لبنان يلغي عقوبة الإعدام ويستبدل بها «الأشغال المؤبدة والمشددة»

القانون أقرّ نتيجة ضغوط دولية ومطالب منظمات حقوقية

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
TT

لبنان يلغي عقوبة الإعدام ويستبدل بها «الأشغال المؤبدة والمشددة»

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

طوى لبنان صفحة تنفيذ عقوبة الإعدام، وألغاها من النصوص القانونية، ليستبدل بها «الأشغال الشاقة المؤبدة والمشدّدة»، وذلك بعد عقود من الجدل بشأن جدواها وحدودها، وبعد 22 عاماً من تعليق تنفيذها. وأقر البرلمان بالأكثرية إلغاء العقوبة نهائياً؛ مما يعدّ تحولاً تشريعياً يضع لبنان في مصاف الدول التي اختارت التخلي عن العقوبة القصوى، مع الإبقاء على العقوبات المشددة بحق مرتكبي جرائم القتل والأعمال الإرهابية الخطرة.

وصوّت المجلس النيابي في الجلسة التشريعية، التي عُقدت صباح الثلاثاء، بغالبية أعضائه على إلغاء عقوبة الإعدام واستبدال «الأشغال الشاقة المؤبدة» بها بالنسبة إلى جميع المحكومين بالإعدام قبل 11 أغسطس (آب) 2026، فيما تصبح «الأشغال الشاقة المؤبدة والمشددة» هي العقوبة البديلة لكل من يحكَم عليه بالإعدام بعد هذا التاريخ.

رئيس البرلمان نبيه بري خلال الجلسة التشريعية (إ.ب.أ)

ووصف وزير العدل عادل نصار من البرلمان قرار الإلغاء بـ«التاريخي».

وأوضح أنه بعد نشر القانون فلن يصبح بإمكان «الدول التي ألغت عقوبة الإعدام أن ترفض تسليم الفارين من العدالة من لبنان إلى الخارج»، بعد زوال العائق المتمثل في تضمن القانون اللبناني هذه العقوبة.

«حزب الله» تحفظ على إلغائه

ولم يأتِ إقرار القانون بسهولة؛ إذ سبقته جولة اتصالات بين القوى السياسية، وخضع لنقاشات حادة بين الكتل النيابية التي تباينت مواقفها حيال طبيعة العقوبة البديلة، قبل أن تنجح الاتصالات في التوصل إلى صيغة توافقية، فيما تحفظ نواب «حزب الله» على هذا القانون، الذي يشكل محطة مفصلية في المسار التشريعي، لا سيما أن لبنان لم ينفذ أي حكم بالإعدام منذ 17 يناير (كانون الثاني) 2004، حين أعدم 3 مدانين بجرائم قتل؛ اثنان منهم رمياً بالرصاص والثالث شنقاً. ومنذ ذلك التاريخ، بقيت العقوبة قائمة في القانون، بينما عُلّق تنفيذها عملياً.

ثمرة جهود داخلية

ويعدّ لبنان ثاني دولة عربية تلغي عقوبة الإعدام؛ إذ سبقته إلى ذلك دولة جيبوتي التي ألغتها في عام 1995.

ويأتي ذلك نتيجة ضغوط مارستها مؤسسات دولية تعنى بحقوق الإنسان.

وأوضح مصدر وزاري لبناني أن إقرار هذا القانون جاء نتيجة «جهد داخلي لبناني، ومطالبات دولية مستمرة منذ أكثر من ربع قرن». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ما حصل اليوم (إلغاء الإعدام) جاء ثمرة جهود داخلية، ونتيجة مسار طويل من المطالبات الدولية والحقوقية للبنان، في مقدمتها توصيات الأمم المتحدة ومواقف (الاتحاد الأوروبي)، إلى جانب حملات منظمات حقوق الإنسان التي طالبت بيروت بتحويل وقف تنفيذ الإعدامات منذ عام 2004 إلى إلغاء تشريعي نهائي للعقوبة».

وأكد المصدر الوزاري أن إلغاء العقوبة «خطوة مهمة تنقل لبنان إلى مصاف الدول المعنية باحترام حقوق الإنسان»، لافتاً إلى أن استبدال «الأشغال الشاقة المؤبدة والمشددة» بها «لا يعني التساهل مع الجرائم الخطرة، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على استفادة المحكومين من أي عفو عام».

وسبقت إقرارَ القانون اتصالاتُ فاعلة بين القيادات السياسية والكتل النيابية، خصوصاً لدى النواب السنّة الذين كانوا حذرين من إصرار البعض على إقران عبارة الأشغال الشاقة المؤبدة والمشددة للمحكومين بالإعدام «قبل تاريخ إقرار هذا القانون»، ومحاولة البعض عدم استفادة الموقوفين الإسلاميين، لا سيما الشيخ أحمد الأسير، من قانون العفو العام.

وأوضح النائب أشرف ريفي لـ«الشرق الأوسط» أن الصيغة النهائية أخذت في الحسبان ملاحظات النواب السنّة، وقد «كانت مُرضية لغالبية الكتل النيابية».

«العفو العام» و«قانون الإعلام»

وفي حين أُقر اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام في الجلسة الصباحية، فقد أرجئ البت في اقتراح «قانون العفو العام»، و«قانون الإعلام» الذي لاقى رفضاً واسعاً من قبل الكتل ونقابتي الصحافة والمحررين، إلى الجلسة المسائية. وكان «العفو العام» قد خضع بدوره لبحث ومشاورات واعتراضات طيلة الأشهر الماضية قبل أن يُتوافق عليه من قبل معظم الكتل النيابية.

