السويد تسجن مسؤولاً إيرانياً سابقاً مدى الحياة

دانته بـ«جرائم حرب» في «إعدامات 1988»... وناجٍ قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحكم أهم لحظة للساعين للعدالة

إيرانية تبكي في تجمع للمعارضين أمام المحكمة بعد النطق بالحكم على نوري (رويترز)
إيرانية تبكي في تجمع للمعارضين أمام المحكمة بعد النطق بالحكم على نوري (رويترز)
TT

السويد تسجن مسؤولاً إيرانياً سابقاً مدى الحياة

إيرانية تبكي في تجمع للمعارضين أمام المحكمة بعد النطق بالحكم على نوري (رويترز)
إيرانية تبكي في تجمع للمعارضين أمام المحكمة بعد النطق بالحكم على نوري (رويترز)

أعطى الحكم بالسجن المؤبد الصادر عن محكمة في استوكهولم ضد حميد نوري، نائب المدعي العام السابق في سجن قرب طهران، بتهم ارتكاب جرائم حرب، معارضين إيرانيين الأمل في إمكانية تحقيق العدالة في الإعدامات الجماعية التي شهدتها إيران في نهاية الثمانينات من القرن الماضي.
وأصدر القضاء السويدي، أمس، حكماً بالحبس مدى الحياة على حميد نوري، وهو أول مسؤول إيراني يحاكم بتهمة الضلوع في عمليات إعدام جماعي أمرت بها طهران في 1988.
وجاءت إدانة نوري بعدما رفضت المحكمة دفاعه الذي اعتمد على نفي أن يكون هو الشخص نفسه محل القضية، بسبب استخدام المتهم المدان اسم حميد عباسي أثناء فترة عمله في السجن.
وقال دفاع نوري أيضاً إنه لم يكن أصلاً موجوداً في سجن «غوهردشت» في نهاية عام 1988، وهي الفترة التي يحاكم فيها. ولكن القاضي توماس زاندر؛ الذي قرأ مقتطفات من الحكم المؤلف من 400 صفحة، قال إن «المحكمة لم تقبل بهذا الدفاع»، وإن الأدلة المقدمة من الادعاء كانت «قوية ومقنعة»، منها شهادات الشهود الـ60 الذين استمعت إليهم المحكمة وفتوى الخميني التي عرضها الادعاء والتي تدعو لقتل المعارضين من «مجاهدي خلق» والأحزاب اليسارية.
ونوه زاندر بأن المحكمة استنتجت أن «نوري كان ضالعاً بالاشتراك والتواطؤ مع آخرين في الإعدامات التي نفذت تطبيقاً لفتوى المرشد الإيراني الأول الخميني».
- لحظة العدالة
من جهته، قال الناشط والكاتب الصحافي إيرج مصداقي، أحد الناجين من الإعدامات ومن المدعين الأساسيين في القضية، إن لحظة صدور الحكم كانت «أهم لحظة في حياة الإيرانيين الساعين للعدالة». وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بعد صدور الحكم، إنه الآن يخطط لخطوات إضافية والسعي لإدانة المسؤولين عن نوري، مسمياً من بينهم الرئيس الإيراني الحالي إبراهيم رئيسي الذي ورد اسمه في المحاكمة في استوكهولم على أنه أحد القضاة الأربعة فيما باتت تعرف بـ«لجنة الموت».
وقال مصداقي: «لدينا حكم من محكمة أوروبية اعترفت بوقوع إعدامات عام 1988 بصفتها جريمة كبيرة ضد الإنسانية، وهذا مهم للغاية». وتابع: «بعد أن اعترفت محكمة أوروبية بوقوع هذه الجرائم، فعلى القانون الجنائي الدولي أن يجيبنا. حميد نوري تمت إدانته، كيف يمكن لرئيسي أن يبقى مرحباً به في العالم الحر؟».
وعدّ المحامي البريطاني كنيث لويس، الذي يمثل بعض المدعين بالحق العام من «مجاهدي خلق»، القرار «مهماً للغاية؛ لأنها المرة الأولى التي تبحث فيها محكمة بالغرب في إعدامات 1988»، مضيفاً أن «النظام الإيراني بذل كل ما يمكن لنكران الجرائم وحتى حاول إخفاء الأدلة التي تؤكد وقوعها، مثل تدمير المقابر الجماعية... وغيره، لذلك هذا قرار بالغ الأهمية لمئات الآلاف من الذين عانوا من هذا النظام».

