السودان: مخاوف من التشظي في حروب قبلية مدارة سياسياً

يتساكن في النيل الأزرق السكان الأصليون والوافدون من ولايات و«هوسا» ذات الامتداد النيجيري

محتجون من قبيلة «الهوسا» في مدينة الأُبَيض حاضرة إقليم كردفان أمس (أ.ف.ب)
محتجون من قبيلة «الهوسا» في مدينة الأُبَيض حاضرة إقليم كردفان أمس (أ.ف.ب)
TT

السودان: مخاوف من التشظي في حروب قبلية مدارة سياسياً

محتجون من قبيلة «الهوسا» في مدينة الأُبَيض حاضرة إقليم كردفان أمس (أ.ف.ب)
محتجون من قبيلة «الهوسا» في مدينة الأُبَيض حاضرة إقليم كردفان أمس (أ.ف.ب)

قبل أن يفيق السودانيون من صدمة القتال الأهلي الجاري في ولاية غرب دارفور، فإذا هم يفاجأون بالعنف الذي يحمل «البصمة» ذاتها، يتفجر في ولاية النيل الأزرق، ويؤدي لمقتل العشرات وإصابة المئات بجراح، ونزوح الآلاف إلى خارج مناطقهم، هرباً من الاشتباكات المسلحة التي شبت بين مجموعتي «هوسا» و«همج» وقبائل «أنقسنا» المتساكنين في الإقليم منذ مئات السنين، قبل أن يتمدد إلى عدد من ولايات السودان الأخرى، بما فيها العاصمة الخرطوم.
بدأ الصراع أول الأمر بحملات تحريض موسعة بين المجموعتين، إثر منح مجموعة «هوسا» «النظارة»، وهي أعلى الإدارة الأهلية في المنطقة المحددة، ويخضع لها عدد من «العموديات»، وعادة ما يكون لـ«النظارة» أرض تخصها يطلق عليها محلياً «حاكورة». وقفت ضد هذا التوجه، المكونات التي تزعم أنها من «السكان الأصليين»، وهم ضد «الهوسا» الذين يعدونهم من الوافدين، ثم تطور إلى نزاع دامٍ بين المجموعتين، قتل فيه حتى اللحظة العشرات. وتداعت قبيلة «هوسا» في كل أنحاء السودان لنصرة منسوبيها، وخرجت مظاهرات منددة بما حدث لمجموعتهم في النيل الأزرق.
وتتساكن في النيل الأزرق مجموعة «السكان الأصليين»، وهم قبائل «الأنقسنا»، و«الهمج»، و«الوطاويط»، إلى جانب مجموعة من الوافدين من الولايات الأخرى، إضافة إلى قبيلة «هوسا» ذات الامتداد النيجيري، والتي وفدت إلى السودان قبل مئات السنين، وأصبحت جزءاً من نسيجه الاجتماعي، وتشكل ثقلاً ديموغرافياً كبيراً في الولاية.
وظلت هذه المجموعات متعايشة بسلام منذ الدولة السنارية التي تأسست عام 1504؛ لكن بعد نشوب التمرد الجنوبي اختارت مجموعة من القبائل الانحياز لجنوب السودان في الحرب الأهلية، بينما ظلت القبائل الأخرى على انتمائها للمركز في الخرطوم، ومن هنا دخلت السياسة أسوار القبلية، وتطور الصراع من صراع على الموارد إلى صراع «سياسة» ونفوذ.
وعندما استولى «نظام الإخوان» على السلطة بانقلاب الرئيس المعزول عمر البشير على الحكم في السودان 1989، اشتغلوا على سياسة إعادة التخطيط الاجتماعي والديموغرافي في السودان، فأعادوا للإدارة الأهلية سطوتها التي فقدتها في عهد حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري، وسعت لتوظيفها سياسياً، فقربت بعض المجموعات القبلية على حساب مجموعات أخرى.
واشتغل الإنقاذيون على المجموعة العربية ضد المجموعات الأفريقية المعروفة بـ«الزرقة»، ونتج عن ذلك حرب دارفور، ثم انتقلت بهذه السياسة (فرق تسد) إلى شرق البلاد وجنوبها؛ بل ووسطها، قبل أن تؤدي تلك السياسة لفصل جنوب السودان في عام 2011، وتكوين دولته المستقلة.
