هل تُعيد الحرب رسم سياسات الطاقة والمناخ؟

ما بين مقاطعة النفط الروسي والتمسُّك بالغاز

أنابيب لخط الغاز «نورد ستريم» التي تنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا والصورة من مارس الماضي (رويترز)
أنابيب لخط الغاز «نورد ستريم» التي تنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا والصورة من مارس الماضي (رويترز)
TT

هل تُعيد الحرب رسم سياسات الطاقة والمناخ؟

أنابيب لخط الغاز «نورد ستريم» التي تنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا والصورة من مارس الماضي (رويترز)
أنابيب لخط الغاز «نورد ستريم» التي تنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا والصورة من مارس الماضي (رويترز)

لا تزال الخريطة السياسية لمنطقة البحر الأسود تخضع للشدّ والجذب نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا، ومعها يشهد قطاع الغاز الطبيعي صراعاً موازياً سيترك أثره على خريطة الطاقة العالمية. وتعدّ صدمة الطاقة التي أحدثتها الحرب الحالية هي الأخطر منذ أزمات النفط خلال سبعينات القرن الماضي، حيث تواجه الكثير من البلدان نمواً سيئاً، وتضخماً متزايداً، وتراجعاً في الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولا بد أن تعوق هذه التحديات التزام كثير من البلدان بالأهداف المناخية المعلنة.
مساومة على الغاز الروسي
في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تبنى الاتحاد الأوروبي حزمةً سادسةً من العقوبات تتضمن حظر واردات النفط الخام الروسي المنقولة بحراً اعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) 2022، وحظر واردات المنتجات البترولية اعتباراً من فبراير (شباط) 2023. وسيتم إعفاء واردات النفط الخام والمنتجات البترولية عبر خطوط الأنابيب لبعض الدول الأعضاء، مثل المجر وسلوفاكيا والتشيك، من العقوبات.
ورغم وجود استثناءات عديدة في حزمة العقوبات، يعتقد الاتحاد الأوروبي أن الحظر المفروض على الواردات النفطية الروسية المنقولة بحراً، فضلاً عن تحرك ألمانيا وبولندا الطوعي لوقف واردات خطوط الأنابيب، سيسمح له بخفض واردات النفط من روسيا بنسبة 90 في المائة. وتشهد تدفقات النفط الخام العالمية تغيُّرات سريعة، حيث اتجهت أوروبا خلال الأشهر القليلة الماضية إلى زيادة وارداتها النفطية من الولايات المتحدة وغرب أفريقيا والشرق الأوسط، رغم محدودية الشحنات الفورية في الأسواق البديلة.
وفي المقابل، أثبتت روسيا قدرتها على الصمود نسبياً خلال الأشهر الماضية، عبر إعادة توجيه صادراتها من النفط والغاز إلى آسيا، ولا سيما الهند والصين. وفي حين تعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط الروسي لتلبية الطلب المحلي، زادت الصين وارداتها مستفيدة من تراجع سعر برميل خام الأورال بنحو 30 إلى 35 دولاراً مقابل خام برنت. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أنه في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام ارتفعت عائدات تصدير النفط الروسي بنسبة 50 في المائة مقارنة مع العام السابق، بفضل ارتفاع الأسعار.
وفي قطاع الغاز الطبيعي، تُعتبر أوروبا أكثر إدماناً على الغاز الروسي، إذ تحصل على 45 في المائة من واردتها الغازية من روسيا وحدها، وهي حصة أكبر بكثير من حصة النفط (27 في المائة). كما أن أوروبا هي أكبر زبون لروسيا في سوق الغاز، ويتم تسليم أغلب الكميات عبر خطوط الأنابيب. وهذا يجعل تحويل الإمدادات إلى دول أخرى صعباً على روسيا إذا قرر الأوروبيون إغلاق الأنابيب.