إيراني يرفع لافتة معارضة للإعدام الذي كان ينفذه المدان (رويترز)

وعدّ لويس أن قرار التعويضات الذي أقرته المحكمة بمبالغ زهيدة لا تتجاوز ما يعادل نحو 3700 يورو «هو الأقل أهمية، لأن الأموال لم تكن يوماً ما يسعى إليه الضحايا».
وعبر لويس عن ارتياحه للحكم الصادر، وقال: «كنت مؤمناً بأنه ستتم إدانته، وأنه سيأخذ حكماً مدى الحياة، ولكن كان ممكناً للمحكمة أن تجده فقط شريكاً في هذه الجرائم الفظيعة، وفي هذه الحالة كان يمكن أن يتم إنزال عقوبة بـ16 أو 18 عاماً وليس مدى الحياة».
والحكم مدى الحياة في السويد يكون عادة بين 20 و25 عاماً، رغم أنه قابل للتمديد. ولكن يمكن أيضا بعد مرور 12 عاماً أن يتقدم المحكوم عليه بطلب تحديد مدة حكمة، ويخرج قبل مرور 20 عاماً.
وكشف دفاع نوري عن أنه سيستأنف الحكم، رغم أنه من غير الواضح على أي أسس قانونية سيعتمد لطلب الاستئناف، خصوصاً أن طلباً كهذا يجب أن يتضمن أدلة جديدة لم تنظر فيها المحكمة الابتدائية.
في حال إطلاق سراحه، فلن يحق لنوري العودة إلى السويد بحسب الحكم الصادر الذي قال إنه سيتم طرده من البلاد من دون السماح له بالعودة.
وقد رحبت زعيمة «مجاهدي خلق»، مريم رجوي، بالحكم الصادر ضد نوري، وعدّته «الخطوة الأولى على طريق العدالة الكاملة». وقالت في بيان إن محاكمة خامنئي ورئيسي والقادة والجناة الآخرين في مجزرة 1988 أمر ضروري أكثر من أي وقت مضى.
وطالبت الحكومة السويدية بأن «تضع على الفور متابعة قضائية ضد رئيسي بصفته سفاح مجزرة 1988 بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجريمة ضد الإنسانية».
وتعرضت السويد لضغوطات سياسية من إيران لإطلاق سراح نوري. وسارعت طهران أمس للتنديد بحكم المحكمة السويدية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني إن «إيران على ثقة تامة بأن الحكم الصادر بحق نوري كان لدوافع سياسية وليست له شرعية قانونية».
واعتقلت السويد نوري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 لدى دخوله إلى مطار استوكهولم لزيارة شخصية، وبدأت محكمته في أغسطس (آب) العام الماضي.
- تحت المجهر
وسلطت المحاكمة اهتماماً على الرئيس المحافظ المتشدد إبراهيم رئيسي، الذي يخضع لعقوبات أميركية بسبب أفعاله السابقة والتي تشمل ما تصفه واشنطن ونشطاء بـ«دوره» بصفته واحداً من 4 قضاة أشرفوا على جرائم القتل في عام 1988. ولدى سؤاله عن هذه المزاعم، قال رئيسي للصحافيين بعد انتخابه عام 2021 إنه دافع عن الأمن القومي وحقوق الإنسان.
عادت قضية إعدامات صيف 1988، للواجهة في أغسطس (آب) 2016، بعدما سرب مكتب حسين علي منتظري، نائب الخميني الذي عزل من منصبه لاحقاً، تسجيلاً صوتياً من اجتماعه مع المسؤولين الأربعة فيما تعرف بـ«لجنة الموت» في أغسطس 1988، ومن بين رجال الدين الأربعة، نائب المدعي العام في طهران حينذاك، الرئيس الحالي رئيسي، الذي يعد من أبرز المرشحين لخلافة المرشد الحالي علي خامنئي.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، دافع حسين علي نيري، حاكم الشرع في إعدامات 1988 والذي ترأس «لجنة الموت»، لأول مرة عن تلك الإعدامات. وقال في شهادة نشرت على موقع «مركز وثائق الثورة الإسلامية» إن «الظروف الحرجة للبلاد» دفعت الخميني إلى اتخاذ قرار الإعدامات.
وقال نيري: «لولا القرار، لكان الوضع مختلفاً تماماً، ربما لم يبق النظام مطلقاً»، متهماً جماعة «مجاهدي خلق» بالوقوف وراء الاغتيالات التي حدث في الثمانينات، وقال: «في ظل تلك الأوضاع كان من غير الممكن إدارة البلد باللين واللطف».
- صفقة تبادل
توترت العلاقات بين السويد وإيران بشكل غير مسبوق. ويسمح القانون السويدي للقضاء بمحاكمة المواطنين السويديين والأجانب في جرائم تمثل انتهاكاً للقانون الدولي ارتُكبت خارج السويد. واستدعت طهران السفير السويدي في مايو (أيار) الماضي، في اليوم الذي طالب فيه الادعاء العام السويدي بالسجن المؤبد للمسؤول الإيراني. كما اعتقلت طهران عدداً من السياح الأجانب من الأسابيع الماضية من بينهم سائح سويدي، مما دفع بالخارجية السويدية إلى تحذير مواطنيها من السفر إلى إيران خشية اعتقالهم لاستخدامهم في مفاوضات لتبادل المعتقلين لاحقاً وإخراج نوري من السجن في السويد. ولكن فكرة إطلاق سراحه وإعادته إلى إيران بعملية تبادل أسرى، لا تبدو أنها تثقل بال المعارضين الإيرانيين. فمصداقي علي الأقل يقول إنه «حتى لو تمت إعادته إلى إيران، فلا فرق بالنسبة إلينا»، فهو حصل على الاعتراف بوقوع الإعدامات من محكمة أوروبية، وهذا بالنسبة إليه كاف للبحث بمحاسبة أوسع للمسؤولين عن الجرائم.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