بعد هدوء نسبي للنزاعات القبلية والأهلية في السودان بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، فإن باستيلاء الجيش على السلطة مجدداً في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، عادت السياسات القديمة بحثاً عن تأييد ومرجعية سياسية، ما أدى لتأجيج النزاعات القبلية مجدداً، فاندلعت نزاعات دامية في ولاية غرب دارفور، برغم توقيع اتفاقية سلام جوبا، ومشاركة قادة التمرد الدارفوري في الحكم.
وتشير تقارير صحافية إلى «أصابع» قادة عسكريين، وعلى وجه الخصوص من «قوات الدعم السريع»، ومن الجيش، وهي تتلاعب بالأحداث في دارفور مجدداً، مدعومة بتحالفها مع الحركات المسلحة عدوها السابق، ومحاولاتهم المستميتة لإعادة تعيين الخريطة الديموغرافية في الإقليم وملكية الأراضي، وأدى ذلك لصدامات مسلحة بين المجموعة الأفريقية والعربية تحت ذريعة الصراع التقليدي، ونتج عنها مقتل المئات وجرح ونزوح الآلاف مجدداً.
ونقلت تقارير صحافية محلية أن أحداث النيل الأزرق ما هي إلا تمظهر لـ«الأصابع» التي تلاعبت بالتركيبة القبلية والسكانية في دارفور، بدعم مجموعات سكانية على حساب مجموعات أخرى، وهو ما دفع الحزب الشيوعي السوداني لتوجيه اتهامات مباشرة لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان» جناح مالك عقار، عضو مجلس السيادة الحالي، بمحاولة استمالة مجموعة «هوسا» ذات الكثافة السكانية الكبيرة لجانبه، وفي سبيل ذلك وعدهم بـ«نظارة» على حساب النظارات التقليدية في المنطقة التي تقوم على الأرض.
من جهته، حمّل رئيس الحزب «الاتحادي الموحد» وأحد قادة ثورة ديسمبر البارزين، محمد عصمت، المسؤولية عن اشتعال الحرائق في ولايات النيل الأزرق والبحر الأحمر وغرب دارفور، ومن ثم كسلا، مباشرة على «النظام الانقلابي» وأنصاره من أنصار النظام البائد وحلفائهم، لتحقيق غرض استمرار السلطة الانقلابية القادرة على بسط الأمن.
وتوقع عصمت أن تسارع السلطة الحاكمة خلال الأيام القليلة القادمة إلى فرض حالة الطوارئ مرة أخرى بعد أن رفعتها صورياً، وقال: «ربما نشهد تعيين حكام عسكريين للولايات، بما يمكّن الجيش من بسط سلطته، وتصدير فكرة إلى الشعب السوداني وللمجتمع الدولي تقول إن الأوضاع في البلاد لا تحتمل غير سلطة قادرة على بسط الأمن».
وأسند عصمت فكرته إلى «غياب الأجهزة الأمنية» ومماطلتها في التحسب للأحداث وإخمادها قبل اشتعالها، وأضاف: «هذا يعني أن السلطة قد أغمضت عيونها الأمنية عن هذه الأحداث المتوقعة، ما أدى لنشوب اشتباكات قبلية بشكل شبه يومي؛ بل دخول أطراف قبلية لم تكن جزءاً من الصراعات القبلية المتوارثة».
واتهم القيادي البارز «السلطة المركزية» بتوزيع «هبات إدارية» على قيادات الإدارة الأهلية من «نظار وعمد وشراتي» من الموالين لها، محاولة بذلك تعظيم دورها السياسي، في الوقت الذي تحرم فيه بعض القبائل من «رتب» النظارات والعمد والشراتي، وقال: «وجهت قيادات من المجلس الأعلى للبجا والنظارات المستقلة، اتهامات مباشرة وصريحة لمسؤولين كبار بتقديم (رشاوى) لبعض أفراد وقيادات التنظيم، وذلك أحدث شرخاً واضحاً بين أبناء البجا في الشرق».
ورأى عصمت أن ما يحدث بكل معطياته: «يقودنا إلى أن السلطة الحاكمة تسعى من وراء هذه الأحداث إلى إشعال الحرائق في السودان، حتى تستطيع تهيئة الأجواء لاستمرار الانقلاب»، والأسبوع الماضي اتهمت مجموعة داخل المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، عرفت بمجموعة «أوبشار»، مسؤولاً كبيراً في الدولة بدفع رشاوى لتفتيت المجلس، وقالت إن مستشاري هذا المسؤول يوزعون الأموال والرشى على شباب في الشرق عبر التطبيقات البنكية، لزيادة الشقة بين أطراف البجا، وانحياز متلقي الرشاوى لطرف دون الآخر.
