انظُرْ وراءك... بهدوء!

الكاتب النبيل هو من يزج قارئه في روح العصر

غوته - جون أوزبورن
غوته - جون أوزبورن
TT

انظُرْ وراءك... بهدوء!

غوته - جون أوزبورن
غوته - جون أوزبورن

أرادَنا (جون أوزبورن)، الكاتبُ المسرحي البريطاني وأحد أقطاب جيل الغضب، أن ننظر وراءنا بغضب في منتصف خمسينات القرن الماضي، حيث العالم يفورُ بتبعات الحرب العالمية الثانية على أصعدة السياسة والاقتصاد والثقافة.
من جانبي، أرى أنّ جيل الغضب صار تذكرة بواقعة في التاريخ ذهبَتْ إلى قعر النسيان كمثل ملايين سواها من الوقائع العالمية؛ لكن لا بأس من استذكارها لسببيْن: الأول، هَلْ من المُجدي أن ننظر وراءنا، أو بمعنى آخر: أن نستذكر التاريخ الشخصي القريب والبعيد على الصعيد الفردي؟ والثاني، هل هي ضرورة لازمة أن نستذكر تاريخنا الشخصي بغضب؟
الناس في العادة مأخوذون بالمستقبل ومسكونون بممكناته الكثيرة. لماذا؟ لأنه قرينُ الإمكانات المضمرة التي يمكن أن تتحقق، ولأنه ينطوي على شيء من التفاؤل - لو أردنا - حتى لو كان هذا التفاؤل من باب التمرين النفسي فحسب؛ أما التاريخ فقد مضى وصار كتلة من وقائع لها مسار واحد لا نحيد عنه ولا يمكن أن نجد له بديلاً ممكناً باستثناء القراءات التأويلية الشخصية له. التاريخ مقترن اقتراناً شرطياً بالواحدية والحتمية وإن كان من الممكن تأويل وقائعه لصالحنا؛ أما المستقبل فمنفتحٌ على تعددية المسارات وكثرة الممكنات واحتمالية النتائج. أظنّ أنّ هذا السبب هو ما جعل بعضاً من الكُتّاب - أمثال هـ. جي. ويلز - يجعلون من آلة الزمن رمزاً ثورياً للمستقبل وما يحمله العلم من ممكنات في تطوير الحياة واستشراف آفاق لها غير تلك التي قُدّرَتْ على العقل غير العلمي. هل سمعتم يوماً بآلة زمنٍ تغوصُ في قعر التاريخ؟ ولماذا تفعل والتاريخ أمامنا كتابٌ مفتوح مقروءة كلّ صفحاته بدقة؟ ربما قد نفعل ذلك لو شئنا خلق عوالم موازية يمكن فيها متابعة مسارات جديدة لحياتنا غير التي حصلت فعلاً؛ لكنّ هذا الأمر يقعُ في باب التخييل السردي فحسب.
لكنْ من الممكن أن تكون مراجعة الماضي لكلّ من الفرد والمجتمع فعالية حيوية متى ما كانت لمقارنة واقع الحال ووضعه في نطاق المساءلة النقدية: هل تطوّرْنا أم تراجعْنا؟ وما مقدار هذا التطوّر أم التراجع؟ من الطبيعي إذا أردنا قياس مناسيب التطور أو التراجع أن نتخذ مفصلاً زمنياً أداة قياس مرجعية مع الماضي، وليس أفضل من الحاضر مرجعية للمقارنة مع الماضي. أهمُّ ما في الأمر أن تحصل المقارنة بهدوء، من غير غضب، ومن غير انفعالات لحظية يستوجبها ظرف آني ما، وأن نحافظ على حياديتنا الصارمة. لسْنا في معرض مباراة في سوق عكاظ شعري أو برنامج استعراضي للبهرجة الكلامية Talk Show، وليس من المجدي أن يخدع المرء ذاته.
