عاصفة اعتراضات على خطة النهوض بالقطاع المالي اللبناني

«الشرق الأوسط» تعرض التوجهات الاقتصادية الرئيسية للحكومة

TT

عاصفة اعتراضات على خطة النهوض بالقطاع المالي اللبناني

حجب الاهتمام الواسع بملحق توجهات الحكومة اللبنانية للنهوض بالقطاع المالي، الأهمية الموازية وربما الأعلى التي تحوزها البنود الأساسية الواردة تحت اسم مذكرة السياسات الاقتصادية والتي تشكل محاور خطة التعافي التي سيتم استكمال التفاوض بمضامينها مع إدارة صندوق النقد الدولي، بموجب الاتفاق التمهيدي الموقع بين الطرفين.
وريثما يتم حسم مجرى التطورات المقبلة ووجهتها وخصوصا بشأن ما ستستقر عليه الوضعية الحكومية بين طول فترة «تصريف الأعمال» وبين التوافق على تأليف حكومة جديدة، يرجح أن ترتفع حماوة التحفظات والاعتراضات التي دشنها وزراء يمثلون جهات سياسية فاعلة إلى أوساط هيئات القطاع الخاص والنقابات المهنية، لتشمل المزيد من المقاربات والاقتراحات التي تتضمنها الخطة بكاملها، وبحيث لا تقتصر على الجهاز المصرفي الذي رفع الصوت ضد تحميل المودعين والبنوك الحمل الأكبر من أثقال الفجوة المالية المقدرة بنحو 37 مليار دولار.
وينوه مسؤول اقتصادي في اتصال مع «الشرق الأوسط» إلى أن الإشارة المرمزة التي أطلقتها الهيئات الاقتصادية الممثلة لمكونات القطاع الخاص ومفادها «أن النهوض بالبلد يتطلب تنفيذ خطة تعاف اقتصادي ومالي موثوقة وعادلة، إلا أن ذلك رهن وجود إدارة متمكنة وإرادة سياسية وطنية خالصة، التي من دونها لن تنفع الخطط والبرامج الموجودة أصلاً وبكثرة»، تستبطن تحركات منسقة لاحقة يرجح أن تبلغ ردهات صندوق النقد لتبيان حقيقة مخالفة الحكومة لمبدأ تأمين وحشد أوسع تغطية سياسية واقتصادية ونقابية لمندرجات خطة الإنقاذ الموعودة.
ويلاحظ أن المؤشرات الطارئة بعيد إنجاز استحقاق الانتخابات النيابية، من استئناف عواصف النقد والغلاء وبحدة قياسية وغير مسبوقة، وتزامنا مع بدء مضاعفة أكلاف الخدمات والرسوم الحكومية، يوجب إعادة ترتيب الأولويات وحشد الجهود توخيا لكبح الانزلاق إلى ارتطام عنيف بقعر أعمق للانهيارات المستمرة على الصعد كافة. وهذا ما يقتضي الخروج سريعا من حال التصادم بشأن الخطة عبر إعادة فتح النقاش بتوجهاتها مع الأطراف المعنية كافة، ولا سيما مع الكتل النيابية السابقة والوافدة التي جرى تجاوز مواقفها من اقتراحات القوانين التشريعية الواردة ضمن تواريخ محددة، وكأن إقرارها مضمون مسبقا.
ويشير المسؤول إلى تناقض صريح في التوجهات الحكومية الواردة في الخطة. فبعدما تلقي بالحمل الأكبر من الخسائر على المودعين والمصارف، بما يجهض أي مبادرات ادخارية أو استثمارية لاحقة، تورد في برنامجها الاقتصادي أن الحكومة «سوف تعمل على تحسين بيئة الأعمال، وتؤمن فرصاً متكافئة لتحفيز الاستثمار. وسينصب التركيز على تعزيز الإنتاجية في القطاعات الاقتصادية كافة، مع التشديد على اقتصاد المعرفة باعتباره من العوامل القوية المحركة للنمو، وسوف تتولى الحكومة تهيئة المناخ التنظيمي المناسب، فضلاً عن رسم السياسات الداعمة لازدهار النشاط الاقتصادي. وفي هذا الصدد، فإن تعزيز الخدمات المالية الرقمية، وتدعيم إطار الملكية الفكرية، وتوفير خدمات إنترنت منخفض التكلفة وعالي السرعة، وزيادة التغذية بالطاقة الكهربائية، كل ذلك من شأنه المساعدة على بناء اقتصاد المعرفة القائم على الابتكار».
وتقر الحكومة بأن استعادة الملاءة المالية تعد أولوية ملحة لتعزيز الثقة في الدولة وتقديم الخدمات الحيوية العامة. فبعد سنوات عديدة من العجز الكبير، وضعف الإيرادات، والهدر والإفراط في الإنفاق، وتضخم الدين العام إلى مستويات غير مستدامة، وقد أصبح جزء منه الآن ضمن المتأخرات على الحكومة بعد عجزها عن السداد. في أعقاب الأزمة، انهارت الإيرادات المالية، وأدت موارد التمويل المحدودة إلى انكماش حاد في الإنفاق، وإدارة عامة تكاد لا تؤدي أبسط مهامها، وسوف يستدعي ذلك بذل جهود لا يستهان بها على مدى سنوات عديدة لاستعادة استدامة الدين وخلق حيز مالي للإنفاق في المجالات ذات الأولوية التي تشتد الحاجة إليها كالحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والبنية التحتية.
