الحياة العارية في «أيام الشمس المشرقة»

ميرال الطحاوي تعالج مرارة الأحلام بالسخرية

معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
TT

الحياة العارية في «أيام الشمس المشرقة»

معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف
معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعانون من القهر والعنف

تبدو رواية ميرال الطحاوي «أيام الشمس المشرقة»، الصادرة مؤخراً عن دار «العين» بالقاهرة، مناسبة لتأمل علاقة الكاتب المهاجر بالمكان؛ فهو من حيث الواقع غادر عالماً كان يعرفه ولم يعد فيه، وانتقل إلى عالم هو طارئ عليه، خصوصاً من يهاجر بعد الطفولة والصبا.
بعض الكُتاب مثل أمين معلوف الذي انتقل في عمر الأربعين تقريباً إلى باريس وفيها بدأ الكتابة الأدبية، حل المعضلة باللجوء إلى التاريخ والبحث عن اللحظات التي تجمع العالمين، وكأنها محاولة ذاتية لرتق تمزقات الذات التي لم تعد في أي منهما، قبل أن تكون خياراً فنياً ومعرفياً. والبعض لجأ إلى الرواية الذهنية مثل ميلان كونديرا، حيث نلحظ اتكاءه على المعرفة في رواياته التالية لانتقاله إلى باريس، أكثر مما نلمس العوالم الصاخبة بالحياة التي ظهرت في «كتاب الضحك والنسيان» و«غراميات مرحة» اللذين كتبهما في تشيكوسلوفاكيا قبل أن ينتقل هو الآخر إلى باريس.
ورأينا بين الكتاب العرب من لم يجد وسيلة للتفاهم مع الحاضنة الجديدة ويواصل تدوير ذكرياته، مثلما فعل الكاتب المصري الراحل جميل عطية إبراهيم رغم طول إقامته في سويسرا، ورأينا من استطاع حمل البطيختين في يد واحدة، مثل هدى بركات وإنعام كجه جي، فيستجيب لعوالم الحاضنة الجديدة وللعالم الأم، ويجد ما يرويه عنهما معاً.

