زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان

رئيس الحكومة الراحل ينتقد دور دمشق ويقول إنها لم تعالج الأمور بحكمة

صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان

صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام

تنشر «الشرق الأوسط» ابتداءً من اليوم ثلاث حلقات من مذكرات رئيس الحكومة اللبناني الراحل صائب سلام تغطي مراحل مهمة من فصول الأزمة اللبنانية، من دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 إلى الغزو الإسرائيلي للجنوب ومناطق واسعة وصولاً إلى بيروت سنة 1982 وما رافق ذلك من أدوار لعبها سلام كأحد أبرز زعماء الطائفة السنية، ومحاولاته لتقريب وجهات النظر والحرص على التوافق الإسلامي - المسيحي والمحافظة على موقع لبنان كبلد مستقل خارج الصراعات.
ويلفت في مذكرات صائب سلام حرصه على التدوين شبه اليومي لوقائع الأحداث واللقاءات والاجتماعات التي شارك فيها وصراحته المتناهية في تقييم القادة والسياسيين العرب واللبنانيين الذين التقاهم وتعاطى معهم.
وتصدر المذكرات في ثلاثة أجزاء عن دار نشر «هاشيت أنطوان»، وستكون متوافرة في مكتبات لبنان ابتداءً من 28 يونيو (حزيران) وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
وفي هذه الحلقة يعرض سلام ما رافق انتخاب الرئيس إلياس سركيس ودخول القوات السورية واتصالاته في تلك الفترة مع الرئيس حافظ الأسد ومع قيادات لبنانية وفلسطينية.

مع كمال جنبلاط

يوم الاثنين 10 مايو (أيار) من عام 1976، أي بعد انتخاب إلياس سركيس مباشرة، اجتمع عندي النوّاب ريمون إدّه، إميل روحانا صقر، جميل كبّي، محمد يوسف بيضون، ميخائيل الضاهر، حسين الحسيني، حسن الرفاعي، ألبير منصور الذين كانوا قد قاطعوا الانتخابات، وبعد المداولة أصدرنا بياناً هادئاً ومختصراً جداً يدعو إلى التريّث، ولقد لفت النظر يومها أنّ ريمون إدّه أخذ الخسارة بروح طيّبة جداً، وبدا أقلّ تأثّراً من غيره بما حدث. بعد يومين عقدنا اجتماعاً جديداً، تبيّنَ لنا فيه أنّ «التريّث» لا يزال هو الموقف الصحيح، فأصدرنا بياناً جديداً يدعو إليه، ولكن يوم الاثنين التالي، قرّرنا أن نصعّد بعض الشيء، فاجتمعنا وأصدرنا بياناً نحذّر فيه من «استمرار المؤامرة» ونحمّل فيه المسؤولية لـ«أصحابها»؛ وذلك لأنّ الناس بدأت تضجّ من عدم التقدّم بأي خطوة منذ انتخاب سركيس، علماً بأنّ الشعور العامّ الذي ساد بعد انتخابه – رغم المرارة والقهر – كان فيه أمل بالانفراج.
في تلك الآونة، شعر «أبو عمّار» ورفاقه في المقاومة بضيقٍ شديد، فطلبوا عقد قمّة في عرمون، وتقرّر إيفاد السيّد موسى الصدر إلى دمشق في محاولة لإبلاغ السوريين مشاعر القلق التي تعترينا من جرّاء تدخّلهم العسكري، ولا سيّما بسبب ما حصل في طرابلس. وعند نهاية اجتماع القمّة المذكورة، جرت مشادّة بيني وبين المفتي الشيخ حسن خالد، كنت فيها شديد القسوة عليه، خصوصاً أنّني كنت متألّماً من موقفه (وموقف كرامي) المتملّق لسوريا، وعند المشادّة انسحبتُ من الاجتماع؛ الأمر الذي كان له ضجّة كبيرة في الصحف ولدى الرأي العامّ. وكان لموقفي تأييدٌ واسع عند المسلمين الذين قالوا لي إنّهم يشعرون من جديد بأنّني أحافظ على كرامتهم. ووصل الأمر إلى أنّ أسامة فاخوري وغيره من الذين يحقدون عليّ، لم يتمالكوا أنفسهم من الاتّصال بي هاتفياً لتهنئتي على موقفي!

قوات سوريا في بيروت في نوفمبر 1976 (غيتي)

بعد عودة موسى الصدر من دمشق، عقد أعيان قمّة عرمون اجتماعاً آخر آثرت ألّا أحضره، عند ذلك زارني هاني الحسن موفداً من قبل «أبو عمّار»، يرجوني الحضور، فتمنّعت وهو ما زاد من تحبيذ موقفي عند الجميع، بينما ازدادت نقمة الشارع الإسلامي على المفتي وعلى رشيد كرامي.
وعطفاً على موقفي، أسرع شبابنا في «المقاومة الشعبية – روّاد الإصلاح» إلى إعادة قطَع السلاح التي كان الرئيس حافظ الأسد قد أهداها إلينا، وذلك بعد أن طالبتْنا قوّات «الصاعقة» بإعادتها!
بعد ذلك تلقيتُ دعوة أخرى من «أبو عمّار» لملاقاته في عرمون، حيث سيحضر من دمشق مباشرة برفقة عبد السلام جلّود، المسؤول الليبي الثاني بعد القذّافي، فأجبتُ بأنّني حاضر للاجتماع بهما متى أرادا، ولكن ليس في عرمون، فأنا منسحب مما يسمّى «قمّة عرمون». المهمّ، اجتمع جلّود بكرامي واليافي عند المفتي، كما اجتمع بجنبلاط والأحزاب، وبعد ذلك توجّه إلى بغداد. والحقيقة، أنّ زيارة جلّود للبنان أحدثتْ ضجّة كبيرة، حيث إنّ الناس أملوا منها خيراً. لكن ذلك كله سرعان ما ذهب أدراج الرياح؛ إذ إنّ جلّود نفسه أعلن قبل مغادرته بيروت، أنّ زيارته لم تكن للوساطة، حيث إنّه وليبيا، يؤيّدان المقاومة والحركة الوطنية، لذلك فهما طرف!
