الحكومة الفرنسية الجديدة لم تحمل مفاجآت

الحكومة الفرنسية الجديدة لم تحمل مفاجآت

ماكرون فشل في توسيع دائرة الداعمين للتوصل إلى الأكثرية المطلقة
الثلاثاء - 5 ذو الحجة 1443 هـ - 05 يوليو 2022 مـ رقم العدد [ 15925]
الرئيس الفرنسي ورئيسة وزرائه لدى وصولهما إلى قصر الإليزيه لحضور أول اجتماع للحكومة الجديدة أمس (أ.ف.ب)

بعد سبعين يوماً على إعادة انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية لولاية ثانية، وبعد 15 يوماً على الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التي منيت بها الكتلة الرئاسية المسماة «معاً» بفشل كبير، إذ لم تحصل على الأكثرية المطلقة، أعلن قصر الإليزيه أمس، تشكيلة الحكومة الجديدة من غير مفاجآت تذكر. فالحقائب السيادية الرئيسية، في الحكومة الثانية لرئيستها إليزابيث بورن، بقيت من غير تغيير، إذ احتفظ الوزراء الرئيسيون الذين يشغلون وزارات الدفاع والخارجية والاقتصاد والعدل والداخلية بحقائبهم.

وطالت التغييرات أربع وزيرات، أولاهن وزيرة شؤون البحار يائيل براون - بيفيه التي انتخبت رئيسة للبرلمان، والثلاث الأخريات بسبب خسارتهن الانتخابات التشريعية، وهن: وزيرات العدل والنقلة البيئوية والمناطق الفرنسية لما وراء البحار. وأبرز الخارجين من الحكومة وزير شؤون المعاقين داميان آباد المتهم بمحاولات اغتصاب والذي فتح تحقيق قضائي بحقه.

وتكمن أهمية آباد في أنه كان أبرز «غنائم» ماكرون في الحكومة السابقة، إذ إنه كان يرأس في البرلمان السابق مجموعة نواب اليمين التقليدي لحزب «الجمهوريون» الذي تركه ليدخل حكومة بورن الأولى، ثم ليترشح على لوائح حزب ماكرون في الانتخابات النيابية.

وبالمقابل، فإن الوزيرة المفوضة لشؤون التنمية والفرنكوفونية والشراكات الدولية، الطبيبة النسائية كريزولا زاكاروبولو، المتهمة بدورها بعمليات اغتصاب بحق نساء في عيادتها، فإنها بقيت في منصبها. والفرق بينها وبين آباد أنه حتى اليوم لم يتم فتح أي تحقيق قضائي بحقها. وكان وضع الوزير آباد غير مريح منذ أن ظهرت في الصحافة أولى الاتهامات المساقة بحقه. وعلم أن رئيسة الحكومة إليزابيث بورن سعت إلى استقالته أو إقالته منذ البداية، إلا أن قصر الإليزيه كان له رأي مختلف انطلاقاً من مبدأ أن كل متهم بريء حتى تتم إدانته. بيد أن الضغوط الإعلامية والسياسية دفعت ماكرون، في النهاية، إلى التخلي عن الوزير المقال الذي يعود لاحتلال مقعده النيابي.

- حكومة «أفضل الممكن»

تبدو الحكومة الجديدة أنها حكومة «أفضل الممكن». ماكرون وبورن كانا يأملان في تشكيل ائتلاف حكومي يوفر لهما الأكثرية المطلقة في البرلمان من أجل السير بالبرنامج الإصلاحي الذي يريدان وضعه موضع التنفيذ إبان ولاية رئيس الجمهورية الثانية. بيد أن جهودهما فشلت في إقناع أي من «الأحزاب الحكومية» بقبول صيغة التحالف أو الائتلاف الحكومي. وكانت آمالهما تنصب بالدرجة الأولى على حزب «الجمهوريون» الذي يتمتع بـ64 مقعداً في البرلمان الجديد.

ورغم وجود شخصيات من الحزب المذكور كانت تدفع باتجاه قبول العرض، فإن الغلبة كانت في المحصلة للأكثرية الرافضة للالتحاق بالركب الحكومي. وكانت الكلمة الأخيرة لرئيس مجموعة الحزب البرلمانية، أوليفيه مارليكس، الذي وجه رسالة رسمية لرئيسة الحكومة يعلمها فيها رفض حزبه اقتراح الائتلاف المطروح مع الاستعداد للتصويت لصالح مشاريع القرارات الحكومية في حال توافقها مع توجهات الحزب.

كذلك، فإن بورن كانت تأمل في اجتذاب أحد أبرز شخصيات الخضر والمرشح الرئاسي السابق، يانيك جادو. لكن الأخير رفض العرض قائلاً في مقابلة إذاعية، إن الدخول إلى الحكومة «ليس خياراً» بالنسبة إليهم، معتبراً أن اجتذاب شخصيات من خارج أحزاب السلطة إلى الحكومة «أسلوب غير مفيد». وفي نظره، المطلوب من ماكرون أن يدفع باتجاه ديناميكية تشدد على مواجهة التغيرات المناخية وتعمد إلى إدخال الإصلاحات المؤسساتية الضرورية للبلاد.

وكان واضحاً أن صعوبة التوصل إلى ائتلاف حكومي والعجز عن اجتذاب شخصيات من المعارضة من الصف الأول قد دفعت ماكرون وبورن إلى تعزيز وضع الحزبين الرئيسيين المتحالفين معه في إطار تكتل «معاً»، وهما الحركة الديمقراطية «مودم» التي تنتمي إلى الوسط، وحزب رئيس الوزراء الأسبق إدوارد فيليب «أورايزون»، وذلك من خلال تعيين وزيرين رئيسيين ينتميان إلى حركتيهما.

- أبرز الوجوه الجديدة

هكذا، لم تأتِ حكومة بورن بجديد يعتد به، رغم دخول وجوه جديدة إليها وإجراء حركة تنقلات بين الوزراء. وأبرز الوجوه الجديدة وزيرة الشؤون الأوروبية، لورانس بون، التي تحل محل الوزير السابق كليمان بون، المقرب من ماكرون. وعهدت لبون وزارة المواصلات الرئيسية في المرحلة المقبلة باعتبار المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع والاستحقاقات الرياضية التي ستشهدها فرنسا في الأشهر والسنوات المقبلة.

وزيرة الشؤون الأوروبية الجديدة التي عينت برتبة وزيرة دولة، كانت تشغل وظيفة رئيسة الفريق الاقتصادي في منظمة التعاون والتنمية الأوروبية. وفي الحكومة الجديدة، تم تغيير أوليفيا غريغوار، الوزيرة الناطقة السابقة باسمها وعين مكانها وزير الصحة السابق أوليفيه فيران الذي يعرفه الفرنسيون لأنه كان يطل عليهم بشكل شبه يومي زمن اشتداد وباء كوفيد. وفي وزارة بورن السابقة كان فيران يشغل حقيبة وزير شؤون البرلمان التي عهد بها إلى وزير التجارة السابق فرنك ريستير.

ومن الوجوه الجديدة الطبيب فرنسوا براون، الذي أعطي حقيبة الصحة بعد أن برز اسمه مؤخراً بفضل المقترحات الـ41 التي قدمها للحكومة للنهوض بالقطاع الصحي. ومن الوجوه الجديدة أيضاً ساره الحائري، الفائزة حديثاً بمقعد نيابي، والتي تم تعيينها وزيرة دولة لشؤون الشباب وخدمة العلم، وهي تنتمي إلى حركة «موديم» التي يرأسها الوزير السابق فرنسوا بايرو الذي يعد أبرز السياسيين الداعمين لماكرون. كذلك يبرز اسم كارولين كايو، رئيسة بلدية مجدينة بوفيه (شمال باريس) المنتمية إلى حزب «الجمهوريون»، والتي عينت وزيرة مفوضة لشؤون المجموعات المحلية. وأيضاً برز اسم أوليفيه كلاين رئيس بلدية مدينة كليشي سو بوا، والاشتراكي السابق الذي عين وزير دولة لشؤون المدينة والإسكان.

- انتقادات من اليسار واليمين

لم تكن ردود الفعل على ولادة الحكومة الجديدة مفاجئة. فالانتقادات انصبت عليها من اليسار المتشدد واليمين المتطرف اللذين أخرجهما ماكرون وبورن من حقل «الأحزاب الحكومية»، أي تلك التي يمكن التعاون معها، مستهدفين بذلك حزب «التجمع الوطني» الذي يتمتع بـ89 نائباً، وحزب «فرنسا المتمردة» الذي حصل على 75 نائباً ويعد عصب «الاتحاد الشعبي الاقتصادي والبيئوي الجديد» الذي يرأسه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون.

ولدى «الاتحاد الشعبي» 150 نائباً في البرلمان. وانتقدت ماتيلد بانو، رئيسة مجموعة نواب «فرنسا المتمردة» حركة «الكراسي الموسيقية»، أي تبادل الحقائب والاستشارات المطولة التي انتهت بإعادة سكرتيرة الدولة السابقة مارلين شيابا، إلى الحكومة. وبدورها وجهت النائبة ساندرين روسو، عن حزب «الخضر»، سهامها على تعيين كريستوف بيشو وزيراً للانتقال البيئوي الذي كان دائم الغياب عن الحركة البيئوية.

من جانبها، انتقدت المرشحة الرئاسية السابقة وزعيمة «التجمع الوطني» مارين لوبن التوليفة الحكومية الجديدة، معتبرة أن من فشلوا «أعيد تكليفهم»، في إشارة إلى بقاء وزير الداخلية جيرالد درامانان في منصبه، بل في تكليفه حقيبة وزارية إضافية هي شؤون المناطق الفرنسية لما وراء البحار. وقال الناطق باسم الحزب، لوران جاكوبيللي، إن درامان «تمت ترقيته رغم فشله وأكاذيبه المتكررة وعجزه عن مواجهة تدفق الهجرات»، مضيفاً أن «الماكرونية لا تلتفت أبداً لنتائج الانتخابات».


فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

فيديو