وفي هذا الإطار، أكد النائب ريفي «توافر أكثرية نيابية مؤيدة لإقرار (العفو العام) بصيغته النهائية، مع الملاحظات التي أُدخلت عليه». وقال: «هناك 22 نائباً سنياً، إلى جانب نواب (القوات اللبنانية) و(حزب الكتائب) و(حركة أمل) و(الحزب التقدمي الاشتراكي)، يؤيدون القانون، في مقابل تحفظ نواب (حزب الله) و(التيار الوطني الحر)».

عناصر في قوى الأمن يقفون إلى جانب الأسلاك الشائكة التي تغلق مدخل البرلمان اللبناني خلال احتجاجٍ نظّمه متقاعدون من الجيش بالتزامن مع جلسة برلمانية لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين» (إ.ب.أ)

وبرز خلال الجلسة الصباحية خلاف حادّ بين رئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الدفاع ميشال منسّى، الذي حمل ملاحظات قيادة الجيش المعترضة على «قانون العفو العام» وكان يعتزم تلاوتها أمام الهيئة العامة، إلا إن سلام أبلغه بأنه سيدلي شخصياً بموقف الحكومة؛ مما دفع منسّى إلى الانسحاب من القاعة العامة للمجلس النيابي.

وإزاء هذه التباينات، رفع رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الجلسة إلى المساء، في محاولة منه لمنع الخلافات السياسية من تعطيل المسار التشريعي.

وكانت الجلسة عُقدت على وقع تحركات شعبية احتجاجية من قبل العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام؛ رفضاً لقرار الحكومة تقسيط المفعول الرجعي لزيادة الرواتب، وللمطالبة بتسديد المستحقات دفعة واحدة.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

الجيش الإسرائيلي يقتل 3 فلسطينيين بينهم طفل بقطاع غزة

رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)
رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يقتل 3 فلسطينيين بينهم طفل بقطاع غزة

رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)
رجل يبكي على جثمان بصير البرش الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (أ.ب)

قتل الجيش الإسرائيلي ثلاثة فلسطينيين في مناطق مختلفة من قطاع غزة، حسب ما أفادت مصادر طبية والدفاع المدني.

وقال مسؤول في قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى ناصر في خان يونس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الطفل إسماعيل البردويل وصل إلى المستشفى «مستشهداً بعدما أصيب برصاص أطلقته دبابات إسرائيلية باتجاه خيام للنازحين في منطقة المواصي»، بشمال غرب مدينة رفح في جنوب القطاع.

وأعلن مستشفى العودة في مخيم النصيرات بوسط القطاع «استشهاد السيدة فداء خضر طوطح (31 عاماً) متأثرة بإصابتها برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي صباح الاثنين، في حين كانت تسير في شارع صلاح الدين» شرق المخيم.

كذلك، توفي محسن أحمد بهجت متأثراً بإصابته بطلق ناري في الرأس من طائرة مسيّرة إسرائيلية، صباح الاثنين، في جباليا بشمال القطاع، وفق ما أفاد مدير مستشفى الشفاء في مدينة غزة محمد أبو سلمية.

من جهته، قال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن طواقمه نقلت إلى مستشفيات القطاع تسعة مصابين، بينهم طفل على الأقل، جراء تعرضهم لنيران وشظايا قذائف أطلقتها دبابات إسرائيلية باتجاه مخيمات للنازحين في المناطق الشرقية من خان يونس ومخيم البريج.

وأدت الضربات الإسرائيلية التي تتكرر بصورة شبه منتظمة إلى مقتل أكثر من 1390 فلسطينياً منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حسب بيانات وزارة الصحة في غزة التي تعدّ الأمم المتحدة أرقامها موثوقة. في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل خمسة من عناصره ومتعاقد مدني خلال الفترة نفسها.


تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
TT

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)

استعادت القوات الحكومية اليمنية، أمس (الأحد)، جبل نعمان الاستراتيجي غرب محافظة تعز، بعد مواجهات مع الحوثيين.

وأكدت مصادر عسكرية أن سيطرة الجيش على الجبل أعادت وصل جبهة بني بكاري بجبهة الكدحة، وأمّنت طريق بني بكاري - الأشروح - البيرين. ورأت المصادر أن هذه التطورات أربكت خطط الحوثيين، وجعلت ما تبقى من مواقعهم في عزلة الشراجة مكشوفاً نارياً.

كما تصدّت القوات الحكومية لهجمات حوثية في الدمدم وشريرة والوازعية وراسن وبني عمر، في حين لم يطرأ تغيير على خطوط السيطرة في جرداد والمرتفعات المحيطة بها.


لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

يُراهن لبنان على لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقائهما المرتقب في واشنطن، لتجنب فراغ في الجنوب يحدث بانسحاب قوات «يونيفيل»، في ظل غياب التوافق على المرجعية الدولية البديلة.

وفي السياق، كشف مصدر وزاري، أن الرئيس اللبناني جوزيف عون أثار المخاوف من حصول فراغ في الجنوب، لدى اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. وقال المصدر إنهما أبديا تفهماً لمخاوفه.