في تلك الأثناء كان قد عُقد اجتماع بين الرئيس إلياس سركيس وكمال جنبلاط بوساطة من المقاومة، وفي حضور «أبو عمّار» و«أبو إياد»، وكان قد جاءني باسل عقل، من قبَل «أبو إياد»، يسألني ما إن كنت أوافق على الاجتماع بإلياس سركيس بوساطتهم، فأجبتُه بأنّني أقبل ذلك ولكن بتحفّظ، أولاً لأنّني لا أوافق على أن يكون الاجتماع سرّياً، كما جرى مع جنبلاط، الذي سرعان ما انفضح اجتماعه بسركيس فأدّى ذلك إلى توجيه الانتقاد إليه من قِبل الأكثرية، وأنا طول عمري كنت ولا أزال ضدّ الاجتماعات السرّية، وخصوصاً أنّ ما من سرٍّ يمكن أن يبقى سرّاً في لبنان، فهو ينكشف على الفور، وحين ينكشف تكون النتيجة غير مُرضية. وبعد ذلك قلتُ إنّني أربط اجتماعي بسركيس باجتماعه بإدّه، إذا كان راغباً في ذلك، وقلت له إنّني على أي حال أحبّ أن أستشير بعض الزملاء والنوّاب قبل الموافقة النهائية على الاجتماع، وأصررتُ، على أي حال، على أنّ الغاية من الاجتماع يجب أن تكون المصارحة الكاملة، وأنّ ذلك يجب أن يكون مفهوماً. بعد ذلك خابرني باسل عقل يسألني ماذا جَدَّ في الأمر، فقلت إنّني أؤكّد استعدادي بعد مشاورة زملائي في «الجبهة النيابية»، فراجع «أبو إياد» مصادره، ثمّ أبلغني بأنّهم سيرتّبون اللقاء خلال 48 ساعة.

صائب سلام في اجتماع مع الرئيس اللبناني الأسبق إلياس سركيس

- الجيش السوري في لبنان
في الأول من يونيو 1976، انجلت الأمور عبر أحداث يومٍ تاريخي حقاً! ففي ذلك اليوم حدث ما كان يتوقّعه الكثيرون ويعتبرونه التتمّة المنطقية لما كان يحدث: فقد دخل الجيش السوري الأراضي اللبنانية من الشمال ومن الشرق تحت ذريعة حماية المسيحيين... وفي زحلة (بقاعاً) والقبيّات (شمالاً). والحال أنّ الكثيرين من المراقبين كانوا يتساءلون قبل ذلك بأيّام عن السرّ الكامن وراء عنف الأحداث من حول زحلة والقبيّات. وهكذا، بدلاً من أن تسوّى الأمور بحكمة من قبَل السوريين الذين كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك من دون تدخّل عسكري كبير، ها هي الأمور تؤدّي إلى ذلك التدخّل. مهما يكن، على الرغم من أن أطرافاً إسلامية وفلسطينية عديدة كانت تنظر بعين الخشية إلى تزايد التدخّل السوري خلال الأشهر الأخيرة، معتبرة إيّاه مقدّمة لوجودٍ عسكري كثيف، فإنّ الأوضاع اليائسة أودت بالناس إلى تمنّي مجيء أي جيوش لتوقف المجزرة الجماعية، ولتحقق الخلاص. والسؤال اليوم، بعدما حدث ما حدث، هل يكون الخلاص على يد الجيش السوري، أم تتفاقم الأمور في لبنان، وبعد ذلك في سوريا كما يقول بعض الذين يتحدّثون عن وجود مؤامرة أميركية - دولية، تستهدف تمزيق لبنان، ومن ثمّ توريط السوريين لتمزيق سوريا أيضاً؟
عندما صار دخول الجيش السوري حقيقة واقعة، عقَدَ كمال جنبلاط والمقاومة اجتماعات عديدة، وأصدروا العديد من البيانات العنيفة والتصعيدية مع تهديد بالتصادم والمجابهة.
كانت أيّاماً عصيبة تلك التي تلتْ دخول القوّات السورية، حيث تلاحقت الأحداث العسكرية والسياسية بشكل يقطع الأنفاس، وبدت «المقاومة الفلسطينية» مجبرة على خوض العديد من المعارك، سواء أكان ذلك على الجبهة مع السوريين، أم مع «الكتائب» وحلفائهم. غير أنّ ضراوة المعركة وطابعها المصيري لم يوقفا المقاومة عن العديد من التصرّفات التي تثير شكوى الناس. ويبدو أنّ أركان المقاومة شعروا بما يشكو منه الناس وما أشكو منه أنا من تصرّفاتهم، فجاءني «أبو اللطف» برفقة باسل عقل، وكان بيننا حديث طويل، حاول «أبو اللطف» فيه تبرير تصرّفاتهم، فكنت صريحا معه بإيضاح بعض مآخذي، ولا سيّما إهمالهم مشاعر المسلمين الذين هم الأرضية الصلبة التي يجب أن يرتكز عليها الفلسطينيون، ومع هذا، أفهمتُ «أبو اللطف» أنّنا باقون معهم بكلّ إمكاناتنا رغم ما نلقاه منهم؛ لأنّنا نعتبر أنفسنا أصحاب القضيّة مثلهم، ولا نعتبر أننا مثل أولئك الذين يلتفّون حولهم لمنافع سياسية مؤقتة.
جاءني عصام العرب ورفاقه، وهم من المحسوبين على ليبيا، ليبلغ تمّام أنّ عبد السلام جلّود، المسؤول الليبي الذي كان يزور بيروت في ذلك الحين، يرغب في الاجتماع بي مع رؤساء الوزارات وبعض الشخصيات، فأبلغه تمّام اعتذاري عن ذلك. في الساعة الرابعة من اليوم نفسه جاءني رسول من المقاومة ليبلغني، هو الآخر، أنّ جلّود يصرّ على الاجتماع بي في غرفة العمليات، فاعتذرتُ مرّة أخرى، فجاء رسول ثالث، ليقول لي إنّ جلّود سينتظرني في مقرّ الدائرة السياسية للمقاومة فاعتذرت مرّة ثالثة. وقد اعتذرت كلّ تلك المرّات حفاظاً على كرامتي تجاه جلّود وتجاه المقاومة. هذا بينما رشيد كرامي، وهو رئيس الحكومة، أتى عند عصام العرب ليجتمع بجلّود في حضور عبد الله اليافي وعدنان الحكيم ومحمد قبّاني. ويبدو أنّ اعتذاري المتكرّر كان له مفعوله لدى جلّود؛ إذ ما إن حلّت الساعة الثامنة مساءً، حتى وجدتُه يدخل علي في بيتي ومعه «أبو إياد» و«أبو اللطف»، دون سابق إعلام.