وتبدو ميرال الطحاوي؛ التي تُدرس اللغة والأدب العربيين في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 2007، قد أضافت في روايتها الجديدة، وهي الثانية للكاتبة التي تجري أحداثها في العالم الجديد بعد «بروكلين هايتس - 2010»، أثر العالم الجديد إلى عالمها الأول الذي عُرفت به قبل الهجرة؛ عالم البدو على أطراف حياة الفلاحين في صحراء محافظة الشرقية بمصر، وإن ظلت على إخلاصها لعالمها الأول في كتب بحثية، بعد أن هجنته في عالمها السردي، حيث أصدرت بين الروايتين ثلاثة كتب تنفتح على البحث التاريخي الأدبي والسيرة الذاتية «الأنثى المقدسة أساطير المرأة في الصحراء - دار بتانة 2019»، و«بنت شيخ العربان - العين 2020» و«بعيدة برقة عن المرسال... أشعار الحب عند نساء البدو - دار المحروسة 2021».
ورغم أن «بروكلين هايتس» و«أيام الشمس المشرقة» تدوران في عالم المهاجرين، إلا أن «أيام الشمس المشرقة» تبدو مختلفة تماماً؛ حيث ينفتح السرد على اللاجئين من كل الجنسيات، وليس عالم المهاجرين في ظروف أقل قسوة. معظم شخصيات الرواية من اللاجئين الذين وصلوا عبر مخاطرات مميتة ويعيشون في مستوى من الفقر والعنف وانعدام الأمان إلى الحد الذي تسميه دراسات الاجتماع «الحياة العارية»، لكن الرواية تتسع كذلك لتشمل نماذج من أساتذة الجامعة، وليس هناك من فرق بينهم وبين العمال البسطاء؛ حيث لا تفتح الجنة الأميركية أبوابها مجاناً للغرباء والغريبات اللائي يتعرضن للانتهاك قسراً أو طوعاً من أجل البقاء.
وفي حين طالعنا في «بروكلين هايتس» عالماً من الأسى، لكن بعنف أقل، تهيمن عليه شخصيته المركزية وهي أستاذة جامعية تحاول تثبيت أقدامها في العالم الجديد، تحتل شخصيات «أيام الشمس المشرقة» مساحات شبه متساوية في السرد، وكلها مرسومة بعناية، في ملامحها الجسدية والنفسية، يلاحقها السرد إلى ماضيها في بلادها الأصلية عبر موجات من الاستعادات.
يكاد القارئ لا يلحظ وجود الكاتبة بنفسها داخل الرواية، وهذا اختلاف آخر بين «أيام الشمس المشرقة» وبين كل رواياتها ابتداءً من روايتها الأولى «الخباء - 1996»، وتختلف كذلك من حيث اللغة التي تتميز بمستوى عالٍ من الجرأة، مفعمة بالحيوية من خلال المهارة في الانتقال بين لغة الراوي الخفي التي تقوم على المجاز والصور الشعرية، وبين لغات الشخصيات الخشنة بما يتناسب وتكوينها النفسي والثقافي. تنزل هذه اللغة إلى مستويات من الجرأة لا نلمسها في أي من روايات ميرال الطحاوي الأخرى.
تبدأ الرواية بمشهد رؤية «نِعَم الخباز» لابنها ممداً في دمائه، بينما يبدو على الحائط أثر الرصاصة التي اخترقت دماغه. بعد ذلك سنعرف أن إطلاق النار يتم في هذه المدينة بسبب وبدون سبب وفي أي مكان.
«الشمس المشرقة» مدينة حدودية شبه ساحلية مهجورة، كانت في السابق مقراً لعمال مناجم نحاس نضبت فتركها العمال مخلفين وراءهم بيوتاً بسيطة. يصلها المهاجرون الذين لم يبتلعهم البحر أو تبتلعهم الصحراء، وفي نية كل منهم أنها محطة للاستراحة قبل أن ينطلقوا منها إلى مدن أحلامهم، لكن كثيرين منهم مصيرهم بهذه المدينة التي تمنحهم بؤساً يضاهي بؤسهم في بلادهم التي فروا منها. لا شيء مشرق في هذه المدينة سوى الأسماء الفخمة التي لا تُكلف مالاً.