كيف غيّرت حرب إيران العالم في أقل من أسبوعين؟

لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود في الولايات المتحدة (د.ب.أ)
لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود في الولايات المتحدة (د.ب.أ)
TT

كيف غيّرت حرب إيران العالم في أقل من أسبوعين؟

لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود في الولايات المتحدة (د.ب.أ)
لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود في الولايات المتحدة (د.ب.أ)

منذ أن شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب على إيران، صوّرها على أنها هجوم خاطف ذو عواقب قليلة طويلة الأمد، لا سيما على الأميركيين. وقد وصفها، يوم الاثنين الماضي، بأنها «اضطراب مؤقت».

لكن خبراء ومحللين دوليين أشاروا إلى تحول هذه الحرب سريعاً إلى صدمة للنظام الأمني ​​والاقتصاد العالميين تفوق بكثير تلك التي أحدثتها صراعات أخرى حديثة في الشرق الأوسط، بحسب ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

ففي أقل من أسبوعين، أعادت الحرب تشكيل أنماط السفر، والاعتماد على الطاقة، وتكاليف المعيشة، وطرق التجارة، والشراكات الاستراتيجية.

وقد تعرضت دولٌ عادةً ما تكون بمنأى عن الصراعات الإقليمية، مثل قبرص والإمارات العربية المتحدة، لضربات إيرانية مباشرة.

وقد تُؤدي تداعيات هذه الحرب إلى تعطيل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وتغيير حسابات الحرب في أوكرانيا، وإجبار الصين على تغيير استراتيجيتها الاقتصادية بشكلٍ جذري.

هذه الآثار قد تتفاقم إذا مضى ترمب قدماً في الحرب، لا سيما إذا صعّدت إيران هجماتها المضادة وأغلقت مضيق هرمز، الممر النفطي الحيوي.

وتؤثر الحرب بشكل مباشر وملموس على الشرق الأوسط. فقد أسفرت الهجمات في أنحاء المنطقة عن مقتل أكثر من ألف شخص، وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الحيوية والبيئة، خصوصاً في طهران، حيث امتدت أعمدة من الدخان السام والأمطار السوداء فوق البلاد بعد غارات إسرائيلية على مستودعات الوقود.

