إيران تحذّر من حرب استنزاف... وترمب يتوقع نهاية وشيكة

طهران أعلنت استهداف مركز للاستخبارات الإسرائيلية وقاعدة بحرية

دخان يتصاعد بعد قصف ميناء تشابهار قبالة ساحل خليج عمان في جنوب شرقي البلاد الأربعاء (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد بعد قصف ميناء تشابهار قبالة ساحل خليج عمان في جنوب شرقي البلاد الأربعاء (شبكات التواصل)
TT

إيران تحذّر من حرب استنزاف... وترمب يتوقع نهاية وشيكة

دخان يتصاعد بعد قصف ميناء تشابهار قبالة ساحل خليج عمان في جنوب شرقي البلاد الأربعاء (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد بعد قصف ميناء تشابهار قبالة ساحل خليج عمان في جنوب شرقي البلاد الأربعاء (شبكات التواصل)

توقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تقترب الحرب مع إيران من نهايتها، في وقت واصلت فيه طهران تصعيد هجماتها الصاروخية وتحذيراتها العسكرية، مع استمرار الضربات الأميركية الإسرائيلية في اليوم الثاني عشر من الصراع.

ورفضت طهران الرواية الأميركية التي تقول إن الضربات الجوية دمرت قدراتها العسكرية، مؤكدة أن الهجمات الصاروخية الإيرانية لا تزال قادرة على ضرب أهداف متعددة في المنطقة.

وبدأ الصراع قبل نحو أسبوعين عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة ضربات جوية على مواقع عسكرية داخل إيران بهدف تفكيك قدراتها العسكرية وبرنامجها النووي.

وتعهّد ترمب الأربعاء توفير «مستوى كبير من الأمان» لناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز، في حين تُحكم إيران قبضتها على الممر المائي الحيوي في خضم الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدها. وقال ترمب: «أعتقد أنكم ستشهدون مستوى كبيراً من الأمان، وسيحدث ذلك سريعاً جداً»، وذلك في تصريح لصحافيين في البيت الأبيض ردا على سؤال حول ما إذا سيضمن سلامة الملاحة في المضيق الذي يمرّ عبره نحو 20 في المائة من الإمدادات العالمية للنفط المنقول بحراً.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، إنه غير قلق بشأن احتمال وقوع هجمات تدعمها إيران داخل الولايات المتحدة، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية الأميركية مستعدة للتعامل مع أي تهديد محتمل.

وفي تصريحات منفصلة، قال ترمب في مقابلة هاتفية مع موقع «أكسيوس» الإخباري إن العمليات العسكرية ضد إيران استهدفت معظم الأهداف الرئيسية، مضيفاً أنه «لم يتبق تقريباً شيء يمكن ضربه» داخل البلاد.

وأضاف الرئيس الأميركي أن الحرب قد تنتهي قريباً، قائلاً: «القليل هنا وهناك... أي وقت أرغب في إنهائها ستتوقف»، في إشارة إلى أن واشنطن تملك القدرة على وقف العمليات عندما ترى ذلك مناسباً.

لكن الرئيس الأميركي، الذي قال في الأيام الأخيرة إن الحرب ستكون «قصيرة»، عاد في الوقت نفسه إلى التلويح بتصعيد عسكري إضافي، مهدداً إيران بضربات «أشد بكثير» إذا اقتضت الظروف.

وأشار ترمب إلى أن الولايات المتحدة «تركت بعض الأهداف المهمة جانباً» تحسباً لأي تطورات لاحقة، في إشارة إلى احتمال استمرار العمليات العسكرية لفترة أطول مما أعلن سابقاً.

تحد صاروخي

وفي رسالة مباشرة إلى الرئيس الأميركي، قال قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» مجيد موسوي إن قواعد عسكرية أميركية في المنطقة باتت ضمن بنك الأهداف الإيرانية.

وكتب موسوي على منصة «إكس» مخاطباً ترمب: «السيد ترمب، أصدرت تعليمات استناداً إلى المعلومات وصور الأقمار الاصطناعية بوضع قواعد الظفرة وعلي السالم والعديد ضمن بنك أهدافنا». وأضاف: «سنراكم في كربلاء... الحرب مستمرة».