مدينة بهذا البؤس تحمل اسماً بهذا الإشراق، فلا بد أن تحمل ضاحيتها الغنية اسم «الجنة الأبدية» والمرأة التي تقود ثلاث أو أربع عاملات لتنظيف البيوت أو قتل الحشرات تسمي مجموعتها «شركة» تحمل اسماً طويلاً فخماً، يبدو في تضاد ساخر مع الحقيقة. حتى الموت في تلك المدينة لم يفلت من استراتيجية التسمية الساخرة، فقد حملت المقبرة اسماً يزين الموت «حديقة الأرواح»! وهي في الحقيقة شواهد قبور مغمورة بشواهد صغيرة تكاد لا تلحظها العين على ربوة عشبية بلا سياج، يتساوى فيها الموتى ولا يكترثون لأصولهم المختلفة.
وكما تكذب المدينة في أسمائها؛ فكل سكانها يكذبون فيها بشأن ماضيهم الذي هربوا منه، ويرسلون إلى أوطانهم بكذب آخر بشأن حاضرهم!
يدعي الكثير منهم أنهم حصلوا على الشهادات العليا في بلادهم، ثم ينسون تلك الأكاذيب الصغيرة بعد أن يكتشفوا أنها لا تقدم ولا تؤخر في تحديد هوياتهم المحتملة. أبو عبد القادر أحد هؤلاء. له سمت وقور، ويدعي أنه يحمل درجة الدكتوراه في الفقه والدراسات القرآنية، وأنه ذات يوم كان أستاذاً للشريعة في جامعة إسلامية، لكنه ليس بحاجة إلى كل هذا الادعاء؛ فهو مجرد إمام لمسجد صغير ملحق بالمقابر، ومهمته الأساسية تغسيل الموتى المسلمين وإقامة صلاة الجنازة على أرواحهم. لكن لديه عمل آخر يبدو أكثر نفعاً للأحياء حيث يمارس التصوير ويتقن العمل على برامج تركيب الصور.
يطلب خدمات «أبو عبد القادر» أولئك الذين يريدون إرسال صور إلى ذويهم في البلاد الأم بخلفيات تؤكد ثراءهم وتحققهم جالسين خلف مكاتب فخمة أو داخل فيلا أنيقة أو واقفين في حدائق وارفة.
يمارس «أبو عبد القادر» مهمته في تزييف الحاضر بسرية وتفهم مثلما يُكفن الموتى، فيظهر البؤساء من خدم البيوت ومزاولي الأعمال الهامشية في صور أطباء ناجحين ورجال أعمال وأزواج سعداء، يستخدم في ذلك خلفيات من مكاتب وبنايات فخمة، كما يستدعي المقابر للشهادة الزور؛ حيث تصلح التدرجات اللونية لأحراشها دليلاً على الطبيعة السخية لعالم الأحلام الأميركي، وهو خبير في تصوير رابية الموت من بعيد وبزوايا محددة تضمن عدم انكشاف حقيقتها كمقبرة.
ورغم كل الأسى؛ فالحلم الأميركي لم يتحول إلى كذبة مطلقة. يظل الثراء ممكناً لقلة دفعت الثمن أو رفعها الحظ، تسكن ضواحي غنية نشأت على التلال حول «الشمس المشرقة»، وأصبح بوسع سكان المدينة البائسة أن ينظروا إلى السماء ليتأملوا الفروق المعمارية بين منتجعات بالغ كل منها في اسمه: يتأملون الحافة الشرقية التي تطل منها «جنة عدن» و«تلال الجنة»، ثم يتحولون إلى الحافة الغربية، حيث يطل منتجع «وادي الجنة الأبدية»، وبالقرب منه منتجع «نسمات الجنة».
تنتهي الرواية بمركب مهاجرين جدد يحمل بدوره اسماً ساخراً (عين الحياة) يجبره حرس الحدود على العودة بحمولته من البشر، ويستدير المركب تاركاً فرق الإنقاذ أمام مشهد لم يتوقعه أحد: سبعة أجساد صغيرة تطفو في سترات النجاة الصفراء وقد بدت مثل بالونات يتقاذفها المد والجزر، وصار الأطفال السبعة مادة لانقسام الإعلام خارج «الشمس المحرقة»؛ البعض منه يدين حرس الحدود أخلاقياً لأنه مارس العنف ضد «عين الحياة»، وأعاد أبرياء إلى بيئات خطرة فروا منها، والبعض أدان الأمهات اللائي تخلين عن أطفالهن، بينما كان شعب «الشمس المشرقة» يركض لملاحقة الكوارث الموسمية المتلاحقة.
وإذا كانت الرواية قد بدأت بجثة طازجة، فقد انتهت بالعثور على أخرى لامرأة مختفية؛ إذ ظهرت جثة «ميمي دوج» إلى جانب جثث كلاب بحر نافقة على الشاطئ، لكن لا يبدو أن «الشمس المشرقة» ستتوقف عن النمو أو استقبال المزيد من المتطلعين لفرصة عمل في الجنات المتناثرة فوق التلال على مشارفها.

