الضغوط الخارجية تجبر لبنان على تطوير منظومة «المناعة» المالية

شروط صندوق النقد ومتطلبات مكافحة غسل الأموال تتصدران المهام

دور مهم لمصرف لبنان في تطوير المنظومة (أرشيفية)
دور مهم لمصرف لبنان في تطوير المنظومة (أرشيفية)
TT

الضغوط الخارجية تجبر لبنان على تطوير منظومة «المناعة» المالية

دور مهم لمصرف لبنان في تطوير المنظومة (أرشيفية)
دور مهم لمصرف لبنان في تطوير المنظومة (أرشيفية)

تزدحم الملفات المالية في لبنان بخلفياتها القانونية والإجرائية، بصورة استثنائية ضمن المهام «العاجلة» أمام السلطات اللبنانية، بفعل التزامن بين أولويات الاستجابة لشروط صندوق النقد الدولي، وبين ضرورات تنفيذ المتطلبات الواجبة في تحديث أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الصادرة عن مجموعة العمل المالية الإقليمية والتابعة لمجموعة «غافي» الدولية.
وإذ ينتظر أن يقر مجلس النواب في جلسة الهيئة العامة الثلاثاء المقبل، أول التشريعات التي طلبها فريق الصندوق والخاصة باستحداث تعديلات مفصلية على قانون السرية المصرفية وقوانين ذات صلة، باشرت السلطة النقدية فعلياً بإصدار تعليمات تلزم المؤسسات المالية غير المصرفية بسلسلة من التدابير والإجراءات الآيلة إلى سد أي منافذ لمرور عمليات أو تحويلات من خلال قنواتها تقع تحت شبهات «الجرائم» المالية.
وتشمل قائمة التشريعات التي اتفق خبراء الصندوق مع الفريق الحكومي على إحالتها بصياغاتها النهائية إلى المجلس النيابي والعمل على إقرارها، مشروع قانون الموازنة العامة للعام الحالي متضمنة إعادة هيكلة قوائم الدخل والمصاريف مع توحيد سعر صرف الليرة، ومشروع قانون وضع ضوابط استثنائية على الرساميل والتحويلات (كابيتال كونترول)، إضافة إلى مشروع قانون إعادة هيكلة الجهاز المصرفي.
ومن الواضح، بحسب مسؤول مالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن الوقت المتاح ضيق للغاية لتمرير هذه الحزمة التشريعية قبل انخراط المجلس النيابي في مواكبة استحقاق انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية بدءاً من أول سبتمبر (أيلول) المقبل، ولا سيما أن مهام الحكومة «المستقيلة» تقتصر على تصريف الأعمال بالنطاق الضيق، فيما هي تتأخر بتزويد اللجان النيابية المختصة، وفي مقدمتها لجنة المال والموازنة، بالتعديلات التي التزم بها رئيسها نجيب ميقاتي على خطة الإنقاذ الاقتصادي، ولا سيما لجهة المقترحات المستحدثة لتوزيع أعباء الفجوة المالية البالغة نحو 75 مليار دولار وإنشاء صندوق خاص لتعويض مدخرات المودعين التي تتعدى خط الحماية المحدد بسقف مائة ألف دولار.
ويخشى المسؤول من تحول الاستحقاق الرئاسي إلى «متاهة» الخلافات الداخلية وتشعباتها الخارجية، ما سيفضي إلى تقويض الجهود المبذولة والمطلوبة لتعجيل الانتقال من محطة الاتفاق الأولي على مستوى الموظفين الذي وقعته الحكومة في أوائل أبريل (نيسان) الماضي، إلى إبرام البرنامج الإنقاذي والإصلاحي المعزز بتمويل بقيمة 3 مليارات دولار على مدى 4 سنوات، في حين بلغ النزف من احتياطات العملات الصعبة «الخط الأحمر» مع انحدارها دون مستوى 10 مليارات دولار.
بالتوازي، باشرت السلطة النقدية بإصدار تعليمات ملزمة للمؤسسات المالية غير المصرفية، تهدف إلى تأمين انسجام هيكلياتها وأنشطتها مع متطلبات مجموعة العمل المالية الدولية (فاتف) في مجال مكافحة تبييض (غسل) الأموال وتمويل الإرهاب وتجارة الأسلحة، وذلك وفقاً للقواعد والمندرجات التطبيقية والإجراءات الإدارية والتنفيذية التي تضعها مجموعة العمل الإقليمية التي تتخذ من المنامة (البحرين) مقراً لها.
وليس مصادفة في التوقيت والمحتوى، وفقاً للمسؤول المالي، صدور مجموعة تعاميم عن مصرف لبنان المركزي موجهة لهذه المؤسسات التي تقوم بمهام مالية ونقدية خارج الجهاز المصرفي، تزامناً مع مهمة التقصي والمتابعة التي ينفذها الفريق الرقابي التابع للمجموعة الإقليمية في بيروت والتي تشمل المؤسسات الحكومية والرسمية من نقدية وقضائية وأمنية، والمستمرة لأسبوعين حتى نهاية الأسبوع المقبل، على أن تختتم بإعداد تقرير تفصيلي يحدد الثغرات القائمة أو المحتملة لإمكانية مرور عمليات مالية مشبوهة.