ويتباين الاعتماد على الغاز الروسي بشكل كبير بين دول الاتحاد الأوروبي، وقد يؤدي القطع المفاجئ لإمدادات الغاز إلى كارثة في بعض الدول مثل ألمانيا، التي تعتمد على روسيا في تأمين 46 في المائة من حاجتها للغاز، وكذلك إيطاليا التي تصل النسبة فيها إلى 41 في المائة. ولذلك من غير المرجّح أن يُقدِم الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات شاملة على الغاز الطبيعي الروسي قبل عام 2024، وفقاً لتوقعات محللين.
وتستفيد روسيا من موقفها القوي في قطاع الغاز، إذ تلوّح بقطعه عن الدول «غير الصديقة»، مثلما فعلت مع بولندا وبلغاريا. كما قامت روسيا قبل أيام بوقف تدفقات الغاز في خط أنابيب «نورد ستريم 1» إلى ألمانيا بسبب الصيانة، ولم تقم بتوفير إمدادات بديلة عبر خطوط الأنابيب الأخرى، مثلما كانت العادة سابقاً. وكانت شركة الغاز الحكومية الروسية «غازبروم» خفّضت صادراتها عبر هذا الخط بنسبة 60 في المائة منذ الشهر الماضي.
وتؤدي هذه التجاذبات إلى ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري بشكل مستمر منذ بداية الحرب. ولكن الحرب ليست السبب الوحيد لكل الزيادات، إذ لم يتمكن المنتجون العالميون من زيادة الإنتاج بما يكفي لتلبية طلب العالم، الذي أخذ يعود إلى نشاطه الطبيعي بعد التراجع الذي رافق جائحة كورونا.
وتسببت أزمة الطاقة المتصاعدة في إجبار البلدان الفقيرة، التي استثمرت في البنى التحتية القائمة على الغاز الطبيعي، على تنفيذ برامج تقنين للكهرباء. وتعاني البلدان الأكثر ثراءً من ركود اقتصادي واسع النطاق بسبب تضخم التكاليف. وهذا ما جعل قادة مجموعة الدول الصناعية السبع، خلال قمتهم الأخيرة في بافاريا، يشجّعون ضخ استثمارات كبيرة في البنى التحتية للغاز الطبيعي لمواجهة الوضع، وهي دعوة لاقت انتقاداً كبيراً باعتبارها تراجعاً عن التزامات سابقة تخص العمل المناخي.
ورغم كونه بديلاً أنظف من الفحم، سيترك النمو في البنى التحتية للغاز الطبيعي آثاره السلبية الواضحة على الأهداف المناخية العالمية. ويشير تقرير أصدره «مشروع السلامة البيئية» إلى أن البصمة الكربونية السنوية لجميع التوسعات المقترحة حالياً لمحطات الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة ستعادل بصمة 20 محطة تعمل على الفحم.
ويوضح تقرير أصدرته وكالة بلومبرغ مطلع هذا الشهر تأثيرات الغاز الطبيعي على مستقبل الكربون في العالم وعلى الجغرافيا السياسية والاقتصاد الدولي الحاليين. ومع ارتفاع أسعار الغاز في بعض الأسواق الأوروبية بنسبة تصل إلى 700 في المائة، بعدما شددت العقوبات والمساومات قبضتها على الإمدادات بشكل كبير، أدّت الضغوط المستمرة نتيجة الطلب العالمي على الطاقة إلى تقديم جرعة حياة جديدة للفحم الحجري.
ولحين التوسع في تأمين إمدادات الغاز الطبيعي وبناء البنية التحتية لمعالجته ونقله، ستضطر البلدان المعتمدة على استيراد الطاقة للعودة إلى الفحم. وقد بدأت ألمانيا والنمسا وهولندا بإعادة تشغيل محطات الطاقة العاملة على الفحم للحد من استخدام الغاز الطبيعي الروسي. ومع ذلك لا يبدو أن قطاع الفحم الأميركي سيحذو حذو نظيره الأوروبي، رغم ارتفاع أسعار الفحم عالمياً.
