«جراح الاستعمار» لم تندمل بعد 60 عاماً من استقلال الجزائر (صور)

صورة التقطت في 2 يوليو 1962 لشباب في الجزائر يحتفلون باستقلال بلادهم (أ.ف.ب)
صورة التقطت في 2 يوليو 1962 لشباب في الجزائر يحتفلون باستقلال بلادهم (أ.ف.ب)
TT

«جراح الاستعمار» لم تندمل بعد 60 عاماً من استقلال الجزائر (صور)

صورة التقطت في 2 يوليو 1962 لشباب في الجزائر يحتفلون باستقلال بلادهم (أ.ف.ب)
صورة التقطت في 2 يوليو 1962 لشباب في الجزائر يحتفلون باستقلال بلادهم (أ.ف.ب)

تحتفل الجزائر الثلاثاء المقبل، بالذكرى الستين لاستقلالها بعد 132 عاماً من الاستعمار الفرنسي الذي ما زالت ذكراه توتّر العلاقات مع باريس، رغم المبادرات الرمزية التي تقوم بها فرنسا.

وفي 18 مارس (آذار) 1962، وبعد ما يقرب من ثماني سنوات من الحرب بين الثوار الجزائريين والجيش الفرنسي، توقف القتال بعد توقيع اتفاقيات إيفيان التاريخية التي مهدت الطريق لإعلان استقلال الجزائر في الخامس من يوليو (تموز) من العام نفسه. ووافق الجزائريون قبل أيام قليلة من الإعلان في استفتاء لتقرير المصير على الاستقلال، بنسبة 99.72 في المائة.

وتستعد السلطات الجزائرية لاحتفالات ضخمة بهذه الذكرى الستين، أبرزها استعراض عسكري كبير في العاصمة، هو الأول منذ 33 عاماً.
وبحسب برنامج الاحتفالات الذي كشف عنه وزير المجاهدين (المقاتلون القدامى) العيد ربيقة، سيكون هناك عرض فني ضخم الاثنين في قاعة أوبرا الجزائر «يسرد تاريخ الجزائر العريق من مرحلة ما قبل التاريخ حتى الاستقلال».
وفي دلالة على أهمية المناسبة، تم تصميم شعار خاص يظهر منذ أسابيع على جميع القنوات التلفزيونية، وهو عبارة عن دائرة مزينة بستين نجمة وفي وسطها عبارة «تاريخ مجيد وعهد جديد».

وانتزعت الجزائر الاستقلال بعد سبع سنوات ونصف من حرب دامية خلّفت مئات الآلاف من القتلى، مما جعلها المستعمرة الفرنسية السابقة الوحيدة في أفريقيا في سنوات 1960 التي تحرّرت بالسلاح من فرنسا.
لكن بعد 60 عاماً من نهاية الاستعمار، لم تندمل الجراح في الجزائر، رغم سعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ انتخابه إلى تهدئة الذاكرة بسلسلة من المبادرات الرمزية التي لم تصل إلى حدّ تقديم «الاعتذار».
ويتساءل المؤرخ عمار محند عمر: «ألم يحن الوقت لتجريد التاريخ من العواطف بعد ستين عاماً من الاستقلال؟».
وبدا أن العلاقات بين البلدين تراجعت إلى أدنى مستوى لها في أكتوبر (تشرين الأول) عندما صرّح ماكرون بأن الجزائر تأسست بعد استقلالها على «ريع الذاكرة» الذي يرعاه «النظام السياسي العسكري»، مما أثار غضب الجزائر. علماً بأن ماكرون كان قام بمبادرات عدة في محاولة «لتنقية الذاكرة»، وبينها اعتباره خلال زيارة إلى الجزائر إبان الحملة الانتخابية الرئاسية في 2017. أن الاستعمار «جريمة ضد الإنسانية».

