الحكومة الفرنسية الجديدة لم تحمل مفاجآت

ماكرون فشل في توسيع دائرة الداعمين للتوصل إلى الأكثرية المطلقة

الرئيس الفرنسي ورئيسة وزرائه لدى وصولهما إلى قصر الإليزيه لحضور أول اجتماع للحكومة الجديدة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي ورئيسة وزرائه لدى وصولهما إلى قصر الإليزيه لحضور أول اجتماع للحكومة الجديدة أمس (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الفرنسية الجديدة لم تحمل مفاجآت

الرئيس الفرنسي ورئيسة وزرائه لدى وصولهما إلى قصر الإليزيه لحضور أول اجتماع للحكومة الجديدة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي ورئيسة وزرائه لدى وصولهما إلى قصر الإليزيه لحضور أول اجتماع للحكومة الجديدة أمس (أ.ف.ب)

بعد سبعين يوماً على إعادة انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية لولاية ثانية، وبعد 15 يوماً على الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التي منيت بها الكتلة الرئاسية المسماة «معاً» بفشل كبير، إذ لم تحصل على الأكثرية المطلقة، أعلن قصر الإليزيه أمس، تشكيلة الحكومة الجديدة من غير مفاجآت تذكر. فالحقائب السيادية الرئيسية، في الحكومة الثانية لرئيستها إليزابيث بورن، بقيت من غير تغيير، إذ احتفظ الوزراء الرئيسيون الذين يشغلون وزارات الدفاع والخارجية والاقتصاد والعدل والداخلية بحقائبهم.
وطالت التغييرات أربع وزيرات، أولاهن وزيرة شؤون البحار يائيل براون - بيفيه التي انتخبت رئيسة للبرلمان، والثلاث الأخريات بسبب خسارتهن الانتخابات التشريعية، وهن: وزيرات العدل والنقلة البيئوية والمناطق الفرنسية لما وراء البحار. وأبرز الخارجين من الحكومة وزير شؤون المعاقين داميان آباد المتهم بمحاولات اغتصاب والذي فتح تحقيق قضائي بحقه.
وتكمن أهمية آباد في أنه كان أبرز «غنائم» ماكرون في الحكومة السابقة، إذ إنه كان يرأس في البرلمان السابق مجموعة نواب اليمين التقليدي لحزب «الجمهوريون» الذي تركه ليدخل حكومة بورن الأولى، ثم ليترشح على لوائح حزب ماكرون في الانتخابات النيابية.
وبالمقابل، فإن الوزيرة المفوضة لشؤون التنمية والفرنكوفونية والشراكات الدولية، الطبيبة النسائية كريزولا زاكاروبولو، المتهمة بدورها بعمليات اغتصاب بحق نساء في عيادتها، فإنها بقيت في منصبها. والفرق بينها وبين آباد أنه حتى اليوم لم يتم فتح أي تحقيق قضائي بحقها. وكان وضع الوزير آباد غير مريح منذ أن ظهرت في الصحافة أولى الاتهامات المساقة بحقه. وعلم أن رئيسة الحكومة إليزابيث بورن سعت إلى استقالته أو إقالته منذ البداية، إلا أن قصر الإليزيه كان له رأي مختلف انطلاقاً من مبدأ أن كل متهم بريء حتى تتم إدانته. بيد أن الضغوط الإعلامية والسياسية دفعت ماكرون، في النهاية، إلى التخلي عن الوزير المقال الذي يعود لاحتلال مقعده النيابي.
- حكومة «أفضل الممكن»
تبدو الحكومة الجديدة أنها حكومة «أفضل الممكن». ماكرون وبورن كانا يأملان في تشكيل ائتلاف حكومي يوفر لهما الأكثرية المطلقة في البرلمان من أجل السير بالبرنامج الإصلاحي الذي يريدان وضعه موضع التنفيذ إبان ولاية رئيس الجمهورية الثانية. بيد أن جهودهما فشلت في إقناع أي من «الأحزاب الحكومية» بقبول صيغة التحالف أو الائتلاف الحكومي. وكانت آمالهما تنصب بالدرجة الأولى على حزب «الجمهوريون» الذي يتمتع بـ64 مقعداً في البرلمان الجديد.
ورغم وجود شخصيات من الحزب المذكور كانت تدفع باتجاه قبول العرض، فإن الغلبة كانت في المحصلة للأكثرية الرافضة للالتحاق بالركب الحكومي. وكانت الكلمة الأخيرة لرئيس مجموعة الحزب البرلمانية، أوليفيه مارليكس، الذي وجه رسالة رسمية لرئيسة الحكومة يعلمها فيها رفض حزبه اقتراح الائتلاف المطروح مع الاستعداد للتصويت لصالح مشاريع القرارات الحكومية في حال توافقها مع توجهات الحزب.
كذلك، فإن بورن كانت تأمل في اجتذاب أحد أبرز شخصيات الخضر والمرشح الرئاسي السابق، يانيك جادو. لكن الأخير رفض العرض قائلاً في مقابلة إذاعية، إن الدخول إلى الحكومة «ليس خياراً» بالنسبة إليهم، معتبراً أن اجتذاب شخصيات من خارج أحزاب السلطة إلى الحكومة «أسلوب غير مفيد». وفي نظره، المطلوب من ماكرون أن يدفع باتجاه ديناميكية تشدد على مواجهة التغيرات المناخية وتعمد إلى إدخال الإصلاحات المؤسساتية الضرورية للبلاد.
وكان واضحاً أن صعوبة التوصل إلى ائتلاف حكومي والعجز عن اجتذاب شخصيات من المعارضة من الصف الأول قد دفعت ماكرون وبورن إلى تعزيز وضع الحزبين الرئيسيين المتحالفين معه في إطار تكتل «معاً»، وهما الحركة الديمقراطية «مودم» التي تنتمي إلى الوسط، وحزب رئيس الوزراء الأسبق إدوارد فيليب «أورايزون»، وذلك من خلال تعيين وزيرين رئيسيين ينتميان إلى حركتيهما.
- أبرز الوجوه الجديدة
هكذا، لم تأتِ حكومة بورن بجديد يعتد به، رغم دخول وجوه جديدة إليها وإجراء حركة تنقلات بين الوزراء. وأبرز الوجوه الجديدة وزيرة الشؤون الأوروبية، لورانس بون، التي تحل محل الوزير السابق كليمان بون، المقرب من ماكرون. وعهدت لبون وزارة المواصلات الرئيسية في المرحلة المقبلة باعتبار المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع والاستحقاقات الرياضية التي ستشهدها فرنسا في الأشهر والسنوات المقبلة.
وزيرة الشؤون الأوروبية الجديدة التي عينت برتبة وزيرة دولة، كانت تشغل وظيفة رئيسة الفريق الاقتصادي في منظمة التعاون والتنمية الأوروبية. وفي الحكومة الجديدة، تم تغيير أوليفيا غريغوار، الوزيرة الناطقة السابقة باسمها وعين مكانها وزير الصحة السابق أوليفيه فيران الذي يعرفه الفرنسيون لأنه كان يطل عليهم بشكل شبه يومي زمن اشتداد وباء كوفيد. وفي وزارة بورن السابقة كان فيران يشغل حقيبة وزير شؤون البرلمان التي عهد بها إلى وزير التجارة السابق فرنك ريستير.
ومن الوجوه الجديدة الطبيب فرنسوا براون، الذي أعطي حقيبة الصحة بعد أن برز اسمه مؤخراً بفضل المقترحات الـ41 التي قدمها للحكومة للنهوض بالقطاع الصحي. ومن الوجوه الجديدة أيضاً ساره الحائري، الفائزة حديثاً بمقعد نيابي، والتي تم تعيينها وزيرة دولة لشؤون الشباب وخدمة العلم، وهي تنتمي إلى حركة «موديم» التي يرأسها الوزير السابق فرنسوا بايرو الذي يعد أبرز السياسيين الداعمين لماكرون. كذلك يبرز اسم كارولين كايو، رئيسة بلدية مجدينة بوفيه (شمال باريس) المنتمية إلى حزب «الجمهوريون»، والتي عينت وزيرة مفوضة لشؤون المجموعات المحلية. وأيضاً برز اسم أوليفيه كلاين رئيس بلدية مدينة كليشي سو بوا، والاشتراكي السابق الذي عين وزير دولة لشؤون المدينة والإسكان.
- انتقادات من اليسار واليمين
لم تكن ردود الفعل على ولادة الحكومة الجديدة مفاجئة. فالانتقادات انصبت عليها من اليسار المتشدد واليمين المتطرف اللذين أخرجهما ماكرون وبورن من حقل «الأحزاب الحكومية»، أي تلك التي يمكن التعاون معها، مستهدفين بذلك حزب «التجمع الوطني» الذي يتمتع بـ89 نائباً، وحزب «فرنسا المتمردة» الذي حصل على 75 نائباً ويعد عصب «الاتحاد الشعبي الاقتصادي والبيئوي الجديد» الذي يرأسه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون.
ولدى «الاتحاد الشعبي» 150 نائباً في البرلمان. وانتقدت ماتيلد بانو، رئيسة مجموعة نواب «فرنسا المتمردة» حركة «الكراسي الموسيقية»، أي تبادل الحقائب والاستشارات المطولة التي انتهت بإعادة سكرتيرة الدولة السابقة مارلين شيابا، إلى الحكومة. وبدورها وجهت النائبة ساندرين روسو، عن حزب «الخضر»، سهامها على تعيين كريستوف بيشو وزيراً للانتقال البيئوي الذي كان دائم الغياب عن الحركة البيئوية.
من جانبها، انتقدت المرشحة الرئاسية السابقة وزعيمة «التجمع الوطني» مارين لوبن التوليفة الحكومية الجديدة، معتبرة أن من فشلوا «أعيد تكليفهم»، في إشارة إلى بقاء وزير الداخلية جيرالد درامانان في منصبه، بل في تكليفه حقيبة وزارية إضافية هي شؤون المناطق الفرنسية لما وراء البحار. وقال الناطق باسم الحزب، لوران جاكوبيللي، إن درامان «تمت ترقيته رغم فشله وأكاذيبه المتكررة وعجزه عن مواجهة تدفق الهجرات»، مضيفاً أن «الماكرونية لا تلتفت أبداً لنتائج الانتخابات».


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.