 

 

مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
TT

ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)

انتشر على منصات التواصل الاجتماعي شعار مثير للجدل يدعو النساء إلى التوقف عن التضحية الدائمة بأنفسهن، مستخدماً عبارة صادمة مفادها: «توقفي عن إرضاء الآخرين... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» أو «كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي».

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى فكرة أن الإفراط في إرضاء الآخرين يسبب ضغوطاً نفسية مزمنة قد تؤثر سلباً في الجسم على المدى الطويل. وذهب بعض المستخدمين إلى حد الادعاء بأن السعي الدائم إلى إرضاء الآخرين هو السبب الرئيس وراء إصابة النساء بأمراض المناعة الذاتية.

ويشير هؤلاء إلى حقيقة علمية معروفة، وهي أن نحو 80 في المائة من المصابين بأمراض المناعة الذاتية من النساء، وهي ظاهرة لا تزال تحيّر العلماء منذ سنوات، وفق تقرير نشره موقع «أفريداي هيلث».

وفي المقابل، تشجع بعض النساء على إعطاء الأولوية لاحتياجاتهن الشخصية، وعدم الشعور بالذنب عند الدفاع عن حقوقهن، أو رفض ما يرهقهن، بل إن بعضهن يربطن بين هذا التغيير وتحسن بعض المشكلات الصحية، مثل الإكزيما.

لكن الأطباء يؤكدون أن العلاقة بين التوتر المزمن وأمراض المناعة الذاتية أكثر تعقيداً بكثير مما تروج له هذه المنشورات.

لماذا انتشرت هذه الفكرة؟

يصعب تحديد مصدر هذا الاتجاه، لكنه يعكس استياء كثير من النساء من الضغوط الاجتماعية التي تدفعهن إلى التحلي باللطف الدائم، وتقديم احتياجات الآخرين على احتياجاتهن الشخصية، مهما كان الثمن النفسي، أو الجسدي.

وتوضح الدكتورة راشيل غابلمان، اختصاصية علم النفس السريري في مركز ويكسنر الطبي التابع لجامعة أوهايو، أن كثيراً من الفتيات ينشأن على رسائل اجتماعية تشجعهن على الهدوء، والطاعة، والسعي إلى نيل رضا الآخرين.

وتضيف أن هذه التربية تجعل كثيراً من النساء، مع مرور الوقت، أكثر ميلاً إلى تجنب المواجهة، أو المطالبة بما يحتجنه فعلاً.

الميل إلى إرضاء الآخرين يرافق النساء حتى مرحلة البلوغ

وتشير أبحاث إلى أن النساء أكثر ميلاً من الرجال إلى محاولة إرضاء الآخرين.

ويقول الدكتور آرون برينن، الأستاذ المساعد في الطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة فاندربيلت، إن الشخص الذي يعتاد إهمال احتياجاته الخاصة من أجل الآخرين غالباً ما يعيش مستويات مرتفعة من التوتر.

ويضيف أن الجسم يتأثر بالضغوط النفسية والصدمات مع مرور الوقت، إذ تتراكم آثارها تدريجياً.

ولأن النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، فقد حاول البعض الربط بين هاتين الظاهرتين.

هل تدعم الدراسات هذه الفرضية؟

استشهد بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بدراسات علمية لدعم وجهة نظرهم.

ففي إحدى الدراسات المنشورة عام 2021، شمل البحث 290 امرأة، وقيّم مدى ميلهن إلى كبت مشاعرهن، أو تجنب التعبير عن الغضب، ثم قارن ذلك بعدد من المؤشرات الصحية.

وأظهرت النتائج أن النساء اللواتي اعتدن كبت مشاعرهن كن أكثر عرضة للإصابة بتصلب الشرايين السباتية، وهو مرض لا يُعد من أمراض المناعة الذاتية التقليدية، لكنه يتشابه معها في بعض الجوانب.

كما أظهرت دراسة واسعة نُشرت عام 2018 أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات مرتبطة بالتوتر كانوا أكثر عرضة لاحقاً لتشخيصهم بأحد أمراض المناعة الذاتية، ما يشير إلى وجود علاقة محتملة بين التوتر وهذه الأمراض.