كان الحديث مع جلّود مستفيضاً، وأنا قدّرت له ولغيره غيرتهم ومساعيهم؛ إذ إنّه – والحقُّ يقال، مهما كانت دوافعه – كان العربي الوحيد الذي أبدى مثل ذلك الاهتمام وبذل مثل ذلك الجهد بالنسبة إلى الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان في تلك الآونة. من جهتي، نبّهتُه إلى ما اعتدتُ أن أنبّه إليه أركان المقاومة، من ضرورة عدم إهمال المجتمع الإسلامي في لبنان. ثمّ شرحتُ له تفاصيل ما دار بين الرئيس السوري حافظ الأسد وبيني من أحاديث. وصارحت جلّود بأنّني مقتنع الآن بأنّني كنت على غشاوة حين اعتقدتُ صحّة كلّ ما قاله لي الرئيس الأسد، وما زلت على هذه الغشاوة حتى الآن؛ إذ إنّني لا أريد أن أفقد إيماني بحسن نواياه تجاه لبنان. وأحببت أن أُفهم جلّود أنّ انهيار «منظمة الصاعقة» في بيروت كان نتيجة للنقمة الإسلامية العارمة والموقف الصلب الذي وقفناه تجاهها، وطالبتُ جلّود بأن يحاول، إن استطاع، اجتذاب الكتائبيين بفصلهم عن سليمان فرنجيّة وكميل شمعون المساندَين لكلّ أنواع الإجرام، قائلاً له «إن هذه هي خطتي الأساسية التي أتّبعها على الرغم من كلّ ما صدر عن الكتائبيين من وحشية وعنف وإجرام».
- الاجتياح السوري الجديد
ما كدنا نطمئنّ إلى بعض التفاؤل، حتى أتتنا الأنباء متوالية تتحدّث عن اجتياح سوري جديد في منطقة جزّين – صيدا، ومنطقة بعبدا – شانيه عاليه، ولقد ولّد ذلك قلقاً كبيراً عند الكثيرين. طبعاً هذه المرّة لم تكن ردّة فعل المسلمين مماثلة لردّة فعلهم السابقة، يوم دخل الجيش السوري لأول مرّة في يونيو. فالظروف كانت قد تبدّلت كثيراً، ونقمة المسلمين تفاقمت ضدّ المقاومة، بالنسبة إلى الممارسات غير المحمولة، وبالنسبة إلى المساندة المستمرّة التي يلقاها جنبلاط والشيوعيون من هذه المقاومة. إنّ المسلمين يشكون مُرّ الشكوى من الفلسطينيين وعلى الصعد كافة؛ لذلك لا يمكنهم أن يقيسوا ذلك بما يمكن أن يلاقوه على أيدي السوريين، ما دام هذا لم يحصل بعد!
مهما يكن، فإنّ خطة السوريين لم تتوضّح بعد، هل تراهم سيقومون بعمليات محدودة في الجنوب والجبل، أم أنّ ما يقومون به ليس سوى خطوة نحو احتلال شامل للبنان؟ على كلٍّ، هذه المرّة – كما أشرت – لم تصدر ردود فعل عنيفة ضدّهم، بل ولا حتى ردّات فعل عادية. وأنا بدوري لم أتكلم! فمن جهة «أبو عمّار» وجماعته كفّوا عن الاتّصال بي منذ أسبوع على رغم اتّصالي الدائم بهم، ومن جهة أخرى ها هم قد مضوا في تنفيذ خطّتهم مع «المجلس السياسي» و«الإدارة المدنية» و«الأمن الشعبي» في بيروت على رغم امتناعي عن إصدار البيان، وعلى الرغم مما شرحتُه لـ«أبو عمّار» عن الضرر الذي يخشاه أهل بيروت من تسليم شؤونهم لهذا المجلس الذي يسيطر عليه الشيوعيون، وخصوصاً في نواحي الأمن والأمور المعيشية (طحين ومحروقات وغيرها) وفي إدارة المدارس. فالأمن عند من يطلق عليهم اسم «الإدارة المدنية»، يتسلّمه صورياً سنان براج، ولكن وراءهفي الحقيقة ثلاثة شيوعيين حتماً، وهم: إسبر بيطار، «طانيوس» و«كميل». وإدارة التربية كذلك، والدعاية أيضاً، ومن وراء هذا كله أقدَر الشيوعيين، الأمين العام محسن إبراهيم الذي أطلق عليه اسم «ميني بريجنيف»!
- قمة سداسية في الرياض
اتّصل بي علي الشاعر هاتفياً ليبلغني أنّه قد جرى اتفاق على عقد قمّة سداسية في السعودية يحضرها الملك خالد، الأمير الكويتي الشيخ صباح السالم الصباح، الرئيس المصري أنور السادات، الرئيس السوري حافظ الأسد، الرئيس اللبناني إلياس سركيس و«أبو عمّار»، على أن يحاط عقد القمّة بتكتّم شديد. أنا، لمعرفتي بالخبرة، أنّ السرّية في مثل هذه الأمور مستحيلة، أوصلتُ الخبر لبعض أعضاء «الجبهة» وغيرهم! ولم يخبْ تقديري على أي حال، إذ بعد أقلّ من نصف ساعة كان راديو «مونتي كارلو» يذيع الخبر نقلاً عن نيويورك، كما أذاعه راديو «الكتائب» في الوقت نفسه نقلاً عن بيار الجميّل، نقلاً عن إلياس سركيس...
حاولت أن أساعد رشيد كرامي في توجّهه إلى السعودية، بعد أن علمتُ أنّ إلياس سركيس طلب منه مرافقته. كان على كرامي، لكي يتوجّه إلى السعودية، أن يصل أولاً إلى دمشق، لكنّه لم يكن راغباً في أن يخاطر عابراً الطريق إلى العاصمة السورية. هاتفت الشاعر فعلمت منه أنّه سيذهب إلى بعبدا ومن هناك سيرافق سركيس إلى السعودية. اتّصلت بكرامي أغريه بأن يذهب معه فرفض خشية خطر الطريق، إثر ذلك علمت من «أبو عمّار» أنّ طريق مرجعيون سالكة، فهاتفت كرامي مرّة أخرى، فتمنّع قائلاً، إنّ سركيس والسوريين أبلغوه أنّ الطريق خطرة!
ولأول مرّة منذ عشرة أيّام هتفت لياسر عرفات؛ إذ وجدتُ أنّ من غير المناسب في ظروفهم الحالية، وبعد زيارة هاني الحسن لي قبل يوم، وبعد الإعلان عن عقد «قمّة الرياض»، من غير المناسب ألّا أتّصل بالزعيم الفلسطيني قبل سفره، فأشجّعه وأطلب له التوفيق. شعرت على الفور بأنّ مكالمتي كانت بالنسبة إليه أشبه بهبَة من السماء، وكانت مجاملته لي أكثر من المعقول!