لو أردتُ الحديث عن نفسي لكشف خطّ تطوّري الشخصي فسأقول: أراني اليوم، وبالمقارنة ما كنتُ عليه قبل ثلاثين سنة، كائناً مغترباً عمّا كنتُهُ. الاغترابُ هذا ليس اغتراباً استلابياً سيء المفاعيل والنواتج طبقاً للفلسفة الماركسية؛ بل أحسبه اغتراباً صحياً كشف لي فقر واقعنا الثقافي والعلمي وهشاشة مؤسساتنا الثقافية في العراق. أدركتُ اليوم كم كانت ضحلة تلك المياهُ التي كنا نخوضُ فيها ونحسبها محيطات عميقة. كانت وسائلنا المعرفية وأدواتنا المفاهيمية بسيطة قاصرة، وأقسى ما في الأمر أن يعيش المرء هذه الهشاشة، وهو يحسبُ أنه محمي داخل خزانة مصفحة. كنّا نكتفي بعُدّتنا (وهي عدّة أدبية بالمعنى التقليدي للأدب)، ولم تكن المباحث المعرفية الأخرى ذات شأن لنا. كنا ننظرها من بعيد ونتجاهلها؛ فما لنا والعلم والتقنية والاقتصاد والسياسة؟ ربما كانت لنا بعضُ الشغف والمعرفة في هذه الميادين؛ لكنّ الخصيصة المميزة لهذه المعرفة هي تبعثرها وعدمُ انتظامها في سياق نسقي منتج.
سأسجّلُ لكم مثالاً يبيّن حجم القصور في نظرتنا حينذاك. ما وسيلة الأدب في نهاية المطاف؟ وسيلتُهُ اللغة لأنها وسيطنا التواصلي مع البشر. ما اللغة؟ هي تراكيب رمزية ذات محمول دلالي Semantic وتقعيد نحوي Syntactic ومنشأ بيولوجي عصبي (دماغي) Cerebral. هل تحسبون بعد هذا أنّ موضوع نشوء اللغة وتطورها هو مما لا شأن للمهتمين بالأدب به؟ اللغة موضوع تشتبك فيه البيولوجيا العصبية وعلم النفس الإدراكي والمباحث الفلسفية، وليس من المقبول أن يتعامل المرء بوسيط يجهل تاريخ نشوئه وتطوّره. سيعترضُ معترضون: هل علينا إذا أردنا أن نكون مبدعين أن نتابع أمر اللغة؟ الجواب: نعم، ينبغي هذا لسببين على الأقل، الأول يختصُّ بحقيقة أنّ تعاظم مناسيب المعرفة بوسيطنا الإبداعي (اللغة) سيعمل بوسائل شعورية ولا شعورية في الارتقاء بعملنا الإبداعي، والثاني يختصُّ بحقيقة أنّ استكشافنا للحفريات العلمية في اللغة سيقودُ إلى انفتاح مجالات كتابية إبداعية ليس بوسع الكُتّاب (التقليديين) تصوّرها. هذا مثال واحد فحسب يخصّ اللغة؛ فكيف الحال بمئات وآلاف الموضوعات البحثية الأخرى؟
عندما أرى كتاباتي وأعمالي قبل عشرين أو ثلاثين سنة أشعرُ أحياناً بالضيق وأتساءل: لماذا لم أكتب المسألة الفلانية بشكل آخر وبطريقة أخرى؟ حتى التقنيات الإبداعية والمقاربات السردية تتبدّلُ على ضوء التراكم المعرفي المستجد، وهذه حالة طبيعية لكلّ شخص يستزيد خبراتٍ مع الزمن؛ لكن هذه الاستزادة لن تأتينا بطريقة ميكانيكية، يجب أن نفتح حواسنا وعقولنا وأن نعمل على تغيير طريقة تفكيرنا، ولن يحصل هذا الأمر إلا بمثابرة ومشقة تقودها بصيرة شغوفة.