كما أقر في وقت لاحق خلال ولايته الرئاسية الأولى بمسؤولية فرنسا عن مقتل المحامي الجزائري المناضل علي بومنجل والعالم الفرنسي المناهض للاستعمار موريس أودان.
وأعادت فرنسا رفات 19 من الثوار الجزائريين وفتحت أرشيفها الوطني حول حرب الجزائر.
وتحسنت العلاقات تدريجياً في الأشهر الأخيرة، وأعرب ماكرون ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون في مكالمة هاتفية في 18 يونيو (حزيران) عن رغبتهما في «تعميقها».
في نهاية أبريل (نيسان)، هنأ تبون ماكرون على إعادة انتخابه «الباهر» ودعاه لزيارة الجزائر.
ويرى محند عمر أن «العودة السريعة إلى وضع طبيعي في أعقاب الأزمة الخطيرة في الأشهر الأخيرة (...) مرتبطة بالتوترات الإقليمية، لا سيما في ليبيا، ولا ينبغي تجاهل ذلك أو التقليل من شأنه».
ويضيف المؤرخ: «الجغرافيا السياسية الإقليمية غير المستقرة تتطلب مواقف قوية على المديين المتوسط والبعيد وتوطيد العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين».
من جهته، يشير رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض، عثمان معزوز، إلى أن «العلاقات بين نظام السلطة في الجزائر وفرنسا الرسمية تخللتها أزمات وهدوء زائف منذ استقلال البلاد».
ويقول: «في المرحلة الحالية، لا يمكن لأحد أن يراهن بدرهم واحد على الحديث عن إعادة بناء (هذه العلاقات). لأن استغلال العلاقة من هذا الجانب أو ذاك لا يخفى على أحد».
ولا يخفي محند عمر خشيته من أن تخضع سياسة ماكرون للمصالحة مع الذاكرة للانتقاد، خصوصاً بعد النجاحات الانتخابية الأخيرة لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف برئاسة مارين لوبان.
وأكدت لوبان في مارس (آذار) أن «الاستعمار أسهم فعلاً في تنمية الجزائر»، وانتقدت سياسة ماكرون الذي «يمضي حياته في الاعتذار من دون طلب أي شيء مقابل ذلك من حكومة جزائرية لا تتوقف عن شتم فرنسا».
ويحذّر المؤرخ من أن «الصعود المذهل للتجمع الوطني في الانتخابات التشريعية في فرنسا لا يبشّر بالخير، لأن اليمين المتطرف الفرنسي سيجعل من هذه الولاية الانتخابية ساحة معركة كبيرة موضوعها الذاكرة وسيكون فيها التحريف وتزييف التاريخ حاضرين بقوة».
على الصعيد المحلي، تسعى السلطات الجزائرية للإفادة من الذكرى التاريخية لتخفيف التوترات الداخلية بعد ثلاث سنوات من انطلاق مظاهرات الحراك المؤيد للديمقراطية الذي أسقط الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، من دون أن ينجح في إزاحة النظام.

وأطلق تبون في مايو (أيار) مبادرة لكسر الجمود السياسي من خلال استقبال عدد من قادة الأحزاب السياسية، بينهم من المعارضة، ومسؤولين في النقابات العمالية ومنظمات أرباب العمل.


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد. وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تو

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«التوك توك» في مصر... قرارات تنظيمية متعثرة وحوادث متصاعدة

تلاحق حملات المرور المخالفين من قائدي «التوك توك» (محافظة أسوان)
تلاحق حملات المرور المخالفين من قائدي «التوك توك» (محافظة أسوان)
TT

«التوك توك» في مصر... قرارات تنظيمية متعثرة وحوادث متصاعدة

تلاحق حملات المرور المخالفين من قائدي «التوك توك» (محافظة أسوان)
تلاحق حملات المرور المخالفين من قائدي «التوك توك» (محافظة أسوان)

قتيلان وأكثر من 10 مصابين سقطوا في حوادث متفرقة بمصر بسبب «التوك توك» خلال الأسبوع الماضي، ما بين إصابات نتيجة انقلابه خلال السير على الطريق بسرعة وإصابات بسبب اصطدامه بسيارات على طرق صحراوية يُحظر فيها سير «التوك توك»، في حوادث وقعت في محافظات مختلفة، وأغلبها ناتجة عن أخطاء من سائقي تلك المركبات.

«التوك توك» هو عربة صغيرة تسير على 3 عجلات، دخل مصر منذ أواخر عام 2005، لكن تفاقمت مشاكله بعد عام 2011 في ظل عدم السماح بترخيصه من جانب المرور قبل أن تضع وزارة الداخلية ضوابط للترخيص، لكن في الوقت ذاته ظهرت محاولات عدة لوقف انتشاره وتنظيم أماكن عمله مع اقتصاره على المناطق غير المخططة أو الأزقة الضيقة وليس في الشوارع الرئيسية.

وقدرت نشرة حصر المركبات المرخصة، الصادرة العام الماضي عن «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، عدد مركبات «التوك توك» المرخصة في مصر حتى نهاية 2024 بنحو 186 ألفاً و918 مركبة، مع استحواذ محافظات الوجه البحري على غالبية التراخيص بأكثر من 88 ألف «توك توك»، في وقت توجد فيه عشرات آلاف من المركبات غير المرخصة، التي تضبط بشكل شبه منتظم في الحملات المرورية التي تنظمها «الداخلية» المصرية.

ودخل قرار الحكومة المصرية بحظر استيراد المكونات الأساسية لـ«التوك توك» في عام 2021 حيز التنفيذ ضمن محاولات تقنين أوضاعه وضبط انتشاره في الأسواق، بالإضافة إلى إصدار عدة محافظات قرارات بتحديد أماكن عمله في مواقع محددة أو العمل على استبداله بسيارات صغيرة.

وسيلة مواصلات أساسية

وأكد الخبير المروري أحمد هاشم لـ«الشرق الأوسط» أن ترك «التوك توك» وانتشاره خصوصاً بعد الفترة التي شهدت انفلاتاً أمنياً عقب عام 2011 زاد من تعقيدات مشكلة وجوده بسبب انتشاره العشوائي وتحوله إلى وسيلة مواصلات أساسية في العديد من المناطق، فضلاً عن الأعداد الكبيرة من الشباب والأفراد العاملين عليه، وتحول إلى مصدر رزق أساسي لهم، وبالتالي إيقافه على الفور يعني تضررهم.

وأضاف أن إجراءات الترخيص وضبط أماكن تحركه وقصرها على المناطق التي يناسبها طبيعة حجم المركبة، خصوصاً في القرى، هو الحل الأمثل لحين توفير بديل تدريجي، لافتاً إلى أن تداخل المسؤوليات بين عدة جهات منذ إدخاله إلى مصر للمرة الأولى عام 2005، وقصر منح التصاريح له في البداية على المحليات وليس على إدارات المرور، لعبا دوراً في تفاقم المشكلة.

تسبب سائقو «التوك توك» في العديد من الحوادث (محافظة الجيزة)

وبدأت محافظة القاهرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي مبادرة تستهدف استبدال مركبات «التوك توك» بسيارات «كيوت» الصغيرة، بوصفها بديلاً حضارياً وآمناً ومرخصاً في المنطقة الشمالية التي تتضمن عدة أحياء منها شبرا وروض الفرج، على أن يتم تعميمها في باقي المناطق حال نجاحها، وتكرر الأمر أيضاً في محافظة الجيزة لكن دون أثر واضح على الأرض، مع هيمنة انتشار «التوك توك» وعدم تنفيذ مبادرات الاستبدال بكفاءة.

وقدرت محافظة القاهرة سعر السيارة «كيوت» آنذاك بـ200 ألف جنيه (الدولار يساوي 53.6 جنيه في البنوك) يتم استرداد 10 آلاف جنيه منه عند استلام رخصة المركبة مع إتاحة التقسيط للسعر بالتعاون مع البنوك وشركات التمويل مع إمكانية عمل سائق السيارة مع إحدى شركات النقل الذكي.

إحلال واستبدال متعثران

وقال محافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق، رضا فرحات، لـ«الشرق الأوسط» إن «التوك توك» تحول إلى وسيلة نقل أساسية في الريف، وبالتالي أصبح الحل الأمثل في التعامل معه مرتبطاً بتحديد مناطق سيره لحين تنفيذ عمليات إحلال واستبدال له بسيارات آمنة، لا سيما في المناطق غير المخططة بما يسمح بحركة السيارات داخلها.

وأضاف أن سائقي «التوك توك» تغلبوا على مسألة وقف استيراد قطع الغيار باستخدام قطع غيار الدراجات البخارية وإجراء تعديلات عليها، وهو ما سيجعل فترة وجوده أطول في الشوارع، لافتاً إلى أن المشكلة الرئيسية في عملية الإحلال والاستبدال بالسيارات تتمثل في ارتفاع تكلفة التشغيل التي يتحملها المواطن.

تضبط المحافظات في الحملات المرورية مركبات «توك توك» غير مرخصة (محافظة الجيزة)

وجهة نظر المحافظ المصري الأسبق يؤيدها أحمد عبد العليم، الموظف الثلاثيني المقيم بضاحية «حدائق الأهرام» التابعة لمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، الذي يؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة إلغاء «التوك توك» داخل المنطقة التي يعيش فيها قبل سنوات قليلة زادت من كلفة انتقالاته اليومية واضطرته إلى دفع مزيد من الأموال مع استبداله بسيارات «فان» أصبحت تسير على الطرق الرئيسية فقط ولا تصل إلى أمام منزله، ويدفع مقابلها أكثر من ضعف ما كان يدفعه في «التوك توك».

وهنا يشير فرحات إلى ضرورة مراعاة أن تكون عملية الإحلال وفق ضوابط تضمن عدم تأثر المواطنين وتحملهم أعباء مالية إضافية، وهو ما سيجعل إنهاء وجود «التوك توك» مسألة وقت.


«تهدئة هشة» في الزاوية الليبية عقب اشتباكات بين ميليشيات

سيارة مهشَّمة في اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)
سيارة مهشَّمة في اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)
TT

«تهدئة هشة» في الزاوية الليبية عقب اشتباكات بين ميليشيات

سيارة مهشَّمة في اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)
سيارة مهشَّمة في اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)

هيمن الهدوء الحذر على مدينة الزاوية (غرب ليبيا)، السبت، عقب توقف الاشتباكات المسلحة التي وقعت بين ميليشيات، وذلك عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة محلية، مع انتشار «قوات اللواء 52» داخل المدينة لفض النزاع، وفقاً لمصادر محلية وشهود عيان.

وساد الهدوء خصوصاً في الأحياء الشمالية المكتظة بالسكان قرب مصفاة الزاوية، أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، والتي استأنفت عملها، السبت، بعدما أُغلقت بالكامل إثر تعرضها لقصف شديد تسبب في أضرار بمنشآتها، الجمعة.

وقالت مصادر محلية إن «اتفاق وقف إطلاق النار تم التوصل إليه بعد وساطة قادها عدد من الأعيان والشيوخ، بالتعاون مع قيادات عسكرية»، غير أن مراقبين يرون أن «التهدئة لا تزال هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة، في ظل استمرار نفوذ الميليشيات، وتعدد مراكز القوة داخل المدينة ذات الثقل الاستراتيجي».

وتوقف القتال بعد دخول «قوات اللواء 52» بقيادة محمود بن رجب، والتابعة لمنطقة الساحل الغربي العسكرية، لفض الاشتباكات، بناءً على طلب من بلدية الزاوية والأعيان.

وسارعت شركة «البريقة لتسويق النفط»، السبت، إلى إعلان استئناف العمليات التشغيلية بشكل كامل في مستودع الزاوية النفطي، وتزويد شركات التوزيع بمنتجاتها بشكل اعتيادي، بعد يوم واحد من تعرض أحد خزاناته لأضرار؛ جراء سقوط قذيفتين في أثناء الاشتباكات.

قوة تابعة لـ«اللواء 52» عند مدخل مدينة الزاوية الليبية السبت (متداولة)

ولم يصدر عن السلطات الرسمية أي إفادة بشأن «أعداد الضحايا»، ولكن مصادر طبية ومحلية قالت إن «الاشتباكات أسفرت عن سقوط 10 قتلى وأكثر من 20 جريحاً»، في حين أفادت تقارير أخرى بأرقام متفاوتة، وسط تضارب في حصيلة الضحايا.

وأظهرت لقطات بثتها وسائل إعلام محلية تعرُّض منازل وممتلكات المواطنين، وبعض المحال التجارية، وإحدى الصيدليات في المدينة، لأضرار كبيرة، جرَّاء سقوط قذائف عشوائية، بينما أعرب الأهالي عن استياء وغضب شديدين من تكرار مثل هذه الاشتباكات بين المجموعات المسلحة، مطالبين بتدخل حاسم من حكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ووزارة الداخلية، لوضع حد نهائي لها.

وذكرت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» أن ضحايا سقطوا إثر سقوط قذائف وشظايا على مناطق سكنية، خلال مواجهات دارت بين «جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» التابع لحكومة الوحدة، ومجموعات مسلحة أخرى تنشط في المدينة. وأشارت المنظمة الحقوقية إلى أن القتال تسبب في أضرار مادية بمنشآت مدنية، واتهمت أطراف النزاع بعرقلة عمليات إجلاء المدنيين، ومنع فرق الإسعاف والطوارئ من الوصول إلى العالقين في مناطق التوتر.

من مخلَّفات اشتباكات الزاوية الليبية الجمعة (بلدية الزاوية)

من جانبها، رحبت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا بجهود الوساطة التي قادها «اللواء 52 مشاة» التابع لرئاسة الأركان العامة، والتي أفضت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وأكدت «المؤسسة» بدء انتشار قوات اللواء في مناطق التَّماس لضمان عودة الاستقرار، ودعت النائب العام الليبي إلى فتح تحقيق عاجل في الواقعة، لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، محملة الحكومة المسؤولية القانونية عن حماية المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ولم تعلِّق حكومة «الوحدة» المؤقتة على الأضرار التي لحقت بمصفاة النفط ولا حجم الخسائر البشرية النهائية جرَّاء هذه الاشتباكات، التي استُخدمت فيها أسلحة ثقيلة وطائرات مُسيَّرة.

وكانت «قوة الإسناد الأولى» التابعة لمحمد بحرون، المعروف بـ«الفار»، قد أعلنت شن «عملية واسعة النطاق» ضد جماعات إجرامية في المدينة «ضمن خطة أمنية شاملة تهدف إلى فرض سلطة الدولة، وتجفيف منابع الجريمة، وإنهاء حالة الفوضى والانفلات الأمني».

إدانة أممية

من جهتها، أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الاشتباكات المسلحة، وأعربت عن قلقها البالغ إزاء سقوط ضحايا مدنيين، واستخدام أسلحة ثقيلة في أحياء سكنية مكتظة، وتحويل منشآت مدنية إلى ساحات قتال، ودعت جميع الأطراف إلى وقف فوري للأعمال القتالية وحماية المدنيين.

وتشهد الزاوية، التي تضم إحدى كبريات مصافي النفط، معارك بين فصائل مسلحة متناحرة وعمليات اتجار غير مشروعة متعددة، مثل تهريب الوقود والسلع التجارية إلى تونس المجاورة، كما تشكِّل نقطة انطلاق للمهاجرين غير النظاميين الساعين إلى الانتقال إلى أوروبا بحراً.


«النَّصب الإلكتروني» يثير قلق قطاعات مصرفية في مصر

تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
TT

«النَّصب الإلكتروني» يثير قلق قطاعات مصرفية في مصر

تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)
تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)

أثارت جرائم «النصب الإلكتروني» قلق قطاعات مصرفية في مصر، ووجَّهت بنوك عدة تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال وتطور أساليبها، وسط مخاوف عبَّر عنها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» بشأن إحجام بعض العملاء عن استخدام عمليات الدفع الإلكتروني التي تشجِّع عليها الحكومة ضمن خططها لتسريع خطوات التحوُّل الرقمي.

وحذَّر رئيس «اتحاد بنوك مصر» والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، محمد الإتربي، عملاء القطاع المصرفي من تصاعد محاولات النصب الإلكتروني، مؤكداً في الوقت ذاته، أنَّ «أموال المودعين في أمان ما دامت بياناتهم سرية».

وقال الإتربي، في بيان، مساء الجمعة، إنَّ المصرف لن يطلب الإفصاح عن «الرقم السري أو بيانات البطاقات أو رموز التحقق (OTP) عبر الهاتف أو أي وسيلة اتصال»، في إشارة إلى إحدى وسائل الاحتيال على العملاء، مشدِّداً في الوقت ذاته على «ضرورة تجاهل الاتصالات التي تدَّعي تقديم جوائز أو تنتحل صفة جهات رسمية لتحديث البيانات، أو تطلب تحويلات مالية بحجة ضمان استمرار خدمات (إنستاباي) والتطبيقات البنكية».

تحذير رئيس «اتحاد بنوك مصر»، سبقه آخر أطلقه الرئيس التنفيذي لـ«البنك التجاري الدولي» هشام عز العرب، الأسبوع الماضي. ودعا عبر حسابه على «فيسبوك» إلى «الحذر من الصفحات والإعلانات المزيفة»، مطالباً العملاء بالتواصل «الفوري مع البنك عند تلقي طلبات للبيانات الشخصية».

تطور أساليب الاحتيال

وفي رأي خبير أمن المعلومات المصري أحمد طارق، فإنَّ أساليب الاحتيال تتطوَّر بشكل مستمر، وأبرزها الآن في مصر ما يتلقاه المواطنون من اتصالات هاتفية أو رسائل من محتالين يدعّون أنهم يعملون بخدمة عملاء أي من البنوك لطلب بيانات الحسابات المصرفية الخاصة بهم، بما يمكِّنهم من اختراقها.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتصالات تتضمَّن أيضاً إيهام الضحايا بأنَّهم ربحوا جوائز مالية، وطلب بيانات خاصة بالحسابات المصرفية لإيداعها، أو طلب إجراء تحويل على تطبيق (إنستاباي) لأسباب مختلفة، وكذلك عمليات ابتزاز العملاء؛ نتيجة اختراقات حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من الطرق التي تهدف في النهاية إلى «النصب» مع التوسُّع في خدمات التحوُّل الرقمي.

هذه الأنواع المختلفة من أساليب النصب عكستها دراسة دولية أعدَّتها شركة «فيزا» تحت عنوان «ابق آمناً»، ونشرتها وسائل إعلام مصرية منتصف فبراير (شباط) الماضي، تشير إلى أنَّ «91 في المائة من المستهلكين المصريين معرضون للوقوع في فخ الاحتيال الإلكتروني»، نتيجة «مزيج من الثقة الزائدة في المحتوى الرقمي، وسوء تقدير الرسائل غير المتوقعة، وضعف القدرة على التمييز بين المنصات الشرعية وتلك الوهمية».

البنوك المصرية تطمئن عملاءها: «أموال المودعين في أمان» (البنك المركزي المصري)

وبحسب تقارير لوسائل إعلام مصرية، تطرَّقت البيانات الإقليمية الصادرة عن شركة «كاسبرسكي للأمن السيبراني» إلى حجم التحدي الذي يواجه المستخدمين في مصر، حيث أظهر نحو 57 في المائة من المستخدمين أنَّهم تعرَّضوا لمحاولات تصيُّد احتيالي خلال عمليات الدفع الإلكتروني، بينما واجه 54 في المائة منهم مواقع إلكترونية مزيفة صُمِّمت خصيصاً لسرقة البيانات الشخصية أو الاستيلاء على الأموال خلال المعاملات عبر الإنترنت.

ونشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء المصري، منتصف فبراير الماضي، سلسلة فيديوهات تناولت مخاطر تطور عمليات الاحتيال على القطاعات المصرفية بالعالم، مؤكداً أنَّ «تطور الهجمات السيبرانية لم يعد تطوراً سنوياً، بل صار يومياً ولحظياً لاختراق الأنظمة المصرفية والمالية».

وتحدَّث أحمد طارق، عن تطور دولي لشبكات النصب الإلكتروني يبتكر وسائل جديدة للاحتيال، قد تحدث في مصر مستقبلاً، منها «سرقة بصمة الصوت عن طريق مكالمة هاتفية، حيث يتم تحليلها بالذكاء الاصطناعي ونسخ صوت الشخص واستخدامه في الاحتيال»، مؤكداً أنَّ «الأنظمة الإلكترونية للبنوك المصرية آمنة، لكن المشكلة في وعي العملاء والجمهور».

تحذيرات حكومية مستمرة

وحذَّرت وزارة الداخلية المصرية من تطور عمليات الاحتيال الإلكتروني. وقالت في بيان، الأربعاء الماضي، إنَّ هذه العصابات تعتمد على «أساليب احترافية في الخداع، مثل تصميم مواقع وهمية مطابقة للمواقع الرسمية، واستخدام تقنيات حديثة في سرقة البيانات».

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة، أن تصاعد عمليات الاحتيال الإلكتروني يُشكِّل خطراً اقتصادياً متصاعداً. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «على الرغم من أنَّ حالات النصب وسرقة البيانات البنكية لا يمكن اعتبارها ظاهرة، فإنَّها تُشكِّل خطراً كبيراً على القطاع المصرفي وحركة التجارة الإلكترونية، حيث يمكن أن تؤدي إلى فقدان الثقة في البنوك، وإحجام بعض العملاء عن استخدام عمليات الدفع الإلكتروني».

وأوضح أن «وقائع الاحتيال الإلكتروني تتسبب في ارتباك داخل البنوك وتثير تخوفاتها من فقدان العملاء، بالتزامن مع جهود حكومية متواصلة لدفع المواطنين نحو التحوُّل الرقمي».