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن الموجات الأولى من الهجمات الصاروخية الإيرانية كانت تهدف أساساً إلى تعطيل أنظمة الدفاع والرادار لدى الخصوم.

وكتب قاليباف في منشور على منصة «إكس» أن إطلاق الصواريخ بكثافة في بداية الحرب كان يهدف إلى «إعماء رادارات وأنظمة الدفاع لدى العدو».

وأضاف أن هذه العمليات مهدت الطريق لمرحلة جديدة من الضربات الدقيقة، مؤكداً أن إيران تستطيع الآن استهداف مواقع متعددة باستخدام عدد أقل من الصواريخ. وأشار أيضاً إلى أن منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية «تبدو اليوم مفارقة»، في إشارة إلى الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت إسرائيل منذ بداية الحرب.

حرب استنزاف

في الأثناء، حذر «الحرس الثوري» الإيراني الولايات المتحدة وإسرائيل من احتمال الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

وقال مستشار قائد «الحرس الثوري» علي فدوي للتلفزيون الرسمي إن على خصوم إيران «أن يأخذوا في الاعتبار احتمال الدخول في حرب استنزاف طويلة».

وأضاف أن مثل هذه الحرب «ستدمر الاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي، وستؤدي إلى تآكل القدرات العسكرية الأميركية تدريجياً». وأكد أن إيران مستعدة لخوض مواجهة طويلة إذا استمرت العمليات العسكرية ضدها.

وأعلن «الحرس الثوري» الإيراني أنه نفذ هجوماً صاروخياً جديداً استهدف قواعد عسكرية أميركية في المنطقة. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن الصواريخ الباليستية استهدفت قاعدة الأسطول الخامس للبحرية الأميركية في البحرين.

وأضافت التقارير أن الهجمات شملت أيضاً ثلاث منشآت عسكرية أميركية في إقليم كردستان العراق.

وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن الضربات جاءت رداً على الضربات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل إيران.

وفي وقت لاحق قال الجيش الإيراني إنه أطلق صواريخ أيضاً على قاعدة أميركية في شمال العراق واستهدف مقراً للبحرية الأميركية في الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه أعلن الجيش الإيراني تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية. وقال في بيان إن طائرات مسيرة استهدفت مقر الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» ووحدة 8200 إضافة إلى رادار «غرين باين».

كما شملت الهجمات مبنى قيادة الغواصات في القاعدة البحرية في مدينة حيفا. وأشار البيان إلى أن هذه الهجمات «لا تزال مستمرة» وأنها جزء من عمليات عسكرية أوسع تستهدف البنية الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية.

وأوضح الجيش الإيراني أن وحدة 8200 مسؤولة عن جمع الإشارات الاستخبارية واعتراض الاتصالات الرقمية وتنفيذ عمليات سيبرانية هجومية. وأضاف أن رادار «غرين باين» يعد إحدى الركائز الأساسية لمنظومة الدفاع الإسرائيلية في مواجهة الصواريخ الباليستية.

وأشار البيان إلى أن تعطّل هذه الرادارات «يقلّص بشكل كبير قدرة إسرائيل على اعتراض الصواريخ».

استهداف المصالح الاقتصادية

وفي تصعيد جديد، أعلنت القيادة العسكرية الإيرانية أن المصالح الاقتصادية والمصرفية «المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة» أصبحت أهدافاً محتملة.

وقال متحدث باسم العمليات في هيئة الأركان الإيرانية إن طهران قد تستهدف البنوك والمؤسسات المالية المرتبطة بواشنطن وتل أبيب.

وجاء هذا التهديد بعد أن تعرض مبنى إداري تابع لبنك «سبه» الحكومي في طهران لهجوم خلال الليل. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن موظفين في البنك قتلوا في الضربات الجوية.