أطالعُ، وعلى نحو يومي، الكثير من المقالات الصحافية والموضوعات المختلفة في شتى الميادين وبخاصة العلمية والأدبية والفلسفية منها، ويحصلُ كثيراً أن أتحسس منذ السطور الأولى أنّ الكاتب يكتب بطريقة صرتُ أسميها طريقة «صندوقية»، وهي توصيف يرادُ منه الإشارة إلى مَنْ يكتبُ على طريقة ستينات وسبعينات القرن الماضي: تقسيم المعرفة البشرية إلى قلاع حصينة معزولة ومسوّرة بأسوار حجرية شاهقة، كلّ قلعة لا علاقة لها بسواها، والمدافعون عن كل قلعة مسكونون بحمى الدفاع عن أسوار قلعتهم الحصينة في مواجهة القلاع الأخرى.
لنجرّبْ جميعاً هذه التجربة المفيدة وبخاصة لمن يحترفون الكتابة الإبداعية وكتابة المقالات الصحافية والموضوعات الفكرية العامة: لنقرأ شيئاً من الفيزياء والاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة - وكلّ ما يمكننا قراءته وتأنس عقولنا له - في سياق تفاعلي نسقي يجعل من المعرفة الإنسانية وحدة كلية مستديمة التفاعل والتأثير في حياة البشر. الجميلُ في الأمر هو وجود الكثير من المؤلفات التي تحقق مطلب الوحدة النسقية في هذه الميادين المعرفية، وهذه المؤلفات تخاطب القارئ العام، شرط أن يكون شغوفاً وراغباً في الاستزادة المعرفية. سيكون أمراً مفيداً للغاية أن تكون قراءتنا في سياق تاريخي وفلسفي بدلاً من قراءة المصنّفات التقنية المجرّدة حتى لا ترتدّ نواتج القراءة عزوفاً مِنّا في مرحلة لاحقة، وسنرى أي نتائج ساحرة ستكون لهذه الفعالية على أدائنا الإبداعي.
نحتاجُ جميعاً من وقت لآخر إلى النظر وراءنا، إلى تاريخنا الفكري الشخصي بهدوء، لكي نعرف ملامح التطوّر المعرفي في أدائنا. يبدو أمراً عظيم الأهمية أن نتساءل دوماً: هل نكتب بذات الطريقة والمقاربة الفكرية التي كنا نفعلها من قبل؟ ألا توجد ملامح للجدة في كتابتنا؟ هل أنّ ما نكتبه يصلحُ لأن يمدّ جسوراً مع الثقافة العالمية أم أنه جزيرة معزولة نكتفي بإعادة تدوير أفكارنا فيها؟
كلنا في حاجة لا بديل عنها لنكون شجعاناً ونمتحن تاريخنا الفكري، وبغير هذا سنكونُ كَمَنْ يبدّدُ وقته المحدود والثمين، والأقسى من هذا هو تبديد أوقات القرّاء الذين نخاطبهم. القارئ هو - دوماً - العنصر الأكثر أهمية بين العناصر التي يحسب كلّ كاتب حسابها ويضعها في مركز اهتماماته، وهو (القارئ) مسؤولية كبرى على الأصعدة الرمزية والاعتبارية، وليس بكاتبٍ حقيقي من يتملّصُ من هذه المسؤولية أو يخفف من أعبائها أو يجعل قارئه عاجزاً مركوناً خارج نطاق الحراك الفكري الذي يقودُ العصر.
تحدّث الشاعر الألماني الكبير (غوته) عن مفهوم أسماه روح العصر Zeitgeist هو في بعض توصيفاته إشارة إلى المعرفة الإنسانية النسقية الشاملة المؤثرة في تشكيل الصورة الفكرية لعصرٍ بعينه. كلّ كاتب نبيل سيعرف - ولو بعد حين - أنّ واجبه الأخلاقي الأوّل يتجوهر في محاولة تحفيز قارئه لينغمس في قلب روح العصر بدل الاسترخاء في هوامش الحياة القصية أو صناديق مقفلة للمعرفة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
TT