لكن الإقرار بمسببات أزمة المالية العامة التي خنقت الاقتصاد والمجتمع، لا تقترن بمعادلات موضوعية وحكمية لمقاربة المعالجات الصائبة، بل هي تمعن في سياسات الإنكار والتنصل من المسؤوليات والموجبات. فتقول الحكومة: على المدى القصير، تنصب جهودنا فيما يتعلق بالمالية العامة على معالجة الوضع الطارئ والناتج عن الأزمة المتشعبة، كما واحتواء مكامن الخلل. علما بأنه لم تظهر أي جهود جادة في هذا الاتجاه.
وفي هذا الصدد، تورد المذكرة ما لم يتم تشريعه كقانون نافذ حتى الساعة، ما يشي بأن الصياغة افترضت مصادقات لم تحصل فعلا. فهي تذكر «أن الموازنة التي تم اعتمادها أخيراً لعام 2022 تسمح بارتفاع العجز المالي إلى 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لدعم الإنفاق الاجتماعي الأكثر أهمية وتخفيف العبء عن الفئات الأكثر ضعفاً والبدء في معالجة الأثر الاجتماعي للأزمة على السكان، ومن شأنها أيضاً المساهمة بالتعافي الجزئي في جانب الموارد البشرية وغيرها من النفقات التي تآكلت بشكل كبير في العامين الماضيين بسبب تفاقم التضخم».
لكن، وعلى وجه الخصوص، يحسب للحكومة أنها استجابت بقرارات ذات طابع استثنائي لضرورات تحسين المداخيل عن طريق تخصيص المنح الاجتماعية لاستئناف الخدمات العامة التي كانت على وشك الانهيار، رغم أن ذلك الإجراء لم يقطع شوطاً طويلاً في درء التدهور الحاد في رواتب القطاع العام.
وفي المقابل، يلفت المسؤول المالي إلى حقيقة مساهمة الدولة في تأجيج الغلاء الذي يحاصر جموع المقيمين وجلهم بنسبة 83 في المائة من الفقراء، حيث يرد في المذكرة صراحة «ستركز جهودنا المتعلقة بالإيرادات على إعادة بناء قدرة تحصيل الضرائب ورسوم الجمارك من خلال تعزيز الإدارة وتحسين الامتثال الضريبي. بالإضافة إلى ذلك، سيتم تقييم التعريفة الجمركية على الواردات بسعر الصرف الرسمي الموحد الجديد وسنضيف رسوماً عدة أخرى. ويُغَطى العجز المستهدف في موازنة الدولة من التمويل المتاح خارجياً، وسنبتعد عن التمويل المحلي نظراً إلى مواطن الضعف الحالية وهشاشة القطاع المصرفي».
ومع الإقرار المسبق بعدم قدرة لبنان على الوصول إلى أسواق المال العالمية، تعول الحكومة من دون أي ضمانات محققة بأنه «سيكون جميع ما نحصل عليه من تمويل تقريبا من المصادر الدولية الرسمية». وذلك بهدف تقليل الدين العام إلى ما دون 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2026، إلى 76 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2032، وسيتحقق ذلك من خلال مجموعة من الإجراءات منها ضبط أوضاع المالية العامة، ووضع سياسات تُعزز النمو وإصلاح المالية العامة وإعادة هيكلة الدين. سنقوم بتخفيض احتياجاتنا التمويلية الإجمالية إلى ما متوسطه 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2022 - 2032، وبما لا يزيد على 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في أي عام.
ومن دون عناء التفكير والتحديد، وفقا لوصف المسؤول المالي، بكيفية تدبير مصادر التمويل على المديين المتوسط والطويل، تستهدف الاستراتيجية المالية للحكومة وضع الدين على مسار تراجعي من خلال إدخال تعديلات مالية تدريجية تصحبُها إصلاحات دائمة واستراتيجية لإعادة هيكلة الديون. وفي النص: لقد اتفقنا، ووافقنا على استراتيجية متوسطة الأجل للمالية العامة واستدامة الدين من شأنها إفساح المجال لزيادة الإنفاق على الجانب الاجتماعي والبنية التحتية مع ضمان الاستدامة المالية.
وفي التفصيل غير المضمون واقعيا وفق المفاهيم المسار الحالي وحيثياته، سيستهدف البرنامج إجراء تعديلات تراكمية في الرصيد الأولي يبلغ نحو 6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وتحقيق فائض أولي بنسبة 1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي بحلول العام 2026 بما يتسق مع القدرة على تحمل الدين والتمويل الخارجي المتاح. وسيحقق هذا التعديل توازناً مناسباً بين حاجة لبنان إلى تعزيز ماليته العامة ومساهمات الدائنين عن طريق عملية إعادة هيكلة الدين. وفي الوقت ذاته، سيفسح مجالاً للإنفاق الضروري ذي الأولوية على البرامج الاجتماعية المستهدفة، وإعادة إعمار مرفأ بيروت وتنميته. وتحقيقاً لهذه الغاية، سيوافق مجلس النواب على موازنة 2023 والإطار المالي المتوسط المدى للفترة من 2023 إلى 2025 بما يتفق مع أهداف البرنامج.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
TT