وشملت لائحة المؤسسات الملزمة بتطبيق التعاميم الجديدة التي حملت صفة «قرار وسيط» كونها تنص على تعديلات لتعاميم سابقة، كامل الشركات اللبنانية والأجنبية المرخص لها بإصدار بطاقات دفع وإيفاء وائتمان، وطرد مجموع العمليات المالية والمصرفية بالوسائل الإلكترونية، ومؤسسات الوساطة المالية وهيئات الاستثمار الجماعي، ومؤسسات الصرافة، والمصارف والمؤسسات المالية وشركات الإيجار التمويلي التي تصدر وتروج بطاقات الإيفاء أو الائتمان العاملة في لبنان، و«كونتوارات» التسليف.
وتنص التعليمات عموماً، على تعيين ضابط امتثال على مستوى إدارة المجموعات، وتزويده بالمعلومات المتعلقة بالعملاء والحسابات والعمليات من الفروع والشركات التابعة. فضلاً عن توفير ضمانات كافية بشأن السرية واستخدام المعلومات المتبادلة، بما يشمل ضمانات لعدم إعلام أو تنبيه العميل، والحصول على موافقة الإدارة العليا قبل إقامة أي علاقة مع بنوك مراسلة والتثبت من تطبيقها لمتطلبات «العناية الموجبة» تجاه العملاء.
كذلك، ينبغي التأكد بالنسبة للفروع والشركات التابعة العاملة في الخارج التي تمثل أغلبية فيها، من تطبيقها لإجراءات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب المفروضة في لبنان عندما تكون متطلبات الحد الأدنى في الدولة المضيفة أقل صرامة من تلك المطبقة محلياً.
وفي حال كانت الدولة المضيفة لا تسمح بالتنفيذ الملائم لتدابير خاصة بمكافحة تبييض الأموال، وتمويل الإرهاب تكون منسجمة مع الإجراءات المعمول بها في لبنان، على المجموعة المالية تطبيق إجراءات إضافية مناسبة لإدارة المخاطر وإبلاغ هيئة التحقيق الخاصة لدى البنك المركزي بذلك.
وتفرض التعليمات الجديدة التي تصبح نافذة بعد صدورها في الجريدة الرسمية، الاحتفاظ بجميع السجلات التي يتم الحصول عليها من خلال إجراءات العناية الواجبة تجاه العملاء وصاحب الحق الاقتصادي لمدة 5 سنوات على الأقل، على أن تكون كافية للسماح بإعادة تركيب العمليات الفردية، بحيث تكون هذه السجلات عند الضرورة دليلاً للادعاء والملاحقة في حال وجود أي نشاط جرمي.
أيضاً، تم الطلب من المؤسسات المعنية اعتماد سياسة خاصة وضوابط وإجراءات من قبل الإدارة العليا تستند إلى الموجبات المنصوص عليها لتصنيف المخاطر وخفضها. وتوثيق نتائج تقييم المخاطر عند اللزوم وحفظها لتزويد السلطات المختصة بها عند الضرورة؛ وتطبيق إجراءات العناية الواجبة على عملائها الحاليين على أساس الأهمية النسبية والمخاطر، واتخاذ تدابير العناية الواجبة تجاه علاقات العمل الحالية في أوقات مناسبة، مع الأخذ بالاعتبار ما إذا كانت إجراءات العناية الواجبة قد تم اتخاذها وموعدها ومدى كفاية البيانات المستحصل عليها. وثمة توجس في الأوساط المعنية يرقى إلى مستوى التوقعات الجدية، بأن وضع لبنان «ليس على ما يرام» لجهة تكاثر الثغرات التي يمكن للجرائم المالية النفاذ عبرها إلى القنوات المالية الشرعية، ما يثير الشكوك المشروعة أو الاحتمالات المرجحة لحصول عمليات تبييض أموال؛ وبالتالي إخضاعه لبرنامج التقييم المشترك الذي ينذر ببلوغ مرحلة الانضمام إلى تصنيف «الدول الرمادية».
ومن شأن الوقوع في المحظور «الرمادي»، أن يفاقم خصوصاً تعقيدات العمليات المالية عبر الحدود وشبكة العلاقات مع البنوك المراسلة. علماً بأن الفريق الإقليمي سيستخلص بحصيلة جولته النتائج التي سيتم عرضها على أول اجتماع دوري للمجموعة في الخريف المقبل؛ ثم تعود بتقرير مفصل وخريطة طريق إصلاحية ومفصلة للجانب اللبناني، وبما يشمل تحديد المشكلات ودور السلطات والهيئات في معالجتها أفرادياً وبالتكافل من قبل الهيئات المعنية.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

​أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي جرت في الضفة الغربية، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية والقروية وإقبالاً متوسطاً على التصويت، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة؛ وهي المدينة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات بالقطاع وسط معدلات مشاركة ضعيفة.

والانتخابات المحلية التي أجريت، السبت، هي الأولى وفق النظام الجديد الذي قررته السلطة الوطنية الفلسطينية، العام الماضي، ويُلزم المترشحين في كل الانتخابات ببرنامج «منظمة التحرير» أساساً للترشح؛ إذ تتعهد السلطة دولياً بمسار «حل الدولتين».

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الأحد، النتائج النهائية للانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية بالضفة الغربية، إلى جانب مدينة دير البلح في قطاع غزة، وقال رئيس اللجنة رامي الحمد الله، خلال مؤتمر صحافي، إن «الانتخابات جرت لأول مرة وفق قانون انتخابات جديد؛ يعمل بنظام القائمة المفتوحة، والنظام الفردي، وشمل ذلك دير البلح وسط قطاع غزة، باعتبار الوطن الجغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة واحدة».

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب الحمد الله، فإن «عدد الناخبين المقترعين بلغ نحو 522 ألف ناخب، فيما فازت 197 هيئة محلية بالتزكية، وبلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56 في المائة، مقارنة بـ53.7 في المائة بانتخابات 2012، و53.8 في المائة في 2017، و58 في المائة في 2022».

وفيما سجلت محافظة سلفيت شمال الضفة، أعلى نسبة اقتراع بلغت 71 في المائة، سجلت دير البلح بقطاع غزة أقل نسبة بواقع 23 في المائة.

«فتح» تعلن فوزاً كاسحاً

مع نشر النتائج النهائية، يوم الأحد، أكّدت «فتح» التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الفوز الكبير لقائمتها «الصمود والعطاء» في الانتخابات، معتبرة، في بيان لناطق باسمها، أن النتائج تمثل «استفتاءً شعبياً مؤيداً» لنهج الحركة وبرنامجها السياسي وخياراتها.

وأعلنت «فتح» فوزها في غالبية الهيئات المحلية؛ أبرزها الخليل وطولكرم وسلفيت والبيرة، وفي محافظة جنين وباقي المحافظات، وقالت إنها شكلت بالتوافق مع قوى العمل الوطنيّ والمؤسسات المحليّة 197 مجلساً بلدياً وقروياً بالتزكية؛ أبرزها بلديتا رام الله ونابلس الكبيرتان.

وجاء إعلان «فتح» بينما تغيب حركة «حماس» تماماً عن المنافسة؛ إذ لا تحظى بعضوية «منظمة التحرير» وكانت مشاركتها السابقة في الانتخابات تجري من دون الالتزام بكونها «ممثلاً شرعياً ووحيداً» للفلسطينيين، وفق ما تشدد السلطة.