ونقل الإعلام الرسمي عن المتحدث العسكري قوله إن استهداف البنك «يدفع إيران إلى استهداف المراكز الاقتصادية والبنوك المرتبطة بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني في المنطقة».

كما حذرت السلطات سكان دول المنطقة من الاقتراب من البنوك لمسافة ألف متر، دون أن تحدد ما تقصده بالفعل.

انفجارات في طهران

على الأرض، أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع سلسلة انفجارات قوية في طهران الأربعاء. وشوهدت أعمدة من الدخان تتصاعد من موقع في شرق العاصمة.

وفي طهران، قال سكان إنهم بدأوا يعتادون على الغارات الجوية الليلية التي دفعت مئات الآلاف للفرار إلى المناطق الريفية ولوثت المدينة بأمطار سوداء بسبب الدخان الناتج عن احتراق مستودعات نفطية، حسب «رويترز».

وفي مدينة أصفهان أفادت تقارير بأن مبنى القنصلية الروسية تعرض لأضرار نتيجة هجوم أميركي إسرائيلي استهدف مبنى المحافظة قبل يومين.

قصفُ موقع عسكري في ميناء نوشهر شمال إيران الأربعاء (شبكات التواصل)

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية إن الهجوم على مكاتب التمثيل الدبلوماسي الروسي يمثل «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي».

قال مسؤولون أميركيون وإسرائيليون إن هدفهم هو القضاء على قدرة إيران على بسط نفوذها خارج حدودها وتدمير برنامجها النووي لكنهم حثوا الشعب الإيراني للخروج للإطاحة بحكام البلاد من رجال الدين. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الأربعاء إن العملية «ستستمر دون إطار زمني طالما اقتضت الضرورة حتى نحقق كل الأهداف وننتصر في الحملة». لكن كلما طال أمد الحرب، تزيد المخاطر على الاقتصاد العالمي، وإذا انتهت الحرب ونظام حكم رجال الدين لا يزال قائماً في إيران، فستعلن طهران أنها المنتصرة دون شك. وقال قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان اليوم الأربعاء إن أي شخص يخرج إلى الشوارع سيُعامل «كأنه عدو، لا كأنه متظاهر. ​جميع قواتنا الأمنية على أهبة الاستعداد». وذكر أمير سعيد إيرواني سفير إيران ​لدى الأمم المتحدة أن أكثر من 1300 مدني إيراني قتلوا منذ بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية على البلاد في 28 فبراير (شباط). كما قتل مئات في هجمات إسرائيل على لبنان. وقتلت الضربات الإيرانية على إسرائيل 11 على الأقل وقُتل جنديان إسرائيليان في لبنان. وأعلنت واشنطن مقتل سبعة من جنودها وإصابة نحو 140.

آلاف الأهداف

في المقابل قال قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إن القوات الأميركية استهدفت أكثر من 5500 هدف داخل إيران منذ بدء الحرب. وأوضح أن هذه الضربات شملت صواريخ باليستية ومنشآت عسكرية وأكثر من 60 سفينة تابعة للبحرية الإيرانية.

وأضاف في تحديث عملياتي نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن القوات الأميركية «تواصل توجيه قوة قتالية مدمرة ضد النظام الإيراني». وأشار إلى أن الطائرات الحربية الأميركية «تمارس تفوقاً جوياً واضحاً فوق مساحات واسعة من إيران».

وقال إن هذا التفوق يسمح للطائرات الأميركية بتنفيذ عملياتها دون خوف كبير من الدفاعات الجوية الإيرانية.

تحركات دولية لإنهاء الصراع

في ظل تصاعد العمليات العسكرية، تزداد الدعوات الدولية لوقف الحرب. فقد دعا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى إنهاء الحرب قبل أن «تشعل المنطقة بأكملها». وقال إردوغان إن إعطاء الدبلوماسية فرصة قد يفتح الطريق أمام تحقيق السلام.

كما أكد الكرملين أنه على اتصال دائم مع القيادة الإيرانية، وأن روسيا مستعدة للمساهمة في جهود استعادة السلام والاستقرار في المنطقة.