«العلاقة ليست بهذه البساطة»

رغم هذه النتائج، يؤكد الأطباء أن القول بأن الميل إلى إرضاء الآخرين يسبب أمراض المناعة الذاتية يُعد استنتاجاً مبالغاً فيه.

ويقول الدكتور ستانلي شوارتز، رئيس قسم الحساسية والمناعة والروماتيزم بجامعة بافالو، إن التوتر يؤثر بالفعل في الجهاز المناعي، لكن أمراض المناعة الذاتية تنتج عادة عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية، والبيئية، وعوامل أخرى لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وتحذر الدكتورة غابلمان من أن هذا النوع من الرسائل قد يدفع النساء إلى الشعور بالذنب، وكأنهن مسؤولات عن إصابتهن بالمرض، مؤكدة أن ذلك غير صحيح علمياً.

كما يعترض الدكتور برينن على استخدام أوصاف مهينة للنساء اللواتي يعبرن عن آرائهن، أو يدافعن عن حقوقهن، لأن ذلك يكرس صوراً نمطية قديمة.

ما الذي يصيب هذا الاتجاه؟

رغم المبالغات، يرى الخبراء أن الرسالة الأساسية التي يدعو إليها هذا الاتجاه تحمل جانباً صحيحاً.

فالتضحية المفرطة بالنفس ليست صحية، سواء من الناحية النفسية، أو الجسدية.

ويؤكد الدكتور برينن أهمية وضع حدود صحية في العلاقات، والتعبير بوضوح عما يستطيع الشخص القيام به، وما لا يستطيع تحمله.

وينصح بمراجعة الذات بانتظام، والتساؤل عما إذا كان الشخص يشعر بالاستياء لأنه يوافق باستمرار على تلبية طلبات الآخرين على حساب احتياجاته.

الخلاصة

يرتبط التوتر المزمن بالفعل بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض، من بينها بعض أمراض المناعة الذاتية، لكن الأطباء يؤكدون أنه ليس العامل الوحيد، ولا توجد أدلة علمية تثبت أن الميل إلى إرضاء الآخرين هو السبب المباشر لهذه الأمراض.

ويشدد الخبراء على أن الدفاع عن الاحتياجات الشخصية، ووضع حدود صحية لا يعنيان التصرف بعدوانية، أو قسوة، بل يمثلان جزءاً أساسياً من العناية بالنفس، والحفاظ على الصحة النفسية، والجسدية.


«الجواهرجي» يجمع محمد هنيدي ومنى زكي للمرة الثانية سينمائياً

هنيدي ومنى زكي في الفيلم (الشركة المنتجة)
هنيدي ومنى زكي في الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الجواهرجي» يجمع محمد هنيدي ومنى زكي للمرة الثانية سينمائياً

هنيدي ومنى زكي في الفيلم (الشركة المنتجة)
هنيدي ومنى زكي في الفيلم (الشركة المنتجة)

يجمع فيلم «الجواهرجي» الفنان محمد هنيدي، والفنانة منى زكي، للمرة الثانية سينمائياً، بعد مرور نحو 28 عاماً على مشاركتهما معاً في بطولة فيلم «صعيدي في الجامعة الأميركية»، الذي حقق حينها ضجة كبيرة ضمن ظاهرة ما عرف بـ«أفلام الشباب».

وقررت الشركة المنتجة لـ«الجواهرجي»، طرح الفيلم بالسينمات أخيراً بعد سلسلة طويلة من التأجيلات، إذ نشر محمد هنيدي صورة من كواليس العمل قبل 5 سنوات وكتب «راجعين من تاني»، بينما نشر هنيدي الملصق الترويجي للفيلم الثلاثاء، وكتب: «قريباً»، كما نشرت منى زكي الإعلان التشويقي الأول للفيلم قبل أسبوعين وكتبت: «ابتداء من 5 أغسطس في جميع دور العرض».