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري، بوصفها أحد العوامل الأساسية المؤثرة في مسار القرار الداخلي. وبينما يفرض الواقع تواصلاً مستمراً وتنسيقاً على مستوى المؤسسات، تكشف التطورات الأخيرة عن تباينات واضحة في المقاربات السياسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتفاوض مع إسرائيل لوقف الحرب، وهو ما يضع العلاقة أمام اختبار فعلي في ظل تعقيدات المرحلة والتحديات المتزايدة على الداخل اللبناني والمسؤولين في بيروت.

وفيما كان لافتاً كلام رئيس الجمهورية، الأربعاء، بتأكيده أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام»، يتقاطع التباين بين عون وبري من موقع كل منهما ضمن التموضع السياسي للأفرقاء اللبنانيين، حيث يرتبط بري بتحالف وثيق مع «حزب الله» الذي يقود حملة ضد الرئيس عون على خلفية التفاوض مع إسرائيل، في حين يسعى الأخير إلى تقديم مقاربة أكثر مرونة تجاه المجتمع الدولي ولا تدفع باتجاه مواجهة داخلية، ما يضع العلاقة بينهما ضمن إطار «شدّ الحبال» السياسي المستمر.

من الاطمئنان إلى الخلاف

وآخر لقاء كان قد جمع بري وعون كان في 23 مارس (آذار) الماضي، خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، وعبّر حينها عن ثقته بما يقوم به الرئيس عون عند سؤاله عما إذا كان مطمئناً للوضع الداخلي، قائلاً: «بوجود فخامة الرئيس أنا مطمئن».

أما اليوم، ومع التبدلات التي طرأت على الوضع الداخلي اللبناني، والاختلاف في مقاربة بعض الأمور الأساسية بين الطرفين، وعلى رأسها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهي التي أعلن بري رفضه لها، يطرح السؤال عما إذا كان بري لا يزال مطمئناً أم أن التوتّر دخل إلى العلاقة بينهما، لا سيما بعد تأجيل الاجتماع الثلاثي الذي كان مقرراً الأربعاء في القصر الرئاسي ليجمع بين عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام للبحث في المفاوضات مع إسرائيل، بحيث أشارت بعض المعلومات إلى أن السبب كان الخطاب الأخير للرئيس عون الذي توجه به إلى «حزب الله» رداً على حملات التخوين ضده قائلاً: «الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية».

مبنى مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة صور (رويترز)

تواصل مستمر ولقاء مؤجل

ومع إقرارها بالاختلاف في وجهات النظر، تصف مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية العلاقة بين عون وبري بـ«الجيدة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات مستمرة بينهما، وأن آخر اتصال بينهما كان مساء الثلاثاء.

وهذا الأمر يؤكده النائب في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري، علي خريس، رابطاً اللقاء بوقف إطلاق النار، ويقول: «الاتصالات بين الطرفين لم تنقطع، وكان آخرها مساء الثلاثاء بحيث الأولوية تبقى لتكريس وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أنه بعد ذلك قد يحصل اللقاء.