وكانت «حماس» تشارك في الانتخابات التي كانت تجري في الضفة الغربية طيلة السنوات الماضية، إما عبر قوائم واضحة للحركة، أو من خلال دعم مرشحين آخرين غير رسميين؛ لكنها غابت هذه المرة عن الترشح، ولم تحشد للتصويت.

ومع غياب «حماس»، تنافست القوائم المدعومة من حركة «فتح» مع أخرى مستقلّة يقودها رجال أعمال، أو مرشحون من فصائل في «منظمة التحرير»؛ مثل «الجبهة الشعبية»، أو قوائم شكلتها عائلات كبيرة متحالفة، وفي بعض المناطق تنافست قوائم في المدينة الواحدة، تتبع كلها لحركة «فتح».

وتطالب «السلطة» حركة «حماس» بتسليم غزة والسلاح، والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تعلن ذلك حتى الآن.

عام الانتخابات

وتعدّ الانتخابات المحلية تحضيراً لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والمجلس التشريعي، والرئاسة حال تقرر ذلك.

وروجت السلطة الفلسطينية للانتخابات المحلية في أعقاب «الإصلاحات» التي قالت إنها ستنفذها بوصفها جزءاً من «خطة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب لقطاع غزة، وقال عباس، الأحد، إن «هذا العام سيكون عام الانتخابات».

وتعهدت السلطة بإجراء انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية بمركز تصويت بمدينة رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (د.ب.أ)

وأضاف مهنئاً بالانتخابات المحلية: «هذا النجاح يشكل انتصاراً جديداً للإرادة الوطنية الفلسطينية، وتجسيداً حياً لتمسك شعبنا بخيار الديمقراطية». وأردف: «هذا الإنجاز يأتي في إطار عام الديمقراطية، الذي انطلق بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ويتواصل عبر الانتخابات المحلية، وسيتوج الشهر المقبل بعقد المؤتمر الثامن لحركة (فتح)، وانتخابات قيادتها، وصولاً إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يعزز الحياة الديمقراطية، ويكرس مبدأ (صوت المواطن هو الأساس لاختيار من يمثله)».

إقبال ضعيف في غزة

وفي قطاع غزة، شهدت الانتخابات المحلية التي أقيمت بمدينة دير البلح فقط، إقبالاً ضعيفاً، في أول منافسات من نوعها منذ عقدين.

وأظهرت معدلات التصويت أن دير البلح كانت الأقل مشاركة على مستوى الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة)، حيث بلغت 23 في المائة.

وكان يحق لـ70449 ناخباً وناخبة المشاركة في العملية التي أشرف عليها 292 مراقباً. وأظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، أن أي قائمة من القوائم الأربع المتنافسة لم تحسم النتيجة لصالحها.

ويتشكل المجلس البلدي لدير البلح من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 4 سيدات. وحصدت قائمة «نهضة دير البلح» 6 مقاعد، و«مستقبل دير البلح» 5 مقاعد، فيما حصلت القائمتان «السلام والبناء» و«دير البلح تجمعنا» على مقعدين لكل منهما.

ووفقاً لمصدر مراقب على الانتخابات، فإنه قانونياً «لا بد أن تكون هناك تحالفات لتشكيل المجلس البلدي الجديد»، والتقديرات تشير إلى أن القائمتين الأضعف ستدعمان أو على الأقل إحداهما، القائمة الأكبر «نهضة دير البلح» المدعومة من شخصيات قيادية في حركة «فتح».

وأقر جميل الخالدي المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية، بأن «الوضع الميداني الأمني وما فرضته الحرب من آثار وأولويات بالنسبة للمواطن في غزة، من الأسباب المهمة التي أدت لانخفاض نسبة الاقتراع، بشكل غير متوقع».

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية يوم السبت (أ.ب)

واعتبر الخالدي في مؤتمر صحافي لإعلان النتائج، أن «مجرد مشاركة دير البلح في ظل هذه الظروف الصعبة التي يحياها قطاع غزة، بمثابة خطة مهمة في جوهر العملية الديمقراطية الحرة والنزيهة التي جرت في أجواء منظمة، من دون أي مشاكل تذكر رغم كل الأوضاع الصعبة».