فيلم «الجواهرجي»، تدور أحداثه في إطار اجتماعي كوميدي، ويشارك في بطولته إلى جانب محمد هنيدي، ومنى زكي، أحمد السعدني، ولبلبة، وأحمد حلاوة الذي توفى قبل 4 سنوات، ومن تأليف عمر طاهر، وإخراج إسلام خيري.

وبدوره، كشف المؤلف عمر طاهر بعض تفاصيل الفيلم لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «الجواهرجي» فيلم اجتماعي كوميدي، يناقش تفاصيل الأسرة المصرية، ومشكلات الزواج والطلاق واستقرار العلاقة بين الزوجين، وكيفية الحفاظ عليها كي تنجح الحياة بينهما بشكل كبير، يتخلل ذلك مواقف شخصية مختلفة، ومفارقات كوميدية عدة.

وأوضح طاهر أن فكرة «الجواهرجي» كتبت بعد انتهاء فيلم «يوم مالوش لازمة»، الذي عرض قبل 11 عاماً وتصدر بطولته محمد هنيدي، لافتاً إلى أنه عرض الفكرة حينها على هنيدي ونالت إعجابه، وبعد ذلك تمت الترشيحات الفنية كافة.

الفيلم يدور في إطار اجتماعي كوميدي (صفحة هنيدي على فيسوك)

ويرجع المؤلف تأخير تنفيذ الفيلم وعرضه مجدداً بعد تصويره منذ فترة، «بسبب أمور خارجة عن الإرادة و(عكوسات)»، على حد تعبيره. وعن منافسة «الجواهرجي» مع عدد كبير من أفلام موسم الصيف السينمائي، أوضح عمر طاهر، أن «فكرة المنافسة وطرحه في موسم الصيف لا تشغلني بقدر انشغالي بإمكانية أن يظل الفيلم راسخاً في الذاكرة، ويكون جديداً، وله حضور وأثر في كل مرة يتم عرضه فيها للجمهور، على غرار أفلام (طير أنت)، و(كابتن مصر)، و(يوم مالوش لازمة)»، وهي أفلام قدمها المؤلف سابقاً، مضيفاً: «هي أفلام ليست لوقتها فقط ولم تتأثر بالزمن مطلقاً».

وأشار عمر طاهر إلى أن «الجواهرجي» هو العمل الثالث الذي يجمعه بمحمد هنيدي بعد 4 مواسم من كارتون «سوبر هنيدي»، وفيلم «يوم مالوش لازمة»، مؤكداً أن هناك مشروعات عدة مطروحة بينهما لكنها لم تخرج للنور حتى الآن.

وعن التأني في مشواره بالكتابة، نوه طاهر بأن الأمر ليس بيده لكنها الظروف، لافتاً إلى أنه لا يطمح للعمل مع نجوم بقدر طموحه للعمل على تقديم أفلام لها موضوعات متنوعة يتذكرها الجمهور باستمرار وتكون علامة مهمة في مشواره.

المؤلف عمر طاهر (صفحته على فيسبوك)

وتعليقاً على مشاركة محمد هنيدي، ومنى زكي سينمائياً بعد سنوات طويلة، أكد الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق، أنهما أبناء جيل واحد، وحققا نجاحات عديدة معاً، والجمهور يحمل لهما ذكريات فنية جميلة، وعودتهما بعد كل هذه المدة أمر له قيمته على المستوى الفني بعد نجاحات فنية ونضج كبير، وعلى المستوى العاطفي فالجماهير تنتظر رؤية النجمين اللذين صعدا معاً أمام عينها.

وعن توقعاته للفيلم بعد طرحه للجمهور، قال عبد الخالق، لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤلف عمر طاهر قادر دائماً على إدهاش المتلقي والوصول إلى أعماقه من أسهل وأقرب الطرق، وكذلك إسلام خيري مخرج صاحب رؤية مميزة وأعمال ناجحة جماهيرياً وفنياً»، وتابع: «الخوف كل الخوف من التأجيل الطويل الذي تعرض له الفيلم، فذوق الجماهير يتغير بسرعة مع تغير أسلوب وإيقاع الأفلام المعروضة».

