هل تُعيد الحرب رسم سياسات الطاقة والمناخ؟

ما بين مقاطعة النفط الروسي والتمسُّك بالغاز

أنابيب لخط الغاز «نورد ستريم» التي تنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا والصورة من مارس الماضي (رويترز)
أنابيب لخط الغاز «نورد ستريم» التي تنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا والصورة من مارس الماضي (رويترز)
TT

هل تُعيد الحرب رسم سياسات الطاقة والمناخ؟

أنابيب لخط الغاز «نورد ستريم» التي تنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا والصورة من مارس الماضي (رويترز)
أنابيب لخط الغاز «نورد ستريم» التي تنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا والصورة من مارس الماضي (رويترز)

لا تزال الخريطة السياسية لمنطقة البحر الأسود تخضع للشدّ والجذب نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا، ومعها يشهد قطاع الغاز الطبيعي صراعاً موازياً سيترك أثره على خريطة الطاقة العالمية. وتعدّ صدمة الطاقة التي أحدثتها الحرب الحالية هي الأخطر منذ أزمات النفط خلال سبعينات القرن الماضي، حيث تواجه الكثير من البلدان نمواً سيئاً، وتضخماً متزايداً، وتراجعاً في الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولا بد أن تعوق هذه التحديات التزام كثير من البلدان بالأهداف المناخية المعلنة.
مساومة على الغاز الروسي
في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تبنى الاتحاد الأوروبي حزمةً سادسةً من العقوبات تتضمن حظر واردات النفط الخام الروسي المنقولة بحراً اعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) 2022، وحظر واردات المنتجات البترولية اعتباراً من فبراير (شباط) 2023. وسيتم إعفاء واردات النفط الخام والمنتجات البترولية عبر خطوط الأنابيب لبعض الدول الأعضاء، مثل المجر وسلوفاكيا والتشيك، من العقوبات.
ورغم وجود استثناءات عديدة في حزمة العقوبات، يعتقد الاتحاد الأوروبي أن الحظر المفروض على الواردات النفطية الروسية المنقولة بحراً، فضلاً عن تحرك ألمانيا وبولندا الطوعي لوقف واردات خطوط الأنابيب، سيسمح له بخفض واردات النفط من روسيا بنسبة 90 في المائة. وتشهد تدفقات النفط الخام العالمية تغيُّرات سريعة، حيث اتجهت أوروبا خلال الأشهر القليلة الماضية إلى زيادة وارداتها النفطية من الولايات المتحدة وغرب أفريقيا والشرق الأوسط، رغم محدودية الشحنات الفورية في الأسواق البديلة.
وفي المقابل، أثبتت روسيا قدرتها على الصمود نسبياً خلال الأشهر الماضية، عبر إعادة توجيه صادراتها من النفط والغاز إلى آسيا، ولا سيما الهند والصين. وفي حين تعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط الروسي لتلبية الطلب المحلي، زادت الصين وارداتها مستفيدة من تراجع سعر برميل خام الأورال بنحو 30 إلى 35 دولاراً مقابل خام برنت. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أنه في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام ارتفعت عائدات تصدير النفط الروسي بنسبة 50 في المائة مقارنة مع العام السابق، بفضل ارتفاع الأسعار.
وفي قطاع الغاز الطبيعي، تُعتبر أوروبا أكثر إدماناً على الغاز الروسي، إذ تحصل على 45 في المائة من واردتها الغازية من روسيا وحدها، وهي حصة أكبر بكثير من حصة النفط (27 في المائة). كما أن أوروبا هي أكبر زبون لروسيا في سوق الغاز، ويتم تسليم أغلب الكميات عبر خطوط الأنابيب. وهذا يجعل تحويل الإمدادات إلى دول أخرى صعباً على روسيا إذا قرر الأوروبيون إغلاق الأنابيب.
ويتباين الاعتماد على الغاز الروسي بشكل كبير بين دول الاتحاد الأوروبي، وقد يؤدي القطع المفاجئ لإمدادات الغاز إلى كارثة في بعض الدول مثل ألمانيا، التي تعتمد على روسيا في تأمين 46 في المائة من حاجتها للغاز، وكذلك إيطاليا التي تصل النسبة فيها إلى 41 في المائة. ولذلك من غير المرجّح أن يُقدِم الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات شاملة على الغاز الطبيعي الروسي قبل عام 2024، وفقاً لتوقعات محللين.
وتستفيد روسيا من موقفها القوي في قطاع الغاز، إذ تلوّح بقطعه عن الدول «غير الصديقة»، مثلما فعلت مع بولندا وبلغاريا. كما قامت روسيا قبل أيام بوقف تدفقات الغاز في خط أنابيب «نورد ستريم 1» إلى ألمانيا بسبب الصيانة، ولم تقم بتوفير إمدادات بديلة عبر خطوط الأنابيب الأخرى، مثلما كانت العادة سابقاً. وكانت شركة الغاز الحكومية الروسية «غازبروم» خفّضت صادراتها عبر هذا الخط بنسبة 60 في المائة منذ الشهر الماضي.
وتؤدي هذه التجاذبات إلى ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري بشكل مستمر منذ بداية الحرب. ولكن الحرب ليست السبب الوحيد لكل الزيادات، إذ لم يتمكن المنتجون العالميون من زيادة الإنتاج بما يكفي لتلبية طلب العالم، الذي أخذ يعود إلى نشاطه الطبيعي بعد التراجع الذي رافق جائحة كورونا.
وتسببت أزمة الطاقة المتصاعدة في إجبار البلدان الفقيرة، التي استثمرت في البنى التحتية القائمة على الغاز الطبيعي، على تنفيذ برامج تقنين للكهرباء. وتعاني البلدان الأكثر ثراءً من ركود اقتصادي واسع النطاق بسبب تضخم التكاليف. وهذا ما جعل قادة مجموعة الدول الصناعية السبع، خلال قمتهم الأخيرة في بافاريا، يشجّعون ضخ استثمارات كبيرة في البنى التحتية للغاز الطبيعي لمواجهة الوضع، وهي دعوة لاقت انتقاداً كبيراً باعتبارها تراجعاً عن التزامات سابقة تخص العمل المناخي.
ورغم كونه بديلاً أنظف من الفحم، سيترك النمو في البنى التحتية للغاز الطبيعي آثاره السلبية الواضحة على الأهداف المناخية العالمية. ويشير تقرير أصدره «مشروع السلامة البيئية» إلى أن البصمة الكربونية السنوية لجميع التوسعات المقترحة حالياً لمحطات الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة ستعادل بصمة 20 محطة تعمل على الفحم.
ويوضح تقرير أصدرته وكالة بلومبرغ مطلع هذا الشهر تأثيرات الغاز الطبيعي على مستقبل الكربون في العالم وعلى الجغرافيا السياسية والاقتصاد الدولي الحاليين. ومع ارتفاع أسعار الغاز في بعض الأسواق الأوروبية بنسبة تصل إلى 700 في المائة، بعدما شددت العقوبات والمساومات قبضتها على الإمدادات بشكل كبير، أدّت الضغوط المستمرة نتيجة الطلب العالمي على الطاقة إلى تقديم جرعة حياة جديدة للفحم الحجري.
ولحين التوسع في تأمين إمدادات الغاز الطبيعي وبناء البنية التحتية لمعالجته ونقله، ستضطر البلدان المعتمدة على استيراد الطاقة للعودة إلى الفحم. وقد بدأت ألمانيا والنمسا وهولندا بإعادة تشغيل محطات الطاقة العاملة على الفحم للحد من استخدام الغاز الطبيعي الروسي. ومع ذلك لا يبدو أن قطاع الفحم الأميركي سيحذو حذو نظيره الأوروبي، رغم ارتفاع أسعار الفحم عالمياً.
ويبلغ إنتاج الفحم في الولايات المتحدة اليوم نحو نصف ما كان عليه عندما بلغ ذروته قبل عقد من الزمن. وتمثل سلاسل التوريد وتكاليف الشحن إلى أوروبا عائقاً أمام إنعاش الفحم الأميركي، لا سيما بعد إغلاق محطات الطاقة التي تعمل على الفحم في الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، لا تعدّ الأزمة في أوروبا سوقاً مستدامة تشجّع على إعادة فتح المناجم وتوظيف العمّال.
ولذلك لم يكن من المستغرب أن يتركز اهتمام المشرّعين في الولايات المتحدة بالغاز الطبيعي، الذي طالبوا بإجراء زيادات فورية في إنتاجه. وهي مطالبة ظاهرها خفض نفوذ روسيا في سوق النفط والغاز، وتخفيف الضغط عن ميزانيات الأسر المجهدة بسبب ارتفاع الأسعار، فيما يرى ناشطون بيئيون أنها استثمار للأزمة الأوكرانية كحجة لتأمين عقود نفط وغاز جديدة ترضي مصالح الشركات الأميركية.
فوضى الطاقة كارثية على المناخ
تشير هذه التطورات، التي اندلعت شرارتها في أوكرانيا وعمّت العالم، إلى تغيُّر أسواق الغاز الطبيعي من نمطها المعزول إقليمياً إلى نمط السوق الفوري المعولم، الذي يؤدي أي اهتزاز يصيبه إلى أزمة في اقتصادات الدول المستوردة. ويستتبع ذلك انحرافاً، في بعض الحالات، عن السياسات التي تهدف إلى مكافحة تغيُّر المناخ، خاصةً في أوروبا.
وكان الاتحاد الأوروبي تبنى مؤخراً «الصفقة الخضراء» التي تتضمن تصنيفاً للأنشطة الاقتصادية المستدامة لجعل الاقتصادات والأعمال والمجتمعات الأوروبية أكثر مرونة في مواجهة الصدمات المناخية والبيئية. وفي حين أثار إدراج بعض استعمالات الغاز الطبيعي والطاقة النووية ضمن الأنشطة المستدامة اعتراضات من هيئات بيئية، أعلن مقرضون تدعمهم الحكومات، مثل بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، عن حصول تحوّل في سياساتهم، بحيث أصبحوا أكثر استعداداً لزيادة تمويل مشاريع الغاز الطبيعي إلى جانب الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.
ولا يتردد سياسيون أوروبيون في إعلان دعمهم للطاقة النووية، كما فعل الرئيس الفرنسي عندما اعتبرها أنسب الطرق «سياديةً» لإنتاج الطاقة إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة، أو كما صرّح رئيس الوزراء البريطاني عند زيارته لمحطة الطاقة النووية «هينكلي بوينت سي»، معتبراً المحطة جزءاً من استراتيجية أمن الطاقة في بلاده التي «لا يمكننا السماح لها بالاعتماد على النفط والغاز الروسي».
هذه الفوضى التي فرضتها الحرب على قطاع الطاقة ستكون كارثية إذا استمرت لفترة طويلة، لأنها قد تعطل التحوّل إلى الطاقة النظيفة. فالتضخم في أسعار الوقود والطاقة يجعل من الصعوبة بمكان إلغاء الدعم الحكومي والإعفاءات الضريبية للوقود، خشية فقدان الاستقرار السياسي والاجتماعي. وربما يكون الخيار المرحلي هو دعم مشاريع الغاز الطبيعي الأنظف، وتسريع عمليات التقاط الكربون من حرق الوقود واعادة استعماله وتخزينه، بما لا يتعارض مع الأهداف المناخية وتحقيق انبعاثات صفرية في سنة 2050.
ستثير صدمة الطاقة في 2022 الكثير من التساؤلات حول قدرة الدول المؤثرة على إجراء تحوّل سريع في السياسات للتوفيق بين أمن الطاقة وأمن المناخ، وستمتد آثار النجاح أو الفشل في معالجة هذه الصدمة لأجيال قادمة.


مقالات ذات صلة

إسبانيا تدعو الاتحاد الأوروبي إلى موقف مشترك للاستغناء عن الغاز الروسي

الاقتصاد خطوط أنابيب تابعة لشركة «غازبروم» الروسية في إقليم سيبيريا (رويترز)

إسبانيا تدعو الاتحاد الأوروبي إلى موقف مشترك للاستغناء عن الغاز الروسي

قالت وزيرة الطاقة الإسبانية إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي الاتفاق على موقف مشترك بشأن كيفية خفض الدول الأعضاء في التكتل وارداتها من الغاز الطبيعي المسال الروسي

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
خاص الأمين العام لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول جمال عيسى اللوغاني

خاص رئيس «أوابك» لـ«الشرق الأوسط»: الاقتصاد العالمي سيغرق في كساد بلا النفط والغاز

توقع الأمين العام لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) جمال عيسى اللوغاني، عودة الحياة حول العالم إلى شكلها البدائي، في حال توقف إنتاج النفط والغاز.