على الرغم من انعقاد «قمّة الرياض»، وإشاعتها جوّاً عارماً من التفاؤل، سرعان ما تفاقمت الأمور بعد أيّام قليلة وبشكل أشدّ خطورة وسوءاً من أي وقت مضى، إذ بين يومي 20 و21 أكتوبر (تشرين الأول)، أمضت بيروت أشدّ أيّامها هولاً، بسبب قصف عشوائي يشتدّ حيناً ثمّ يخفّ ويهدأ ليلاً ساعات قليلة لسبب مجهول، ثمّ يشتدّ بصورة مخيفة. قدّر البعض عدد القذائف التي هطلت على جانبَي بيروت بأكثر من خمسة آلاف قذيفة خلال اليومين الأخيرين. أمّا القتلى فتساقطوا بالعشرات والجرحى بالمئات. اتّصلتُ مراراً ببيار الجميّل وبياسر عرفات، وبغيرهما طبعاً، وكنت أحاول أن أحثّ الجميع، وخصوصاً زعيم «الكتائب» وزعيم «المقاومة الفلسطينية»، على التعاون في سبيل إيقاف تلك المجازر المرعبة. وأعتقد أنّني كنت الوحيد الذي يمكنه أن يتّصل بالفريقين معاً. يوم الخميس 21 أكتوبر كنّا قد أمضينا ليلتين في الطابق الأسفل أو الأوسط، وبدا لنا لبعض الوقت أنّ الجحيم الذي فُتح لن يهدأ أبداً. ولكن اعتباراً من يوم الأحد التالي، بدأت نتائج «مؤتمر الرياض» تلوح ميدانياً، فهدأ القصف إلى حدٍّ ما... وساد الأمل في أن يكون وقف النار الجزئي والنسبي الذي ساد في ذلك اليوم، نهائيا هذه المرّة.
مهما يكن، فإنّنا سرعان ما عدنا إلى عيشنا الروتيني، أنا بتّ لا أخرج من الدار إلّا نادراً، ودائماً يرافقني مسلّحون في سيّارة أمامي، وآخرون في سيّارة جيب تسير خلف سيّارتي. ولولا اضطراري إلى المشاركة في اجتماعات «جبهة الاتّحاد الوطني» و«التجمّع الإسلامي» لما كان من شأني أن أخرج أبداً.
- اغتيال كمال جنبلاط وارتداداته
في السادس عشر من مارس (آذار) 1977، اغتيل كمال جنبلاط على طريق المختارة في منطقة الشوف، وكان لذلك الاغتيال رجّة كبيرة في طول لبنان وعرضه، وقد حصلت من قِبل أهل الشوف الدروز ردّة فعل فورية غاضبة، ذهب ضحيّتها أكثر من مائة شوفي مسيحي، ولا سيّما في قرية مزرعة الشوف القريبة من المختارة.
كان واضحاً أنّ البلد مقبل على فتنة كبيرة، قد تكون أكبر من أي فتنة أخرى عرفها، وذلك بسبب مكانة جنبلاط في لبنان، وبسبب تعقّد الظروف اللبنانية، وخصوصاً بسبب الغموض الذي أحاط بالجريمة وجعل محاسبة أي كان عليها بديلاً من محاسبة المسؤولين الحقيقيين عنها. ولئن كان «شمعون» والشمعونيون تعمّدوا إذكاء نار الفتنة، عبر تحريض المسيحيين على إبداء ردود فعل مضادّة على ما حدث لمسيحيي الشوف، فإنّني من جهتي سارعتُ إلى التعاون مع «حزب الكتائب» في محاولة منّا لوأد نار الفتنة، قد نجحنا في ذلك إلى الحدّ الأبعد، وخصوصاً أنّ وليد جنبلاط نجل الزعيم الراحل تبدّى على الفور عاقلاً وحكيماً، وقرّر أن يدفن والده في اليوم التالي مباشرة، بعد أن كانت أحزاب «الحركة الوطنية» قرّرت تأجيل الدفن حتى يوم الأحد تأجيجاً لردود الفعل.
لقد رحل «كمال جنبلاط»، ورحيله أحزننا جميعاً وجعلنا نأسف أسفاً شديداً، في الوقت نفسه الذي دعونا فيه إلى الهدوء والتعقّل، وكانت دعوتنا لذلك قد انطلقت منذ ليلة الاغتيال.
رحل «كمال جنبلاط»، هذا الزعيم الذي لم يكن – في نظري كما في نظر الكثيرين – شخصاً عادياً، بل كان «ظاهرة» إنسانية، إنّه أكبر زعيم قبيلة وأهمّ إقطاعي في لبنان، ومع هذا فإنّه ينادي بالديمقراطية ويرأس حزباً اشتراكياً، هو ينتمي روحياً إلى الدروز – كما يحبّ أن يقول – لكنّه في الوقت نفسه يعلن إسلامه، وهو زعيم إقليمي شوفي ودرزي، ومع هذا نراه ينادي بوحدة لبنان، وبوحدة العرب، ووحدة الإنسانية كلها. إنّه مزيج من التناقضات التي لم يكن ليرفّ له جفن وهو يمارسها جميعاً، متقلّب في مواقفه وسياسته بين يوم وآخر، أفليس هو حامل جائزة «لينين» السوفياتية، في الوقت نفسه الذي يقال عنه فيه إنّه يتبع توجيهات الأميركيين الذين يشتمهم علناً؟
من ناحية الحسابات السياسية البحتة التي كان لا بدّ من أن ترِدَ إلى خاطري رغم فداحة الحدث، كان من الواضح لدي أنّ مقتل كمال جنبلاط وغيابه عن الساحة اللبنانية، سوف يؤدّي مباشرة إلى إضعاف مكانة كميل شمعون، وعلى هامش هذا الواقع طالب إخواننا في «التجمّع الإسلامي» بضرورة أن نتصلّب منذ الآن في مواقفنا، بعد أن كنّا نمثّل نوعاً من الاعتدال بين تطرّف كمال جنبلاط من جهة، وتطرّف كميل شمعون من جهة ثانية، وكنتُ أرى عكس هذا تماماً؛ لذلك رحتُ أقول بضرورة مضاعفة الانفتاح على المسيحيين لكسب المعتدلين وإحراج من يدّعون الاعتدال (وعلى رأس هؤلاء وأولئك «بيار الجميّل» في تناقضاته هو الآخر)، للتعاون على إضعاف شمعون.