وقال زين الدين أبو معيلق والفائز عن قائمة «نهضة دير البلح»، إن جميع القوائم المشاركة هدفها تحقيق الخدمات للمواطنين وتحسينها، مرجحاً أن تتم عملية تشكيل المجلس البلدي الجديد دون أي تعقيدات.

ورفض أبو معيلق كما آخرون من الفائزين، التعليق على قضية النسبة الضعيفة للمشاركين في الانتخابات. فيما أرجع أحدهم فضل عدم ذكر هويته، ذلك إلى الظروف التي تحيط بالسكان من حيث الوضع الاقتصادي والإنساني والأمني، معرباً عن أمله في أن تتحسن مشاركة سكان قطاع غزة في الانتخابات المقبلة.

وقال المحلل السياسي المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانتخابات المحلية التي جرت في دير البلح، ربما لا تعبر عن حقيقة وقناعة الفلسطينيين بضرورة الانتخابات، وهذا ما تدلل عليه النسب المتدنية للمشاركين»، مضيفاً: «قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم تكن هناك مشاركة فصائلية حقيقية، رغم أن هناك قوائم محسوبة أو مدعومة من حركة (فتح)، لكنها اتخذت الطابع العشائري».

ورجح إبراهيم أنه في حال شاركت «فتح» أو «حماس»، بشكل مباشر أو بدعم حقيقي لأي من القوائم، «لكانت نتائج المشاركة أعلى مما رأينا سواء على صعيد الحسم أو المشاركة».

وأضاف: «رغم عدم رضا الفلسطينيين عن النظام السياسي القائم؛ فهناك أمل لدى كثير من السكان بأن تستعيد حركة (فتح) دورها، وكذلك (حماس) ما زالت لديها القدرة على المنافسة، لكن الاعتقاد الأكبر أنها لن تحقق نتائج كما كانت في نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية عامي 2005 و2006».


لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

من عيتا الشعب في أقصى جنوب لبنان، إلى الحدث وحي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، تتوزع خسائر المواطن اللبناني جهاد سرور (67 عاماً) جراء الحرب الإسرائيلية التي بدأت في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بقرار «حزب الله» مساندة غزة انطلاقاً من لبنان.

يقول سرور لـ«الشرق الأوسط»: «خسرتُ معظم ما أملك نتيجة الحروب المتكررة التي طالت الجنوب وبيروت». ويشرح: «كنتُ أملك ثلاثة بيوت؛ بيت في عيتا الشعب تهدّم في الحرب الماضية، وبيت في الحدث تهدّم قبل نحو شهر في جولة الحرب الأخيرة، إضافة إلى شقة في حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية تضرّرت يوم الأربعاء الذي شهد قصفاً كثيفاً على بيروت والضاحية».

لا يعدد جهاد ممتلكاته بقدر ما يوثّق انهيارها: «لم يبقَ لي اليوم فعلياً سوى سقف بسيط وسيارة»، يقول، قبل أن يضيف جملة تختصر التجربة: «الخسارة لم تعد حدثاً واحداً، بل تمثل مساراً مستمراً يتجدّد مع كل جولة قصف وتصعيد».

المفارقة أن الرجل الذي أمضى 33 عاماً في الولايات المتحدة، وعاد إلى لبنان قبل 15 عاماً، يواجه اليوم ما لم يختبره في أي مكان آخر. يقول: «هذه التجربة قاسية وجديدة عليّ، لم أختبر سابقاً هذا المستوى من الدمار والحرب والتهجير، ولا هذا الإحساس بفقدان الاستقرار بشكل كامل».

جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية بمنطقة الحوش شرق مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ب)

وسرور واحد من عشرات اللبنانيين الذين خسروا أملاكهم في أكثر من مكان جراء الحرب. غالباً ما كان أبناء المنطقة الحدودية في الجنوب، الذين يمتلكون منازل في بيروت أو ضاحيتها الجنوبية، يقيمون فيها في موسم الدراسة، بما يمكّن أبناءهم من تلقي التعليم الجامعي، ويعملون في المدينة خلال هذه الفترة، وينتقلون صيفاً إلى قراهم في الجنوب بغرض الاصطياف. وبالنظر إلى تزامن القصف في الجنوب والضاحية، خسر بعضهم أرزاقهم في المكانين.