إلى جانب ما أفاد به عصمت، فإن لجان المقاومة في مدينة الدمازين، حاضرة «النيل الأزرق»، اتهمت الأجهزة الأمنية بـ«التقصير» والتقاعس عن دورها في الحماية الاستباقية للمواطنين وحفظ أمنهم وسلامتهم، وإيقاف فتيل الفتنة والفرقة، واعتبرتها «شريكاً أساسياً في إزهاق أرواح المواطنين العزل»، واعتبرت تصرفها استمراراً لسياسات سابقة وسيرهم في خطى ونهج «نظام الكيزان الساقط، بافتعاله الدائم للفتن والصراعات القبلية لتمرير أو خلق توازنات سياسية جديدة».
لم تتحرك القوات الأمنية لدرء الفتنة إلا بعد مرور أيام من القتل والاحتراب، وهو ما وصفته لجان المقاومة بـ«السكوت المتعمد من قبل سلطات حاكم الإقليم»، واعتبرت القرارات المتأخرة الصادرة من سلطة الأمر الواقع «هروباً للأمام، ومحاولة لتعليق المسؤولية في شماعة غيرها»، وهذا ما أكده ظهور رئيس أركان الجيش وإعلانه «التزام القوات المسلحة بواجباتها الدستورية ومهامها الوطنية بحماية البلاد، وعدم التفريط في أمنها واستقرارها»، «بعد أن بلغ الدم الركب».
ويتهم كثيرون قوات الجيش والشرطة، بأنها لم تتحرك إلا بعد أيام من القتال في النيل الأزرق، ولم تتحرك إلا بعد أسابيع من القتال في غرب دارفور، وأسابيع من القتال في جنوب كردفان؛ بل وفقاً للمعارضة فإنها تواطأت مع أحداث الشرق، ليكتمل هلال التوتر على طول غرب وجنوب وشرق السودان؛ بل وامتد حتى إلى بعض الوسط والشمال، ولوحظت بوادر نزاع في «البطانة» ضد موالين لحركة مسلحة، واضطراب بين مجموعات سكانية في شمال السودان ومجموعات وافدة.
وقال المحلل السياسي أحمد خليل، إن «السلطة في الخرطوم وظفت التوتر القبلي لإشعال حروب أهلية بين من أطلق عليهم مجموعات أحفاد سلاطين (الأنقسنا) وقبيلة (هوسا)». وأضاف: «(الهوسا) بحكم طبيعتهم مسالمون ونشطون، ويعملون في النشاط الاقتصادي والخدمي، ما جعلهم يسيطرون على الاقتصاد والتجارة في الإقليم، وهو الأمر الذي يثير على الدوام حفيظة بقية المكونات».
وتعد مجموعة «هوسا» من أهم قبائل أفريقيا، ويبلغ عديدها في كل القارة أكثر من عشرة ملايين، وتعيش في حزام يمتد في نيجيريا والسنغال والسودان، وقد قدموا إلى السودان منذ مئات السنين، بعضهم على شكل هجرات جماعية وبعضهم عن طريق الحج الذي يعبر من غرب أفريقيا إلى الأراضي المقدسة، ويبلغ عددهم في السودان نحو 3 ملايين، يدينون بالإسلام على الطريقة «التجانية»، وتمتد أماكنهم من دارفور إلى النيل الأزرق والقضارف وكسلا وسنار، وأسهموا بشكل كبير في رفع الوعي الديني بتشييد «الخلاوي» لتحفيظ القرآن الكريم، والتي تطورت في وقت لاحق للتعليم النظامي.
ويجمع المراقبون والمحللون والمعارضون على أن أحداث الدمازين ليست معزولة؛ بل هي جزء من سياسة «شد الأطراف» المدروسة والمخططة، ويقولون إنها تمتد في حزام قاعدته في دارفور، يمر بجنوب كردفان والنيل الأزرق وكسلا والقضارف، ليبلغ بورتسودان في أقصى الشرق، حين يندلع القتال في أحد أطرافه سرعان ما تتمدد نيرانه في الهشيم العشائري محدثاً حرائق هائلة، وقبل أن تنطفئ النار القديمة، يقدح زناده من يمسك «الريموت» في الخرطوم ليشعل حرباً جديدة.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

