وزير الاقتصاد السعودي: قدمنا نموذجاً عالمياً لقيادة مسؤولة وتحول اقتصادي مستدام ركيزته الإنسان

الإبراهيم قال لـ «الشرق الأوسط» إن 40 % من رواد الأعمال في المملكة من النساء

وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم (واس)
وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم (واس)
TT

وزير الاقتصاد السعودي: قدمنا نموذجاً عالمياً لقيادة مسؤولة وتحول اقتصادي مستدام ركيزته الإنسان

وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم (واس)
وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم (واس)

خيمت أجواء من التوتر على أول منتدى اقتصادي عالمي ينعقد حضورياً منذ عامين، وهيمنت على أعماله بوادر ركود اقتصادي عالمي واختلال سلاسل الإمداد وتحذيرات بيئية.
في خضم هذه التحديات، ترسم السعودية صورة مشرقة، محورها قصة تعافٍ قوي وإصلاحات اقتصادية مُثمرة. يقول فيصل الإبراهيم، وزير الاقتصاد والتخطيط، إن السعودية لعبت دوراً قيادياً في المنطقة والعالم خلال أزمة «كوفيد - 19»، مضيفاً في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال «دافوس»، أنها قدمت نموذجاً عالمياً لقيادة مسؤولة وتحول اقتصادي مستدام ركيزته الإنسان.
يشارك الإبراهيم في أعمال المنتدى ضمن وفد يرأسه وزير الدولة عضو مجلس الوزراء إبراهيم العساف، ويضم الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية، ووزير الاستثمار خالد الفالح، ووزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله السواحه، والأميرة هيفاء بنت محمد مساعدة وزير السياحة.
واستعرض الإبراهيم أولويات وزارته لتحقيق أهداف «رؤية 2030»، مسلطاً الضوء بشكل خاص على الاستثمار في إمكانات الشباب الذين اعتبرهم «رأس مالنا الأول»، وتمكين المرأة التي أصبحت تشارك في سوق العمل بمعدل 36 في المائة، وتنويع الاقتصاد، وفصل النمو على الإنفاق العام.
وفيما يلي نص الحوار:
> تلعب وزارة الاقتصاد والتخطيط دوراً محورياً في تحقيق أهداف «رؤية 2030». ما هي أولوياتكم، وكيف تعملون على تحقيقها؟
- وُضعت «رؤية 2030» لمواكبة تحديات المستقبل. كان بعض هذه التحديات معروفاً مسبقاً، فيما تم تحديد البعض الآخر بعد دراسات. ولعل أبرزها الحاجة إلى تنويع الاقتصاد. فهيكل اقتصاد المملكة يعتمد اليوم على نشاط الإنفاق الحكومي بشكل كبير، الذي يقوم بدوره على سعر منتج واحد هو النفط.
نهدف اليوم إلى فصل النمو الاقتصادي عن نشاط الإنفاق الحكومي، ليلعب كل من القطاع الخاص والاستثمار والمستهلك دوراً في دفع النمو. ونعمل لمعالجة هذا التحدي وفق مسارين؛ الأول عبر ربط رأس المال النوعي بالفرص النوعية الموجودة في المملكة، التي تتزايد بفضل التغيرات التي نشهدها.
وتهدف هذه الفرص النوعية إلى خلق وإيجاد منتجات وخدمات تنافس إقليمياً وعالمياً. أما المسار الثاني فهو الاستثمار بشكل أكبر في شباب المملكة، فهم كنزنا الواعد ورأس مالنا الأول. ونسعى عبر هذا الاستثمار إلى التقدم نحو قطاعات تعتمد على المعرفة، بحيث تتحقق أهداف تنويع الاقتصاد مع الارتقاء بقدرات وكفاءات القوى العاملة والكوادر الوطنية. علماً بأن 60 في المائة من الشعب السعودي لم يتجاوز 30 عاماً، وهم يمثلون إمكانات غير مستغلة. وهذه فرصتنا للاستثمار بشكل أكبر في شبابنا الواعد.