عائلات في منزل واحد

ودفع القصف السكان إلى اختيار مكان آمن في العاصمة أو ضواحيها الشرقية أو جبل لبنان. يقول سرور: «اليوم نقيم في منزل تملكه زوجتي في بيروت، بعدما فقدت منازلي، ومعنا أيضاً أقارب من عائلات نازحة من الجنوب والضاحية»، مشيراً إلى أن عدد سكان الشقة «يناهز الـ35 شخصاً يقيمون في المنزل نفسه، تتراوح أعمارهم بين سنة و75 عاماً».

عائلة فادي الزين التي خسرت منزلين في الخيام بجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تجلس على شرفة مدمرة في الضاحية (أ.ب)

بهذا المعنى، لا يعود المنزل مساحة خاصة، بل ملجأ جماعي، من خلال توصيفه: «العيش بهذا الشكل يختصر حجم الأزمة، حيث تتحوّل المنازل إلى مراكز إيواء جماعية، في ظل غياب أي أفق واضح للحل أو العودة».

وحين يُسأل عن المستقبل لا يجيب بتوقع، بل بحالة: «بصراحة، لا يمكن التخطيط لشيء، نعيش يوماً بيوم»، مضيفاً: «الإنسان يصبح وكأنه في حالة تخدير، لا يفكّر في المستقبل؛ لأن الواقع يفرض نفسه بكل ثقله».

خسارة تاريخ كامل

في عيترون الحدودية، لا ينتهي الدمار مع انتهاء القصف. هناك، يبدأ فصل آخر من الحكاية. يقول حسن لـ«الشرق الأوسط»: «ما تعيشه البلدة اليوم ليس حادثة عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاعتداءات، لكن هذه المرة بوتيرة أشدّ واتساع أكبر».

الاختلاف هذه المرة، كما يراه، ليس في الشدة فقط، بل في الطريقة: «التدمير لم يقتصر على الغارات خلال العمليات العسكرية، بل استمرّ بعد وقف إطلاق النار عبر تجريف المنازل بشكل منهجي باستخدام جرافات».

آليات عسكرية إسرائيلية تواكب جرافات على الحدود الشمالية مع لبنان في مارس الماضي (إ.ب.أ)

يستعيد حسن حرب 2006 بالقول: «تعرض المنزل الذي كنت أسكنه للقصف وتضرّر بشكل كبير، يومها لم نخسر حجارة فقط، بل خسرنا ما هو أبعد من ذلك». يسكت قليلاً، ثم يضيف: «فقدت مكتبتي بالكامل، ومعها سنوات من الذكريات والأوراق والكتب التي لا يمكن تعويضها. هذه الخسارة لا تُقاس مادياً».

اليوم، يعود الخوف نفسه، لكن بشكل أكثر حدة؛ إذ يضيف: «لم يعد الأمر مجرد قصف عابر، بل احتمال فقدان المنزل بالكامل نتيجة التجريف، ما يعني تكرار التجربة نفسها، ولكن بشكل نهائي هذه المرة».

ولا تتوقف الخسارة عنده شخصياً، يقول: «ثلاثة من أشقائي خسروا منازلهم بالكامل خلال حرب الإسناد»، مضيفاً: «الخسارة لم تعد فردية، بل باتت تطول العائلة بأكملها».

الخلاصة بحسب حسن تأتي قاسية وواضحة: «ما يجري اليوم يبدو كأنه إعادة رسم للبلدة بكل ما فيها. نحن لا نخسر منازل فقط، بل نخسر تاريخاً كاملاً».

بيتٌ دُمّر عام 1978... ولم يُستكمل حتى اليوم

في بنت جبيل، تأخذ الحكاية بُعداً آخر؛ بيتٌ بدأ تدميره قبل نحو نصف قرن، ولم يخرج من دائرة التهديد حتى اليوم. يقول نادر سعد لـ«الشرق الأوسط»: «قصة منزلنا ليست حادثة واحدة، بل سلسلة حروب متتالية، كل واحدة منها تأخذ شيئاً مما بقي».

يعود إلى البداية: «عام 1977 قُصف موقع (شلعبون) القريب من منزلنا، وكان بيتنا بمنزلة امتداد له؛ فيه مكتبة، وكان المقاتلون يأتون إليه للراحة أو للاستحمام».

مركبات ومدرعات عسكرية إسرائيلية أمام مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)

ثم تأتي اللحظة المفصلية، فيكشف: «عام 1978، دخلت القوات الإسرائيلية. طلبوا من جدتي الخروج، ثم فجّروا المنزل بالكامل. هذه كانت المرة الأولى». لكن اللافت أن التدمير لم يكن النهاية، بل بداية مسار أطول؛ إذ يضيف: «عام 1984 بدأ والدي إعادة البناء، وسنة 1985 أنجز الأساسات وبعض الأعمدة، وكان يعيش في خيمة إلى جانب ما بناه»، ويضيف: «لكن في منتصف العام نفسه، طُلب منه مغادرة المنطقة، فتركنا المنزل غير مكتمل».

ظلّ البيت كذلك سنوات طويلة؛ أعمدة بلا غرف، وجدران بلا حياة: «بقي على حاله حتى عام 2000، حين عدنا وبدأنا مجدداً البناء تدريجياً، من دون قدرة فعلية على إنهائه». حتى حين نجا من التدمير الكامل، بقي هشّاً أمام كل جولة. يقول: «في حرب 2006 تضرر المنزل بالشظايا، وتحطمت سيارتنا، لكنه لم يُدمّر كلياً».

ويضيف: «أما في حرب 2024، فقُصف منزل قريب جداً، وكان الانفجار قوياً إلى درجة أنه خلع الأبواب والنوافذ من بيتنا»، ثم تأتي أكثر مفارقة قسوة: «اليوم، ومن خلال صور الأقمار الاصطناعية، نرى الدبابات متمركزة حول المنزل، لكن لا نعرف إن كان دُمّر بالكامل أم لا».

ويختم بجملة تختصر نصف قرن: «هذا البيت، الذي دُمّر أول مرة عام 1978، ولم يُستكمل بناؤه حتى اليوم، كل حرب تعيده إلى نقطة الصفر، وكأن الزمن متوقف عند أول هدم!».


خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وسط توسعة لإنذارات إخلاء عامة شملت 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني.

سيارات تقل نازحين من جنوب لبنان تتجه إلى العاصمة بيروت (أ.ف.ب)

وللمرة الأولى منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ قبل عشرة أيام، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات بإخلاء 7 بلدات في قضاء النبطية، هي ميفدون، وشوكين، ويحمر، وأرنون، وزوطر الشرقية، وزوطر الغربية، وكفرتبنيت. وتقع تلك البلدات على الضفة الشمالية لنهر الليطاني، وكان الجيش الإسرائيلي أدرج بعضها ضمن خريطة الخط الأصفر التي أصدرها في وقت سابق.

وتسبب الإنذار في دفع السكان العائدين إليها، للنزوح مرة أخرى، مما أنتج زحمة سير خانقة على طرقات الجنوب باتجاه بيروت، كما أدى قصف إسرائيلي لسيارة تضم نازحين في دوار كفرتبنيت إلى مقتل 5 أشخاص على الأقل، وهم جزء من حصيلة وثقتها وزارة الصحة اللبنانية لمقتل 8 أشخاص في قصف الأحد.

واستهدفت غارات إسرائيلية 18 بلدة على الأقل في عمق جنوب لبنان، تقع جنوب وشمال نهر الليطاني، فيما نفذت القوات الإسرائيلية 6 تفجيرات ضخمة لمنازل ومنشآت مدنية داخل المنطقة الحدودية.

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» إن إنذارات الإخلاء «تعني أن تل أبيب تحاول توسعة المنطقة العازلة إلى العمق في شمال الليطاني»، لافتةً إلى أن القرى الواقعة شرق وجنوب مدينة النبطية «يستهدفها الإنذار، وهو الأول منذ عشرة أيام»، مشيرة إلى أن هذا الأمر «يعني توسعة للخط الأصفر كونه يشمل للمرة الأولى قرى مثل كفرتبنيت وشوكين وميفدون».