جدل بمصر حول تعليق خدمات حكومية لمدانين في قضايا «النفقة»

مصريون داخل محكمة بمحافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
مصريون داخل محكمة بمحافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
TT

جدل بمصر حول تعليق خدمات حكومية لمدانين في قضايا «النفقة»

مصريون داخل محكمة بمحافظة الجيزة (الشرق الأوسط)
مصريون داخل محكمة بمحافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

أثار قرار جديد في مصر بتعليق خدمات حكومية لمدانين في أحكام «النفقة» جدلاً واسعاً، الاثنين، بين مؤيدين للقرار ومعارضين له، وفريق ثالث متخوف من أن يعود تطبيقه بمزيد من الضرر على الأم والأبناء بعد الانفصال.

وكانت الجريدة الرسمية قد نشرت، الأحد، قراراً لوزير العدل المصري المستشار محمود حلمي الشريف يتضمن حرمان «المدانين» بأحكام نهائية في الامتناع عن أداء النفقة للزوجة والأبناء بعد الانفصال، من الخدمات الحكومية في 11 وزارة وجهة، من بينها الشهر العقاري، ووزارات التنمية المحلية، والزراعة، والتضامن الاجتماعي، والسياحة، وذلك لحين تسديد ما عليه من مستحقات.

وبموجب القرار الأخير، لن يتمكن «المدانون» بأحكام نفقة من استخراج بطاقة قيادة مهنية، أو تصريح لفتح محل جديد، أو طلب لتركيب عداد كهرباء أو نقل عداد باسمه، أو الحصول على حصته من الأسمدة الزراعية من وزارة الزراعة، أو تسجيل عقار أو سيارة في الشهر العقاري، أو استخراج بدل فاقد لبطاقة تموينية أو إضافة مواليد إليها، وهي التي تَصرف بموجبها الفئات الأقل دخلاً والأكثر احتياجاً سلعاً مدعمة.

سيارات خدمة التوثيق المتنقلة من وزارة العدل (مجلس الوزراء)

وإذا كان المدانون في أحكام النفقة من ذوي الإعاقة، فسيُحرمون من تجديد أو استخراج بطاقة الخدمات المتكاملة، التي يحصل حاملها على حقوق وخدمات مثل الحق في التوظيف ضمن نسبة محددة لذوي الاحتياجات الخاصة، والحصول على خصومات في المواصلات العامة وغيرها من الخدمات.

«وسيلة ضغط»

المحامي حسن شومان قال إن قرار وزارة العدل «سيحد من الفجوة الكبيرة الموجودة في منظومة العدالة بين صدور الحكم وتنفيذه»، لافتاً إلى أن آلاف القضايا تصدر بها أحكام للأم والأولاد بالنفقة، لكن يتهرب الأب من السداد؛ «لذا فتعليق حصوله على الخدمات الحكومية لحين الوفاء بما عليه من مستحقات، وسيلة ضغط إضافية على الأب للسداد».

وأضاف شومان لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوة تصب في صالح «حماية الأسرة بعد الانفصال، خصوصاً مع تعدد أوجه النفقة بين مأكل ومسكن ومصاريف دراسية مستحقة للأبناء على آبائهم».

