الله»

المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

تأكيد لبناني على أن «قرار الحرب والسلم بيد الدولة» ومؤشرات «إيجابية» من «حزب الله»

المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
المجلس الأعلى للدفاع مجتمعاً برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

جدّد لبنان تأكيده أن «قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية»، فيما تنشط الاتصالات الداخلية والخارجية لحماية الاستقرار ومنع انزلاق البلاد إلى أي مواجهة، بحيث لا تزال المعطيات «إيجابية» لناحية عدم إقدام «حزب الله» على أي خطوة قد تنعكس سلباً على لبنان، حسب ما أكدت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة لـ«الشرق الأوسط».

عون يؤكد الإجماع الوطني

وشكّل الموقف اللبناني محور الاجتماع الطارئ الذي عقده المجلس الأعلى للدفاع، الأحد، بدعوة من رئيس الجمهورية جوزيف عون في القصر الرئاسي، حيث جرى التأكيد على وحدة الموقف الداخلي في مواجهة التحديات، وعلى أولوية حماية الاستقرار الوطني وصون السلم الأهلي.

واستهل الرئيس عون الاجتماع بعرض للأوضاع الإقليمية في ضوء التطورات الخطيرة المستجدة، ولا سيما مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي في غارة إسرائيلية، وتوجه بالتعزية إلى «البلدان التي طالتها هذه الأحداث»، مؤكداً التضامن مع الدول العربية الشقيقة، والشجب الكامل لاستهداف المدنيين والمنشآت المدنية.

وشدّد الرئيس اللبناني على أن ما يجري «يُظهر مجدداً الإجماع الوطني على أن قرار الحرب والسلم هو في عهدة الدولة اللبنانية وحدها، تمارسه حصراً عبر مؤسساتها الدستورية»، مذكّراً بأن هذا الموقف ورد بوضوح في خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري للحكومة الحالية.

وأجرى الرئيس عون اتصالات مع عدد من قادة الدول العربية التي استهدفها القصف، معرباً عن استنكار لبنان، رئيساً وشعباً، للاعتداءات التي استهدفت سيادة دولهم واستقرارها وأمنها.

سلام: مصلحة اللبنانيين فوق كل اعتبار

من جهته، شدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال اجتماع المجلس الأعلى للدفاع، الأحد، على «ضرورة وضع مصلحة اللبنانيين فوق أي اعتبار، وضبط الوضع الأمني والميداني جنوباً وشرقاً وعدم السماح بأي خلل»، مؤكداً أهمية ضبط الأسعار والكميات للسلع والمواد الغذائية والمحروقات، ومتابعة تنفيذ ما أُقرّ في الاجتماعات مع الوزارات والمؤسسات المعنية، ولا سيما لجنة إدارة الكوارث والهيئة العليا للإغاثة، مشيراً إلى أن الحكومة اتخذت جميع التدابير اللازمة تحسّباً لأي تطورات.

اتصالات داخلية وخارجية ومؤشرات «إيجابية» من «حزب الله»

بالتوازي، أكدت المصادر الوزارية أنّ الاتصالات مستمرة على خطين: داخلي وخارجي، لمواكبة التطورات ومنع أي انعكاسات أمنية. وأوضحت المصادر أنّ المشاورات الداخلية تشمل رئيس مجلس النواب نبيه بري، و«بشكل أو بآخر» «حزب الله»، فيما تتواصل الاتصالات الخارجية مع فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، في ضوء الرسالة الأميركية التي تلقاها الرئيس عون من السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، مؤكداً أن «الجانب الإسرائيلي ليس بصدد القيام بأي تصعيد ضد لبنان، طالما لا أعمال عدائية من الجهة اللبنانية».

وشددت المصادر على أنّ «التركيز ينصبّ على عدم حصول أي رد فعل من شأنه الإخلال بالاستقرار، والمحافظة على الأمن»، مشيرة إلى أنّ «المناخ العام لا يزال ضمن التوجّه الإيجابي من قِبَل (حزب الله) حتى الساعة لجهة عدم تدخله عسكرياً في الحرب».

وفيما يتصل بموقف «حزب الله»، لفتت المصادر إلى أنّ بيان الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، «لم يتضمّن أي إشارة إلى كيفية التصدي أو المواجهة العسكرية»، مرجحة أن «تبقى مواقف (حزب الله) في إطار البيانات أو التحركات المحدودة».

توصيات المجلس الأعلى للدفاع

وعلى المستوى التنفيذي، أصدر المجلس الأعلى للدفاع، في بيان له، سلسلة توصيات تتصل بالأوضاع الأمنية والعسكرية، فقرّر إبقاء جلساته مفتوحة لمواكبة المستجدات بصورة مستمرة، على أن تبقى مقرراته سرية وفقاً للقانون.

وأهاب المجلس باللبنانيين جميعاً، مسؤولين ومواطنين، التشبث بالتزامهم بحس المسؤولية الوطنية العليا، في هذه الظروف الدقيقة حفاظاً على الاستقرار العام، والأمن الوطني الشامل، عسكرياً ومعيشياً واجتماعياً.

‏وثمّن المجلس في هذا السياق، «روح الانضباط العام الذي ساد في البلاد، وأهمية خطاب العيش معاً، وهو ما يؤكد مجدداً إجماع اللبنانيين كافة على ثوابت ميثاقية باتت مسلمات نهائية، أهمها الولاء للبنان، واعتبار مصالح اللبنانيين العليا هي وحدها غايتنا ومرجعيتنا، وأن الدولة وحدها هي صاحبة قرار السلم والحرب».

كما كلّف وزارة الخارجية والمغتربين متابعة الاتصالات مع البعثات الدبلوماسية اللبنانية في الخارج للاطمئنان إلى أوضاع اللبنانيين المنتشرين في ظل التوترات.

وطلب المجلس من وزارة الأشغال العامة والنقل العمل على ضمان إبقاء الأجواء اللبنانية مفتوحة مع الحرص على سلامة المسافرين، وتأمين الرحلات الجوية ذهاباً وإياباً، ومتابعة التطورات بشكل دوري وإبلاغ المواطنين بكل جديد.

وفي الشأن المعيشي، طمأن المجلس اللبنانيين إلى توافر المواد الأساسية والإمكانات اللازمة لضمان أمنهم الحياتي، مؤكداً أن احتياجات المواطنين من غذاء ودواء وطاقة ونقل واتصالات مؤمّنة.

واختتم البيان بالتأكيد على أن لبنان سيواصل اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان أمنه واستقراره في مواجهة التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، مع الإبقاء على التنسيق الدائم بين مختلف المؤسسات الأمنية والحكومية، في إطار تثبيت معادلة أن قرار الحرب والسلم يبقى حصراً بيد الدولة اللبنانية».