وسينمائياً؛ قدم محمد هنيدي فيلم «مرعي البريمو»، قبل 3 سنوات، وشارك في موسم رمضان 2025 بمسلسل «شهادة معاملة أطفال»، وتصدر بطولة أكثر من مسرحية بفعاليات «موسم الرياض» مثل «ميوزيكال سكول»، و«المجانين»، و«تاجر السعادة»، بينما قدمت منى زكي أخيراً بطولة فيلم «الست»، الذي تضمن محطات ومشاهد من حياة «كوكب الشرق» أم كلثوم.


هل يدفعنا الذكاء الاصطناعي إلى الوقاحة؟

ما العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي وتراجع السلوك المهذب؟ (بكسلز)
ما العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي وتراجع السلوك المهذب؟ (بكسلز)
TT

هل يدفعنا الذكاء الاصطناعي إلى الوقاحة؟

ما العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي وتراجع السلوك المهذب؟ (بكسلز)
ما العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي وتراجع السلوك المهذب؟ (بكسلز)

أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، لكن طريقة تعاملنا معها قد تحمل آثاراً غير متوقعة. فبينما يعتاد كثيرون على توجيه الأوامر المباشرة إلى برامج الذكاء الاصطناعي من دون استخدام عبارات المجاملة مثل «من فضلك» و«شكراً»، يحذر باحثون من أن هذا السلوك قد ينعكس تدريجياً على أسلوب تواصلنا مع الآخرين، ويؤثر في مستوى اللباقة والتعاون داخل المجتمع.

ويستعرض تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، ما يقوله علم النفس والدراسات حول العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي وتراجع السلوك المهذب، ولماذا يرى خبراء التواصل أن الكلمات البسيطة مثل «من فضلك» و«شكراً» قد تكون أكثر أهمية مما نتصور.

لماذا تُعد اللباقة مهمة؟

ترى ماري إيلين ماكدونالد، الحاصلة على درجة الدكتوراه، أستاذة فخرية في قسم علم النفس وبرنامج علوم اللغة بجامعة ويسكونسن - ماديسون، أن الناس ينفرون من الشخص الوقح لأنه يتجنب بذل الجهد الذي يبذله الآخرون لإظهار الاحترام وحسن التعامل.

فاللباقة ليست مجرد كلمات مهذبة، بل تؤدي دوراً أساسياً في استمرار التعاون داخل المجتمع؛ إذ يتعامل الأفراد يومياً مع غرباء خارج دائرة العائلة والأصدقاء، وفق ماكدونالد.

وتقول: «عندما يتحدث الشخص بأدب، فإنه يبعث برسالة مفادها أنه مستعد للتعاون، ويستحق بدوره تعاون الآخرين، سواء تعلق الأمر بإمساك باب المصعد، أو إفساح الطريق لشخص آخر، أو تقديم المساعدة عند وقوع حادث».

ومن هذا المنطلق، تُعد اللباقة إحدى الركائز التي تحافظ على تماسك العلاقات الاجتماعية، بحسبها.

لماذا نكون أكثر فظاظة مع الذكاء الاصطناعي؟

إذا كانت اللباقة بهذه الأهمية، فلماذا نتخلى عنها عند مخاطبة الذكاء الاصطناعي؟

السبب، بحسب ماكدونالد، أن مساعدات الذكاء الاصطناعي لا تحتاج إلى إشارات المجاملة حتى تتعاون.

كما أن الحديث نفسه يتطلب جهداً ذهنياً، لذلك فإن حذف كلمات المجاملة يجعل التواصل أسرع وأسهل.

بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أوامر مباشرة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يؤدي أحياناً إلى نتائج أفضل من الطلبات المهذبة.