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)

أصبح بمقدور العلماء الآن وضع خرائط لأماكن انتشار العقارب السامَّة، مما يمنح البشر أداة جديدة في مواجهة إحدى أخطر الحشرات التي تشكل تهديداً للصحة والسلامة العامة. وقد طوَّر فريق من الباحثين نهجاً علمياً جديداً للتعرُّف على مواقع انتشار بعض فصائل هذه الحشرة المميتة والتنبؤ بها، واستطاعوا، من خلال تحليل الظروف البيئية، تحديد العوامل التي تساعد في بقاء العقارب على قيد الحياة وانتشارها. وقد تساعد هذه النتائج الجهات المعنيّة على رصد الأماكن التي تتزايد فيها احتمالات وقوع حوادث لدغات العقارب، في مختلف المناطق الاستوائية حول العالم، حتى يتسنى لها اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للتصدي لهذه المشكلة.

اعتمد الفريق البحثي المشترك من جامعتي جالواي في آيرلندا وابن زهر في المغرب على سلسلة من الدراسات الميدانية ونموذج حاسوبي لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب حول العالم، فضلاً عن الأسباب الكامنة وراء الانتشار الجغرافي لهذه الحشرات.

وخلصت نتائج الدراسة إلى تحديد نمط واضح لانتشار العقارب، فتبيَّن أنّ نوع التربة يُعد من أقوى العوامل المؤثّرة في انتشارها، في حين تلعب درجات الحرارة والرطوبة دوراً رئيسياً في رسم خرائط انتشار بعض أنواعها.

ويقول الباحثون إن العقارب، على اختلاف أنواعها، لا تتفاعل مع البيئة بالطريقة نفسها، إذ إنّ بعضها يمتلك قدرات أعلى على التأقلم، مما يمنحه نطاقاً أوسع للانتشار، في حين يقتصر وجود فصائل أخرى على مناطق محدودة، ممّا يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالات التعرُّض للدغات بصفة خاصة.

خرائط جديدة لتقليل الألم الذي كان يحدث بلا إنذار (شاترستوك)

وركزت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية «اتصالات بحوث البيئة» المتخصصة في الدراسات البيئية، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، على مناطق وسط المغرب، لكونها من أخطر مناطق تمركز العقارب حول العالم، وكانت تهدف إلى تحسين إجراءات الوقاية ودعم إمكان تطوير أدوات أكثر فاعلية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. ويقول رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، الباحث مايكل دوغون، إنّ «هذه النتائج قد تسهم في إنقاذ الأرواح، إذ يمكن، من خلال تحديد أماكن تمركز العقارب بدقة، أو الأماكن التي يُحتمل أن تظهر فيها، أن تتمكن السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الأطقم الطبية المتخصّصة، وتنفيذ إجراءات وقائية في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر التعرُّض للدغات العقارب، وحماية الأطفال خصوصاً». وأضاف، في تصريحات نقلها موقع علمي متخصّص في البحوث، أنّ «هذا النهج العلمي يمكن تطبيقه في أي دولة تعاني خطر العقارب، من البرازيل إلى الشرق الأوسط والهند».

ويؤكد الباحثون أنّ العقارب تشكل خطراً صحياً يُغفَل في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرَّض أكثر من مليونَي شخص للدغاتها سنوياً. ورغم أنّ معظم اللدغات تؤدّي إلى آلام وتورمات، فإن لدغات بعض الفصائل قد تسبّب مشكلات صحية خطيرة وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال وكبار السنّ. وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو 3 آلاف طفل حول العالم يفقدون حياتهم بسبب لدغات العقارب كلّ عام. ورغم توافر أمصال مضادة لعدد من سموم العقارب، يواجه الأطباء تحدّيات كبيرة في علاج هذه الحالات، إذ يتعذَّر في كثير من الأحيان تحديد نوع العقرب الذي لدغ المصاب، ممّا يؤدّي إلى تأخير تقديم العلاج المناسب.