فشل الترتيبات الأمنية

وفشلت مساعي الطرفين في استحداث ترتيبات أمنية غير معلنة، لجهة فرض معادلات تتمثل في القتال داخل الخط الأصفر. وقالت المصادر إن هذا التصعيد «يتخطى المشهد الذي كان قائماً قبل الحرب الموسعة في سبتمبر (أيلول) 2024»، مشيرة إلى أنه «امتداد لمسار الحرب التي كانت قائمة قبل وقف إطلاق النار، لكنه بعمق جغرافي أقل، إذ لا يزال في محيط الخط الأصفر». وأوضحت المصادر أن خريطة القصف في أقضية النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور، «تشير إلى أن إسرائيل تسعى إلى توسعة الحزام الأمني وتطبقه بالنار، خارج نطاق الخط الأصفر الذي أعلنت عنه».

آلية عسكرية إسرائيلية تعبر قرب الركام في إحدى القرى الحدودية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وتعد معظم البلدات المستهدفة بالغارات الجوية بمثابة «خطوط تماس» بين مناطق وجود القوات الإسرائيلية وراء الخط الأصفر، ومناطق الإمداد بالمقاتلين، كونها تبعد عن مناطق السيطرة الإسرائيلية مسافات تتراوح بين كيلومترين إلى أربعة كيلومترات (مباشرة)، وهي مسافة كافية لإطلاق الصواريخ المضادة للدروع، ولإطلاق المسيرات التي تستهدف الجنود الإسرائيليين داخل الأراضي اللبنانية، وهي مناطق تحاذي ضفاف الليطاني، وواديي الحجير والسلوقي، ووادي زبقين، وهي وديان وضفاف رسمتها إسرائيل ضمن سياق حدود المنطقة الآمنة المزمع التحضير لإنشائها.

قتال داخل لبنان

في مقابل التوسعة الإسرائيلية، أعلن «حزب الله»، الأحد، عن ثلاثة عمليات عسكرية، تم تنفيذها داخل الأراضي اللبنانية المحتلة. وقال الحزب إن مقاتليه استهدفوا تجمّعاً لجنود الجيش الإسرائيليّ في بلدة الطيبة (المحتلة) بمحلّقة انقضاضيّة وحقّقوا إصابات مؤكّدة. كما قال إن مقاتليه استهدفوا قوّة إخلاء تابعة للجيش الإسرائيليّ في بلدة الطيبة بمحلّقة انقضاضيّة أيضاً. كما أعلن عن استهداف مربض المدفعيّة المستحدث التابع للجيش الإسرائيليّ في بلدة البيّاضة (المحتلة داخل لبنان) بسربٍ من المسيّرات الانقضاضيّة.

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

وقال الجيش الإسرائيلي إن «سلاح الجوّ نجح في اعتراض هدف جوي مشبوه آخر رُصد في المنطقة التي تعمل فيها قوات الجيش الإسرائيلي، جنوب لبنان»، بعد إعلانه مرتين عن اعتراض مقذوفات أخرى في المنطقة نفسها.

وأشار إلى أنه شن هجمات على ما قال إنها «خلايا» إطلاق صواريخ، ومخازن أسلحة لـ«حزب الله»، في جنوب لبنان. وقال إنه نفذ «غارات جوية وقصفاً مدفعياً على مواقع وبنية تحتية عسكرية يستخدمها (حزب الله) لتنفيذ مخططات ضد قوات الجيش الإسرائيلي وإسرائيل، شمال خط الدفاع الأمامي».

وأضاف أن «من بين المواقع التي استُهدفت خلايا إطلاق صواريخ كانت تُنفذ مخططات إطلاق صواريخ ضد قوات الجيش الإسرائيلي وإسرائيل، ومنصة إطلاق جاهزة للإطلاق، ومخزن أسلحة، ومنشآت عسكرية. كما استُهدف (عناصر) رُصدوا وهم يعملون من منشأة عسكرية، وآخر كان يستقل دراجة نارية».

إلى ذلك، أعلنت السلطات اللبنانية ارتفاع حصيلة الخسائر البشرية اللبنانية منذ مارس (آذار) الماضي، إلى 2509 قتلى و7755 مصاباً.