وتابع قائلاً: «لو افترضنا أن 40 إلى 50 في المائة من أحكام النفقة تُنفذ الآن، فأتوقع أن ترتفع النسبة لنحو 80 في المائة بعد هذا القرار الذي لن يُنهي المشكلة كلها، لكنه سيقلص حجمها».

بينما ثمَّن المجلس القومي للمرأة القرار ووصفه بأنه «خطوة مهمة في دعم منظومة العدالة الأسرية في مصر، وسيسهم في معالجة أحد التحديات العملية التي تواجه العديد من النساء والأسر، وهو تعثُّر تنفيذ أحكام النفقة رغم صدورها»، وفق بيان للمجلس.

سوق العتبة الشعبية بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

في المقابل، انتقدت آراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي القرار، وقال البعض إنه سيعيق تنفيذ أحكام النفقة؛ إذ سيؤدي إلى التأثير على أعمال الأب، بينما عدّها آخرون «معاقبة للأب بعد الطلاق»، وتخوَّف متابعون من «طريقة التطبيق».

قانون الأحوال الشخصية

المحامي الحقوقي خالد علي قال عبر «فيسبوك»: «النفقة ليست التزاماً مالياً عادياً، بل تمثل في كثير من الأحيان مورداً لازماً للمعيشة والحياة الكريمة للزوجة أو الأبناء أو المستحقين».

وأضاف: «تشديد أدوات إلزام المدين بالسداد يمكن فهمه في إطار حماية الطرف الأضعف ومنع التحايل على الأحكام القضائية... لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول وسيلة التنفيذ إلى آلية عقابية ممتدة قد تتجاوز غرض استيفاء الحق، وقد يؤدي حرمان الأب من هذه الخدمات إلى تعجيزه عن الوفاء بالدين وليس العكس».

وتأتي القرارات الأخيرة في وقت ترتفع فيه الأصوات المطالبة بتعديل «قانون الأحوال الشخصية» في مصر، أو إصدار قانون جديد يحقق توازناً في حقوق وواجبات الزوجين تجاه الأبناء بعد الانفصال، خصوصاً مع تركيز الدراما الرمضانية هذا العام على قضية حقوق الآباء، والتحايل عليها من قبل بعض الزوجات.

سيارات خدمة التوثيق المتنقلة من وزارة العدل (مجلس الوزراء)

وبينما تعتبر المحامية الحقوقية، عزيزة الطويل، القرار خطوة «محمودة» لتنفيذ أحكام النفقة النهائية؛ فإنها تتخوف من أن ينعكس سلباً على الأبناء، خصوصاً في خدمات مثل «البطاقة التموينية» التي عادة ما تجمع الأبناء مع الأب في بطاقة واحدة، ما يعني أن إعاقة إصدارها أو استخراج بدل فاقد لها قد يضر بالأبناء.

وتابعت: «كذلك في كارت الخدمات المتكاملة، قد يكون الابن من ذوي الإعاقة، والأب هو من يتولى مسؤولية استخراجها له، فهل ستتم هنا معاقبة الابن بذنب والده، أم ستتم التفرقة في التنفيذ؟».

مصلحة الأبناء

ويستند القرار الأخير إلى تعديلات تشريعية صدرت عام 2020 على المادة «293» من قانون العقوبات، الخاصة برفع العقوبة على الممتنع عن سداد النفقة، مع القدرة عليها، من الغرامة التي لا تزيد على 500 جنيه إلى 5 آلاف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً)، وإضافة البند الخاص بالحرمان من الخدمات الحكومية. ولم يُفعَّل هذا البند سوى بعد صدور قرار وزير العدل، الأحد.

وفي رأي عزيزة الطويل، فإن القرار «لن يحل أزمات المرأة بعد الانفصال أو يقدم لها إنجازاً سريعاً للنفقة؛ إذ إنه يرتبط بالأحكام النهائية، التي قد تستنزف المرأة سنوات في المحاكم لحين الحصول عليها».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن منظومة الأحوال الشخصية في مصر بحاجة إلى إعادة نظر بما يحقق المصلحة الأفضل للأطفال. واستشهدت بطول الفترة خلال الإجراءات، سواء في التشريع نفسه الذي تطلب أكثر من 5 سنوات لصدور قرار حرمان الأب من الخدمات الحكومية الذي نص عليه القانون، وكذلك إجراءات التقاضي التي أصبحت مكلفة على السيدات.