في خضمّ ذلك كلّه، كان لا بدّ من طرح السؤال الأساسي: من قتل كمال جنبلاط؟
منذ سنة، وفي عزّ الأوقات العصيبة واشتداد المحنة، كنتُ لا أكفّ عن القول إنّه عندما يهدأ الأمن ظاهراً، ستكون هناك تفجيرات خفيّة، واغتيالات عديدة، والحقيقة أنّنا، منذ هدأت الأحوال نسبياً، كنّا نسمع بين الحين والآخر أسماءَ تتردّد على شفاه العالمين بالأمور، على أساس أنّها مُعرّضة للاغتيال. وكان في مقدّمة تلك الأسماء اسم «ريمون إدّه» واسمي واسم «كمال جنبلاط» واسم «كميل شمعون»، ولكن كان من الواضح لدينا أنّ ترداد الأسماء يهدف أوّلَ ما يهدف إلى إثارة الفتنة والبلبلة. ومع هذا لم أفاجأ أبداً حين جرت محاولات لاغتيال «ريمون إدّه»... الذي كان عمره طويلاً فنجا دائماً من تلك المحاولات. وكذلك لم تفاجئني قذيفة مدفع الهاون التي استهدفت «كميل شمعون» وأخفقت في قتله، والآن لا أحسّ أنّ اغتيال «كمال جنبلاط» كان مفاجأة لي. السؤال الآن: مَن صاحب الاسم التالي على اللائحة؟
غير أنّ هذا السؤال لم يحجب السؤال الآخر، الأساسي: مَن قتل جنبلاط؟
قال البعض، إنّ اغتيال جنبلاط قد نتج من ثارات شخصية...
وقال آخرون، إنّ القتلة عملاء لإسرائيل...
وقال فريق ثالث، إنّ اغتيال «جنبلاط» يقف وراءهالسوريون...
فإلى أي فريق، يا تُرى، يجب أن تتّجه ظنوننا؟
مهما كانت هويّة القاتلين وهويّة محرّضيهم، فإنّ شعور معظم الناس كان الأسف لرحيل رجل من طينة «كمال جنبلاط»، ولكن لم يخلُ الأمر من كثيرين شعروا بالراحة إزاء التخلّص من «جنبلاط»، وهؤلاء لم يكونوا في صفوف المسيحيين وحدهم، بل كان بينهم مسلمون ودروز أيضاً!
- زيارة الأسد والسادات
قبل اغتيال «كمال جنبلاط»، كنت عازماً على التوجّه إلى مصر لمقابلة الرئيس أنور السادات، بعد أن تأخّرَ الجواب الذي كنت أنتظره من سوريا بصدد مقابلة طلبتُها مع الرئيس «حافظ الأسد»، وكنت أوَدّ أن تتمّ قبل زيارتي إلى السعودية، ولكن فجأة، وفيما كنت أستعدّ للسفر إلى مصر، وصلتني برقيّة من السيد «عبد الحليم خدّام» تفيد بأنّ الرئيس «الأسد» سوف يستقبلنا في العاصمة السورية يوم السبت في التاسع عشر من مارس.
- الاجتماع مع حافظ الأسد
توجّهتُ إلى دمشق في الموعد المضروب، وكان الاستقبال كالعادة، لائقاً، تواكبه دراجات نارية وشرطة ووزير الرئاسة «أديب ملحم»، عند نقطة الحدود.
دام الاجتماع بين الرئيس «الأسد» وبيني ثلاث ساعات، من منتصف النهار حتى الثالثة بعد الظهر، وكان بحضور فيصل سلام. ظاهر الحديث كان ودّيّاً للغاية، ولكن لأنّ قلب المؤمن دليله، لم أشعر بأنّ ثمّة صفاءً حقيقياً خلف ذلك الودّ، وخصوصاً أنّ كمال جنبلاط كان لا يزال طريّاً في ذهني وأحاسيسي.
كالعادة، كنت صريحاً مع الرئيس الأسد، فشرحت له كلّ مآخذي على تصرّفاتهم في لبنان، عسكرياً وسياسياً، فلم يتوانَ عن أن يقول لي إنّه يأخذ ذلك في الاعتبار... ومع هذا داخَلَني شعور بأنّه يتصرّف الآن انطلاقاً من الواقع الجديد، أي إحساسه بأنّه أغرَقَ الجيش السوري في الرمال المتحرّكة اللبنانية، وأنّ ذلك يُشعره بالقلق، ويزيد بالتالي من تصلّبه.
بعد زيارتي للرئيس «الأسد»، كان عليّ أن أزور مصر لألتقي الرئيس «السادات»، بعد عشرة أيّام على زيارتي الدمشقية، ولأهمّية زيارتي للقاهرة، وجدت أنّ من الضروري أن أزور الرئيس «إلياس سركيس» وأقابله عشيّة تلك الزيارة، فتوجّهتُ إليه.
أذكر أنّ لقائي بالرئيس سركيس كان بعد ظهر السبت، وكان من المفترض أن يجتمع مجلس الوزراء يوم الاثنين، وفي أهمّ جدول أعماله تعيين قائدٍ جديد للجيش. ويوم الاثنين كنت أنا قد وصلت إلى القاهرة، وهناك صباحاً علمت بحادث الاعتداء الفظيع الذي تعرّض له منزل وزير الدفاع فؤاد بطرس، وكان من الواضح أنّ مسؤولية الاعتداء تقع على كميل شمعون وبشير الجميّل. شعرت بأنّ هذا الإرهاب غايتُه إخضاع رئيس البلاد، ولو خضع هذا للإرهاب لأنهار لبنان، والحقيقة أنّ السلطة برئاسة سركيس لم تخضع للإرهاب، بل إنّها بدلا من ذلك قرّبتْ موعد انعقاد الجلسة الحكومية من بعد الظهر إلى قبل الظهر، وأعلنتْ إعفاء حنّا سعيد من منصبه كقائد للجيش، معيّنة مكانه فكتور خوري. على الفور، حاول كميل شمعون وبشير الجميّل إقامة الدنيا وعدم إقعادها، وساندهم سليمان فرنجيّة في ذلك، لكنّ موقف بيار الجميّل حسم أمر الكتائبيين وحال دون وقوع الفتنة، حيث إنّ «الجميّل» الأب أيّد على الفور ما أقدمتْ عليه السلطة، وكذلك وقف موقفاً حازماً لمنع الإضراب الذي كان قد أعلن، وأيّده الرأي العامّ المسيحي في ذلك تأييداً قويّاً. وأنا حين اجتمعت بـ«بيار الجميّل» بعد ذلك، نبّهتُه إلى أنّ لي يداً في ذلك بالنسبة لما طرأ على الرأي العامّ المسيحي من تطوّر نتيجة لسياسة الانفتاح التي اتّبعتُها، فوافقني على ذلك كلّ الموافقة، والحقيقة أنّ الحادث الذي تعرّض له منزل فؤاد بطرس قد أسهم كثيراً بتبدّل موقف الرأي العامّ المسيحي، الذي لم تعدْ تستبدّ به الرغبة في معاودة الاقتتال.