هل تنتقل هذه الفظاظة إلى تعاملنا مع البشر؟

رغم المزايا العملية لهذا الأسلوب، تحذر ماكدونالد من احتمال أن تؤثر طريقة مخاطبتنا للذكاء الاصطناعي في أسلوبنا مع الآخرين.

وترى ماكدونالد أن الأدلة العلمية لا تزال محدودة، لكن هناك أسباباً تدعو إلى أخذ هذا الاحتمال على محمل الجد.

أولاً: طريقة كلامنا اليوم تؤثر في كلامنا غداً

عندما نحول أفكارنا إلى كلام أو كتابة، يميل الدماغ إلى إعادة استخدام الكلمات والتراكيب التي اعتاد عليها.

وهذا يوفر جهداً ذهنياً ويجعل التواصل أكثر سرعة.

ولذلك، فإن الاعتياد على إصدار الأوامر المباشرة للذكاء الاصطناعي قد يجعل هذا الأسلوب يتسلل تدريجياً إلى أحاديثنا اليومية مع البشر.

ثانياً: أساليب الحديث تنتقل بين المجموعات

قد يظن البعض أن الإنسان قادر بسهولة على الفصل بين طريقة حديثه مع الذكاء الاصطناعي وطريقة حديثه مع أصدقائه أو زملائه. لكن الأبحاث تشير إلى أن هذا الفصل ليس كاملاً.

وتضرب ماكدونالد مثالاً بطلاب الجامعات الذين يكتسبون مع الوقت أسلوباً جديداً في الحديث داخل الجامعة، ثم ينقلونه من دون قصد إلى عائلاتهم عند العودة إلى المنزل، فيبدون مختلفين أو أكثر تكلفاً، ما قد يسبب سوء فهم أو مشاعر سلبية.

وهذا يعني أن أسلوب التخاطب مع الذكاء الاصطناعي قد ينتقل بدوره إلى التفاعلات البشرية.

ثالثاً: روبوتات الدردشة الرفيقة قد تعزز الأنانية

لا تقتصر المشكلة على المساعدات الذكية التي تنفذ الأوامر.

فروبوتات الدردشة المصممة لتكون «رفيقاً» للمستخدم، مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي الاجتماعية، تشجع المستخدم على الحديث باستمرار عن نفسه، مع غياب الحاجة إلى تبادل الحوار بصورة متوازنة كما يحدث بين البشر.

وترى ماكدونالد أن هذا النمط قد يدفع بعض المستخدمين إلى تبني أسلوب أكثر تمحوراً حول الذات في محادثاتهم مع الآخرين، وهو ما يتعارض مع قواعد الحوار الطبيعي القائم على المشاركة والتبادل.

بل إن بعض مستخدمي هذه التطبيقات أفادوا بأنهم أصبحوا أقل اهتماماً بالحديث مع البشر؛ لأن الحديث مع روبوت لا يتطلب مراعاة الطرف الآخر أو تقاسم وقت الحوار.

هل ينبغي القلق؟

وفقاً لماكدونالد، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل أو في أساليب التفكير يحظى باهتمام واسع، لكن تأثيره المحتمل في اللباقة لا يقل أهمية.

وتقول: «فاللباقة، في النهاية، ليست مجرد سلوك اجتماعي بسيط، بل هي عنصر أساسي في بناء الثقة والتعاون بين الناس».

وتضيف أن المجتمعات تواجه بالفعل تحديات عدة تؤثر في مستوى التحضر والاحترام المتبادل، مثل الاستقطاب السياسي، وتراجع التواصل المباشر، واتساع الفجوات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، قد يشكل الاعتياد على التخاطب الفظّ مع الذكاء الاصطناعي عاملاً إضافياً يدفع الناس، تدريجياً، بعيداً عن قيم التعاون والكياسة التي يحتاج إليها أي مجتمع للحفاظ على تماسكه.