العلم يقترب من أماكن الخطر خطوةً خطوة (شاترستوك)

وفي إطار الدراسة، طبَّق الباحثون نموذجاً حاسوبياً يُعرف باسم «الانتروبيا القصوى»، يتيح التنبّؤ بالمناطق التي ترتفع فيها احتمالات وجود العقارب والظروف البيئية التي تفضّلها كلّ فصيلة. ومن خلال تحليل قواعد البيانات المتعلّقة بتركيبة التربة ودرجات الحرارة والظروف البيئية المختلفة، أثبت الفريق البحثي إمكانية تحديد الأماكن المُحتَملة لانتشار العقارب في دول أخرى خارج المغرب. وتنطوي هذه المعلومات على أهمية كبيرة بالنسبة إلى الدول الواقعة في المناطق المدارية، حيث لا تتوافر سجلات مفصَّلة عن أنواع العقارب المختلفة. وشارك في هذا المشروع علماء وباحثون حاصلون على درجة الدكتوراه من الجامعتين، إلى جانب طلاب من جامعة غالواي، يتوجّهون إلى المغرب سنوياً ضمن برنامج أكاديمي في مجال علم الحيوان.

ما كان عشوائياً صار قابلاً للتوقُّع (شاترستوك)

ويقول رئيس فريق الدراسة، مايكل دوغون: «بشكل عام، فإن معرفتنا بالعلوم البيئية الخاصة بالعقارب وسمومها وأفضل السبل لعلاج لدغاتها لا تزال محدودة، ويهدف هذا المشروع الدولي التعاوني إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلَّب تعاون فرق متعدّدة التخصّص، تضم خبراء في الصحة العامة وعلم الحيوان، فضلاً عن أفراد من المجتمعات المحلّية».

ومن جانبه، قال الباحث في جامعتي ابن زهر وأغادير وأحد المشاركين في الدراسة، فؤاد صالحي، إنّ «هذا البحث يثبت أنّ البيانات المتعلّقة بالتنوّع البيئي يمكن أن تُسهم في صياغة سياسات الصحة العامة. وقد تمكنا، من خلال الجمع بين العمل الميداني والنماذج الحاسوبية البيئية، من تحديد المناطق التي ترتفع فيها احتمالات انتشار العقارب الخطيرة، ونأمل أن يسهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الجاهزية الطبية، والمساعدة في الحدّ من أعباء لدغات العقارب، سواء داخل المغرب أو خارجه».


شرطة بانكوك تتنكَّر في زيّ «أسد» للإيقاع بلصّ مراوغ

العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
TT

شرطة بانكوك تتنكَّر في زيّ «أسد» للإيقاع بلصّ مراوغ

العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)
العدالة تقترب بخفّة راقص (إ.ب.أ)

عندما واجه عناصر الشرطة التايلاندية صعوبة في القبض على لصّ متسلسل كان يفلت من بين أيديهم مراراً وتكراراً، ابتكروا خطة إبداعية: التنكُّر في زيّ أسد تقليدي للإيقاع بطريدتهم المراوغة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية» نقلاً عن «أسوشييتد برس»، أظهرت لقطات فيديو نشرتها إدارة شرطة بانكوك ضباطاً متخفّين تحت زيّ أسد باللونين الأحمر والذهبي وهم يرقصون باتجاه المشتبه به، الأربعاء، بينما كان يتجوّل في معرض لرأس السنة القمرية في معبد في نونثابوري، وهي مقاطعة مجاورة لبانكوك. وبعد لحظات، اندفع الضابط الذي كان يمسك برأس الأسد المصنوع من الورق المقوى نحو المشتبه به وثبّته بسرعة على الأرض.