ويوضح خريس: «ليس هناك تباعد أو انقطاع بين الطرفين، إنما هو اختلاف في وجهات النظر حول آلية التفاوض، بحيث ندعم خيار المفاوضات غير المباشرة، في حين أخذ رئيس الجمهورية خيار المفاوضات المباشرة».

من هنا، يشير خريس إلى أن المشاورات مستمرة بوتيرة مكثفة، بانتظار ما ستسفر عنه في المرحلة المقبلة، مؤكداً «أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو وقف العدوان على لبنان وترسيخ التهدئة، خصوصاً في ظل استمرار سقوط ضحايا من المدنيين والصحافيين وعناصر الدفاع المدني، بما يعكس واقعاً ميدانياً يتناقض مع الحديث عن وقف لإطلاق النار ولا يمت إليه بصلة».

بدورها، تؤكد المصادر الوزارية أن جهود الرئيس عون تنصب لتكريس وقف إطلاق النار، مؤكدة «أن اللقاء سيحصل في وقته».

سيدة تصلي أمام تمثال مار شربل على مقربة من صور معلقة في الشارع دعماً لرئيس الجمهورية جوزيف عون (أ.ف.ب)

منسى موفداً من عون وسلام إلى المجلس الشيعي

وسجل يوم الثلاثاء زيارة وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، كما إلى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ناقلاً تحيات رئيسي الجمهورية والحكومة.

وقال منسى إنه «يقوم بجولة على القيادات الروحية للمساهمة في جمع البلد على كلمة واحدة»، فيما أكد الخطيب «ضرورة التفاهم الوطني على كل الأمور؛ لأننا لن نصل إلى نتيجة من دون هذا التفاهم ومن خلال المبادرات الفردية».

وفي إشارة واضحة إلى الخلاف حول المفاوضات مع إسرائيل، قال الخطيب: «نحن نريد النجاح لفخامة الرئيس، وقد أيدناه ودعمناه، ولكن يجب أن تحظى كل خطوة بإجماع وطني، وننصحه بالاستعانة بخبرة وحكمة دولة الرئيس نبيه بري».


تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي في بكركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان، عبر دعم مسار الدولة ومؤسساتها وتعزيز مناخات التلاقي الوطني في مقاربة تستند إلى فرضية «اكتمال الفواجع الرمزية والعودة إلى القواسم المشترك» كونها مدخلاً لمرحلة جديدة من التلاقي الوطني.

وقال بيان صدر عن البطريركية المارونية إنه جرى خلال اللقاء «التركيز على سُبل تعزيز الاستقرار في لبنان ودعم مسار الدولة ومؤسساتها». ونقل السفير بخاري للراعي تحيّات القيادة السعودية، مشيداً بالدور «الوطني والروحي الذي يضطلع به غبطته»، ومؤكداً أنّ المرحلة الراهنة تحتاج إلى حكماء يعملون على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار، ودعم الرئاسات الدستورية في مقاربتها للتحديات القائمة. كما شدّد على أنّ «بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأنّ ترسيخ الولاء للوطن يبقى الركيزة الأساسية لأي نهوض مستقبلي».

لقاء يجمع البطريرك الراعي والسفير بخاري في مقر البطريركية المارونية (الوكالة الوطنية للإعلام)

الحكمة السياسية والعقلانية في إدارة المرحلة

وتناول الحديث مقاربة فكرية - تاريخية للوضع اللبناني، مستنداً إلى قراءات في أعمال عدد من المؤرخين والمفكرين، وفي مقدّمهم فيليب حتي وكمال صليبي وأسد رستم، حيث طُرحت فكرة «اكتمال الفواجع الرمزية» لدى مختلف مكوّنات المجتمع اللبناني، بما قد يفتح الباب أمام العودة إلى القواسم المشتركة الجامعة، بعيداً من منطق الانقسام. وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أنّ التاريخ اللبناني، بما يحمله من محطات متكررة، يدعو إلى استخلاص العِبَر، تفادياً لتكرار الأزمات، والانطلاق نحو مرحلة جديدة قوامها التلاقي الوطني.

كما شدّد المجتمعون على أهمية «الحكمة السياسية والعقلانية في إدارة المرحلة، معتبرين أنّ الانتصار الحقيقي لا يكون بالقوة، بل بالقدرة على بناء توافقات وطنية صلبة». وتمّ التأكيد على ضرورة استثمار اللحظة الراهنة لتفادي ضياع الفرص، والانطلاق نحو رؤية مستقبلية تعزّز الشراكات مع الدول الشقيقة والصديقة التي تكنّ محبة صادقة للبنان.