وقالت الصين إن جهودها تركز على «الوساطة الدبلوماسية» وتخفيف التوتر بين الأطراف المتحاربة.

وفي الوقت نفسه حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن الضربات الأميركية الإسرائيلية «لم تقض تماماً» على القدرات العسكرية الإيرانية. وقال إن استمرار العمليات العسكرية قد يزيد من مخاطر التصعيد الإقليمي.

ومع استمرار الضربات والهجمات المتبادلة، تزداد الضغوط الدولية لوقف القتال قبل أن يتسع نطاق الحرب في الشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

شؤون إقليمية ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير».

«الشرق الأوسط» (طهران)
الولايات المتحدة​ ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يهدد بسجن صحافي سرب خبر إنقاذ طيار أميركي في إيران

قال ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الاثنين إنه سيطالب الصحافي الذي كان أول من أورد خبر إنقاذ أحد أفراد سلاح الجو الأميركي في إيران بالكشف عن مصدره.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
تحليل إخباري اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تحليل إخباري حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة بالمنطقة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس دونالد ترمب مساء الثلاثاء.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

تحليل إخباري نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ما زالت إسرائيل تعتقد أن إيران لا تنوي في هذه المرحلة وقف الحرب، لذلك فإنها تستعد لتصعيد كبير مع انتهاء المهلة التي حددها لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية دخان يتصاعد من مطار مهرآباد غرب طهران (شبكات التواصل)

ترمب يشدد على إنذاره لطهران… وإسرائيل تكثّف ضرب المنشآت الإيرانية

في وقت دفعت فيه إسرائيل هجماتها إلى قلب طهران ومطاراتها ومنشآت الطاقة، شدد الرئيس ترمب، الاثنين، على أن المهلة التي منحها لإيران لإبرام اتفاق تنتهي الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران - واشنطن)

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».


نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

على الرغم من أن القيادة الإسرائيلية تأخذ بجدية احتمال وقف الحرب، وتؤكد أنها ستلتزم بذلك، بل بدأت تستعد لإعادة الحياة الطبيعية، وتنوي إعادة فتح المدارس يوم الأحد المقبل، وإعادة مباريات كرة القدم السبت، فإنها ما زالت تعتقد أن إيران لا تنوي في هذه المرحلة وقف الحرب. لذلك فإنها تستعد لتصعيد كبير، مع انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لطهران. وتتحسب من تصعيد إيراني كبير في يوم الأربعين لاغتيال المرشد علي خامنئي.

لكنّ الإسرائيليين لا يستبعدون أن يتخذ ترمب اتجاهاً معاكساً أيضاً ويوقف الحرب، باتفاق أو بلا اتفاق. وفي هذه الحالة سيطلبون «تعويضاً» لموافقتهم على إنهاء الحرب، وذلك بالاستمرار في الحرب بلبنان، و«تحسين الاتفاق حول قطاع غزة»، والموافقة أيضاً على مشاريع استيطانية في الضفة الغربية باتجاه الضم؛ أي أنه يريد يطلب استبعاد لبنان وغزة والضفة من أي اتفاق محتمل مع إيران.

عدم الاستسلام لتهديد ترمب

قالت هيئة البثّ الإسرائيلية العامّة (كان 11)، عن دبلوماسي أجنبي تتمتع بلاده بعلاقات وثيقة مع إيران، إن «الإيرانيين لن يستسلموا لإنذار ترمب المهين». وانضمت صحيفتا «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت» إلى هذا التقدير، وتقولان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يستعد للحصول على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي، لشن هجمات على أهداف الطاقة والبنية التحتية المدنية في إيران، في حال فشل المفاوضات.

ويشدد الإسرائيليون على أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ستفشل حتماً، وذلك لأن الطرفين يتعنتان، وأن الحد الأقصى الذي تبدي طهران الاستعداد لقبوله من خطة الـ15 نقطة، لا يبلغ الحد الأدنى الذي تضعه واشنطن. وعليه، فإن إسرائيل تستعد للتدهور المقبل الذي ستكون فيه تل أبيب مطالبةً بتنفيذ «العمليات القذرة».