مساعٍ مصرية للانخراط في مفاوضات «جادة» لإنهاء الحرب الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في احتفال «ليلة القدر» يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في احتفال «ليلة القدر» يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
TT

مساعٍ مصرية للانخراط في مفاوضات «جادة» لإنهاء الحرب الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في احتفال «ليلة القدر» يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في احتفال «ليلة القدر» يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

كرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاثنين، الدعوة إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، مجدداً إدانة بلاده لـ«العدوان على الدول العربية»، ومؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة»، لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وأرسل الرئيس المصري، في كلمته خلال احتفال وزارة الأوقاف بـ«ليلة القدر»، «رسالة سلام، من أرض السلام، في ليلة السلام»، قائلاً إن «السلام هو جوهر الوجود ومبتغى العقلاء، وهو القيمة التي تصون الأرواح وتحفظ كرامة الإنسان».

وأضاف أن «وحدة المصير الإنساني تقتضي التعايش السلمي لمواجهة التحديات وتحقيق السلام للجميع».

وأجرى الرئيس المصري اتصالَين هاتفَين مع كل من أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وملك البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة، أعرب خلالهما عن «تضامن مصر الكامل مع دولة الكويت ومملكة البحرين ودول الخليج كافّة في مواجهة التحديات الراهنة»، حسب إفادة رسمية للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي.

وأكد السيسي أن «أمن الخليج العربي يمثّل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ومصر لن تتوانى عن تقديم كل أشكال الدعم للحفاظ على استقرار المنطقة». كما شدد على استمرار التحركات المصرية المكثفة على المستويين الدولي والإقليمي لوقف التصعيد وتهيئة الظروف الملائمة لاستعادة الأمن والسلم.

وتناول الاتصالان «أهمية تعزيز التعاون العربي المشترك وتفعيل مفهوم الأمن القومي الجماعي، بما يضمن حماية الدول العربية من أي تهديدات خارجية، ويعزّز وحدة الصف العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية»، حسب المتحدث الرئاسي.

جولة عبد العاطي

جاء حديث السيسي في إطار حراك دبلوماسي لتعزيز التضامن العربي ووقف التصعيد في المنطقة، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، وأشاروا إلى جولة وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في عدد من الدول العربية.

وكان عبد العاطي قد التقى، الاثنين، نظيره العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، في المحطة الثالثة من جولته العربية «لاستعراض سبل إنهاء الحرب وتنسيق المواقف العربية إزاء التحديات الجسيمة التي تواجه المنطقة»، وفق إفادة رسمية للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، تميم خلاف.

وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره العُماني يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

وخلال اللقاء، جدّد الوزيران «استنكارهما ورفضهما لكل الأعمال والاعتداءات العسكرية التي تستهدف الدول العربية»، مشددَين على «الأهمية البالغة لوقفها وبشكل فوري والحفاظ على سياسة حسن الجوار».

واتفق الوزيران على استمرار جهودهما المشتركة في الدفع بالحلول السياسية، حفاظاً على الأمن والسلم الإقليميين والدوليين، معربَين عن «بالغ القلق إزاء التصعيد الراهن واتساع رقعة الصراع».

كما اتفقا على «الأهمية البالغة لوقف التصعيد والعمل على وقف الحرب وتعزيز الحلول السياسية والدبلوماسية وإعمال العقل والحوار وتجنيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة»، حسب بيان «الخارجية المصرية».

وكان عبد العاطي قد بدأ، الأحد، جولة عربية لتعزيز التضامن وتنسيق المواقف شملت حتى الآن قطر والإمارات وسلطنة عُمان، وأدان خلالها الاعتداءات على الدول العربية.