صبري ناجح (القاهرة)
الاقتصاد الرئيس الجزائري خلال افتتاح أعمال القمة السابعة لرؤساء دول وحكومات منتدى الدول المصدرة للغاز (الرئاسة الجزائرية)

«إعلان الجزائر» يدعو للحوار بين المنتجين والمستهلكين لتعزيز استقرار سوق الغاز

عبر قادة الدول الأعضاء في «منتدى البلدان المصدرة للغاز»، في ختام قمتهم السابعة، عن «قلقهم إزاء التقلبات المتكررة في الطلب على الغاز الطلب على الغاز الطبيعي»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد الدول المصدّرة للغاز تلتقي السبت في الجزائر لـ«تعزيز السيادة على مواردها»

الدول المصدّرة للغاز تلتقي السبت في الجزائر لـ«تعزيز السيادة على مواردها»

يناقش قادة «منتدى البلدان المصدّرة للغاز»، السبت في العاصمة الجزائرية، مسألة استقرار أسعار الطاقة وتلبية الطلب المتزايد على الغاز.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد شجع انخفاض الأسعار مستوردي الغاز الطبيعي المسال من أسواق مثل الصين والهند على زيادة عمليات الشراء الفورية (رويترز)

توقعات بزيادة الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال عام 2024

قال مسؤول تنفيذي في شركة «توتال إنرجيز» يوم الأربعاء إن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال سينمو في عام 2024 مع عودة الصين (أكبر مشترٍ) إلى السوق

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور )

مأساة زراعية في صقلية بسبب موجات الجفاف

جفاف في صقلية (أ.ف.ب)
جفاف في صقلية (أ.ف.ب)
TT

مأساة زراعية في صقلية بسبب موجات الجفاف

جفاف في صقلية (أ.ف.ب)
جفاف في صقلية (أ.ف.ب)

أعلنت صقلية حالة الطوارئ في فبراير (شباط) بسبب الجفاف، نظراً إلى أن الأمطار التي طال انتظارها بعد صيف حارق لم تهطل في الشتاء على الجزيرة المتوسطية التي كانت تُعدّ أهراء العالم القديم في زمن الإغريق ثم الرومان.

«الوضع مأساوي»... بهذا الكلام تصف ماريلينا باريكا المشهد وهي تتأمل تلال مادوني في شرق باليرمو، والتي تحولت مراعيها الخصبة إلى ما يشبه سجادة صفراء. حتى إن التبن في المكان بات ذا نوعية رديئة لدرجة أن الأبقار لم تعد تأكله.

وخارج صقلية، يؤثر هذا الوضع في غرب البحر الأبيض المتوسط برمّته، من شمال أفريقيا إلى إسبانيا، بما في ذلك المناطق الإيطالية الأخرى مثل جزيرة سردينيا.

وبسبب تغير المناخ، من المتوقع أن تصبح موجات الجفاف أكثر تواتراً في صقلية، وكذلك الأمطار الغزيرة وموجات الحرّ.

وأدت العواصف التي اجتاحت صقلية خلال موسم حصاد التبن في ربيع 2023 إلى إتلاف الأعلاف، ما أدى إلى ظهور سموم خطرة على الماشية. ومذاك، لم تهطل أي أمطار تقريباً، وبالتالي لا يوجد تبن ليحل محله.

أبقار مسمومة

ماريلينا، البالغة 47 عاماً، تدير مزرعتها مع شقيقتها، وتنفق ما يقرب من 3 آلاف يورو شهرياً لشراء العلف الذي لم تكن قادرة على إنتاجه بنفسها.

وفي غياب التبن عالي الجودة لاستخدامه في تغذية المواشي، فإن الأمر يرتبط بالنسبة لها بالحفاظ على أبقارها البالغ عددها 150 على قيد الحياة: إذ تنتج الحيوانات حالياً ما بين 17 إلى 18 لتراً فقط من الحليب، مقارنة بـ27 إلى 30 لتراً عادةً.

وتقول ماريلينا، وهي طبيبة بيطرية أيضاً، إن أبقار زملائها تسممت بسبب الأعلاف الفاسدة و«لا يمكن أن تنجب عجولاً، وتتعرض لحالات سقوط حمل تلقائي وينتهي بها الأمر في المسلخ أو حتى تفارق الحياة قبل ذلك».

وتأسف قائلة: «علينا أن نستورد علفاً عالي الجودة، لكن تكاليفه باهظة للغاية».

وسجلت صقلية 8 أشهر من «الجفاف شبه الكامل»، وفق مرصد الموارد المائية. ولن يكون للأمطار القليلة التي هطلت في الأيام الأخيرة سوى تأثير محدود أو معدوم.

ووفق وكالة الأرصاد الجوية الإقليمية، كان النصف الثاني من عام 2023 الأكثر جفافاً منذ أكثر من قرن، في حين كانت الجزيرة قد شهدت بالفعل درجة حرارة قياسية على المستوى الأوروبي في عام 2021، عند 48.8 درجة مئوية.

وبسبب عدم قدرتها على ملء خزاناتها، اضطرت صقلية إلى تقنين المياه في عشرات المدن في الجزيرة، ما أثر على حقول القمح وبساتين البرتقال والزيتون.

يسحق فيتو أمانتيا (67 عاماً)، كتلاً من الأرض المتربة بيديه، باحثاً من دون جدوى عن آثار البذور التي زُرعت في نوفمبر (تشرين الثاني)، «والتي كان من المفترض أن تكون قد أنتجت نباتات بطول 50 سنتيمتراً».

ولا تزال القناة الإقليمية القريبة من أرضه متوقفة عن العمل، رغم سنوات من أعمال الصيانة.

وفي بستانه للبرتقال، الذي يستفيد من التربة البركانية الخصبة بالقرب من جبل إتنا، لم يعد يُرى سوى ثمار أصغر بكثير من المعتاد أو أخرى ذابلة على الأغصان.

يقول هذا الممثل المحلي لمنظمة «كولديريتي»، وهي الجهة التمثيلية الرئيسية لمشغّلي الأراضي الزراعية في إيطاليا: «لا أذكر، وأنا في عمر السبعين عاماً تقريباً، أنني رأيت شيئاً مشابهاً في ما مضى، أو سمعت أن والدي أو جدي اضطُرا لمواجهة ما يشبه هذا الوضع».

ووفقاً له، فإن 30 في المائة من منتجي الليمون في منطقة كاتانيا، ثانية أكبر مدن صقلية، معرضون لخطر الإفلاس.

القيظ آتٍ

ويقول منسق مرصد كوبرنيكوس الأوروبي أندريا توريتي لوكالة الصحافة الفرنسية: «ما يقلقنا حقاً هو أن توقعاتنا للأشهر الثلاثة المقبلة بالنسبة للبحر الأبيض المتوسط تشير إلى درجات حرارة أعلى كثيراً من المعتاد».

ويواجه نحو 70 في المائة من أراضي صقلية خطر التصحر، ليس فقط بسبب انحباس الأمطار فترات طويلة، ولكن أيضاً بسبب التوسع الحضري غير المنضبط وهدر المياه، وفق مرصد الموارد المائية.

وقد أتلفت صقلية 95 في المائة من أراضيها الرطبة على مدى السنوات المائة والخمسين الماضية لتحويلها إلى أراضٍ زراعية أو بناء، على الرغم من دورها الرئيسي في منع الجفاف.

وتخطط المنطقة لإعادة تدوير مياه الصرف الصحي لمساعدة المزارعين، لكنّ مجموعات بيئية تحذر من أن كثيراً من محطات معالجة مياه الصرف الصحي لا تستوفي المتطلبات المفروضة بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي.

إضافة إلى ذلك، تُفقد 52 في المائة من المياه المتداولة في شبكة إمدادات المياه السائلة في صقلية بسبب عمليات التسرب، وفق المعهد الوطني للإحصاء.

يقول فيتو أمانتيا بمرارة: «إن صقلية نائمة منذ 30 عاماً. وهذا الجفاف هو نتيجة الإهمال».


الذكاء الاصطناعي يغير المشهد أيضاً في قطاع الزراعة

من معرض باريس الزراعي (رويترز)
من معرض باريس الزراعي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يغير المشهد أيضاً في قطاع الزراعة

من معرض باريس الزراعي (رويترز)
من معرض باريس الزراعي (رويترز)

سبق للذكاء الاصطناعي أن دخل إلى عالم المزارع لتحليل صور الأعشاب الضارة مثلاً، أو سلوك الأبقار في الحظيرة، لكنّ الجديد في معرض باريس الزراعي هو بروز أشكال «توليدية» من هذا الذكاء تتيح المعالجة السريعة لبعض المشاكل.

في تقرير لوكالة «الصحافة الفرنسية»، يتساءل سيدريك، وهو مزارع بجنوب غربي فرنسا: «هل يمكن للذكاء الاصطناعي (...) أن يخبرنا متى يمكن نشر السماد؟»، مع «احترام القواعد المتعلقة بالمناطق المعرضة للخطر».

أما لورانس، وهي مربية مواشٍ في منطقة مايين، فتسأل: «هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدد بصورة كمية حجم غزو القراد؟»، بينما يرغب برونو في معرفة ما إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يبلغه بنوع المساعدة التي يمكنه المطالبة بها بالنظر إلى إنتاجه ووضعه الاقتصادي.

هذه عينة من الأسئلة التي طُرحت على فرق التطوير، في الموقع وعن بُعد، في بداية حدث استمر يومين تم في إطار معرض باريس الزراعي خلال الأيام الماضية.

وقد تُرك لعلماء المعلوماتية هؤلاء، وهم طلاب آتون من شركات ناشئة أو مجموعات كبيرة في القطاع الزراعي مثل شركة التأمين «غروباما» (Groupama)، مهمة تقديم إجابات باستخدام قواعد البيانات وأداة مصنعة من شركة «ميسترال» الفرنسية حديثة النشأة. وتسعى هذه الأخيرة إلى تحقيق مكانة لها في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما تأخر بفعل ظهور «تشات جي بي تي» في نهاية عام 2022، مع ما تملك هذه البرمجية من قدرة على تقديم إجابات مفصلة في بضع ثوانٍ.

يقول دافيد جولان، القائم على العملية: «كانت المشروعات ناجحة إلى حد ما، لكنهم تمكنوا جميعاً من إنشاء واجهات أذهلتنا».

ويوضح أن فرقاً عدة اقترحت حلولاً تهدف إلى تحسين دوران المحاصيل أو أتمتة المهام التنظيمية.

وثمة برمجيات موجودة بالفعل في هذه المجالات، يستخدم كثير منها الذكاء الاصطناعي، ولكن «استغرق تطويرها أشهراً عدة، بل سنوات. أما مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد أصبح الأمر يحصل بصورة مباشرة»، بحسب دافيد جولان.

وتُعدّ هذه التكنولوجيا، وفق جولان، واعدة في كل ما يتعلق بالجزء التنظيمي أو في تقديم المشورة للمزارعين. ويؤكد أن الأمر لا يتعلق باتخاذ القرارات بالنيابة عنهم، بل «بتخفيف العبء الإداري والذهني» عليهم.

وفي الوقت نفسه، تعمل طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على تسريع التقدم التقني في قوة بطاقات الرسومات، ما يفيد جميع الحلول الرقمية، بحسب دافيد جولان.

يد عاملة

بين الطقس، وصور النباتات، والمعلومات عن التربة، وعلم الوراثة، ومراقبة الأمراض، كانت الزراعة دائماً مصدراً وفيراً للبيانات، وغالباً ما تكون حية وبالتالي متقلبة، على ما تقول سليمة الطيبي، إحدى مديرات الماجستير في إدارة البيانات الزراعية والغذائية بمعهد «أونيلاسال» (UniLaSalle) للفنون التطبيقية.

وقد ازدادت هذه الوفرة بفعل تكاثر أجهزة الاستشعار أو المجسات أو المسيّرات أو صور الأقمار الاصطناعية أو الكاميرات في المزارع.

وتقول الطيبي إن كل هذه البيانات «تحتاج إلى معالجة»، عادّة أن الزراعة كانت «القوة الدافعة للذكاء الاصطناعي» في هذا الصدد، وتمكنت من تطوير كثير من أدوات المساعدة في صنع القرارات.