صدمة في أسواق النفط

بالنسبة لمعظم أنحاء العالم، كانت أولى آثار الحرب المدمرة ارتفاع أسعار البنزين. إذ قفزت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل بعد توقف مرور بعض ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الأزمة قد يشعل موجة متصاعدة من ارتفاع الأسعار في مختلف الاقتصادات، مما سيؤثر سلباً على النمو الاقتصادي، وهو مصير مشابه لسيناريو «الركود التضخمي» الذي أعقب الثورة الإيرانية عام 1979، حيث ترتفع الأسعار بينما يتباطأ النمو الاقتصادي.

تداعيات عالمية

الحرب لا تؤثر على الشرق الأوسط فقط، بل تمتد آثارها إلى مناطق عدة.

ففي الصين، يُشكّل فقدان إمكانية الوصول إلى النفط الرخيص خطراً متزايداً، وهو ليس الخطر الوحيد. فقد بات المصدرون الصينيون يعتمدون بشكل متزايد على المستهلكين في الشرق الأوسط. وقد يؤدي أي اضطراب في اقتصادات الشرق الأوسط إلى الحد من مبيعات البضائع الصينية هناك، مما يُقوّض نمو الصين.

في المقابل، يُفيد ارتفاع أسعار النفط روسيا، من خلال تعزيز عائدات النفط التي تُسهم في تمويل آلة موسكو الحربية في أوكرانيا.

كما يساور الأوروبيين قلقٌ من أن القتال العنيف في الشرق الأوسط سيُلحق ضرراً غير مباشر بالدفاعات الأوكرانية، فكلما زاد استخدام الولايات المتحدة وحلفائها للصواريخ الاعتراضية لمواجهة إيران، قلّت الصواريخ المتاحة لأوكرانيا للدفاع عن نفسها ضد الهجمات الروسية.

تداعيات سياسية داخل الولايات المتحدة

داخلياً، تواجه الحرب انتقادات متزايدة في الولايات المتحدة، حيث لا تحظى بدعم شعبي يُذكر مقارنةً بالحروب السابقة. ويستغل الديمقراطيون ارتفاع تكاليف الطاقة لكسب أصوات الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي.

كما ألقت الحرب بظلالها على استعدادات استضافة الولايات المتحدة لكأس العالم لكرة القدم هذا الصيف، خاصة مع الغموض حول إمكانية مشاركة المنتخب الإيراني في البطولة.

مخاوف من غياب خطة لنهاية الحرب

في أوروبا، تتصاعد المخاوف من أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تمتلكان خطة واضحة لما بعد الحرب أو لكيفية إدارة إيران إذا انهار نظامها.

ويحذر قادة أوروبيون من أن استمرار القتال دون استراتيجية خروج واضحة قد يفتح الباب أمام أزمة إقليمية طويلة الأمد.

وبينما تصر الإدارة الأميركية على أن آثار الحرب مؤقتة، يرى مراقبون أن الصراع قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد والسياسة في العالم إذا طال أمده أو توسعت رقعته.


الرئيس الإيراني يطالب بضمانات وتعويضات لإنهاء الحرب

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
TT

الرئيس الإيراني يطالب بضمانات وتعويضات لإنهاء الحرب

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

حدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، شروطاً لإنهاء الحرب على بلاده، قائلاً إن الطريقة الوحيدة لوقف القتال تتمثل في تقديم ضمانات دولية تكفل إنهاءً دائماً لجميع الهجمات.

ودعا بزشكيان أيضاً إلى دفع تعويضات، مشيراً إلى ضرورة الاعتراف بـ«الحقوق المشروعة» لإيران، من دون أن يحدد طبيعة هذه الحقوق.

ويرى مراقبون للسياسة الداخلية الإيرانية أن حديثه قد يشير إلى مسألة تعيين زعيم أعلى جديد، والحاجة إلى اعتراف دولي به.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه «غير راضٍ» عن تعيين مجتبى خامنئي زعيماً دينياً جديداً خلفاً لوالده، مضيفاً أن الزعيم الجديد ينبغي أن يتوقع «صعوبات كبيرة».

وأضاف ترمب: «لا أعتقد أنه يستطيع العيش في سلام»، من دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل.


بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

قوات الأمن الإيرانية تظهر خلال مراسم جنازة جماعية لقادة «الحرس الثوري» الإيراني وقادة الجيش الذين سقطوا خلال الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية في طهران (إ.ب.أ)
قوات الأمن الإيرانية تظهر خلال مراسم جنازة جماعية لقادة «الحرس الثوري» الإيراني وقادة الجيش الذين سقطوا خلال الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية في طهران (إ.ب.أ)
TT

بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

قوات الأمن الإيرانية تظهر خلال مراسم جنازة جماعية لقادة «الحرس الثوري» الإيراني وقادة الجيش الذين سقطوا خلال الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية في طهران (إ.ب.أ)
قوات الأمن الإيرانية تظهر خلال مراسم جنازة جماعية لقادة «الحرس الثوري» الإيراني وقادة الجيش الذين سقطوا خلال الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية في طهران (إ.ب.أ)

كشفت بعثة أممية لتقصي الحقائق حول إيران أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ستفاقم على الأرجح القمع المؤسسي للإيرانيين.

وجاء في تقرير لـ«بعثة تقصي الحقائق المستقلة بشأن الوضع في إيران» التابعة للأمم المتحدة أن المدنيين في البلاد عالقون بين مطرقة استمرار الأعمال العدائية المسلّحة وسندان قمع بلغ مستويات غير مسبوقة، قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

واعتبرت البعثة أن تفاقم أزمة حقوق الإنسان في إيران «من المرجح أن يزداد في أعقاب الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على إيران والضربات الانتقامية التي تشنها إيران في مختلف أنحاء المنطقة».

وأشارت إلى أنها توصّلت في الأشهر الـ11 الماضية إلى تحديد «نمط واضح يرتبط بشكل مباشر بما نشهده اليوم في إيران».

وقالت البعثة إن «حماية المدنيين، بمَن فيهم المحتجزون، تصبح محفوفة بالمخاطر بشكل كبير خلال النزاع المسلّح، وبعده يشتد القمع الذي تمارسه الدولة، لا سيما حينما يتم قطع الاتصالات والإنترنت، كما يحدث حالياً».

وتتولى البعثة التي تضم ثلاثة أعضاء، جمع الأدلة على انتهاكات الحقوق في إيران وتوثيقها.

وتم تشكيل البعثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 في أعقاب حملة قمع لموجة من الاحتجاجات على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني.

وفي 28 فبراير (شباط)، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الموجة الأولى من الهجمات في حرب شهدت استهداف إيران أهدافاً في دول عدة.

وجاء في التقرير: «لقد تفاقم وضع حقوق الإنسان في إيران بشكل حاد جراء الغارات الجوية الأميركية - الإسرائيلية منذ 28 فبراير».

وتابعت البعثة أن «الشعب الإيراني عالق الآن بين مطرقة حملة عسكرية واسعة النطاق قد تستمر لأسابيع أو لأشهر، وسندان حكومة ذات سجل طويل من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وذلك بعدما خرج للتو من حملة قمع عنيفة أعقبت الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر (كانون الأول)».

ودعت البعثة كل الأطراف إلى الوقف الفوري للهجمات للحؤول دون إلحاق مزيد من الأذى بالمدنيين في إيران، وعلى نحو أوسع في المنطقة.

الأربعاء، سلّمت البعثة أحدث تقاريرها إلى المجلس عن الفترة الممتدة من أبريل (نيسان) 2025 حتى 18 فبراير من العام الحالي.

وقالت إن الأنماط الراسخة للقمع الذي تقوده الدولة لم تَستمر فحسب، بل تطوّرت وتعزّزت، لا سيما عقب تصاعد موجة الاحتجاجات على مستوى البلاد اعتباراً من 28 ديسمبر.

واتّهمت البعثة قوات الأمن باستخدام «مفرط للقوة الفتاكة، بما في ذلك استعمال بنادق هجومية ورشاشات ثقيلة، ما أوقع عدداً هائلاً من القتلى والجرحى».

وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، «وفيما يتّصل بالهجوم على مجمّع سجن إيوين، خلصت البعثة إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة حرب تمثّلت بتعمد شن هجمات ضد هدف مدني»، وفق ما جاء في التقرير الذي أشار إلى مقتل نحو 80 شخصاً.

وخلصت البعثة إلى أن «العديد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها إيران ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، من قتل وحبس وتعذيب وعنف جنسي واضطهاد على أساس النوع الاجتماعي، وإخفاء قسري وغيرها من الأفعال غير الإنسانية».

وقالت إن هذه الانتهاكات ارتُكبت «في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي» ضد مدنيين.