التنسيق العربي المشترك

وتشاور الوزير المصري كذلك مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، الاثنين، حول سبل التعامل مع التحديات الجسيمة التي تواجه المنطقة، وذلك في المحطة الرابعة لجولته.

وبحث الوزيران تداعيات التصعيد الذي تشهده المنطقة، وسبل خفضه واستعادة الهدوء، وحماية المنطقة من خطر توسّع رقعة الصراع، واللجوء إلى المسارات الدبلوماسية لتعزيز الأمن والاستقرار، فضلاً عن تفعيل آليات التنسيق والعمل العربي المشترك لمواجهة الأزمات والتحديات الإقليمية.

وزير الخارجية المصري خلال محادثات مع نظيره الأردني يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

وجدد عبد العاطي والصفدي إدانة الاعتداءات الإيرانية على الأردن وعلى دول الخليج العربي، التي وُصفت بأنها «تصعيد غير مبرر وخرق فاضح للقانون الدولي وسيادة الدول». كما شددا على «تضامن مصر والأردن الكامل مع الدول العربية الشقيقة، ودعم أيّ خطوات يتخذها الأشقاء لمواجهة الاعتداءات الإيرانية وحماية مواطنيهم وأمنهم واستقرارهم وسيادتهم».

وتوجه عبد العاطي، الاثنين، إلى الرياض في المحطة الخامسة والختامية من جولته لنقل «رسالة تضامن كاملة» في ظل الظرف الدقيق الذي تمر به المنطقة.

ومن المقرر أن تركز محادثاته في الرياض على تنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد والتوتر، والدفع بالتهدئة في المنطقة، إلى جانب بلورة تحرك عربي منسق لحماية سيادة الدول العربية ومقدراتها.

حراك دبلوماسي

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، جمال بيومي، عدّ جولة عبد العاطي «جزءاً من حراك دبلوماسي مصري لوقف التصعيد»، مشيراً إلى حديث السيسي عن الاستعداد للوساطة والانخراط في المفاوضات.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن مصر «توجه رسائل دعم وتضامن مع الدول العربية، وتسعى للعمل معها من أجل تعزيز العمل العربي المشترك وتنسيق المواقف وتشكيل جبهة واحدة في مواجهة التصعيد الحالي في المنطقة».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة».

وقال الكاتب والمحلل السياسي الأردني عبد الحكيم القرالة، إن جولة عبد العاطي «تحمل رسائل ثقة ودعم وإسناد»، مشيراً إلى أنها تأتي في إطار حراك وزخم دبلوماسي عربي يسعى لتجنيب المنطقة الانزلاق في مزيد من التصعيد.

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن مصر تعمل مع الدول العربية «على بلورة موقف واحد يُغلِّب لغة الحوار والدبلوماسية ويُعلي قيم التسوية السياسية، بهدف تكوين جبهة قادرة على مواجهة التصعيد ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية».

Your Premium trial has ended


بعد هدوء لأيام... المعارك تتجدد في السودان

سودانيون يتلقون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

بعد هدوء لأيام... المعارك تتجدد في السودان

سودانيون يتلقون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)

بعد «هدوء حذر» شهدته جبهات القتال في السودان على مدى الأيام القليلة الماضية، اندلعت المعارك مجدداً، يوم الاثنين؛ إذ أعلنت «قوات الدعم السريع» استيلاءها على بلدات، وقال الجيش إنه صد هجوماً مناوئاً.

وأعلنت «الدعم السريع» استعادة السيطرة على مدينة بارا الاستراتيجية بولاية شمال كردفان، والاستيلاء على بلدة كرنوي بولاية شمال دارفور؛ في حين بثت منصات موالية لها السيطرة على بلدة الطينة الحدودية مع تشاد في الولاية ذاتها.

وفي المقابل، قال الجيش إنه صد هجوماً من «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» المتحالفة معها، على مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان.