من هنا، ينبغي تقدير المياه المتوافرة في الأرض خلال الأيام السبعة المقبلة من خلال الجمع بين المعلومات التاريخية والفورية الخاصة بأجهزتها مع توقعات الطقس المحلية.

ويوضح مدير المبيعات ماتيو غودار لمزارع فضولي: «هذا ليس سحراً، لكنه يجلب كثيراً من الراحة بمجرد النظر إلى الهاتف الذكي».

فإذا كان من المتوقع هطول أمطار بمعدل 40 ملليمتراً خلال يومين على سبيل المثال، فلن تكون هناك حاجة للري. يتم توفير الماء والطاقة اللازمة لتشغيل المضخات، وإذا كانت قطعة الأرض تبعد 10 كيلومترات، فيمكن للمزارعين توفير الوقت أيضاً.

من معرض باريس الزراعي (رويترز)

توجد أيضاً حلول في مجال تربية المواشي مثل برنامج «إيه آي هيرد» (AI Herd) الذي، من خلال كاميرات مثبتة في السقف، يحلل سلوك الأبقار ويمكنه اكتشاف أي مشكلات.

وفي الحقول، يمكن لمجرفة «ستاوت» (Stout) الذكية أن تميز نبات الخس عن الأعشاب الضارة وتستهدف الأخيرة فقط، كما يقول تييري لو بريكييه، المسؤول عن قسم زراعة الفاكهة والخضراوات في شركة تصنيع الآلات الزراعية «سي إن إتش إنداستريال» (CNH Industrial)، وهي من المساهمين في «ستاوت».

ويقول: «نحن بحاجة إلى تغيير ممارساتنا الزراعية، من حيث استخدام المياه والمدخلات وإمكانية التتبع التي يطلبها الزبائن»، وهو ما يسهّله هذا النوع من الأدوات الموجهة بالذكاء الاصطناعي.

وهناك ميزة أخرى، بحسب قوله، لهذه الآلات التي تقوم تلقائياً بمهام صعبة، إذ «يمكننا أيضاً الاستجابة لصعوبات التوظيف».


جمعية الأمم المتحدة للبيئة ترسم مساراً لمستقبل مستدام

جانب من جلسة مجموعة النقاش الأولى (ENB)
جانب من جلسة مجموعة النقاش الأولى (ENB)
TT

جمعية الأمم المتحدة للبيئة ترسم مساراً لمستقبل مستدام

جانب من جلسة مجموعة النقاش الأولى (ENB)
جانب من جلسة مجموعة النقاش الأولى (ENB)

اختتمت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة (UNEA-6) أول من أمس اجتماعاتها في المقر الرئيسي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) في نيروبي، حيث ضمّت ممثّلين عن مجمل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وحضر عدد غير مسبوق من المندوبين تجاوز الخمسة آلاف من 193 بلداً. وباعتبارها أعلى هيئة لصنع القرار البيئي في العالم، ركّزت الجمعية على تحقيق التوافق حول إجراءات فعّالة وشاملة ومستدامة، لمعالجة التحدي الثُّلاثي الأبعاد، المتمثل في تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث. ولحَظت في قراراتها مجموعة من القضايا البيئية الشائكة، بما فيها الحلول القائمة على الطبيعة وتدهور الأراضي والجفاف والعواصف الرملية والغبارية والمبيدات الحشرية الشديدة الخطورة، إلى جانب الإجراءات العملية لتنفيذ تدابير الحدّ من التلوُّث بالبلاستيك. واستقطبت المعاهدات البيئية الدولية نقاشات حادة، خاصة تلك المعنية بتغيُّر المناخ والتصحر والتنوُّع البيولوجي والنفايات الخطرة. فللمرة الأولى يُطرَح موضوع وضع آلية لتعزيز التنسيق بينها، في إطار دور أكبر لجمعية الأمم المتحدة للبيئة. وقد تخوّفت الأمانات العامة لهذه المعاهدات من أن تخسر بعضاً من استقلاليتها إذا تنازلت عن جزء من صلاحياتها. لكن التسوية الوسطية كانت الغالب في النهاية.

رئيسة الدورة السادسة الوزيرة المغربية ليلى بنعلي تُعلن المصادقة على جدول الأعمال (ENB)

تقييم ورؤية استشرافية

لم تكن اجتماعات نيروبي لتقييم التقدم المُنجَز فقط وإنما أيضاً لصياغة مستقبل العمل البيئي. وقد نظر ممثّلو الدول والمنظمات الدولية والمجموعات الرئيسية في التقارير المتعلقة بتنفيذ القرارات السابقة، بما في ذلك متابعة وضع اتفاق مُلزم قانوناً لإنهاء التلوُّث البلاستيكي بموجب القرار الذي اتخذته جمعية الأمم المتحدة للبيئة قبل سنتين. وكان هذا النهج بمثابة شهادة على التزام الجمعية بالبناء على التعهدات السابقة وضمان التقدم المستمر في القضايا البيئية الحاسمة.

وتُعد جمعية الأمم المتحدة للبيئة، التي تنعقد دورياً كل سنتين، بمثابة منصة حيوية لتعزيز التعاون الدولي عبر المناقشات والمداخلات المتعلقة بالسياسات البيئية الدولية الفعالة وهياكل الإدارة. وقد تمّت مراجعة المقترحات الخاصة بهذه السياسات في البداية من قِبل اللجنة المفتوحة العضوية للممثّلين الدائمين للدول، قبل تقديمها إلى الجمعية، بحيث تعكس إجماعاً عالمياً بشأن التوجهات المستقبلية. ومنذ تأسيسه عام 1972 حتى 2014، كانت السلطة العليا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) بيد «المجلس الحاكم»، المؤلف من 58 دولة تنتخبها الجمعية العمومية للأمم المتحدة دورياً. وكان إقرار التحوُّل من «مجلس حاكم» إلى «جمعية البيئة» عام 2014 بمثابة تسوية أعقبت مطالبات بالتحوُّل من «برنامج» إلى منظمة دولية مستقلة. لكن رغم التحوُّل من مجلس حاكم إلى جمعية عامة تضم جميع الدول، ما زال «يونيب» تحت سلطة الأمانة العامة للأمم المتحدة.

وفي هذه السنة، ناقشت الجمعية نحو 20 قضية تخصّ العمل البيئي المشترك عبر خمس مجموعات عمل. وكانت حصّة مجموعة العمل الأولى قضايا المبيدات الحشرية الشديدة الخطورة، والإدارة السليمة للمواد الكيميائية والنفايات، وتعزيز التعاون الإقليمي بشأن تلوُّث الهواء لتحسين نوعيته على مستوى العالم، ومكافحة العواصف الرملية والترابية، وتعديل الإشعاع الشمسي لضمان موثوقية وشفافية مبادرات هندسة تغيُّر المناخ.

وبرزت النقاشات حول قرار يخص تلوُّث الهواء، الذي يتسبب بنحو سبعة ملايين وفاة حول العالم سنوياً، اعتماداً على وثيقة اقترحتها الولايات المتحدة. وتدعو الوثيقة الدول الأعضاء لاتخاذ إجراءات مختلفة لتحسين نوعية الهواء، مثل وضع المعايير الوطنية، وزيادة الوعي، والعمل مع القطاع الخاص، وتبادل الخبرات. وتقترح تشكيل شبكة تعاون عالمية للتعاون الإقليمي في مجال نوعية الهواء مع الدول الأعضاء والشركاء ومنظمات التمويل، وتنفيذ عدة إجراءات لدعم الشبكة.

مظاهرة للمجتمع المدني على أبواب المؤتمر تربط بين وقف الحرب والإبادة في غزة وحماية البيئة (ENB)

واستندت الوثيقة الخاصة بمكافحة العواصف الرملية والترابية، التي قدمتها إيران، إلى قرارات سابقة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة عدّت هذا النوع من العواصف تحدياً خطيراً للتنمية المستدامة، ودعت إلى العمل المنسّق والتعاون بين أصحاب المصلحة المعنيين. وتطلب الوثيقة من المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) دعم الدول الأعضاء والشركاء الآخرين في التصدي لتحديات العواصف الرملية والترابية من خلال تحديد فجوات البيانات والمعلومات، وأنشطة زيادة الوعي، والسياسات والتدابير الأخرى. كما تدعو الوثيقة الدول الأعضاء إلى تبادل أفضل الممارسات والمعارف، وتعزيز التعاون، وإعداد وتنفيذ البرامج وخطط العمل، ومعالجة العواصف الرملية والترابية من خلال التدخلات المتكاملة.

أما القضايا على جدول أعمال المجموعة الثانية فشملت تعزيز الجهود الدولية لوقف تدهور الأراضي واستصلاح الأراضي المتدهورة وزيادة قدرة النظم الإيكولوجية والمجتمعات المحلية على مواجهة الجفاف، وتطوير المعايير والقواعد والمقاييس والمبادئ التوجيهية لتنفيذ الحلول القائمة على الطبيعة لدعم التنمية المستدامة، وتعزيز إدارة المحيطات والبحار لمعالجة تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي البحري والتلوُّث، وتنفيذ حلول فعالة وشاملة لتعزيز سياسات المياه لتحقيق التنمية المستدامة في سياق تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث.

وتحثّ الوثيقة الخاصة بمكافحة التصحر وتدهور الأراضي والجفاف، التي بادرت لاقتراحها السعودية، الدول الأعضاء على تنفيذ سياسات وبرامج لمكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي، واستعادة الأراضي المتدهورة، وتعزيز الإدارة المستدامة للأراضي، والمساهمة في تحييد تدهور الأراضي، وتعزيز القدرة على التكيُّف مع الجفاف. وتطلب الوثيقة من المدير التنفيذي تيسير تبادل المعرفة والبيانات والموارد، وتعزيز التعاون والتآزر في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.

جانب من الجلسة الختامية لجمعية الأمم المتحدة العمومية للبيئة في نيروبي مساء الجمعة (ENB)

ولحظت قضايا المجموعة الثالثة دعم العمل الوطني لمواجهة التحديات البيئية من خلال زيادة التعاون بين جمعية الأمم المتحدة للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) والاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف، وتعزيز دور واستمرارية المنتديات الوزارية البيئية الإقليمية والمكاتب الإقليمية في تحقيق التعاون المتعدد الأطراف في التصدي للتحديات البيئية، وتعزيز النهج التآزري لمعالجة الأزمات العالمية المترابطة المتمثّلة في تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث، إلى جانب دعم التنمية المستدامة، وإجراءات متعددة الأطراف فعالة وشاملة ومستدامة لتحقيق العدالة المناخية.

وشملت قضايا المجموعة الرابعة تكثيف الجهود لتسريع التحوُّل محلياً وإقليمياً وعالمياً إلى الاقتصادات الدائرية، والجوانب البيئية للمعادن والفلزات، والمساعدة البيئية والتعافي في المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة، والتغييرات السلوكية نحو أنماط الحياة المستدامة، ودائرية صناعة قصب السكر المرنة والمنخفضة الكربون. فيما ضمّت قضايا المجموعة الخامسة تعديلات على وثيقة إنشاء صندوق البيئة العالمي المُعاد هيكلته، وجدول الأعمال المؤقت وموعد ومكان انعقاد الدورة السابعة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة، وإدارة الصناديق الائتمانية والمساهمات المخصصة.

مقاربة متعددة الأوجه

إلى جانب مناقشات السياسات، قامت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة بتيسير الحوار والمشاركة في مسائل التعاون الأخرى، ما يدل على التزامها بنهج متعدد الأوجه للعمل البيئي. واستعرضت الجمعية خطة عمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) وميزانيته، لضمان توافق موارد المنظمة مع التحديات البيئية الأكثر إلحاحاً.

وإدراكاً لأهمية الشمولية والمسؤولية المشتركة لمعالجة الأزمة الكوكبية الثُّلاثية الأوجه، المتمثّلة بتغيُّر المناخ وخسارة الطبيعة والتنوُّع الحيوي والتلوُّث، استضافت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة حوارات مخصصة تتناول المسائل الحاسمة بهدف عقد محادثات مثمرة واستكشاف الحلول المحتملة لبعض التحديات البيئية الأكثر إلحاحاً في عصرنا. وناقش الخبراء وأصحاب المصلحة فعالية العِلم والبيانات والتحوُّل الرقمي في تسريع عملية الانتقال إلى مستقبل أكثر استدامة.