دعم المبادرات الحوارية واللقاءات الوطنية

وتطرّق اللقاء إلى أهمية دعم المبادرات الحوارية، ولا سيما اللقاءات الدينية والوطنية الجامعة، لما لها من دور في تثبيت الاستقرار وتعزيز روح التلاقي بين مختلف المكوّنات، مع التأكيد على أن نجاح هذه المبادرات يفتح آفاقاً جديدة أمام الحلول البنّاءة.

بدوره، شدّد الراعي على أهمية التمسك بالثوابت الوطنية، والعمل على صون كرامة الإنسان اللبناني ومستقبله، معبّراً عن تقديره للجهود المبذولة في سبيل دعم لبنان واستقراره. وأكد أن المرحلة «تتطلب وعياً جماعياً ومسؤولية وطنية، من أجل حماية الوطن وإعادة بنائه على أسس متينة».


«حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس»)
قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس»)
TT

«حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس»)
قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس»)

أفاد مصدران في حركة «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، الأربعاء، بأن الحركة استأنفت مسار انتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي، إلى حين انتخاب أعضاء المكتب بشكل كامل.

وتعيد هذه الخطوة الزخم إلى المنافسة على رئاسة الحركة بعد تعثرها لمرتين على الأقل في يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط) الماضيين.

وقال المصدر من داخل غزة لـ«الشرق الأوسط» إن ما وصفها بـ«الأوضاع التي كانت تعرقل إجراء الانتخابات قد تم الانتهاء منها، وباتت هناك فرصة لاستئناف العملية الانتخابية».

واكتفى المصدر بالقول إن «الأوضاع المقصودة» بعضها كان يرتبط بـ«خلافات داخلية تنظيمية في القطاع، وبعد تسويتها تقرر استئناف العملية الانتخابية» إلى جانب «الأوضاع الخارجية السياسية والأمنية والمفاوضات التي تجريها الحركة».

عناصر من الدفاع المدني الفلسطيني يفحصون مركبة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

وتواجه «حماس» أزمة هي الأعنف منذ تأسيسها عام 1987؛ إذ طالت الاستهدافات الإسرائيلية التي بدأت بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مختلف أجنحتها ومستوياتها، مما تسبب في أزمات تنظيمية ومالية عدة.

وتُشير التقديرات إلى أن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي في الخارج، وخليل الحية رئيس المكتب السياسي في غزة، هما الشخصيتان الأكثر حظوظاً لإمكانية تولي رئاسة المكتب السياسي.

ويذهب مراقبون وشخصيات داخل وخارج «حماس» إلى أن الحية مدعوم من عناصر الحركة في داخل غزة و«كتائب القسام»، (الذراع العسكرية للحركة)، بينما ترتفع أسهم مشعل في أوساط الحركة بالضفة والخارج.

وشرح المصدر من خارج القطاع لـ«الشرق الأوسط» أن «انتخاب الرئيس الجديد للحركة سيجري في جميع الساحات المتاحة (داخل غزة وخارجها والضفة) حسب الظروف وقدر الاستطاعة، على أن تُحسم في الفترة القليلة المقبلة».

ومنذ عام ونصف العام تقريباً يُدير «مجلس قيادي» شؤون «حماس»، وفي مطلع العام الحالي بدأ حراك جديد لانتخاب رئيس جديد يقود الحركة في الفترة المتبقية من دورة المكتب السياسي الحالي (كانت تنتهي عام 2025 وتم تمديدها عاماً إضافياً)، إلى حين إجراء انتخابات عامة نهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل.

وكانت هناك محاولة لإجراء انتخابات رئاسة الحركة في منتصف فبراير الماضي، غير أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران عطلتها، وفق ما قالت مصادر حينها.

وستقتصر الانتخابات على اختيار رئيس جديد للمكتب السياسي يقود «حماس» في الداخل والخارج، ولن تكون هناك انتخابات شاملة للمكتب قبل نهاية العام الحالي أو بداية عام 2027.

وسيتحول المجلس القيادي الحالي، الذي يضم قادة «حماس» في قطاع غزة والضفة الغربية والخارج، وأمين سر الحركة، ويقوده رئيس مجلس الشورى، محمد درويش، ليصبح مجلساً استشارياً يتابع كل قضايا «حماس» داخلياً وخارجياً، ويتم التشاور بين أعضائه بشأن مصير تلك القضايا.