وأنا، بعد عودتي من القاهرة، وحال وصولي إلى مطار بيروت، أعربت عن سروري بتعيين القائد الجديد، فكان لذلك تأثير طيّب.
- مع الرئيس السادات
وكنت قد توجّهتُ إلى القاهرة إثر مقابلتي للرئيس «سركيس»، وكان برفقتي في زيارتي العاصمة المصرية كلّ من «جميل كبّي» و«علي المملوك»، ومقابلتي مع الرئيس «السادات» جرتْ في «القناطر الخيرية»، واستمرّت ساعة ونصف الساعة، وكان حاضراً خلالها نائبه «حسني مبارك».
كان الحديث ودّيّاً وحميماً، والحقيقة أنّني كنت قد طلبتُ المقابلة قبل أسبوع، لكنّ السفير المصري أجابني، بعد المراجعة، بأنّ وقت الرئيس ضيّق عشية سفره إلى أميركا، وأنّه يفضّل أن يراني بعد عودته منها، لكنّه عاد في اليوم التالي وأخبرني أنّ الرئيس يرغب في مقابلتي قبل سفره، وهو أمر أخبرني به الرئيس «السادات» خلال اللقاء، حيث قال لي «كنت قد قلت للسفير إنّني سأقابلك بعد عودتي من الولايات المتّحدة، لكنّي عدتُ ووجدت أنّ من الأفضل أن نتبادل الرأي قبل ذهابي إلى هناك، رغم ضيق الوقت».
خلال المقابلة شعرت بأنّ «السادات» شديد التفاؤل بمقابلته المقبلة مع الرئيس الأميركي «جيمي كاتر»، قلت له إنّني بدوري متفائل، ومع هذا سألته «هل عندك ما يشير إلى هذا التفاؤل؟» قال «عندي ما نقَلَه إلى كارتر نفسه»، فأطلعتُ الرئيس «السادات» على المذكّرة التي كنت قد بعثتُ بها إلى وزير الخارجية الأميركية «سايروس فانس» خلال زيارته للبنان، فأبدى إعجاباً شديداً بها. بعد ذلك أخبرني الرئيس «السادات» أنّهم كانوا على وشك الاشتباك عسكرياً، مع إسرائيل، أخيراً، بسبب عدوانها في عملية حفر الآبار في خليج «السويس»، وأنّ البوارج والطائرات كانت وشيكة التصادم، لكنّ الرئيس «كارتر» تدخّل مؤكّداً أنّ المنطقة مصرية وستبقى مصرية، وأنّه – أي «كارتر» – لن يسمح بغير ذلك أبداً.
قال «السادات»، إنّه مصرّ على أن يلعب كلّ أوراقه مع الأميركيين؛ لأنّه يعتقد أنّ المفتاح لحلّ النزاع مع إسرائيل كله بيد أميركا، أمّا السوفيات فإنّهم مضطرّون إلى مجاراة واشنطن لا أكثر.
فيما يختصّ بلبنان، قال لي «أنور السادات»، كما سبق للرئيس اللبناني «إلياس سركيس» أن أكّده في خلال اجتماعي به قبل أيّام، أنّ السوريين هم الذين اغتالوا «كمال جنبلاط»، وأكّد «السادات» أنّه رغم كلّ الإشارات التي تنمّ عن رغبة السوريين في وضع اليد نهائياً على لبنان، فهو – أي «السادات» – لن يقبل بذلك، وكشف لي عن أنّه كان قد حذّر الرئيس «الأسد» قائلاً له، إنّ لبنان يجب أن يعود سيّدَ نفسه، في المقابل أخبره بأنّه يوافق على أي اتفاق سوري-أردني على الصعيد العسكري، وحتى على الصعيد السياسي إذا أراد «الأسد» ذلك، لكنّه لن يقبل المساس بلبنان، إلّا إذا رغب لبنان في ذلك بمطلق إرادته الحرّة... وبعد عودته إلى أوضاعه الطبيعية.
ويدرك الرئيس «السادات»، كما قال لي، أنّ المسلمين السُّنّة هم الذين خسروا أكثر من غيرهم من الفئات في لبنان، هذا العام. وللمناسبة، طلب «السادات» من نائبه «حسني مبارك» أن يبلغ السفير والسفارة في بيروت بضرورة التنسيق معي شخصياً في كلّ نشاطاتهم؛ لأنّه يعتبر أنّ صائب سلام هو أمل المسلمين والعرب الوحيد في لبنان. وفي الوقت نفسه حذّرني الرئيس «السادات» من خطر تعرّضي للاغتيال في لبنان، كما طلب منّي أن أبلغ التحذير نفسه إلى «سركيس»؛ لأنّ مَن اغتال «كمال جنبلاط» لن يتورّع عن اغتيال «إلياس سركيس» و«صائب سلام» من بعده. وطلب منّي الرئيس «السادات» أن أبلغ الرئيس سركيس أنّه يؤيّده كامل التأييد، محبّذاً تأييدي لدور الرئيس سركيس ولحكومته الحالية، وانفتاحي على المسيحيين عن طريق «بيار الجميّل». أمّا بالنسبة إلى «شمعون»، فإنّ الرئيس «السادات» يشاطرنا الاعتقاد بأنّه متّفق مع الإسرائيليين.
عندما انتهت المقابلة، وفي حين كان الرئيس السادات يودّعني، حذّرني مرّة أخرى من احتمال اغتيالي، وقال لي إنّني يجب أن أنتبه من السوريين.