كما استكشف الخبراء دور النظام المالي العالمي في المعالجة الفعالة لتغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث، مع تسليط الضوء على الحاجة إلى آليات مالية مبتكرة لدعم العمل البيئي. وجرَت هذه الحوارات بأسلوب نقدي لتقييم أثر التشاركية البيئية في معالجة الأزمة الكوكبية الثُلاثية، وذلك بهدف الوصول إلى آلية لتعزيز التعاون الدولي وتسريع التقدم.

وركّز الحوار بين أصحاب المصلحة المختلفين على تعزيز التعددية التي لا تهمل أحداً، مع تسليط الضوء على الدور الحيوي للمجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة، من مجتمع مدني وأكاديمي وقطاع خاص وسكان أصليين، في التوصل إلى حلول فعالة وفي الوقت المناسب. ومن خلال الجمع بين وجهات نظر وخبرات متنوعة، شددت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة على أهمية العمل التعاوني والمسؤولية المشتركة في التصدي للتحديات العالمية المعقدة.

ويعكس الإعلان الوزاري في ختام الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة اتفاقاً على الخطوط العريضة للقضايا التي جرت مناقشتها، مع الإقرار بأهمية التنمية كأولوية والأخذ بعين الاعتبار منفعة الجميع. ويؤكد الإعلان إقرار إجراءات مشتركة تخصّ تغيُّر المناخ، وفقدان التنوُّع البيولوجي، وتدهور الأراضي، والتصحر والجفاف، وخسارة الغابات، والتحوُّل العادل والمستدام نحو الطاقة النظيفة، والإدارة المستدامة للمعادن والفلزات، والتلوُّث البلاستيكي، وتلوُّث الماء والهواء، وإدارة المواد الكيميائية، وإدارة مخاطر الكوارث، وتمكين الجميع من المشاركة في صنع القرار البيئي.

ويؤكد الإعلان على الاستفادة من التحوُّلات الرقمية كأداة تمكينية لدعم الاقتصادات والمجتمعات المستدامة، من خلال سدّ الفجوات الرقمية الحالية، وتحسين البحث والابتكار والمساواة في الوصول إلى المعلومات البيئية وتسخير التقنيات الناشئة ومراقبة كيفية تطورها من أجل الاستدامة، مع ضمان أن تظل الرقمنة شاملة ومنصفة ومستدامة.

وتقدِّم المناقشات والقرارات وأوجه التعاون الرئيسية التي أقرّتها الدورة السادسة خريطة طريق قيّمة لمعالجة التحديات البيئية الملحّة التي تواجه كوكبنا. فنجاح الجمعية لا يكمن في القرارات المتخذة فحسب، بل أيضاً في روح التعاون الدولي المتجددة التي عززتها. ومن خلال تعزيز التعاون الدولي والعمل الجماعي، يمكن بناء مستقبل أفضل يوفّر متطلبات الأجيال القادمة ويضمن سلامة الكوكب.


الزراعة الحَضَرية... ممارسة خضراء وبصمة كربونية مرتفعة

الزراعة الحضرية في حدائق المشاعات المشتركة (شاترستوك)
الزراعة الحضرية في حدائق المشاعات المشتركة (شاترستوك)
TT

الزراعة الحَضَرية... ممارسة خضراء وبصمة كربونية مرتفعة

الزراعة الحضرية في حدائق المشاعات المشتركة (شاترستوك)
الزراعة الحضرية في حدائق المشاعات المشتركة (شاترستوك)

تشكّل الزراعة الحَضَرية التي يمارسها أكثر من 800 مليون شخص داخل المدن، جانباً محورياً في النظام الغذائي العالمي، وهي تحمل غالباً راية الاستدامة والانسجام مع البيئة. ومع ذلك، تشكّك دراسة صدرت مؤخراً في الصورة المثالية للزراعة في المدن، وتكشف عن بصمة كربونية للمزارع الحَضَرية أعلى من المتوقع، مقارنة بنظيراتها التقليدية.

الزراعة الحَضَرية وتغذية مليار إنسان

تشمل الزراعة الحضرية أشكالاً مختلفة من الأنشطة الزراعية داخل المناطق الحَضَرية وما يحيط بها. وهي تضمّ الزراعات في الأفنية الخاصة، وحدائق المشاعات المشتركة، وحدائق الأسطح، والزراعات المائية «هيدروبونيكس وأكوابونيكس»، والزراعة العمودية الداخلية. وتكون هذه الزراعات عادة قائمة على الأرض أو مدمجة في المبنى، مع أو من دون تكييف المكان المخصص لها.

وتسلّط كثير من الدراسات الضوء على المساهمات المحتملة للزراعة الحَضَرية في تغذية سكان الحَضَر من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي. وتُظهر على سبيل المثال قدرة الزراعة الحَضَرية على تغذية نحو مليار شخص، أي ثلث إجمالي سكان الحَضَر. وتستطيع الزراعة الحَضَرية أن تلبّي الطلب على الخضراوات لسكان الحَضَر، والتي تُعد عنصراً أساسياً في النظام الغذائي الصحي؛ حيث إن استهلاكها أقل من القيمة الموصى بها في جميع أنحاء العالم تقريباً، وقد تكون الزراعة الحَضَرية أداة لسدّ هذه الفجوة.

وتؤمّن الزراعة الحَضَرية حالياً نحو 5 إلى 10 في المائة من إنتاج الغذاء العالمي، مع حصة أكبر في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. كما توفّر خدمات متعددة للنظام البيئي تصل قيمتها إلى 33 مليار دولار سنوياً، وتشمل خدمات إنتاج الغذاء، وتوفير الطاقة، وعزل النيتروجين، وتجنُّب جريان مياه الأمطار. وفي سيناريو الزراعة الحَضَرية المكثّفة، يمكن أن تصل القيمة الإجمالية لهذه الخدمات إلى ما يتراوح بين 80 و160 مليار دولار سنوياً.

إلى جانب الخدمات المذكورة سابقاً، يمكن للزراعة الحَضَرية أن تحقق فوائد اجتماعية واقتصادية وبيئية متنوعة، بما في ذلك تنمية المجتمع وتعزيز فرص التعليم. ومع ذلك، يظلّ تطبيق هذه الفوائد موضوعاً للنقاش؛ لأنها تعتمد على عوامل مختلفة كالمنطقة والموسِم والمحصول.

وتُعد الزراعة الحَضَرية من الأنشطة الاقتصادية الرئيسية للأُسر الفقيرة في كثير من البلدان المنخفضة الدخل. وإلى جانب كونها مصدراً للدخل، فهي تساهم في تخفيف تأثير صدمات الاستهلاك الغذائي الموسمي. وتبقى هذه الفوائد الاجتماعية والاقتصادية للزراعة الحَضَرية غير نمطية، بسبب اعتمادها على المنطقة وشكل الزراعة المستخدمة. وعلى سبيل المثال، تواجه الزراعة الحَضَرية الأرضية ضغوطاً من الزحف العمراني. ومع ذلك، تشهد بعض المناطق الحَضَرية أيضاً نهضة زراعية مع زيادة حصة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي. ويمكن للزراعة الحَضَرية أن تُنتِج بشكل أساسي الخضراوات الورقية والأعشاب التي تكون باهظة الثمن غالباً، وبعيدة عن متناول الأُسر الفقيرة.

البصمة الكربونية للزراعة الحَضَرية

تساهم الزراعة الحَضَرية في التكيُّف مع تغيُّر المناخ والتخفيف من آثاره. ومن خلال تشجيع إضفاء الطابع الإقليمي على النظم الغذائية، تساعد الزراعة الحضرية على إعادة ربط سكان الحَضَر بدورات الطبيعة وتقلل انبعاثات نقل الأغذية. ومع ذلك، تبقى قدرة الزراعة الحَضَرية الإجمالية على خفض الانبعاثات موضع تساؤل، ويرجع ذلك أساساً إلى متطلبات تخصيص المساحات ذات البنية التحتية المكثّفة، والطلب المرتفع على الطاقة واستهلاك المياه.

وتكشف نتائج دراسة نشرتها دورية «نيتشر سيتيز» في شهر فبراير (شباط) الماضي، عن زيادة بمقدار ستة أضعاف في متوسط البصمة الكربونية لكل وجبة فواكه أو خضراوات تكفي شخصاً واحداً جرَت زراعتها حَضَرياً؛ إذ بلغت الانبعاثات 420 غراماً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون للمزارع الحَضَرية، مقارنة بـ70 غراماً فقط للمزارع التقليدية.

وتعتمد الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة ميشيغان على بيانات 73 مزرعة حَضَرية في 5 بلدان. وبينما تسلّط الدراسة الضوء على الحاجة إلى التحسين، فإنها تكشف أيضاً عن حقيقة مهمة، هي وجود تباينات بين المزارع الحَضَرية داخل العيّنة ذاتها، مما يؤكد على أن تبنّي ممارسات محددة سينعكس بشكل كبير على التأثير البيئي لهذه المزارع.

ولاحظت الدراسة أن البنية التحتية المستخدمة في المزارع الحَضَرية تؤثّر بشكل كبير في متوسط بصمتها الكربونية. وغالباً ما تعتمد المزارع الحَضَرية على الأحواض الزراعية المرتفعة، وحاويات تخمير السماد العضوي، وغيرها من العناصر المبنية التي يكون عمرها الافتراضي أقصر بسبب واقع التنمية الحَضَرية. ويساهم نقل الأحواض الزراعية، وإعادة بناء الهياكل، إلى جانب اهتلاك المواد المستخدمة، في ارتفاع البصمة الكربونية.

وفي المقابل، كشفت الدراسة أن 17 مزرعة من أصل 73 مزرعة أظهرت بصمة كربونية أقلّ من المزارع التقليدية. وظهرت هذه البصمة المنكمشة مع محاصيل معيّنة، مثل محاصيل الطماطم والهليون المزروعة حَضَرياً في الهواء الطلق، وذلك بالمقارنة مع منتجات المزارع التقليدية التي يجري إنباتها عادة في دفيئات كثيفة الاستخدام للموارد، أو يجري شحنها على مسافات شاسعة لتصل إلى المدن.

وتقترح الدراسة عدّة استراتيجيات رئيسية لنقل الزراعة الحَضَرية نحو مستقبل أكثر استدامة، من بينها إطالة عمر المزرعة لضمان سداد البنية التحتية بصمتها الكربونية بمرور الوقت، من خلال استخدامها على نحو مستمر. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لاستخدام المواد المستهلكة، كالعجلات والصناديق المهملة، أن يقلل من البصمة الكربونية المرتبطة بإنشاء البنية التحتية.

وتشجّع الدراسة على الزراعة الحَضَرية للمحاصيل التي يتم نقلها تقليدياً لمسافات طويلة، أو زراعتها في الدفيئات المستنزفة للموارد. ومن خلال اختيار مثل هذه المحاصيل وإنتاجها محلياً في المناطق الحَضَرية، يمكن تقليل البصمة الكربونية بشكل كبير. كما يتيح تدوير النفايات الحَضَرية، بتحويلها إلى سماد عضوي ومحسِّن للتربة، حلاً مستداماً لتقليل الاعتماد على الأسمدة المنتجة تجارياً، وتعويض تكاليف الكربون المرتبطة بالإنتاج والنقل.

إن العلاقة بين الزراعة الحَضَرية والبصمة الكربونية معقدة، مما يجعل فهم ديناميكيات الكربون في إنتاج الغذاء في المناطق الحَضَرية وتحسينها أمراً بالغ الأهمية في مواجهة تغيُّر المناخ. ومن خلال تبنِّي الممارسات المستدامة والبحث والتطوير، يمكن للزراعة الحَضَرية أن ترقى إلى مستوى وعدها بتوفير الغذاء وخفض الانبعاثات.


الأمم المتحدة تحذّر من استمرار زيادة حجم النفايات في العالم

عمال يزيلون القمامة من على ضفة نهر اليانغتسي في تايتسانغ بمقاطعة جيانغسو في الصين 23 ديسمبر 2016 (رويترز)
عمال يزيلون القمامة من على ضفة نهر اليانغتسي في تايتسانغ بمقاطعة جيانغسو في الصين 23 ديسمبر 2016 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة تحذّر من استمرار زيادة حجم النفايات في العالم

عمال يزيلون القمامة من على ضفة نهر اليانغتسي في تايتسانغ بمقاطعة جيانغسو في الصين 23 ديسمبر 2016 (رويترز)
عمال يزيلون القمامة من على ضفة نهر اليانغتسي في تايتسانغ بمقاطعة جيانغسو في الصين 23 ديسمبر 2016 (رويترز)

نبّهت الأمم المتحدة، اليوم (الأربعاء)، إلى أن حجم النفايات في العالم الذي بلغ 2.3 مليار طن عام 2023، سيواصل نموه المطّرد، وسيزيد بنسبة الثلثين بحلول عام 2050، نظراً لغياب التحرّك للحدّ منه، ما سيترك تأثيراً ضخماً على الصحة والاقتصاد.

وبهذه الوتيرة، من المتوقع أن تصل النفايات المنزلية (من دون النفايات الصناعية ونفايات البناء) إلى 3.8 مليار طن بحلول منتصف القرن، وهو ما يتجاوز توقعات تقرير البنك الدولي السابق عن هذا الموضوع، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وما سيفاقم المشكلة أن زيادة حجم هذه النفايات سيكون كبيراً جداً في البلدان التي لا تزال تعالجها بطريقة ملوِّثَة، بواسطة مكبّات النفايات والحرق في الهواء الطلق، ما يسبب تلوث التربة، ويؤدي إلى انبعاث غازات الدفيئة كالميثان.

وأضاف التقرير الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة: «رغم الجهود المبذولة، لم يتغير سوى القليل». ولاحظ أن «البشرية تراجعت في هذا المجال، فولّدت مزيداً من النفايات». وأشار إلى أن «مليارات الأشخاص لا تُجمع نفاياتهم».

وفيما يُجمع القسم الأكبر من النفايات في الدول الغنية، لا تتعدى نسبة ما يُجمع في البلدان المنخفضة الدخل 40 في المائة من مجمل كمية النفايات.

وأفاد التقرير الصادر بمناسبة الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة من أجل البيئة التي نظمت هذا الأسبوع في نيروبي، بـأن ما بين 400 ألف ومليون شخص يموتون كل عام بسبب أمراض مرتبطة بالإدارة غير السليمة للنفايات (الإسهال والملاريا وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان).

وتؤدي النفايات المتروكة على الأرض إلى نشر المواد المسببة للأمراض والمعادن الثقيلة وغيرها في التربة والمياه الجوفية لفترة طويلة. ويؤدي احتراقها في الهواء الطلق إلى إطلاق ملوثات ثابتة في الغلاف الجوي. أما النفايات العضوية التي تتحلل في مكبات النفايات فمسؤولة عن 20 في المائة من انبعاثات غاز الميثان البشرية، وهو الغاز الأكثر تسبباً بالاحترار بين كل الغازات الدفيئة.

وحذّر التقرير من أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة للنفايات في العالم سترتفع لتصل إلى 640 مليار دولار سنوياً بحلول سنة 2050 في حال عدم التحرك لمواجهة هذا الوضع.

ورأى أن ثمة «حاجة ملحّة» للبدء في «تخفيض جذري للنفايات»، والاستثمار في الاقتصاد الدائري.


تلوّث «كارثي» يهدّد أنهار العراق

التلوث في نهر الفرات (أ.ف.ب)
التلوث في نهر الفرات (أ.ف.ب)
TT

تلوّث «كارثي» يهدّد أنهار العراق

التلوث في نهر الفرات (أ.ف.ب)
التلوث في نهر الفرات (أ.ف.ب)

يواجه العراق الذي يعاني من الجفاف، إضافة إلى أزمات أخرى أنتجتها عقود من صراعات دمّرت بناه التحتية، تلوثاً «كارثياً» في مياه أنهاره، لأسباب أبرزها تسرّب مياه الصرف الصحي، والنفايات الطبية.

ويؤكد مسؤولون أن المؤسسات الحكومية نفسها تقف خلف جزء من هذا التلوث البيئي، بينما تكافح السلطات المختصة لمواجهة هذه الآفة التي تهدّد الصحة العامة في العراق. ويحصل نحو نصف سكان العراق فقط، على «خدمات مياه صالحة للشرب»، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة. ويبلغ عدد السكان 43 مليوناً.

في البلد الغني بالنفط الذي يستهلك إنتاجه كثيراً من المياه، يرتفع خطر التلوث مع الازدياد المطرد لشحّ المياه نتيجة الجفاف والتغيّر المناخي، وخلافات سياسية تتعلق بتوزيع حصص المياه بين بلاد الرافدين ودول الجوار. ويزداد تركّز التلوث في الأنهار توازياً مع انخفاض مناسيب المياه.

ويقول المتحدّث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال، إنه بالإضافة إلى القطاع الخاص: «الغريب في موضوع التلوث في العراق، أن غالبية المؤسسات الحكومية هي من تقوم به». ويضيف أن من بينها «دوائر المجاري (التي) تلقي كميات كبيرة (من مياه المجاري) في نهري دجلة والفرات، من دون أن تمرّ بمعالجة تامة أو معالجة بسيطة».

ولفت المتحدث إلى أن «أغلب المستشفيات القريبة من النهر تلقي فضلاتها وتصريف مياه الصرف الصحي مباشرة» فيه، وهذا أمر «خطير وكارثي».

وتتسبب المنشآت الصناعية كذلك في تلوث المياه، وبينها مصانع مواد بتروكيميائية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى الأنشطة الزراعية، من خلال مياه البزل التي «قد تحتوي على سموم مرتبطة بالسماد»، وفقاً للمتحدث.

ويشرح شمال أنه لمواجهة هذا التلوث، أصدرت الحكومة «توجيهات بعدم إقرار أي مشروع في حال عدم ارتباطه بمحطة معالجة للمياه».

جودة المياه

في الشأن ذاته، قال علي أيوب المختص بمجال نظافة المياه في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، إن «البنى التحتية غير الكافية والقوانين المحدودة وقلة الوعي العام، هي من العوامل الرئيسية المؤدية إلى التدهور الكبير في جودة المياه بالعراق».

وبالتالي -يضيف الخبير- فإن محطتين لتنقية المياه في بغداد تتلقيان «ضعف قدرتهما» على المعالجة.

نتيجة لذلك -يكمل أيوب- يُلقى «ثلثا مياه الصرف الصحي الصناعي والمنزلي من دون معالجة، في مياه الأنهار»، وتصل كميتها إلى «ستة ملايين متر مكعب» في اليوم.

ويظهر هذا التلوّث المأسوي بالعين المجردة. ففي شرق بغداد، شاهد فريق «وكالة الصحافة الفرنسية» وصوَّر مياهاً ملوثة خضراء اللون، تخرج منها رائحة كريهة تصبّ في نهر ديالى. ويؤكد أيوب أن «الحكومة العراقية عبّرت عن التزامها تحسين جودة المياه».

ويتحدّث عن وضع وزارة الإعمار والإسكان خطة لثلاث سنوات تهدف إلى «تعزيز منظومة المياه والصرف الصحي، بما في ذلك مراقبة جودة المياه»، لتوفير «مياه الشرب الآمنة، وإمكانات تنقية المياه؛ خصوصاً للمجتمعات الأكثر ضعفاً».

التلوث في نهر الفرات (أ.ف.ب)

وساهمت «يونيسيف» بالشراكة مع السلطات العراقية، في إنشاء محطة معالجة لمياه الصرف الصحي في مدينة الطب، وهو مجمع طبي حكومي في بغداد، يضم نحو 3000 سرير.

وافتتحت في المرحلة الأولى 3 محطات، سعة كل واحدة 200 متر مكعب في اليوم، لمعالجة مياه الصرف الصحي، وفق المهندس عقيل سلطان سلمان، رئيس دائرة المشاريع في المجمع.

ويضيف سلمان أنه سوف يتمّ بناء 4 محطات أخرى، سعتها 400 متر مكعب، في غضون شهرين، موضحاً أنه بعد معالجة المياه «يتم الاستفادة منها لسقي الحدائق وتعزيز خزانات منظومة إطفاء الحرائق».

وكانت مياه الصرف الصحي في المستشفى تضخّ عبر شبكات الصرف الصحي إلى إحدى المحطتين الحكومتين الرئيسيتين لمعالجة المياه في منطقة الرستمية، شرق بغداد، وفقاً للمهندس.

«تراكيز التلوث»

في جنوب البلاد، ترتفع معدلات التلوث أكثر. ويلجأ غالبية العراقيين إلى شراء المياه في القوارير للشرب وإعداد الطعام؛ لأن المياه التي تصل إلى بيوتهم غير صالحة.

ويقول حسن زوري، البالغ من العمر 65 عاماً من محافظة ذي قار الجنوبية، إن مياه «المجاري من مناطق (أخرى) تصب في النهر، وتصلنا المياه ملوثة». ويضيف: «سابقاً، كنا نشرب ونغسل ونزرع من النهر، الآن نشتري المياه».

ويزيد الأمر سوءاً تفاقم الجفاف مع انخفاض معدلات الأمطار ومناسيب مياه نهري دجلة والفرات، جراء السدود التي بنيت في دولتي الجوار تركيا وإيران، رغم اعتراضات بغداد.

ويؤكد المتحدث باسم وزارة البيئة أمير علي حسون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «نسب المياه التي ترد إلى الأراضي العراقية انخفضت إلى حدّ كبير، وهذا ما يزيد من تركّز التلوث في المياه».

وكانت السلطات تضخّ سابقاً كميات إضافية من المياه لتنظيف المخلفات الملوّثة وتخفيف الضرر؛ لكن ذلك غير ممكن حالياً في ظل الجفاف والحاجة الماسة للحفاظ على المخزون المائي الاستراتيجي.

في الوقت نفسه، يشير الناشط البيئي صميم سلام إلى أهمية «تفعيل القوانين البيئية ومحاسبة كل المتجاوزين على الأنهار (...) وتوعية وإرشاد المواطنين باستخدام المياه بالشكل الأمثل» للمساهمة في خفض التلوث.

ويقول حسون إن الحكومة العراقية تراهن اليوم لمحاربة تلوث المياه «على عملية تغيير سلوك الفرد العراقي، من خلال تعظيم جهد التوعية». ولكنه يضيف أن هناك أيضاً «رقابة صارمة» على الأنشطة الصحية، موضحاً: «نفرض على جميع المستشفيات وضع وحدات معالجة لمياه الصرف الصحي».

ويأمل حسون أن يكون عام 2024 العام الذي تتوقف فيه كل التجاوزات البيئية الناجمة عن «الأنشطة الصحية».


ناقلة كيماويات هولندية بأشرعة معدنية كي تجري الرياح بما تشتهي البيئة

تُظهر هذه الصورة التي تم التقاطها في 16 فبراير 2024 منظراً لشراع في ناقلة المواد الكيماوية «إم تي كيميكال تشالنجر» في مرفأ روتردام بهولندا (أ.ف.ب)
تُظهر هذه الصورة التي تم التقاطها في 16 فبراير 2024 منظراً لشراع في ناقلة المواد الكيماوية «إم تي كيميكال تشالنجر» في مرفأ روتردام بهولندا (أ.ف.ب)
TT

ناقلة كيماويات هولندية بأشرعة معدنية كي تجري الرياح بما تشتهي البيئة

تُظهر هذه الصورة التي تم التقاطها في 16 فبراير 2024 منظراً لشراع في ناقلة المواد الكيماوية «إم تي كيميكال تشالنجر» في مرفأ روتردام بهولندا (أ.ف.ب)
تُظهر هذه الصورة التي تم التقاطها في 16 فبراير 2024 منظراً لشراع في ناقلة المواد الكيماوية «إم تي كيميكال تشالنجر» في مرفأ روتردام بهولندا (أ.ف.ب)

في خطوة رائدة، زُوّدَت ناقلة المواد الكيماوية «إم تي كيميكال تشالنجر» بأشرعة عملاقة من الألومنيوم لتمكين هذه السفينة من مخر عباب البحر بقوة الرياح رغم وزن حمولتها البالغ 16 ألف طن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتبحر الناقلة حالياً من هولندا إلى إسطنبول، في رحلة تجريبية لهذه التكنولوجيا الجديدة التي تكفل للقبطان توفير ما بين 10 و20 في المائة من الوقود.

وقال نيلز غروتز، الرئيس التنفيذي لشركة «كيمشيب» التي تدير أسطول سفن تتولى نقل المواد الكيماويةن وخصوصاً بين المواني الأميركية في خليج المكسيك والبحر الأبيض المتوسط: «نظراً إلى كوني بحاراً شغوفاً، أفكر منذ مدة طويلة في كيفية جعل قطاعنا أكثر مراعاةً للبيئة».