ويبلغ إنتاج الفحم في الولايات المتحدة اليوم نحو نصف ما كان عليه عندما بلغ ذروته قبل عقد من الزمن. وتمثل سلاسل التوريد وتكاليف الشحن إلى أوروبا عائقاً أمام إنعاش الفحم الأميركي، لا سيما بعد إغلاق محطات الطاقة التي تعمل على الفحم في الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، لا تعدّ الأزمة في أوروبا سوقاً مستدامة تشجّع على إعادة فتح المناجم وتوظيف العمّال.
ولذلك لم يكن من المستغرب أن يتركز اهتمام المشرّعين في الولايات المتحدة بالغاز الطبيعي، الذي طالبوا بإجراء زيادات فورية في إنتاجه. وهي مطالبة ظاهرها خفض نفوذ روسيا في سوق النفط والغاز، وتخفيف الضغط عن ميزانيات الأسر المجهدة بسبب ارتفاع الأسعار، فيما يرى ناشطون بيئيون أنها استثمار للأزمة الأوكرانية كحجة لتأمين عقود نفط وغاز جديدة ترضي مصالح الشركات الأميركية.
فوضى الطاقة كارثية على المناخ
تشير هذه التطورات، التي اندلعت شرارتها في أوكرانيا وعمّت العالم، إلى تغيُّر أسواق الغاز الطبيعي من نمطها المعزول إقليمياً إلى نمط السوق الفوري المعولم، الذي يؤدي أي اهتزاز يصيبه إلى أزمة في اقتصادات الدول المستوردة. ويستتبع ذلك انحرافاً، في بعض الحالات، عن السياسات التي تهدف إلى مكافحة تغيُّر المناخ، خاصةً في أوروبا.
وكان الاتحاد الأوروبي تبنى مؤخراً «الصفقة الخضراء» التي تتضمن تصنيفاً للأنشطة الاقتصادية المستدامة لجعل الاقتصادات والأعمال والمجتمعات الأوروبية أكثر مرونة في مواجهة الصدمات المناخية والبيئية. وفي حين أثار إدراج بعض استعمالات الغاز الطبيعي والطاقة النووية ضمن الأنشطة المستدامة اعتراضات من هيئات بيئية، أعلن مقرضون تدعمهم الحكومات، مثل بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، عن حصول تحوّل في سياساتهم، بحيث أصبحوا أكثر استعداداً لزيادة تمويل مشاريع الغاز الطبيعي إلى جانب الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.
ولا يتردد سياسيون أوروبيون في إعلان دعمهم للطاقة النووية، كما فعل الرئيس الفرنسي عندما اعتبرها أنسب الطرق «سياديةً» لإنتاج الطاقة إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة، أو كما صرّح رئيس الوزراء البريطاني عند زيارته لمحطة الطاقة النووية «هينكلي بوينت سي»، معتبراً المحطة جزءاً من استراتيجية أمن الطاقة في بلاده التي «لا يمكننا السماح لها بالاعتماد على النفط والغاز الروسي».
هذه الفوضى التي فرضتها الحرب على قطاع الطاقة ستكون كارثية إذا استمرت لفترة طويلة، لأنها قد تعطل التحوّل إلى الطاقة النظيفة. فالتضخم في أسعار الوقود والطاقة يجعل من الصعوبة بمكان إلغاء الدعم الحكومي والإعفاءات الضريبية للوقود، خشية فقدان الاستقرار السياسي والاجتماعي. وربما يكون الخيار المرحلي هو دعم مشاريع الغاز الطبيعي الأنظف، وتسريع عمليات التقاط الكربون من حرق الوقود واعادة استعماله وتخزينه، بما لا يتعارض مع الأهداف المناخية وتحقيق انبعاثات صفرية في سنة 2050.
ستثير صدمة الطاقة في 2022 الكثير من التساؤلات حول قدرة الدول المؤثرة على إجراء تحوّل سريع في السياسات للتوفيق بين أمن الطاقة وأمن المناخ، وستمتد آثار النجاح أو الفشل في معالجة هذه الصدمة لأجيال قادمة.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي: لا مخاوف حالياً بشأن أمن إمدادات الغاز للشتاء