وتقول الشرطة إنّ المشتبه به، الذي حُدِّد على أنه رجل يبلغ 33 عاماً، متّهم باقتحام منزل قائد شرطة محلّي في بانكوك 3 مرات في وقت سابق من هذا الشهر، والفرار بمقتنيات ثمينة تبلغ قيمتها نحو مليونَي باهت (64 ألف دولار أميركي).

وفي بيان صحافي، قالت الشرطة إنها حاولت اعتقال الرجل مرات، لكنه كان سريعاً في رصد ضباط الشرطة والفرار. ولاحقاً، تمكنوا من التعرف إليه من خلال تتبُّع تمائم مسروقة كان قد باعها، وعلموا أنه يتردَّد باستمرار على المعابد في نونثابوري.

ورغم أنّ رأس السنة القمرية ليست عطلة رسمية في تايلاند، فإنّ الاحتفالات بها شائعة، وغالباً ما تكون رقصات الأسد جزءاً من المهرجانات، ممّا وفر غطاءً مثالياً للعملية.

وقالت الشرطة إنّ المشتبه به اعترف بعمليات السطو، قائلاً إنه سرق لشراء المخدرات ولعب القمار. وأضافت أنه سبق أن أُدين بجرائم متعلّقة بالمخدرات والسطو.


بعد ساعات من اعتقال شقيقه أندرو… الملك تشارلز يحضر «أسبوع الموضة» في لندن

ملك بريطانيا تشارلز يجلس إلى جانب الرئيسة التنفيذية لمجلس الأزياء البريطاني لورا وير (يسار) ومصممة الأزياء البريطانية ستيلا مكارتني (يمين) خلال العرض الافتتاحي لـ«أسبوع الموضة» في لندن 2026 (أ.ف.ب)
ملك بريطانيا تشارلز يجلس إلى جانب الرئيسة التنفيذية لمجلس الأزياء البريطاني لورا وير (يسار) ومصممة الأزياء البريطانية ستيلا مكارتني (يمين) خلال العرض الافتتاحي لـ«أسبوع الموضة» في لندن 2026 (أ.ف.ب)
TT

بعد ساعات من اعتقال شقيقه أندرو… الملك تشارلز يحضر «أسبوع الموضة» في لندن

ملك بريطانيا تشارلز يجلس إلى جانب الرئيسة التنفيذية لمجلس الأزياء البريطاني لورا وير (يسار) ومصممة الأزياء البريطانية ستيلا مكارتني (يمين) خلال العرض الافتتاحي لـ«أسبوع الموضة» في لندن 2026 (أ.ف.ب)
ملك بريطانيا تشارلز يجلس إلى جانب الرئيسة التنفيذية لمجلس الأزياء البريطاني لورا وير (يسار) ومصممة الأزياء البريطانية ستيلا مكارتني (يمين) خلال العرض الافتتاحي لـ«أسبوع الموضة» في لندن 2026 (أ.ف.ب)

شارك الملك تشارلز الثالث في فعاليات «أسبوع الموضة» بلندن، بعد ساعات فقط من اعتقال شقيقه، الأمير أندرو، على خلفية علاقته بالمدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين.

وشوهد ملك بريطانيا متألقاً في الصف الأمامي لعرض أزياء المصممة تولو كوكر لموسم خريف وشتاء 2026، الذي أُقيم في مركز «نيو جين» بلندن يوم الخميس.

وبدا الملك مبتسماً وهو يحيّي الحضور أثناء توجهه إلى منصة العرض، قبل أن يجلس في الصف الأمامي لمتابعة العرض الذي حظي باهتمام واسع.

الملك تشارلز الثالث يتحدث مع المصممين خلال افتتاحه «أسبوع الموضة» في لندن 2026 (أ.ب)

وفور وصوله، التُقطت له صور إلى جانب لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، كما ظهر برفقة المصممة ستيلا مكارتني، وشون ماكجير، المدير الإبداعي لدار ألكسندر ماكوين.