وأضاف في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة، خلال حفل تدشين الأشرعة في روتردام: «اليوم، نطلق أول ناقلة كيماويات تعمل بالرياح، نأمل في أن تكون مثالاً لبقية العالم».

وغادرت ناقلة الكيماويات «إم تي كيميكال تشالنجر» التي تبلغ حمولتها 16 ألف طن أنتويرب، الجمعة، بأشرعتها الأربعة التي يبلغ ارتفاعها 16 متراً وتشبه أجنحة الطائرة.

ويأمل مالكها في جعل قطاع النقل البحري ذي البصمة الكربونية الضخمة يعتمد على طاقة الرياح بدلاً من الوقود.

وساهمت حركة النقل البحري العالمية التي تقوم على الديزل وزيوت الوقود الأخرى بنسبة 2 في المائة من انبعاثات الكربون العالمية عام 2022، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

ناقلة المواد الكيماوية «إم تي كيميكال تشالنجر» في مرفأ روتردام بهولندا في 16 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

القضاء على البصمة الكربونية للقطاع

ونصّت مبادئ توجيهية جديدة أصدرتها المنظمة البحرية الدولية على ضرورة خفض انبعاثات الشحن بنسبة 40 في المائة على الأقل بحلول سنة 2030 والوصول إلى الصفر بحلول سنة 2050 التزاماً بالأهداف التي حددها اتفاق باريس للمناخ.

ورأى غروتز أن «تحقيق هذه الأهداف سيكون صعباً»؛ إذ إن «النقل البحري كان دائماً يتسم بالتنافسية الشديدة»، مشككاً في الربحية المباشرة لمشروعه الشراعي، لكنه شدد على الحاجة إلى «الحدّ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون»، مضيفاً: «قررنا ألّا نبقى مكتوفين في انتظار حدوث شيء سحري».

وتوقعت شركة «كيمشيب» في بيان أن يؤدي اعتماد الأشرعة لهذه السفينة إلى «انخفاض سنوي قدره نحو 850 طناً (في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون)؛ أي ما يعادل انبعاثات نحو 500 سيارة سنوياً».

وولدت الفكرة قبل ثلاث سنوات عندما تعاون غروتز مع شركة «إيكونويند» الهولندية المتخصصة في بناء أنظمة الدفع بالرياح للسفن.

ويُتوقع أن تجهّز «كيمشيب» مستقبلاً بأشرعة عدداً آخر أيضاً من ناقلات الكيماويات التابعة لها.

وأُنجِز تركيب الأشرعة الأربعة على متن «تشالنجر» الأسبوع الفائت في ميناء روتردام.

وهي ليست أول سفينة حديثة مجهزة بأشرعة صلبة. ففي العام المنصرم، أطلقت شركة «كارجيل» البريطانية مثلاً سفينة شحن تعمل بالرياح، لكنّ «كيمشيب» أكّدت أن «إم تي كيميكال تشالنجر» أول ناقلة مواد كيماوية ذات أشرعة.

تُظهر هذه الصورة التي تم التقاطها في 16 فبراير 2024 منظراً لشراع في ناقلة المواد الكيماوية «إم تي كيميكال تشالنجر» في مرفأ روتردام بهولندا (أ.ف.ب)

إحياء طرق قديمة

وصُممَت هذه الأشرعة المصنوعة من الألومنيوم الصلب على غرار أجنحة الطائرات، ولُحِظَ فيها نظام فتحات تهوية وثقوب لتحقيق أقصى قدر من تدفق الهواء في ظل رياح تصل سرعتها إلى 61 كيلومتراً في الساعة.

وقال المدير التجاري في شركة «إيكونويند»، رينس غروت، إن هذا النظام يضاعف قوة الرياح خمس مرات وينتج القوة نفسها لما يمكن أن يوفّره شراع وهمي يبلغ حجمه نحو ثلاثين متراً في ثلاثين.

ولاحظ أن الأشرعة الصلبة الحديثة الموجودة على السفن الضخمة اليوم تُذكّر بعصر كان فيه الشراع الطريقة الوحيدة للإبحار.

كذلك تتيح الأشرعة مجدداً سلوك طرق بحرية مهملة منذ زمن طويل؛ إذ لم تعد معتمدة بعد حلّ البخار والوقود محل طاقة الرياح.

ورأى غروت أن «البحّارة سيضطرون إلى البحث مجدداً عن طرق الرياح، ومنها مثلاً طريق بروير» الملاحية حول رأس الرجاء الصالح التي كان أول من سلكها المستكشف الهولندي هندريك بروير عام 1611.

وقال: «نحاول إيجاد طريقة إعادة إدخال الطبيعة إلى التكنولوجيا». وأضاف: «عدنا نشعر بالسفينة تبحر على الماء، كما في الماضي».


كيف نقلل من بصمة الطاقة المتجددة وكلفتها البيئية؟

أبراج للطاقة الكهربائية عالية التوتر ومحطة محولات وتوربينات الرياح في نيميغن - هولندا (رويترز)
أبراج للطاقة الكهربائية عالية التوتر ومحطة محولات وتوربينات الرياح في نيميغن - هولندا (رويترز)
TT

كيف نقلل من بصمة الطاقة المتجددة وكلفتها البيئية؟

أبراج للطاقة الكهربائية عالية التوتر ومحطة محولات وتوربينات الرياح في نيميغن - هولندا (رويترز)
أبراج للطاقة الكهربائية عالية التوتر ومحطة محولات وتوربينات الرياح في نيميغن - هولندا (رويترز)

تلعب تقنيات الطاقة المتجددة دوراً مهماً في المبادرات العالمية لخفض الانبعاثات الكربونية ومواجهة تحديات الاحترار العالمي. ورغم الترحيب بدورها بوصفها أحد الحلول العملية لأزمة المناخ، مثلما كان الحال في قمة المناخ الأخيرة في دبي، فإن تأثيراتها البيئية وكلفتها المالية لا تزال موضوعاً شائكاً ودقيقاً.

البصمة البيئية للطاقة المتجددة

يترك توليد الكهرباء باستخدام الوقود الأحفوري بالأساليب التقليدية، التي لا تتضمن التقاط الكربون واحتجازه أو تدويره، آثاراً كبيرة على البيئة. فهو مسؤول عن أكثر من 40 في المائة من جميع الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالأنشطة ذات الصلة بالطاقة، والتي بدورها تمثّل نحو 80 في المائة من غازات الدفيئة ذات المنشأ البشري. كما أن توليد الكهرباء بالطرق التقليدية غير المتجددة يرتبط بانبعاث ملوّثات أخرى مثل أكاسيد النيتروجين والكبريت، ويمارس ضغطاً على الموارد المائية واستخدامات الأراضي.

ويُشكّل سحب المياه النقية لأغراض التبريد والاستخدامات الأخرى في محطات الطاقة الحرارية نحو 40 إلى 50 في المائة من استخدامات المياه في القطاع الصناعي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين. ولذلك يبقى خفض البصمة البيئية في قطاع توليد الكهرباء تحدياً عالمياً على طريق التحوُّل الأخضر، حفاظاً على الموارد الطبيعية وليس مواجهة تغيُّر المناخ فقط.

وبينما يمثّل توظيف تقنيات الطاقة المتجددة لإنتاج كهرباء نظيفة نسبياً مقاربةً موضوعية لمعالجة هذه المخاوف، بفضل المستويات المنخفضة التي تنتجها من انبعاثات غازات الدفيئة والملوّثات الأخرى، فإن بعض آثارها السلبية على البيئة خلال كامل دورة حياتها لا يمكن تجاهلها تماماً.

ويؤدي تصنيع ونقل تقنيات الطاقة المتجددة، مثل ألواح الخلايا الكهروضوئية وتوربينات الرياح ووسائط تخزين الطاقة، إلى تحرير بعض الانبعاثات والملوّثات. وعلى سبيل المثال، يستلزم تصنيع الألواح الشمسية وبطاريات الليثيوم التنقيب عن عناصر نادرة، ما يتسبب في تلويث الموارد المائية. وتستلزم محطات الطاقة الشمسية مساحات واسعة من الأراضي، وهي تؤثر إلى جانب توربينات الرياح على الأنواع الحيّة في موائلها. كما أن بعض تقنيات الطاقة المتجددة، مثل تلك التي تعتمد على حرارة الأرض الجوفية، تستهلك كميات كبيرة من المياه.

ولتطوير سياسات سليمة، يجب على صانعي القرار إدراك الآثار البيئية النسبية لمصادر الطاقة البديلة، بما في ذلك سُبل مقارنة تأثيرات تقنيات الطاقة المتجددة في مقابل تأثيرات تقنيات الوقود التقليدي، وفرص تحسين كفاءة استخدام الطاقة لخفض استهلاك الموارد وتقليل الانبعاثات والملوّثات. كما تُعدّ الإحاطة بالتأثيرات البيئية المحتملة لتقنيات الطاقة المتجددة أمراً ضرورياً لتحديد ومتابعة التصاميم وطُرق التصنيع، وتعيين مواقع المشاريع وعمليات المرافق، وما إلى ذلك من ترتيبات لتخفيف هذه التأثيرات أو تغييرها.

ويعزز استخدام مصادر الطاقة المتجددة في المجتمعات التي تعاني من أزمات الكهرباء فرص تحقيق التنمية السريعة، إلا أن ذلك قد يكون على نحو غير متوازن ويستنفد الموارد الطبيعية المتاحة لهذه المجتمعات. وعلى سبيل المثال، تُشير دراسة في دورية «ساينس» إلى أن المناطق التي تواجه أكبر ندرة في المياه تشهد تركيباً متسارعاً لمضخات المياه الجوفية العاملة على الطاقة الشمسية. وفي غياب أي تنظيم حكومي تؤدي عمليات الضخ إلى نضوب المياه وهجرة المزارعين وتراجع معدلات الغذاء.

وتقترح الدراسة، التي صدرت في مطلع 2024، عدداً من الإجراءات لمعالجة هذه المشكلة، كضبط استنزاف المياه والحدّ من تلوُّثها، وتوفير فرص عادلة للمزارعين الأكثر فقراً للحصول على الطاقة المتجددة والتقليدية، وتطوير نظم مراقبة مستويات المياه الجوفية. ولتحقيق استدامة أكبر يمكن توجيه موارد الطاقة المتجددة إلى المصادر الأكثر استدامة، مثل استخدامها في تحلية مياه البحر بدلاً من ضخ المياه الجوفية.

تقنيات الطاقة المستدامة

إن الطلب على الموارد والتأثيرات البيئية المرتبطة بتوفير الطاقة والبنية التحتية يتفاوت ويختلف، نوعيةً وحجماً، اعتماداً على مجموعة من العوامل، بما في ذلك التكنولوجيا المعنية وطريقة النشر والموقع. لكن البيانات العامة تتجاهل هذه الخصوصيات وتبالغ في تبسيط الحقائق المعقدة، ما يجعل تقييم الاستدامة البيئية والاجتماعية لمصادر الطاقة المتجددة أمراً معقداً، ويتطلب نهجاً شاملاً وبيانات من مصادر متنوعة.

ولاستكشاف مسألة استدامة مصادر الطاقة المتجددة، قامت مؤسسة «رين 21» بعمليات استقصاء واستشارات لمدة عام، شملت مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة، سواء داخل قطاع الطاقة المتجددة أو خارجه. ونشرت المؤسسة، التي تضم جهات فاعلة من المؤسسات العلمية والحكومات والمنظمات غير الحكومية والصناعة، نتائج عملها في تقرير صدر مطلع 2024 بعنوان «الطاقة المتجددة والاستدامة».

ويتناول التقرير بالتحليل الآثار السلبية المحتملة التي يمكن أن تنشأ عن توسيع نطاق مصادر الطاقة المتجددة، بما فيها القضايا الحرجة، مثل استخدام الأراضي والمياه والتنوُّع البيولوجي والغابات وحقوق الإنسان وتوليد النفايات. ويخلص التقرير إلى أن فوائد مصادر الطاقة المتجددة تفوق إلى حدٍ كبير آثارها السلبية المحتملة، وأنه يمكن تخفيف أي آثار سلبية من خلال اعتماد أفضل الممارسات المتاحة حالياً.

ويدعم التقرير التعهد الذي أقرّته الدول المشاركة في قمة المناخ (كوب 28) في دبي لجهة زيادة القدرة الإنتاجية لمصادر الطاقة المتجددة ثلاث مرات ومضاعفة كفاءة الطاقة عالمياً بحلول 2030. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة، فإن زيادة قدرة الطاقة المتجددة العالمية ثلاث مرات ومضاعفة معدل كفاءة استخدام الطاقة بحلول سنة 2030 أمران بالغا الأهمية للحدّ من ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية.

وفي المقارنة، يؤكد التقرير أن متوسط الانبعاثات الناجمة عن جميع تقنيات الطاقة المتجددة، خلال دورة حياتها الكاملة من التصنيع إلى الاستثمار ثم التخلُّص، أقل بكثير من انبعاثات الغاز الأحفوري والفحم. وفي حين تترك كثير من عمليات التنقيب عن الوقود الأحفوري واستخراجه الأراضي ملوّثة ومتدهورة ومستنزفة بعد فترة طويلة من تشغيل المرافق، فإن مصادر الطاقة المتجددة ليست لها تأثيرات مماثلة على الأرض والمياه على المدى الطويل. مع الإشارة إلى أن بعض الشركات في قطاع النفط والغاز تعتمد حالياً قيوداً صارمة على عملياتها، للتقليل من المخلّفات والملوّثات في أثناء الحَفر والتشغيل، وتنظيف الأراضي وإعادة تأهيلها عند الانتهاء. وتُعد أرامكو السعودية في طليعة الشركات الرائدة في هذا المجال، إذ إنها أدخلت التقاط وتخزين، أو إعادة استعمال، الكربون والميثان جزءاً متكاملاً في عملياتها، فيما يسمى «الكربون الدائري».

من جهة أخرى، تتميّز معظم تجهيزات الطاقة المتجددة بقابلية الإنشاء جنباً إلى جنب مع استخدامات متنوعة للأراضي، مثل الزراعة أو الصيد. ويمكن أيضاً نشر مصادر الطاقة المتجددة في الأراضي الهامشية والمتدهورة وتلك الملوّثة بفعل العمليات الصناعية، كما يمكن الاستفادة من البنى التحتية القائمة مثل أسطح المنازل ومواقف السيارات وجوانب الطُرق السريعة والسكك الحديدية لتقليل استهلاك مساحات الأراضي. وفيما يبقى الضجيج الذي تُصدره توربينات الرياح مشكلة لسكان الجوار، فقد تم تطوير حلول للحدّ من آثارها على الطبيعة، خاصة الطيور المهاجرة.

ويُشير التقرير إلى أن المواد المستخرجة من أجل مصادر الطاقة المتجددة تُستخدم لبناء المرافق والبنية التحتية، وأغلبها قابل لإعادة التدوير بشكلٍ كبير، على عكس الوقود الذي يستخدم مرة واحدة عن طريق الحرق. وفي عام 2021، بلغ استخراج الوقود الأحفوري أكثر من 8 مليارات طن من الفحم، و4 مليارات طن من النفط، وما يعادل 2.6 مليار طن من الغاز الأحفوري. وبالمقارنة، شملت المواد المستخرجة من أجل مصادر الطاقة المتجددة 21 مليون طن من النحاس، و6.2 مليون طن من النيكل، و71 مليون طن من الكوبالت، و11 مليون طن من الليثيوم.

وفي معظم سيناريوهات تحوُّل الطاقة، يمثّل التوسع في الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح حصة صغيرة من الزيادة المتوقعة في الطلب على المواد. أما الطلب الأكبر على المواد فمصدره شبكات الكهرباء ووسائط تخزين الطاقة، خاصةً بطاريات السيارات الكهربائية، التي تعد ضرورية لانتقال الطاقة واستقرار استخدامها في جميع الحالات. ومن الممكن أن يساهم تعزيز كفاءة الطاقة وتنفيذ ممارسات التنقل المستدامة، مثل المشي وركوب الدراجات والنقل العام، في تقليل استخدام المواد غير المتجددة كالمعادن النادرة. كما أن التقدم التقني وخيارات التصميم وتطبيق الاقتصاد الدائري سوف تقلل أيضاً من استخدامات المواد المهمة.

ويناقش تقرير، أعدّته مؤسسة «كلايمت أناليتكس» وصدر في مطلع 2024، التكاليف المالية لتحقيق تعهد قمة دبي في زيادة إنتاج مصادر الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول 2030، مؤكداً الحاجة إلى استثمار 8 تريليونات دولار لمصادر الطاقة المتجددة الجديدة و4 تريليونات دولار للبنية التحتية للشبكات والتخزين، وذلك لتحقيق التعهد، الذي يتطلب زيادة قدرة الطاقة المتجددة العالمية لتصل إلى 11 تيراواط في 2030.

مع التوافق العالمي على ضرورة اعتماد مزيج من مصادر الطاقة يضمن التوازن بين المتطلبات الاقتصادية والبشرية والبيئية لتحقيق التنمية المستدامة، لا بد من وضع ضوابط وقيود على عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك لمصادر الطاقة بلا استثناء، للتقليل من بصمتها البيئية. فالتركيز على آثار الوقود الأحفوري والتغاضي عن البصمة البيئية للطاقات المتجددة يهددان بتحوُّلها إلى مشكلة في المستقبل. والحل يقوم على اعتماد نهج تشاركي وعملي، من خلال توسيع دائرة الرؤية لتشمل كامل الآثار البيئية، وعبر تشجيع التعاون الدولي، ودعم التقدم التقني وأفضل الممارسات، بما يمكِّن من تعزيز مساهمة مصادر الطاقة النظيفة جميعاً في تحقيق غدٍ أفضل ومستقبل مستدام للإنسان والكوكب.


تجارة الرمال غير الشرعية تتجاوز 200 مليار دولار سنوياً

مجلات الشهر العلمية
مجلات الشهر العلمية
TT

تجارة الرمال غير الشرعية تتجاوز 200 مليار دولار سنوياً

مجلات الشهر العلمية
مجلات الشهر العلمية

من محنة «فقمات القيثارة» التي تكافح للبقاء على أرض جليدية تختفي إلى النضال من أجل فنجان قهوة مستدام، تتناول أحدث أعداد المجلات العلمية الصادرة في فبراير (شباط) قضايا متنوعة وحاسمة في الحفاظ على عالمنا. وبينما تبحث مجلة «نيو ساينتست» في مصدر محتمل لطاقة نظيفة في الأعماق تحت أقدامنا، تكشف مجلة «ساينتفك أمريكان» عن الجانب المظلم لاستخراج الرمال من شواطئ الأنهار والبحار.

«ناشيونال جيوغرافيك»

تعرض «ناشيونال جيوغرافيك» (National Geographic) في تحقيق مصوَّر التحديات التي تواجهها فقمات القيثارة بسبب تغيُّر المناخ في خليج سانت لورانس المطل على المحيط الأطلسي في شمال الولايات المتحدة. وتحتاج فقمة القيثارة إلى الجليد لتلد وتربي صغارها، لكن الجليد البحري يتضاءل ويتفكك بشكل متكرر بسبب ارتفاع درجات الحرارة. ومع اختفاء الجليد، تضطر فقمات القيثارة إلى التحرك شمالاً باتجاه المياه الباردة، حيث تواجه تهديدات جديدة من الدببة القطبية. ورغم هذه التهديدات يمكن للفقمات أن تتكيّف، وقد تُنشِئ مناطق إنجاب جديدة في أقصى الشمال.

«نيو ساينتست»

الهيدروجين الجيولوجي كان أحد المواضيع الرئيسية التي تناولتها «نيو ساينتست» (New Scientist). ويتجمّع الهيدروجين الجيولوجي ضمن رواسب موجودة بشكل طبيعي تحت سطح الأرض، وهو يتكوَّن نتيجة التفاعلات بين الصخور تحت سطح الأرض والماء. ومنذ أكثر من 150 عاماً، كان الهيدروجين الجيولوجي مصدراً محتملاً للطاقة النظيفة. ويعمل الباحثون حالياً على إيجاد طرق لتحفيز الأرض لإنتاج مزيد من الهيدروجين، في عملية مشابهة للتكسير الهيدروليكي، لكن باستخدام الكهرباء بدلاً من الماء. وتبقى هناك بعض التحديات التي تحتاج إلى معالجة، مثل احتمال حدوث الزلازل وتأثيرها على المجتمعات المحلية.

«ساينس»

هل العالم أكثر احتراراً بمقدار 1.3 أم 1.5 درجة مئوية؟ يبدو الفارق بسيطاً، ولكنه كافٍ لتحديد متى تجاوز العالم العتبة الخاصة باتفاق باريس المناخي. وتُبيّن مجلة «ساينس» (Science) أن هناك سببين رئيسيين وراء عدم توافق العلماء على مدى ارتفاع درجة حرارة العالم، أولها محدودية اليقين بسجلات درجات الحرارة التاريخية، خصوصاً في القرن التاسع عشر، وآخرها استخدام العلماء أساليب مختلفة لتصحيح التحيّزات في هذه السجلات. ويمكن أن تأتي هذه التحيّزات من الطريقة التي تم بها قياس درجات الحرارة، أو من طريقة تخزين البيانات وتحليلها.

«ساينتفك أمريكان»

تعرض «ساينتفك أمريكان» (Scientific American) في مقال مطوّل أساليب التجارة غير الشرعية في الرِّمال. وتقوم عصابات الجريمة المنظمة بنهب الرمال من الأنهار والسواحل لتغذية الطلب في جميع أنحاء العالم، ما يؤدي إلى تدمير النظم البيئية وإلحاق الضرر بالمجتمعات القريبة، بسبب تعطيل إمدادات المياه وزيادة مخاطر الفيضانات. وتُقدّر قيمة التجارة غير الشرعية بالرمال بنحو 200 إلى 350 مليار دولار سنوياً، وهي تغذّي حاجة قطاع البناء وصناعات الإلكترونيات والزجاج. وتقترح المجلة عدداً من الحلول في هذا الشأن، من بينها استخدام كميات أقل من الرمال في البناء وتطوير تقنيات جديدة لتتبع تجارة الرمال عبر الحدود.

«بي بي سي ساينس فوكاس»

في مقارنة مع «عصر الأنثروبوسين» على الأرض، الذي يصنّف العامل البشري لاعباً رئيسياً في تغيير مناخ الكوكب وأنظمته البيئية، ناقشت «بي بي سي ساينس فوكاس» (BBC Science Focus) ما يمكن وصفه بالأنثروبوسين القمري الناتج عن استكشاف البشر للقمر. ويتسبب وقود صواريخ الرحلات الاستكشافية في تلويث الجليد في المناطق المظللة بشكل دائم على القمر، كما يوجد تأثير محتمل للبشر على الغلاف الجوي الخارجي الرقيق والهش للقمر. كما لا يمكن التنبؤ دائماً بالمكان الذي ستهبط فيه الصواريخ، ما يجعل التراث الفضائي عرضة للخطر.

«ساينس نيوز»

يُعد نهر ثويتس الجليدي في القطب الجنوبي أحد أهم الأمثلة على تراجع الأنهار الجليدية حول العالم منذ عام 1850. وفي عددها الجديد، تعرض «ساينس نيوز» (Science News) أخباراً فيها بصيص أمل عن مستقبل هذا النهر. وتكشف المسوحات السيزمية عن «نتوءات» غير متوقعة على قاع النهر الجليدي، ما قد يؤدي إلى إبطاء تدفقه نحو المحيط والتخفيف من ارتفاع مستوى سطح البحر في المستقبل. ويُعرف نهر ثويتس، الذي يعادل في مساحته ولاية فلوريدا الأميركية، باسم «نهر يوم القيامة الجليدي»، لأن ذوبانه قد يتسبب في ارتفاع منسوب مياه البحار العالمي بأكثر من ثلاثة أمتار، وفقاً لعلماء المناخ.

«هاو إت ووركس»

سلامة البيئة النهرية كان أحد المواضيع اللافتة في «هاو إت ووركس» (How It Works). وتكمن المخاطر الخفية تحت مياه الأنهار الهادئة، بما في ذلك الصخور غير المرئية والهياكل المغمورة والنباتات المتشابكة التي يمكنها احتجاز السباحين وإغراقهم. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يسبب تلوّث المياه الناتج عن النفايات الحيوانية والمواد الكيميائية وتكاثر الطحالب المرض وحتى الموت، مما يؤكد ضرورة تقييم سلامة الأنهار بما يتجاوز مجرّد مظهرها السطحي. وتورِد المجلة مخاطر بعض الأنهار، بما فيها نهر الكونغو، الأعمق في العالم (220 متراً) والمليء بالمنحدرات والشلالات، ونهر الأمازون، موطن الكثير من المخلوقات الفريدة والخطيرة مثل الثعابين الكهربائية وأسماك الضاري المفترسة والأناكوندا.

«ذي إيكونوميست»

ناقشت مجلة «ذي إيكونوميست» (The Economist) التهديدات التي تتعرض لها القهوة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتغيُّر أنماط هطول الأمطار. ويجعل تغيُّر المناخ من زراعة حبوب البن العربي (أرابيكا)، النوع الأكثر شعبية من القهوة، أمراً صعباً سنة بعد سنة. وتقترح المجلة عدداً من الحلول للتغلب على التحديات التي تواجهها القهوة، مثل نقل مزارع البن إلى ارتفاعات أعلى، واستخدام تقنيات الزراعة في الظل، وتطوير أصناف جديدة أكثر مقاومة للحرارة. ولا تُعد أي من هذه الحلول أمراً مثالياً، وقد يستغرق تطوير نبات البن الذي يمكنه الازدهار في عالم أكثر دفئاً وقتاً طويلاً.


الكوكب يغلي... والعلماء يجربون تقنيات «محرمة» لتبريده

تطلق مولدات تفتيح السحابة البحرية مضخات من مياه البحر (جامعة ساوثرن كروس)
تطلق مولدات تفتيح السحابة البحرية مضخات من مياه البحر (جامعة ساوثرن كروس)
TT

الكوكب يغلي... والعلماء يجربون تقنيات «محرمة» لتبريده

تطلق مولدات تفتيح السحابة البحرية مضخات من مياه البحر (جامعة ساوثرن كروس)
تطلق مولدات تفتيح السحابة البحرية مضخات من مياه البحر (جامعة ساوثرن كروس)

يلجأ العلماء إلى تقنيات لم يكن من الممكن التفكير بها من قبل لتبريد الكوكب، مثل إلقاء المواد الكيميائية في المحيط ورش المياه المالحة في السحب وحقن جزيئات عاكسة في السماء، لأن الجهود العالمية للتحقق من انبعاثات الغازات الدفيئة تفشل، بحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».

وكانت هذه الأساليب الهندسية الجيولوجية تعد من المحرمات من قبل العلماء والمنظمين الذين كانوا يخشون أن يؤدي التلاعب بالبيئة إلى عواقب غير مقصودة، ولكن الآن يتلقى الباحثون أموال دافعي الضرائب والاستثمارات الخاصة للخروج من المختبر واختبار هذه الأساليب في الهواء الطلق.

ووفق الصحيفة، يعكس هذا التحول القلق المتزايد من أن الجهود المبذولة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة لا تتحرك بالسرعة الكافية لمنع الآثار المدمرة لموجات الحرارة والعواصف والفيضانات التي تفاقمت بسبب تغير المناخ.

ما هي الغازات الدفيئة؟

وللتوضيح، فإن الغازات الدفيئة هي الغازات التي لها خاصية امتصاص الأشعة تحت الحمراء، أي أنها تمتص الطاقة الحرارية الكلية، حيث إن هذه الأشعة تنبعث من سطح الأرض ثم تتم إعادتها مرة أخرى إلى السطح، وهو ما يؤدي إلى الاحتباس الحراري.

ويعد غاز ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وبخار الماء من أهم غازات الدفيئة، بالإضافة إلى غازات أخرى مثل مستويات الأوزون التي توجد على السطح، وأكسيد النيتروس، والغازات المفلورة (fluorinated gases).

وبحسب العلماء وقادة الأعمال المشاركين في المشاريع، فإن «الهندسة الجيولوجية ليست بديلاً عن تقليل الانبعاثات بل هي وسيلة لإبطاء الانحباس الحراري المناخي في السنوات القليلة المقبلة مع كسب الوقت للتحول إلى اقتصاد خالٍ من الكربون على المدى الطويل».

وهناك ثلاث تجارب ميدانية جارية في الولايات المتحدة وخارجها وفق «وول ستريت جورنال».

تفتيح السحابة البحرية

وفي هذا الشهر، يقوم الباحثون على متن سفينة قبالة الساحل الشمالي الشرقي لأستراليا بالقرب من جزر وايت صنداي برش خليط مالح من خلال فوهات الضغط العالي في الهواء في محاولة لتفتيح السحب منخفضة الارتفاع التي تتشكل فوق المحيط.

ويأمل العلماء أن تعكس السحب الأكبر والأكثر سطوعاً ضوء الشمس بعيداً عن الأرض، وتظليل سطح المحيط، وتبرد المياه حول الحاجز المرجاني العظيم، حيث أسهم ارتفاع درجات حرارة المحيط في نفوق المرجان على نطاق واسع.

وتقود جامعة ساوثرن كروس المشروع البحثي، المعروف باسم تفتيح السحابة البحرية، بوصفه جزءاً من برنامج استعادة الشعاب المرجانية والتكيف معها بقيمة 64.55 مليون دولار.

ويتم تمويل البرنامج من خلال الشراكة بين «Reef Trust» التابع للحكومة الأسترالية ومؤسسة «Great Barrier Reef Foundation»، ويشمل منظمات الحفاظ على البيئة والعديد من المؤسسات الأكاديمية.

يبحث العلماء ورجال الأعمال عن طرق مبتكرة لتعزيز احتجاز الكربون والمخاطر التي يمكن أن تجلبها

تفريق سحابة من الجزيئات العاكسة

في إسرائيل، بدأت شركة ناشئة تدعى «Stardust Solutions» في اختبار نظام لتفريق سحابة من الجزيئات العاكسة الصغيرة على ارتفاع نحو 60 ألف قدم، ما يعكس ضوء الشمس بعيداً عن الأرض لتبريد الغلاف الجوي في مفهوم يُعرف باسم إدارة الإشعاع الشمسي، أو «SRM» ولم يكشف الرئيس التنفيذي لشركة ستاردست والنائب السابق لكبير العلماء في هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية ياناي يدفاب عن تركيبة الجزيئات المملوكة.

وقال يدفاب إن «ستاردست» جمعت 15 مليون دولار من اثنين من المستثمرين، وأجرت اختبارات جوية منخفضة المستوى باستخدام الدخان الأبيض لمحاكاة مسار الجزيئات في الغلاف الجوي.

وأشار إلى أنه بعد أن تكمل الشركة اختبار السلامة الداخلي، فإنها تعتزم إجراء اختبار خارجي محدود لتكنولوجيا التشتت وأجهزة المراقبة والجزيئات في الأشهر القليلة المقبلة.

نظرية الدواء المضاد للحموضة

أما في ماساتشوستس، فيخطط الباحثون في معهد «وودز هول» لعلوم المحيطات لصب 6000 غالون من محلول سائل من هيدروكسيد الصوديوم، أحد مكونات الغسول، في المحيط على بعد 10 أميال جنوب مارثا فينيارد هذا الصيف. ويأملون أن تعمل القاعدة الكيميائية مثل قرص كبير من «التومز» (دواء مضاد للحموضة)، مما يخفض حموضة قطعة من المياه السطحية ويمتص 20 طناً مترياً من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ويخزنه بأمان في المحيط.

قال العالم المشارك في منظمة الصحة العالمية والباحث الرئيسي في المشروع آدم سوبهاس: «عندما تصاب بحرقة في المعدة، فإنك تأكل قطعة من التومز التي تذوب وتجعل السائل في معدتك أقل حمضية. وقياساً على ذلك، فإننا نضيف هذه المادة القلوية إلى مياه البحر، ما يسمح للمحيطات بامتصاص المزيد من ثاني أكسيد الكربون من دون إثارة المزيد من تحمض المحيطات. كل ما نراه حتى الآن هو أنه آمن بيئياً».

وأوضح سوبهاس أن المشروع الذي تبلغ تكلفته 10 ملايين دولار، والمعروف باسم تعزيز قلوية المحيطات، يتم تمويله من قبل الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، واثنتين من المؤسسات الخيرية والعديد من الجهات المانحة الخاصة. ومن المقرر أن يتم إطلاق هيدروكسيد الصوديوم، الذي سيتطلب موافقة وكالة حماية البيئة الأميركية، في أغسطس (آب).

التدخلات البشرية قد تؤدي إلى منحدر زلق

وشرحت الصحيفة أن التجارب التي تهدف إلى تبريد الغلاف الجوي عن طريق عكس ضوء الشمس بعيداً عن الأرض هي محاولة لتقليد ما يحدث عندما يثور البركان.

وفي عام 1991، قذف جبل بيناتوبو، وهو بركان نشط في الفلبين، الكبريت والرماد إلى الغلاف الجوي العلوي، ما أدى إلى انخفاض درجة حرارة الأرض بمقدار 0.5 درجة مئوية (0.9 درجة فهرنهايت) لمدة عام كامل.

ولكن حتى سنوات قليلة مضت، كان العديد من العلماء يعارضون التدخلات البشرية، خوفاً من المنحدر الزلق الذي من شأنه أن يسمح للمجتمع بتجنب اتخاذ قرارات صعبة بشأن الحد من الانبعاثات، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج عكسية.

وقال وزير سياسة المناخ العالمية في الدنمارك دان يورجنسن: «يتحول هذا بسهولة إلى ذريعة لعدم القيام بكل الأشياء التي يمكننا القيام بها بالفعل التي نعلم أنها ستنجح».

وأضاف: «عندما نبدأ بالتدخل في الطبيعة، فإننا نخاطر أيضاً بأن يكون لها العديد من العواقب السلبية للغاية التي لا يمكننا السيطرة عليها والتي لا يمكننا التنبؤ بها. التدخل ضروري، لكن علينا أن نكون حذرين للغاية في كيفية القيام بذلك».

من جهته، قال الأستاذ المساعد في علوم الأرض والغلاف الجوي في جامعة كورنيل دانييل فيجيني: «وصلنا الآن إلى النقطة التي لا يكون فيها الاختيار بين نعم أو لا فيما يتعلق بتنفيذ إدارة المخاطر المستدامة، ولكن بين اتخاذ قرار مستنير وآخر غير مستنير».

وأصدرت الأكاديمية الوطنية للعلوم دراسة في عام 2021 تدعو إلى اتباع نهج حذر في دراسة تقنيات الهندسة الجيولوجية الشمسية، كما استعرض تقرير ثانٍ في عام 2022 طرقاً مختلفة لتخزين ثاني أكسيد الكربون في المحيط.

في عام 2023، أصدر البيت الأبيض مبادئ توجيهية بحثية لحقن الجسيمات العاكسة في الغلاف الجوي وإضاءة السحب، وخلص إلى أن التقنيات توفر إمكانية تبريد الكوكب ولكنها تحمل أيضاً مخاطر غير معروفة، مثل استنفاد طبقة الأوزون الواقية، والإضرار بالحياة البحرية، والإضرار بالمحاصيل أو تغيير أنماط هطول الأمطار.

وفي هذا الشهر، في نيروبي بكينيا، سوف يناقش المندوبون إلى جمعية البيئة التابعة للأمم المتحدة قراراً للنظر في المخاطر والفوائد المترتبة على إدارة الإشعاع الشمسي.

الهدف من التجارب الميدانية لهذا العام في الولايات المتحدة وإسرائيل وأستراليا هو معالجة بعض هذه الأسئلة والحصول على معلومات حول ما إذا كانت هذه المشاريع يمكن أن تضع الأساس لجهود واسعة النطاق لتبريد الكوكب.

وقال مايكل دايموند، الأستاذ المساعد في الأرصاد الجوية وعلوم البيئة في جامعة ولاية فلوريدا، عن تجربة تفتيح السحاب الأسترالية: «إنهم يجيبون عن أسئلة مهمة حقاً حول ما إذا كنا سنرش ملح البحر في الغلاف الجوي. هل سيصل ذلك إلى السحاب، هل سيبقى هناك؟ هل يمكنك الحصول على ما يكفي من السطوع لإحداث فرق؟».

ولكي ينتقل أي من هذه المشاريع من مرحلة التجربة الميدانية إلى مرحلة النشر العالمي على نطاق واسع، فسوف يتطلب الأمر تعاوناً دولياً ومن المرجح أن يكلف تريليونات الدولارات. ويتطلب العمل بهذا السيناريو سنوات طويلة.