وسبق للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، أن تفوه بنفس هذا التعبير خلال حرب يونيو (حزيران) 2025، وتقبلته إسرائيل بوصفه إطراءً. لذلك، فإن استخدامه اليوم لا يلقى اعتراضاً؛ بل بالعكس، فإسرائيل هي التي نفذت الاغتيالات لكبار قادة النظام في طهران، لأن الولايات المتحدة ليست معنية بعمليات كهذه، بسبب الجدل الذي يدور حولها في المجتمع الدولي، وكذلك ليست معنية بتدمير بنى تحتية تُسبب العناء للشعب الإيراني، وتترك لإسرائيل القيام بها.

«ملازمة غزة»

أطفال يبحثون عن مواد قابلة للتدوير في ساحة نفايات بمخيم البريج للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب)

وما تخططه إسرائيل لإيران في هذا المجال هو «ملازمة غزة»، أو ما كان يُعرف قبل هذه الحرب بـ«ملازمة الضاحية»؛ أي التدمير الشامل لدرجة السحق، مثلما حصل في العمليات السابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت.

وبحسب رون بن يشاي، محرر الشؤون الاستراتيجية في «واي نت»، فإن الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية قد اتفقا على أن تقوم إسرائيل بغارات تستهدف إلحاق ضرر تدريجي بالبنية التحتية الوطنية الإيرانية. هذا الضرر، الذي سيزداد حدةً وعمقاً، سيؤدي بالنظام إلى حالةٍ لا يستطيع فيها توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيه؛ كالكهرباء والنقل والتجارة، مما يُهدد بقاءه بشكلٍ كبير.

ويقول بن يشاي إن المشكلة التي تكمن في هذا المسار أنه يستغرق وقتاً، وأنه «يُتيح لهذا النظام والمواطنين الإيرانيين التأقلم معه وإيجاد حلولٍ ارتجالية، بينما يستمر في الوقت نفسه في تفاقم أزمة النفط والغاز وتعطيل الحياة في إسرائيل واستنزاف القوات الأميركية»، لذا، يضيف بن يشاي أن هناك حاجة إلى مسار عمل آخر يُفترض أن يُؤتي ثماره في وقت قصير.

«مبدأ الضاحية»

تصاعُد الدخان من موقع يُزعم أنه تابع لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

ويتمثل أحد مسارات العمل التي يُمكن أن تُنهي القتال بسرعة أكبر وبشروط مقبولة لدى واشنطن وتل أبيب، في تطبيق ما يُعرف في إسرائيل بـ«مبدأ الضاحية». ويتضمن هذا المبدأ الإجلاء الضخم لمئات الآلاف من السكان المدنيين - ويفضل أن يكونوا موالين للنظام - من أحياء ومناطق العاصمة المعادية عبر إنذارات مُسبقة تُبث عبر جميع وسائل الإعلام.

وبعد إجلاء المدنيين، يُدمر الحي أو المنطقة تدميراً كاملاً بالقصف الجوي. وقد نجح هذا المبدأ في ضاحية بيروت خلال حرب لبنان الثانية، ما دفع «حزب الله» إلى الموافقة على وقف إطلاق النار، ونجح مرة أخرى بنسخة مُحسّنة في ضاحية بيروت عام 2024 خلال عملية «سهام الشمال».

هذا على الأقل ما يقدره من يعتمدون على تقييمات استخباراتية مهنية دقيقة. ويقول الخبراء الذين أعتمد عليهم، ومعظمهم من العسكريين، إنه طالما لم يتضح بعد ما إذا كان النظام الحالي سيستمر، وإلى متى، وطالما لم تُعرف شروط التسوية التي ستُحدد في نهاية الحرب، فسيكون من المستحيل تقدير عدد الأشهر أو السنوات التي ستُفقد فيها إيران قدرتها على تشكيل تهديد وجودي لمحيطها.