وقال الناطق الرسمي باسم «الدعم السريع»، في بيان، إن قواته «حررت» مدينة بارا، واصفاً العملية بأنها «انتصار مهم»، نظراً إلى موقع المدينة الاستراتيجي، مضيفاً أن «الدعم السريع» ألحقت ما أطلق عليه «هزيمة ساحقة» بالجيش وحلفائه، وكبدتهم خسائر بشرية تجاوزت 500 قتيل، بينهم ضباط ينتمون إلى كتيبة «البراء بن مالك»، حسب البيان.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يحيي حشداً خلال تجمع في ولاية نهر النيل بالسودان (أرشيفية - أ.ب)

وتقع بارا على بُعد 45 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، على الطريق البري الذي يربط أم درمان بمدينة الأبيض، مروراً إلى الفاشر. ولموقعها الاستراتيجي، ظل طرفا القتال يتبادلان السيطرة على المدينة الخالية من السكان تقريباً.

وسيطرت «الدعم السريع» على المدينة منذ الأيام الأولى للحرب، لكن الجيش استعادها أول مرة في 11 سبتمبر (أيلول) 2025؛ غير أن «قوات الدعم السريع» عادت وانتزعتها في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ثم استردها الجيش مرة ثانية في 5 مارس (آذار) الحالي، قبل أن تعلن «الدعم السريع»، يوم الاثنين، السيطرة عليها مجدداً.

وذكر بيان «الدعم السريع» أن القوات استولت في عملية بارا على 45 عربة قتالية مجهزة، ودمرت مركبات قتالية أخرى، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد الحربي، ولاحقت المجموعات المنسحبة من بارا إلى تخوم مدينة الأبيض.

الجيش يصد هجوماً

وتزامناً مع الهجوم على مدينة بارا، قال شهود عيان إن قوات الجيش والقوات الحليفة معه صدت هجوماً لـ«قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية» من ثلاثة محاور على الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان.

وأكدت منصات موالية للجيش هذا، وقالت إن الجيش ألحق خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة، وكبَّدها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، واستولى على سيارات قتالية ودمر أخرى.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

وكانت مدينتا كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، والدلنج ثاني أكبر مدنها، تخضعان لحصار طويل استمر لأكثر من عام ونصف العام، فرضته «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، تيار عبد العزيز الحلو.

واستطاع الجيش كسر الحصار المفروض على المدينتين في 26 يناير (كانون الثاني) الماضي. ومنذ ذلك التاريخ تحاول «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» إعادة حصار المدينتين دون جدوى.

تقارير متضاربة

وفي شمال دارفور، أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على بلدتي الطينة وكرنوي، في حين انسحبت قوات الجيش والقوة المشتركة التي كانت تسيطر على البلدتين، حسب بيان رسمي لـ«قوات الدعم السريع».

وقالت «الدعم السريع» إن ذلك جاء بعد معارك خاطفة استهدفت القوات المتحالفة مع الجيش «التي تستخدم المنطقة نقطة تمركز وتمثّل تهديداً لأمن دارفور»، حسب البيان الذي دعا المواطنين إلى التعاون والتزام الإجراءات الأمنية المؤقتة التي تتضمن ملاحقة ما سماهم «العناصر الخارجة عن القانون».

أطفال يلعبون أمام خيام للنازحين السودانيين على أطراف مدينة الكفرة الليبية (الصفحة الرسمية لبلدية المدينة)

وذكرت منصات إعلامية أن «قوات الدعم السريع» استولت أيضاً على بلدة الطينة الحدودية مع دولة تشاد، وبثت منصات موالية لـ«الدعم السريع» مقاطع فيديو قالت إنها تصور قواتها في البلدة، مشيرة إلى خسائر كبيرة لحقت بالقوات المدافعة قبل انسحابها من المدينة؛ غير أن منصات تابعة لـ«القوة المشتركة» قالت إنها صدت الهجوم.

ويُعد المثلث الواقع قرب الشريط الحدودي مع تشاد، وزواياه بلدات أم برو، وكرنوي، والطينة، آخر جيب في إقليم دارفور لا تزال تسيطر عليه قوات من الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه.

وتُقسِّم الحدود بين البلدين مدينة الطينة إلى مدينتين، الطينة السودانية والطينة التشادية، ولا يفصل بينهما سوى مجرى مائي موسمي، وهي تُعد منطقة تداخل سكاني وعرقي بين السودان وتشاد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended