الحرب تحاصر التعليم في لبنان وتعمّق عدم المساواة بين الطلاب

بين «خلية أزمة تربوية» وضبابية تصنيف «المناطق الآمنة»

أطفال بمسدسات بلاستيكية في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء في بيروت (رويترز)
أطفال بمسدسات بلاستيكية في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء في بيروت (رويترز)
TT

الحرب تحاصر التعليم في لبنان وتعمّق عدم المساواة بين الطلاب

أطفال بمسدسات بلاستيكية في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء في بيروت (رويترز)
أطفال بمسدسات بلاستيكية في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء في بيروت (رويترز)

مع تحوّل قسم كبير من المدارس اللبنانية إلى مراكز أساسية لإيواء النازحين مباشرةً بعد اندلاع الحرب، يبدو التعليم أمام واقع استثنائي يهدّد استمراريته. فبين صفوف أُقفلت وتحولت غرفاً لنوم مئات الآلاف وأخرى تحاول الصمود رغم المخاطر الأمنية والضبابية التي تفرضها الحرب، يواصل القطاع التربوي معركته للحفاظ على الحد الأدنى من العملية التعليمية، وسط إصرار شريحة من الأهالي على متابعة تعليم أبنائهم مقابل عجز آخرين عن ذلك بفعل النزوح والظروف القاسية.

مئات المدارس والمعاهد بتصرف «هيئة الكوارث»

وضعت وزارة التربية 1156 مدرسة وثانوية و75 معهداً رسمياً بتصرف هيئة الكوارث، بينها 334 مدرسة وثانوية رسمية و40 معهداً مهنياً و17 مركزاً تابعاً للجامعة اللبنانية. وأوضحت مصادر الوزارة لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لم يتم بعد إشغال كل هذه المراكز، بحيث يتم اعتماد مركز جديد كلما دعت الحاجة».

وشكّلت الوزارة خلية أزمة تربوية تجتمع وتتواصل بصورة يوميّة لمتابعة المستجدات واتخاذ القرارات اللازمة الضرورية لهذه المرحلة، علماً بأنها كانت قد عممت خطة واضحة على مختلف المدارس الخاصة والرسمية منذ الأسبوع الأول للحرب تقوم على إبقاء القرار لإدارة كل مدرسة باعتماد التعليم الحضوري أو عن بُعد، واعتماد مقاربة تعليمية مرنة مع مراعاة أوضاع بعض التلامذة المتعذر حضورهم.

سيدات يقفن على شرفات إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء في بيروت (رويترز)

ودعت الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكيّة إلى تشكيل خليّة أزمة في كلّ مدرسة تقوم بدراسة الوضع الأمنيّ في محيط المدرسة واتخاذ القرارات المناسبة بشأن آلية استكمال التعليم.

الدراسة بين الحضوري و«عن بعد»

استُؤنف التعليم بعد أيام من انطلاق الحرب حضورياً في المدارس التي تعتبر في مناطق آمنة، أي المناطق غير المعرّضة مباشرة للأعمال العدائية، كما تركت هذه المدارس خيار التعليم عن بعد لتلامذتها غير القادرين على الوصول إلى المدارس، فيما تعتمد معظم المدارس التي تقع في مناطق غير آمنة نظام التعليم عن بُعد حصراً.

قاعة صف في معهد بئر حسن المهني تتحول إلى غرفة نوم للنازحين (أ.ب)

من جهتها، قررت إدارة الجامعة اللبنانية اعتماد التدريس من بُعد في كل وحدات الجامعة اللبنانية وفروعها ومراكزها، كما تم تأجيل الانتخابات الطلابية التي كانت مقررة في السابع والعشرين من الشهر الحالي.

المساواة بين الطلاب

تختلف مقاربة الأهالي للواقع التعليمي الراهن؛ فيما يعتبر البعض أن القرارات التي اتخذتها الوزارة لا تحترم مبدأ المساواة بالوصول إلى التعليم باعتبار أن كثيراً من الطلاب يعيشون في مراكز إيواء، وفي ظروف لا تسمح لهم متابعة التعليم حتى ولو عن بُعد، يرفض قسم كبير من الأهالي حرمان أولادهم من التعليم طالما هم يوجدون في مناطق آمنة.

وينسحب الانقسام السياسي في لبنان على مواقف الأهالي من العملية التعليمية، وتقول سيدة تسكن منطقة بصاليم (محافظة جبل لبنان) وهي أم لولدين: «الدولة اللبنانية لم تقرر الحرب لنتحمل تبعاتها. هناك حزب مسلّح قرر تهجير بيئته وتدمير البلد، ونحن لن نقبل بذلك وسنقاوم على طريقتنا بتعليم أولادنا لبناء أجيال أكثر وعياً لا تهوى الحروب».

وتضيف الأم الثلاثينية لـ«الشرق الأوسط»: «أما التعليم عن بُعد فقد أثبت عدم جدواه خلال أزمة (كورونا) خصوصاً للأولاد الذين هم تحت سن العاشرة».

أطفال يلعبون في باحة إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز للنازحين في منطقة عاليه في جبل لبنان (رويترز)

بالمقابل، تعتبر سيدة أخرى، وهي أم نازحة تعيش وأولادها الأربعة في مدرسة في العاصمة بيروت، أن من يصر على فتح المدارس بينما القسم الأكبر من البلد يتعرض للحرب والتدمير إنما يظلم عشرات آلاف التلامذة الذي يعيشون حالة نفسية صعبة جداً نتيجة التهجير، وتقول: «نحن غير قادرين على تأمين الأمان والطعام لأولادنا فكيف بالحري التعليم؟!»، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هناك من يصر على اعتبار أنه يعيش في كنتون آمن علماً بأن الحرب الراهنة أثبتت أن لا منطقة آمنة في كل البلد».

حيرة المدارس

تبدو إدارة إحدى المدارس الخاصة الكبرى في منطقة بعبدا الواقعة على مقربة من الضاحية الجنوبية لبيروت في حيرة من أمرها، فهي ومنذ بدء الحرب فتحت أبوابها ليومين بعدما أقفلت لنحو 10 أيام. وتقول إحدى المسؤولات فيها لـ«الشرق الأوسط»: «الوضع حساس جداً ونحن نتفادى تعريض تلامذتنا للخطر، خاصة أن بعضهم يأتي من مناطق قريبة من الضاحية، كما أنه لم يعد يمكن تصنيف مناطق آمنة بالكامل»، وأضافت: «نحن نقيّم الوضع بشكل يومي، وعندما نفتح الصفوف نحاول قدر الإمكان التخفيف من حدة أصوات الغارات التي تستهدف الضاحية من خلال وضع موسيقى بصوت منخفض، علماً بأن القسم الأكبر من التلامذة وحتى الصغار منهم باتوا يعون تماماً ما يحصل بعدما أعدهم أهاليهم لاحتمال سماع أصوات انفجارات من دون أن يعني ذلك أنهم سيتعرضون لأي أذى».

وتصف لمى الطويل، رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة، الواقع التعليمي الحالي، بـ«الضبابي»، وخطة وزارة التربية لاستكمال العام الدراسي بـ«الجيدة والمرنة»، مشددة على أن «العبرة في التطبيق».

نازحون في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز للنزوح (رويترز)

وتعتبر الطويل، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمكن حرمان أي طفل يستطيع أن يصل للتعليم من ذلك، من هنا تأتي محاولات تصنيف المناطق بين آمنة وشبه آمنة أو غير آمنة، وهذه يفترض أن تكون مهمة وزارة الداخلية، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة التي نقلت الكثير من المناطق من خانة الآمنة إلى غير الآمنة»، مشيرةً إلى أن «التعليم الحضوري يبقى الأفضل لمن يستطيع الوصول إليه بأمان، فيما يبقى التعليم عن بُعد خياراً علماً بأنه لوجستياً غير متوفر للجميع وفاعليته محدودة».

عائلات أمام معهد بئر حسن المهني في بيروت الذي تحول إلى مركز لاستقبال النازحين (أ.ب)

وتوضح الطويل أنه «لا يزال هناك حوالي 40 يوماً تعليمياً، في حال طال أمد الحرب فعندها يمكن تمديد العام الدراسي». وختمت بالقول: «في خضم كل ما نعيشه من تحديات، نعول على أن تكون إدارات المدارس مرنة بمراعاة ظروف الأهالي، لأننا لا نمر فقط بظرف أمني صعب إنما بظرف اقتصادي صعب أيضاً بعد تأثر أعمال الكثيرين جراء الحرب».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

غارات إسرائيلية تستهدف بلدتين ومنطقة في جنوب لبنان

المشرق العربي رجل يقف في موقع غارة إسرائيلية في بيروت (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تستهدف بلدتين ومنطقة في جنوب لبنان

أغار الطيران الحربي الإسرائيلي صباح اليوم الجمعة على المنطقة بين بلدتي كفرا وصربين وبلدتي برعشيت وصريفا في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عاملون ومتطوعون في مبادرة لمنظمة غير حكومية يوزعون وجبات الطعام بمدرسة تؤوي نازحين في سن الفيل شرق بيروت 28 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

منظمة دولية تحذّر من مؤشرات «مقلقة جداً» لنزوح طويل الأمد في لبنان

حذّرت مديرة المنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، من مؤشرات «مُقلقة جداً» لنزوح طويل الأمد في لبنان جراء الحرب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد من الانفجارات خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية بقرية الطيبة جنوب لبنان 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

دول أوروبية تدعو إسرائيل و«حزب الله» إلى «وقف الأعمال العسكرية»

دعت 18 دولة أوروبية، الخميس، إسرائيل و«حزب الله» إلى وقف القتال، مع دخول الحرب بينهما شهرها الثاني.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
المشرق العربي آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)

هل تعاود إسرائيل احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان؟

تتقدم القوات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله»، في مناطق لبنانية محاذية لحدودها؛ ما يثير مخاوف من عزمها على احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

الحرب تفقد لبنان شريان الدولار: التحويلات تتراجع وخسائر بمئات الملايين

بين 600 و200 دولار، تختصر أمّ لبنانية مسار الانحدار الذي أصاب أحد آخر مصادر الاستقرار في لبنان. تقول: كان ابني في الكويت يرسل لي 600 دولار شهرياً

صبحي أمهز (بيروت)

بغداد ترجع هجمات الفصائل إلى «محاولات فردية»

أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بغداد ترجع هجمات الفصائل إلى «محاولات فردية»

أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

سعت الحكومة العراقية، الجمعة، إلى احتواء تداعيات تصاعد الحرب الإقليمية، بعدما أطلقت الولايات المتحدة تحذيرات أمنية حادة بشأن احتمال تعرُّض مصالحها لهجمات داخل العراق، بينما شدَّد رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، على ملاحقة المتورطين في الهجمات وحوادث اختطاف الأجانب، مؤكداً أنَّ تنفيذ القانون سيتم «من دون خطوط حمراء».

ويأتي هذا التحرُّك في وقت تتسع فيه انعكاسات المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، على الساحة العراقية، سواء عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو من خلال التداعيات الإنسانية والاقتصادية، بما في ذلك تمديد إغلاق الأجواء العراقية لأسبوع إضافي.

وقالت وزارة الخارجية العراقية، رداً على بيان صادر عن السفارة الأميركية في بغداد دعا المواطنين الأميركيين إلى مغادرة البلاد فوراً، إن العراق «ليس طرفاً في النزاع، ولا يرغب في أن يكون جزءاً منه»، مؤكدةً تمسُّكه بسياسة «النأي بالنفس» عن الصراع.

كانت السفارة الأميركية قد حذَّرت من احتمال تنفيذ «ميليشيات متحالفة مع إيران» هجمات خلال فترة وجيزة، في تصعيد يعكس حساسية المرحلة الإقليمية، والمخاوف من انتقال المواجهة إلى الداخل العراقي.

وأكدت وزارة الخارجية العراقية أنَّ ما يجري يمثل «محاولات فردية» لا تعبِّر عن سياسة الدولة، مشيرةً إلى أن بعض الجهات أو الأفراد قد يتخذون إجراءات أحادية «خلافاً لتوجهات الدولة». ووصفت تلك التصرفات بأنها «أفعال خارجة عن القانون» لا تعكس دور الحكومة أو مؤسساتها.

ورأت الوزارة أنَّ تحميل الدولة مسؤولية هذه الأعمال يمثِّل «تعميماً غير مُبرَّر»، في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً متزايدة نتيجة موقعه الجغرافي، وحساسية علاقاته مع كل من واشنطن وطهران.

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

اجتماع أمني

بالتزامن مع هذه التطورات، ترأَّس السوداني اجتماعاً أمنياً في مقر وكالة الاستخبارات بوزارة الداخلية، بحضور قيادات أمنية رفيعة؛ لمتابعة التحديات المرتبطة باستهداف البعثات الدبلوماسية والمنشآت الحيوية، فضلاً عن ملف اختطاف المواطنين الأجانب.

وقال بيان رسمي إنَّ رئيس الوزراء شدَّد على «ضرورة اتخاذ أقصى التدابير» لملاحقة المتورطين، مؤكداً أن «تنفيذ القانون لن يواجه أي خطوط حمراء»، مهما كانت الجهة المسؤولة. كما دعا إلى تعزيز الجهد الاستخباري ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة التهديدات، لا سيما مع تصاعد حدة الصراع في المنطقة.

ويأتي ذلك في ظلِّ استمرار الغموض بشأن مصير شيلي كيتلسون، الصحافية الأميركية المختطفة، وسط غياب أي إعلان رسمي من جهة مسؤولة عن الحادثة، الأمر الذي يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها السلطات العراقية في ضبط الأمن، ومنع تكرار استهداف المصالح الأجنبية.

ويرى مراقبون أنَّ توصيف بغداد لهذه الأعمال بأنها «فردية» يهدف إلى تجنب تحميل الدولة مسؤولية مباشرة، والحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع الولايات المتحدة وإيران.

ضربة غامضة

ميدانياً، أفاد مصدر أمني بأنّ ضربة جوية استهدفت معملاً للحصى في قضاء الرطبة غرب محافظة الأنبار. وقال إن طائرات حربية «مجهولة» شنَّت الهجوم في ساعات الصباح الأولى من يوم الجمعة، من دون وقوع خسائر بشرية أو أضرار مادية تُذكر، في حين باشرت القوات الأمنية تحقيقات لمعرفة ملابسات الحادث والجهة التي تقف وراءه.

في غضون ذلك، أظهرت إحصاءات محلية أنّ إقليم كردستان تعرَّض منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي وحتى ظهر الجمعة الموافق 3 أبريل (نيسان) 2026، إلى 614 صاروخاً وطائرة مسيّرة.

وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 14 شخصاً وإصابة 93 آخرين، بحسب الإحصاءات. وتوزَّعت على المحافظات الـ4 على النحو الآتي: أربيل 484 صاروخاً وطائرة مسيّرة، والسليمانية 103، ودهوك 25، واثنان على حلبجة.

ويعكس هذا التصعيد حجم الضغوط الأمنية التي يواجهها الإقليم، في ظلِّ استمرار استهدافه ضمن مسرح المواجهة الأوسع في المنطقة.

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

نزوح داخلي

على الصعيد الإنساني، أفاد تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة بأن التوترات الإقليمية ألقت بظلالها على حركة النزوح داخل العراق.

وأشار التقرير إلى نزوح 90 أسرة داخل محافظة السليمانية حتى 24 مارس (آذار) الماضي؛ بسبب الخوف من ضربات الطائرات المسيّرة، خصوصاً من قرية زركوزلا في ناحية تانجرو باتجاه مدينة السليمانية.

كما سجَّلت بغداد وأربيل حالات نزوح محدودة لسكان غادروا المناطق المتضررة من الصواريخ أو الغارات الجوية إلى منازل أقاربهم أو مساكن مستأجرة في مناطق ريفية.

وفي إطار الإجراءات الاحترازية، قرَّرت سلطة الطيران المدني العراقي تمديد تعليق الملاحة الجوية في سماء البلاد لمدة 7 أيام إضافية.

وقالت السلطة، في بيان، إن القرار يسري من الساعة 12 ظهراً من الجمعة وحتى التوقيت نفسه من يوم الجمعة المقبل، 10 أبريل، واصفة الإجراء بأنه «احترازي مؤقت» يستند إلى التقييم المستمر للوضع الأمني.

ويعكس تمديد الإغلاق حجم المخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية أو استخدام الأجواء العراقية في أي تصعيد جديد. ويضع هذا المشهد المتداخل الحكومة العراقية أمام اختبار بالغ الصعوبة، يتمثَّل في منع تحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوح، مع الحفاظ على التوازن في علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية.


«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
TT

«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)

تتطلع حركة «حماس» إلى نجاح الضغوط التي تمارسها، عبر الوسطاء، في إحداث تعديلات على الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، إلى قيادة الحركة منذ أكثر من أسبوع، بهدف نزع سلاح قطاع غزة بشكل كامل، ومن دون أي استثناءات.

ويجري وفد من «حماس»، وصل منذ أيام إلى العاصمة المصرية، القاهرة، سلسلة من اللقاءات الثنائية والجماعية مع فصائل فلسطينية عدة أرسلت وفوداً إلى مصر، وبعضها يقيم بشكل شبه دائم هناك. كما أن وفد الحركة ووفود الفصائل تلتقي، وستعقد مزيداً من اللقاءات مع مسؤولين مصريين وجهات أخرى، في حين ستعقد لقاءات أوسع مع ممثلين عن «مجلس السلام»، ومن بينهم ميلادينوف، الذي التقى مجدداً مع قيادة «حماس»، كما علمت «الشرق الأوسط».

مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس (رويترز)

وقال مصدر قيادي من «حماس»، موجود في القاهرة، وفضل عدم ذكر هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة ما زالت تجري نقاشات داخلية، وكذلك مع الفصائل، حول الخطة المطروحة، مؤكداً أنه تم نقل رسالة واضحة للوسطاء ولممثل «مجلس السلام» بأن ما طُرِح غير مقبول فلسطينياً، وأنه يجب إدخال تعديلات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ بنود ما تبقى من المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار، وأن يكون هناك إلزام جدي لها بتنفيذ بنود المرحلة الثانية، خصوصاً فيما يتعلق بالانسحاب الكامل والفوري، وفق ما تنص عليه خطة الـ20 بنداً التي قدمها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال مفاوضات وقف إطلاق النار، في سبتمبر (أيلول) الماضي.

ووفقاً للمصدر، فإنه يتم تشكيل موقف فلسطيني موحد من خلال المناقشات التي تجري في القاهرة.

وقال المصدر إن الحركة ما زالت في طور المناقشات والمحادثات مع جميع الأطراف، ولم يتم اتخاذ موقف نهائي مما طُرِح بشأن قضية السلاح تحديداً، مشيراً إلى أن التصور الخاص بالسلاح سيتم إجراء مزيد من المناقشات الداخلية والفصائلية بشأنه قبل تقديم رد واضح عليه، مبيناً أن ذلك سيكون مرهوناً، من جانب آخر، بما سيتم من إجراء تعديلات على الخطة المطروحة بشأن إلزام إسرائيل بالانسحاب ووقف اعتداءاتها المتكررة وخرقها لوقف إطلاق النار بحجج واهية، إلى جانب استمرارها في منع دخول البضائع والمساعدات الإنسانية بشكل غير كافٍ، والعمل على هندسة تجويع غزة بطرق مختلفة، إلى جانب استمرار تلاعبها بفتح معبر رفح وتقليص حركة المسافرين من وإلى القطاع، واستخدامها للعصابات المسلحة في تفتيش وإهانة المسافرين.

ولفت إلى أن المحادثات مع الوسطاء وممثل «مجلس السلام» تهدف بشكل أساسي للضغط باتجاه إحداث التعديلات اللازمة على الخطة المطروحة.

أرشيفية لمسلّحين من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات وسط غزة (إ.ب.أ)

وقال مصدر ثانٍ من الفصائل الفلسطينية مطلع على التفاصيل، إن الخطة مجحفة بحق الفلسطينيين، ولذلك هناك تعديلات مهمة، ويجب أخذها في الاعتبار، ليس فقط فيما يخص السلاح ومحاولات ربط نزعه بباقي البنود، وإنما بنقاط أخرى، منها ما يتعلق بآليات الانسحاب وإعادة الإعمار، وأن يكون هناك حكم وطني فلسطيني خالص من دون تدخل أجنبي، ومحاولات فرض الوصاية، كما يسعى «مجلس السلام» وإسرائيل والولايات المتحدة، بحسب حديثه مع «الشرق الأوسط».

ورأى أن محاولات ربط نزع السلاح بكل بنود المرحلة الثانية، مثل إعادة الإعمار في المناطق التي يُنزع منها فقط السلاح، بمثابة ابتزاز للفلسطينيين في حقوقهم، مؤكداً على رفض الكل الفلسطيني لمثل هذا الربط، الذي يشير إلى محاولة المساومة على حقوقهم الحياتية.

ونقلت وكالة «رويترز» عن 3 مصادر، وهم مسؤولان مصريان وفلسطيني، أن «حماس» أبلغت الوسطاء بأنها لن تناقش نزع سلاحها من دون الحصول على ضمانات بانسحاب إسرائيل الكامل من قطاع غزة، وفق ‌المنصوص عليه في خطة نزع السلاح التي وضعها «مجلس السلام»، مقدمة مجموعة من المطالبة والتعديلات على الخطة، منها وقف الانتهاكات الإسرائيلية وتنفيذ جميع البنود وانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، وتقديم توضيحات لها بشأن توسيع إسرائيل المستمر لرقعة سيطرتها على مناطق إضافية بالقطاع.

وأحجم مسؤولان من «حماس» عن التعليق بشأن فحوى الاجتماعات، فيما لم ترد الحكومة الإسرائيلية ولا ممثلو مجلس السلام على طلبات للتعليق، وفق «رويترز».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح نيكولاي ملادينوف في القدس - 26 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتصرّ إسرائيل على نزع سلاح غزة بشكل كامل، بما في ذلك الخفيف والثقيل، فيما تنص خطة «مجلس السلام» الجديدة على موافقة «حماس» والفصائل على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح.

وغرَّد ميلادينوف، في منشور على منصات التواصل ⁠الاجتماعي، أول من أمس (الأربعاء)، بأن جميع الأطراف الوسيطة أيَّدت الخطة، وهو أمر كانت أكدته مصادر لـ«الشرق الأوسط»، منذ أيام، وأنها شاركت حتى في صياغة الخطة، وأدخلت على بعض بنودها بعض الملاحظات والتعديلات، بهدف تطويرها قبل تقديمها لـ«حماس».

وقال ملادينوف في منشور على منصة «إكس»: «المجتمع الدولي يؤيد الخطة، حان الوقت للاتفاق على إطار تنفيذها... من أجل مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».


اطمئنان لبناني للضمانات الأميركية بتحييد البنى التحتية والمطار

أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
TT

اطمئنان لبناني للضمانات الأميركية بتحييد البنى التحتية والمطار

أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)

يرتفع منسوب المخاوف اللبنانية حيال إصرار إسرائيل، مع دخول حربها مع «حزب الله» شهرها الثاني، على المضي في تدمير البلدات الواقعة على الحافة الأمامية وتحويلها إلى منطقة محروقة لا يصلح العيش فيها بذريعة أنها -كما تبلّغ من الولايات المتحدة الأميركية- تحتضن البنية التحتية العسكرية التابعة لـ«حزب الله»، وأن معظم هذه البلدات تحولت لمخابئ لتخزين السلاح لتهديد أمن المستعمرات الإسرائيلية.

وأكدت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل ماضية في تدميرها البلدات الأمامية على مدى يتراوح عمقه بين 4 و5 كيلومترات في جنوب الليطاني من دون أن تتجاوب الولايات المتحدة مع إلحاح الحكومة اللبنانية، للضغط عليها لوقف هذا التدمير.

ولفتت إلى أن إسرائيل بتدميرها هذه القرى تحظى بضوء أخضر أميركي لاستئصال الجناح العسكري لـ«حزب الله» من جنوب الليطاني، ونزع سلاحه على خلفية عدم تجاوبه مع خطة الحكومة الرامية لحصر السلاح بيد الدولة.

وسألت عن مصير الضمانات التي تعهّدت بها واشنطن، والقاضية بمنع إسرائيل من استهداف البنى التحتية الواقعة خارج المنطقة الممتدة بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، بما في ذلك مطار رفيق الحريري الدولي، والمنشآت الحيوية لتوليد الطاقة، وشبكات الاتصالات، والطرقات، والمياه، وما إذا كانت هذه الضمانات لا تزال سارية المفعول، رغم تهويل إسرائيل، بين حين وآخر، باستهدافها.

عناصر الدفاع المدني يبحثون بين الأنقاض عن ناجين تحت مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة زبدين في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وكشفت المصادر أن التطمينات الأميركية للحكومة في هذا الخصوص ما زالت قائمة ولا عودة عنها، وأن واشنطن ترفض الاستجابة لطلب إسرائيل باستهداف المنشآت ذات الصلة بالبنى التحتية وتأمين الخدمات للمواطنين للضغط على الحكومة للتسليم بشروطها.

وقالت إن واشنطن تغض الطرف عن الغارات التي تشنّها إسرائيل على بعض الأحياء الواقعة ضمن النطاق الجغرافي لبيروت الكبرى، بذريعة أنها تأتي في سياق ملاحقتها لقادة وكوادر «حزب الله» واغتيالهم، فيما لا تكف عن تهديدها لضرب الضاحية الجنوبية بتوجيه إنذارات لسكانها لإخلائها.

وأفادت بأن واشنطن وإن كانت ترفض ربط لبنان بإيران، وهي على تفاهم مع إسرائيل بهذا الشأن، فإنها تبقي على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، معلقة على ما ستؤول إليه الحرب المشتعلة على الجبهة الإيرانية التي لن تتوقف، من وجهة نظرها، ما لم تسلم إيران بشروطها للبدء بمفاوضات من بنودها وقف دعمها لأذرعها في الإقليم، وأولاها الجناح العسكري لـ«حزب الله».

ورأت أن إضعاف القيادة الإيرانية الجديدة سينسحب تلقائياً على الحزب، بحيث لم يعد له من خيار سوى الانخراط في مشروع الدولة، وإلا ستبقى يد إسرائيل طليقة لاستئصاله، ليس من الجنوب فحسب، وإنما من كل لبنان لبسط سلطة الدولة على كل أراضيها.

ورغم أن واشنطن تعوّل على دور فاعل لرئيس المجلس النيابي نبيه بري، ولا تُحبّذ الدعوات لانقطاع التواصل معه، فإنها في المقابل، وإن كانت تؤيد دعوة عون للتفاوض مباشرة مع إسرائيل، فهي تشترط أن يضم الوفد اللبناني المفاوض مَن يُمثل بري لتوفير الغطاء السياسي المطلوب لوضع ما ستؤدي إليه المفاوضات على سكة التنفيذ.

اجتماع سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

فواشنطن، في رهانها على المفاوضات للتوصل إلى تسوية تقوم ركائزها الأساسية على إنهاء حال الحرب بين البلدين، ليست في وارد إعطاء الضوء الأخضر لانطلاقها، كما تقول المصادر، في غياب ممثل وازن عن الطائفة الشيعية يحظى برضا بري؛ إذ إنّها، من دونه، لا يمكن أن ترى النور فعلاً لا قولاً، حتى لو أفضت إلى اتفاق. وهذا ما يفسّر انفتاحها عليه، بالتوازي مع إسدائها النصائح لخصومه بوجوب التعاون معه، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لإنقاذ لبنان وإخراجه من أزماته.

لكن العطلة الميلادية ستُعيد الحرارة للاتصالات الرئاسية، وتحديداً بين رئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، بعد أن أدى المخرج الذي تم التوصل إليه بعد اعتبار السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان محمد رضا شيباني غير مرغوب فيه، قراراً نافذاً مع وقف التنفيذ، ما أدى إلى كسر الجليد الذي كان وراء الفتور الذي شاب العلاقات بينهم.

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

وعليه، تدخل العلاقات الرئاسية مرحلة «غسل القلوب»، وهو ما يفسّر عدم إدراج قضية الشيباني على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي شارك فيها وزراء «الثنائي الشيعي». كما تجنّب هؤلاء إثارتها من خارج الجدول، وكأنهم على علم مسبق بعدم إقحام الجلسة فيها، إفساحاً في المجال أمام سريان مفعول المخرج المؤقت لطيّ صفحة الفتور الذي أصاب العلاقات الرئاسية. وذلك رغم أن سبب هذا الفتور يعود، وفق مصدر في «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط»، إلى عتب بري على عون لعدم التشاور معه، وهو ما كان وراء معاودة تواصله مع «حزب الله» بعد انقطاع بينهما، تسبب به تَفلّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهّده بعدم التدخل عسكرياً إسناداً لإيران.