- مناورات لتطبيق «اتفاق القاهرة»
مرّت الأسابيع التالية كما التي قبلها، دون أحداث كبيرة يمكن التوقّف عندها: مناورات سياسية وعدم استقرار في الصفّ الإسلامي، إمعان «المقاومة الفلسطينية» في الغرق في أوحال الوضع اللبناني، ازدياد استياء المواطنين... كلّ هذا في وقت راح فيه الجيش السوري يعزّز من وجوده في لبنان. وكان واضحاً أنّ سوريا باتت هي مركز الثقل في الواقع اللبناني. أمّا إسرائيل، فكانت تدخل على الخطّ بين الحين والآخر. وعلى الصعيد العربي، كانت الأوضاع بين شَدّ ومدّ، وكان واضحاً أنّ في الأفق أحداثاً كبيرة تنتظر الفرصة السانحة لتبرز. من ناحيتي، توزّعَ نشاطي بين «المقاصد»، و«التجمّع الإسلامي»، والاستجابة لصرخات الاستغاثة من المواطنين، وكنت أتشدّد أكثر وأكثر تجاه «أبو عمّار» وجماعته، لحرصي عليهم بقدر ما أحرص على «التجّمع» وعلى لبنان ككلّ، لكنّهم لم يشاؤوا أن يُصغوا إلى نصائحي.
وسط ذلك المناخ، تلقّيت دعوة لزيارة دمشق من جديد، والاجتماع بالرئيس «حافظ الأسد»، وكانت الزيارة الجديدة يوم 27 يونيو 1977، وهذه المرّة كان برفقتي النائب جميل كبي الذي كانت تلك هي المرّة الأولى التي يلتقي فيها الرئيس الأسد. والحقيقة أنّ انطباع «الكبّي» عن الرئيس «الأسد» بعد انتهاء اللقاء فاجأني؛ لأنّه كان مغايراً لما يُجمع عليه الكثيرون. المهمّ، كان الاستقبال الذي بدأ، كالعادة، عند الحدود وصولاً إلى «قصر الضيافة» في دمشق، حاملاً أسمى آيات التكريم، وهو ما أرضاني، لكنّني في الوقت نفسه لم أرتحْ كثيراً لما لمستُه فيه من مبالغة؛ إذ أحسستُ أنّه ربّما كان هناك قدْر من سوء النيّة يُبيَّتُ لي؛ إذ إنّني كنت أنا الوحيد الذي لا أزال أجرؤ على الخروج عن سلطتهم وتوجيهاتهم في لبنان. بعد «قصر الضيافة» أخذونا إلى قصر الرئاسة، حيث اجتمعنا بالرئيس «الأسد»، الذي بعد الترحيب المعتاد والكلام اللطيف والسؤال عن العائلة وعن «تمّام» و«فيصل»، أخذ دفّة الحديث ليقول إنّه يصرّ على ضرورة تنفيذ المقاومة لحصّتها من «اتفاق القاهرة»، طالباً منّا نحن، أن نعلن مطالبنا بذلك ونصرّ عليها، قائلاً إنّه سيحاول الوصول إلى التنفيذ بالتفاهم... فإن لم يُجدِ، فسيكون من الضروري، عندئذٍ، اللجوء إلى القوّة!
كرّر الرئيس الأسد، وكذلك فعل السيد عبد الحليم خدّام، أنّهم ليسوا وراء رشيد كرامي فيما يدعو إليه من «جبهة عريضة»، بل إنّهم منزعجون في الحقيقة من علاقته بالشيوعيين و«جنبلاط» و«المرابطون». قلت لهما إنّ الصورة في لبنان هي خلاف ذلك، وخصوصاً بالنسبة للاتّصالات التي يقوم بها أشخاص مثل «كمال شاتيلا» و«عاصم قانصوه» من المحسوبين على سوريا بشكل أو بآخر.
مهما يكن، فإنّ الرئيس الأسد لم يُخفِ أمامنا أنّه بات أقلّ تفاؤلا اليوم منه حين قابل الرئيس الأميركي «جيمي كارتر»، بل إنّه بات يذهب في تحليله إلى أنّ إسرائيل تتمتّع اليوم بفرصة ذهبية لشنّ حرب جديدة واحتلال أراضٍ عربية أخرى لتضع العالم، من جديد، تجاه الأمر الواقع.
والحقيقة أنّ من يتابع الأمور والتطوّرات، وخصوصاً في أميركا، يلاحظ أنّ التفاؤل الذي كان قد أشاعه الرئيس «كارتر» قبل شهرين، قد أخذ ينقلب إلى شيء من التشاؤم بعد وصول مناحيم بيغن وأحزاب اليمين الإسرائيلي المتطرّف إلى رئاسة الحكومة، وعلى ضوء الهجمة الصحافية وهجمة «الكونغرس» اللتين تجابهان الرئيس «كارتر» وحكومته، في هذا الصدد.
وكان الرئيس «السادات» قد وصف لي خلال زيارة قمت بها لمصر قبل أسابيع مقابلاته الخاصّة والعامّة مع «جيمي كارتر»، مؤكّداً أنّه اتفق وإيّاه على عقد «مؤتمر جنيف» والوصول إلى إقرار السلام قبل نهاية العام. ومع أنّ الرئيس «كارتر» أعلن عزمه على ذلك مرّة أخرى قبل أيّام، فإنّ من يتتبّع الأمور عن قرب يدرك جسامة المَصاعب والعقبات التي تواجه الرئيس الأميركي في «الكونغرس» والإعلام، كلما حاول أن يضغط على «إسرائيل وأن يفرض عليها شيئاً، وهذه ثابتة من ثوابت الوضع السياسي الأميركي. وأذكر هنا أنّني حين نجح «بيغن» وحزبه في الانتخابات الإسرائيلية ووصل اليمين المتطرّف إلى السلطة للمرّة الأولى، لاحظتُ ضخامة الحملة الإعلامية التي شُنّت ضدّه، فقلت لمن حولي «الله يجيرنا من هجمة صهيونية مضادّة». والواقع أنّ هذه الحملة ما لبثت أن بدأت، وبدا واضحاً أنّ «كارتر» سوف يكون ضحيّتها هو وكلّ أحلامه السلمية، اللهمّ إلّا إذا وجد في أوساط العرب تجاوباً معه يتمثّل في تنازلات إزاء تصلّب إسرائيل!
في أواخر يونيو، قابلتُ الرئيس سركيس، فوجدتُه قانطاً يائساً من إمكان قيامه بأي خطوة جدّية قبل حلّ قضيّة تنفيذ «اتفاق القاهرة»، ومع هذا فإنّه يعلّق بعض الأمل على نتائج الرحلة التي يقوم بها الوزير فؤاد بطرس للبلاد العربية (مصر، السعودية، الكويت) قائلاً، إنّ الأمير فهد بن عبد العزيز سيدعو إلى مؤتمر قمّة سداسيّ، يضع فيه المؤتمِرين أمام مسؤوليّاتهم، ويصرّ على الفلسطينيين لتنفيذ الاتفاقات المعقودة معهم.