وارتدى الملك، البالغ من العمر 77 عاماً، معطفاً أسود طويلاً مع منديل جيب أنيق فوق بدلة رسمية وربطة عنق. في المقابل، لم ترافقه زوجته الملكة كاميلا، إذ حضرت حفلاً موسيقياً وقت الغداء في قاعة «سيمفونيا سميث سكوير» في لندن.

ولم يكن ظهوره في العرض مفاجئاً تماماً للمصممة البريطانية – النيجيرية، التي كانت قد صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأن الملك «قد يُشرّف عرضها بحضوره».

غير أن مشاركة تشارلز في عرض أزياء خريف - شتاء 2026 لم تكن الحدث الوحيد الذي تصدّر عناوين الأخبار المرتبطة بالعائلة المالكة في ذلك اليوم.

فقبل ساعات من ظهوره، أُلقي القبض على الأمير السابق أندرو، الذي أُدين بتهمة إساءة استخدام السلطة، وذلك في عيد ميلاده السادس والستين، داخل مقر إقامته في ساندرينغهام، للاشتباه في ارتكابه مخالفات أثناء توليه منصباً عاماً، من بينها تسريب وثائق تجارية سرية إلى إبستين.

ويخضع دوق يورك السابق لتحقيق رسمي بتهمة تسريب معلومات تجارية حساسة إلى إبستين، كما ينظر المحققون في مزاعم تفيد بأن إبستين قام بتهريب امرأة إلى المملكة المتحدة لإقامة علاقة مع الأمير أندرو.

وفي أعقاب ذلك، أصدر الملك تشارلز بياناً سريعاً أعرب فيه عن دعمه الكامل لسير التحقيق.

وجاء في البيان الصادر عن قصر باكنغهام: «لقد تلقيت ببالغ القلق نبأ تورط أندرو ماونتباتن - وندسور في سوء سلوك أثناء توليه منصبه العام».

وأضاف: «ما يلي الآن هو اتباع الإجراءات الكاملة والعادلة والسليمة للتحقيق في هذه القضية بالطريقة المناسبة، ومن قبل السلطات المختصة. وفي هذا الشأن، كما ذكرت سابقاً، تحظى بدعمنا الكامل وتعاوننا التام».

وأوضح تشارلز قائلاً: «دعوني أؤكد بوضوح: يجب أن يأخذ القانون مجراه. ومع استمرار هذه الإجراءات، لن يكون من المناسب لي التعليق أكثر على هذا الأمر. وفي هذه الأثناء، سأواصل أنا وعائلتي أداء واجبنا وخدمتنا لكم جميعاً».

وعلمت «بيج سيكس» أن الأمير ويليام، الابن الأكبر لتشارلز، وزوجته كيت ميدلتون، يتفقان مع بيان الملك ويدعمان موقفه.

الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ف.ب)

وكان الأمير أندرو قد نفى مراراً ارتكاب أي مخالفات في سياق التحقيق المتعلق بعلاقته بإبستين.

مع ذلك، أظهرت ملفات نُشرت حديثاً صوراً يُزعم أنها تُظهر الأمير أندرو راكعاً فوق امرأة وملامساً بطنها، من دون وضوح بشأن تاريخ التقاط تلك الصور.

وكان الأمير أندرو قد جُرّد من ألقابه الملكية العام الماضي، عقب تصاعد المزاعم بشأن ارتباطه بإبستين. كما طُرد لاحقاً من مقر إقامته في «رويال لودج»، وأُجبر على الانتقال إلى ساندرينغهام.

وبدأت أزمته تتفاقم، بعدما ادّعت فيرجينيا جوفري أن إبستين ووسيطته غيسلين ماكسويل أجبراها على إقامة علاقة مع أندرو ثلاث مرات، ابتداءً من سن السابعة عشرة.

ورغم تمسّكه ببراءته، دفع أندرو ملايين الجنيهات الاسترلينية لجوفري في إطار تسوية مدنية، إلا أن جوفري أقدمت على الانتحار، في أبريل (نيسان) 2025.