الاقتصاد محطة غيرشتاينويرك وهي محطة توليد طاقة تعمل بالغاز الطبيعي في مدينة فيرنه الألمانية (رويترز)

الاتحاد الأوروبي: لا مخاوف حالياً بشأن أمن إمدادات الغاز للشتاء

أكدت «مجموعة تنسيق الغاز»، التابعة للاتحاد الأوروبي، عدم وجود أي مخاوف فورية في الوقت الحالي بشأن أمن إمدادات الغاز الطبيعي الموجَّهة للقارة العجوز خلال الشتاء.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد محطة غيرشتاينويرك وهي محطة توليد طاقة تعمل بالغاز الطبيعي مملوكة لشركة «آر دبليو إي» وتُعدُّ جزءاً من احتياطي الطاقة الاستراتيجي لألمانيا (رويترز)

الغاز الأوروبي يرتفع مجدداً وسط تجدد الضربات المتبادلة بين أميركا وإيران

ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية والبريطانية، صباح يوم الخميس، وسط تجدُّد الضربات المتبادلة بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الاقتصاد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لدى وصوله إلى مبنى البرلمان في أوتاوا (أ.ب)

كندا وألمانيا تبرمان صفقة غاز لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي

أبرمت كندا اتفاقاً مبدئياً لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا من محطة تصدير مخططة على ساحل المحيط الهادئ، لتعزيز مساعي البلدَين لتأمين سلاسل إمداد الطاقة.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)
الاقتصاد عادة ما تراجع سلطات الاتحاد الأوروبي في بروكسل صفقات الاستحواذ الكبرى للتأكد من أنها لن تؤدي إلى إحداث قيود على المنافسة الحرة (رويترز)

المفوضية الأوروبية تسمح لـ«بي بي» البريطانية ببيع مصفاتها في ألمانيا

أعطت المفوضية الأوروبية الضوء الأخضر لشركة النفط البريطانية «بي بي» لبيع مصفاتها في مدينة جلزنكيرشن، غرب ألمانيا، إلى مجموعة «كليش» المشغلة للمصافي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد شعار شركة «بي بي» (رويترز)

فضيحة حوكمة تطيح برئيس «بي بي» النفطية ألبرت مانيفولد

أعلنت شركة «بي بي» البريطاينة للطاقة، الثلاثاء، أنَّها أقالت رئيس مجلس إدارتها ألبرت مانيفولد بأثر فوري، مشيرة إلى وجود «قصور غير مقبول» في الرقابة الإدارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».


فرنسا تسمح بإعدام نحو 200 ذئب لحماية الماشية

مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
TT

فرنسا تسمح بإعدام نحو 200 ذئب لحماية الماشية

مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)

قالت وزيرة الزراعة الفرنسية، آني جونفار، الجمعة، إن السلطات الفرنسية سمحت بإعدام نحو ​200 ذئب، إذ تنتشر قطعان الذئاب في الأراضي الزراعية، وتتجول بالقرب من المدن الكبرى.

وأضافت أن هناك ما يزيد قليلاً على ألف ذئب في فرنسا، وأن الأجهزة التابعة للوزارة رفعت الحد الأقصى لعدد الذئاب ‌المسموح بإعدامها من ‌19 في المائة إلى ​21 ‌في المائة، أي ​ما يزيد قليلاً على 200 ذئب، ومن الممكن رفعه مرة أخرى إلى 23 في المائة.

وقالت وزيرة الزراعة لمحطة إذاعية فرنسية: «تتسبب الذئاب في أضرار متزايدة لمزارع الماشية لدينا، ما يضع المزارعين في حالة من التوتر والأذى الشديد».

وفي العام ‌الماضي، انتهى نقاش ‌حاد بين المزارعين وجماعات ​حماية الحيوانات بشأن ‌الذئاب التي يتزايد عددها وهجماتها على ‌الماشية، بتصويت في البرلمان الأوروبي أيد رأي المزارعين.

واتفق المشرعون الأوروبيون، في مايو (أيار) الماضي، على تخفيض تصنيف الذئب من «محمي بشكل صارم» إلى «محمي»، ما يعني أن دول الاتحاد الأوروبي يمكنها السماح بصيد الذئاب، شرط اتخاذ إجراءات تمنع تعرض هذه الحيوانات للانقراض.

وقالت المفوضية الأوروبية، التي اقترحت التغيير، إنه يستند إلى دراسة وتحليل معمقين، مع الأخذ في الاعتبار أن أعداد الذئاب تتزايد في أنحاء الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ عددها نحو 20300 ذئب في 2023، ما أدى إلى زيادة الأضرار التي تلحق بالماشية.