أمل إلياس سركيس يكمن هنا فقط، أمّا المشكلة الأساسية فتكمن في المعارضة الشرسة التي يلقاها من قبل «الجبهة اللبنانية» ممثّلة بالرباعي «شمعون»/«فرنجيّة»/«الجميّل»/«قسّيس».
قبل يومين، كان قد تناول الغداء عندي سفير الولايات المتّحدة الأميركية «ريتشارد باركر» الذي أحضر لي معه النصّ الأصلي لبيان كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أصدرتْه في اليوم السابق، ولفتني في البيان أنّه يعيد إلينا شيئاً كثيراً من التفاؤل، بعد أن كانت الغيوم قد تلبّدت كثيراً، إثر هجوم الإعلام الصهيوني و«الكونغرس» على الرئيس جيمي كارتر.
بعد أيّام زارني أمين الجميّل برفقة المحامي عبد الحميد الأحدب، وكانت هذه هي المرّة الأولى التي يجري فيها حديث طويل بيننا، وكان همّي الأوّل أن أدرس شخصيّته وأحدّد أهدافه وخلفياته وأستنتج إثر ذلك قيمته الحقيقية. كان مثل والده كثير الكلام، تكلَّم وحده أكثر من نصف ساعة وكان حديثه مزيجاً من الشرق ومن الغرب، المهمّ أنّني لاحظت أنّه متضايق مما يسمّيه «جبهة الكفور»، مستعملاً هذا الاسم بدل اسم «الجبهة اللبنانية»، وهذا الأمر كشف لي بالملموس واقع الخلافات التي كنّا نسمع عنها ولا نعرف لها تقييماً حقيقياً، وانتهى أمين الجميّل إلى اقتراحٍ يرمي إلى أن نضع اتفاقاً لمخطّطٍ مشترك نرسمه أنا ووالده بيار الجميّل، ونذهب به إلى رئيس الجمهورية لنعرضه عليه، ومع هذا قال أمين الجميّل، إنّ الآمال التي كانت معقودة على رئيس الجمهورية قد تبخّرت.
حدّثتُه عن إمكانية تفاهم مع الفلسطينيين لإنقاذ الجنوب ومنع الخطر عن كلّ لبنان، قال «إنهم كذابون!» قلت «لكنّهم اجتمعوا بأخيك بشير وبعدد من رفاقه الكتائبيين». قال «أخي بشير لا يفهم شيئاً، ولا يطلع منه شيء!» ولم أكن في حاجة إلى أكثر من هذا الدليل، حتى أتأكّد من الأخبار التي كانت لا تكفّ عن الحديث عن صراع عنيف بين الأخوين. بالنسبة إلى أمين الجميّل، لمستُ أنّ اختلاط كلّ الأمور في حديثه لا يجعله قادراً على أن يشكّل ثقلاً ليفاوض ويفاوَض. ولكن لا شك في أنّه استخدم مهارته لكي يرمي الطابة، في نهاية الأمر، في ملعبي، بحيث يمكنه في المستقبل أن يلقي اللوم علي قائلاً «لقد زرتك وحدّثتك بصراحة وطلبت منك المساهمة في وضع ورقة عمل لكنّك لم تفعل!». لذلك؛ وتحسّباً لهذه «الشطارة»، طلبتُ من عبد الحميد الأحدب، على حدة، أن يتّصل بمن يعرفهم في «الكتائب» من القوم المعتدلين والمنفتحين، من أمثال إبراهيم النجار، ليطلب منهم أن يضعوا، هم، ورقة العمل.
- قيادات المقاومة في الحضيض
في اليوم التالي زارني «أبو إياد» بعد طول جفوة وافتراق؛ إذ كنت لا أكفّ عن تحميله مسؤولية مساندة الشيوعيين و«المرابطون» في محاولاتهم لاقتحام منطقتنا، التي أوقفناها بعنف. مهما يكن، كنت أشعر بأنّ قيادات المقاومة في الحضيض، والوقت ليس وقت معاتبات، فأنا بعد كلّ شيء أحرص على القضيّة الفلسطينية من قيادات المقاومة نفسها. أخبرت «أبو إياد» بما جرى مع شمعون، وقلت له، إنّ هاني الحسن يلحّ علي بضرورة وصلهم بالقيادات المارونية، فرحّب بذلك كثيراً، لكنّه لم يصدّق أن كميل شمعون رضي بالاجتماع بـ«أبو عمّار»، هو الذي كان دائماً يصرّ على رفض ذلك، قلت له إنّ ما يجعلني أعتقد أنّ شمعون جادٌّ هذه المرّة فيما يقول هو أنّه أضاف لرفيق شاهين، الذي تولّى الوساطة بيننا، أنّني إذا وافقت على اقتراحه عليّ أن أخبره بذلك حتى يتدبّر الأمر مع أصحابه (ومع السوريين) كي لا يقوم هؤلاء بإفساد الأمر، معنى هذا أنّ «شمعون» يدرك أنّ هذا الأمر لا يروق السوريين!
عندما أشرتُ أمام «أبو إياد» إلى ما أعتقده من وجود خلافات وضروب منافسة بين قيادات المقاومة، وإلى انعدام الثقة بين هذه القيادات، وبـ«أبو عمّار» شخصياً، شاء «أبو إياد» أن يؤكّد لي تضامنهم فاقترح أن يبعث لي بالموافقة على هذه الخطوات مع «هاني الحسن» بالذات، علماً بأنّ الشائع هو أنّ الخلاف بين «هاني الحسن» و«أبو إياد» شخصياً على أشدّه، إلى درجة أنّ البعض عزا طلب زيارتي اليوم بالذات إلى ما رآه «أبو إياد» من تكرار زيارات «هاني الحسن» لي.
على أي حال، عاد هاني الحسن من دمشق بعد يومين، ليحدّثني فور زيارته لي عن لقاءاته بـ«ناجي جميل» و«محمد ناصيف»، ونقل إليّ معلومات تفيد بأنّ الأوضاع مضطربة في سوريا، وأنّ الوضع الاقتصادي متردٍّ، وقبل خروج «هاني الحسن» من عندي، وصل القاصد الرسولي (سفير الفاتيكان) فعرّفتُه إليه ورتّبتُ له موعدا لزيارته في الغد، ففرح بذلك كثيراً.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.