> تشهد سوق العمل إقبالاً واسعاً من طرف النساء. كيف مكنت الإصلاحات المرأة، وما هي المجالات الجديدة التي عززت وجودها بها؟
- استهدفت «الرؤية» رفع معدل مشاركة المرأة في سوق العمل من 17 إلى 30 في المائة بحلول 2030، بلغ هذا المعدل اليوم 36 في المائة، ما يعني أننا تجاوزنا الهدف الذي حددته الرؤية. ويعكس هذا الإنجاز ما يتم تحقيقه من جهة تمكين المرأة، وهذه النتائج رصدتها التقارير والمؤشرات الدولية، حيث حققت المملكة قفزات نوعية غير مسبوقة في تقرير «المرأة، أنشطة الأعمال، والقانون» الصادر عن مجموعة البنك الدولي، وسجلت علامات كاملة في مجالات مثل التنقل وبيئة العمل والأجور وريادة الأعمال والتقاعد.
40 في المائة من رواد الأعمال في السعودية سيدات، غالبية الطلاب على وشك التخرج اليوم هم من النساء، كما نشهد قيادات نسائية في قطاعات مختلفة، سواء كانت تقليدية مثل المؤسسات الحكومية والسفارات، أو في المؤسسات المالية والبورصة وقطاع الأعمال وغيرها.
> كيف تقيم تعافي الاقتصاد السعودي عقب انحسار الجائحة؟
- أثناء الجائحة، كان أداء اقتصادنا «سالب» 4.1 في المائة، وقفز النمو بعد ذلك إلى 3.2 في المائة، أما اليوم فإننا نتوقع نمواً يعادل 7.4 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وقد حدث صندوق النقد الدولي في الفترة الأخيرة توقعاته لنمو اقتصاد السعودية ليصل إلى 7.6 في المائة في 2022، بزيادة 2.8 في المائة عن توقعات الصندوق السابقة.
نولي اهتماماً خاصاً بتسريع معدلات نمو القطاع غير النفطي، باعتباره المؤشر الرئيسي لنجاح سياسات استدامة النمو وتنويع الاقتصاد. وقد شهدنا تسجيله نمواً بمعدل 4.7 في المائة العام الماضي، ونسعى للحفاظ على هذا النمو أو تجاوزه هذه السنة.
وفي الربع الأول من هذا العام، نما الاقتصاد السعودي بمعدل 9.6 في المائة، محققاً أعلى معدلات نمو منذ عام 2011، وكلها مؤشرات إيجابية.
أتاحت لنا الجائحة فرصة لاختبار مرونتنا الاقتصادية وجدوى التحولات التي قمنا بها. وشهدنا بالفعل قيمة هذه الإصلاحات، سواء كان من ناحية القطاعات التي نجحنا في تفعيلها بفضل خطوات وقرارات حازمة، أو الاستثمار في البنى التحتية والبنى التحتية الرقمية.
شهدنا كذلك أهمية وجود سياسة حكومية ديناميكية، ورسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية وفق معطيات ودلائل علمية.
والجائحة كانت فرصة لإظهار أهمية ما نعتمده من سياسات محورها الإنسان. ومع انحسار الوباء، أطلقنا رحلة التعافي الاقتصادي بشكل أسرع وأكثر ابتكاراً، وهذه المهمة تخضع لتطوير دائم بما يترافق مع ما نراه في المشهد الاقتصادي المحلي والإقليمي والدولي.

> أطلقتم مشروع تحديث التعداد في السعودية. حدثنا عن أهدافه والتقدم المحرز حتى اليوم...
- تقوم الدول عادة بتعداد سكانها مرة كل عشر سنوات. لم نستطع القيام بالتعداد العام للسكان والمساكن في 2020 بسبب الجائحة، وقررنا تأجيله لمدة سنتين، ونحن اليوم بصدد استكماله. هذه المرة الأولى التي نقوم بالتعداد بشكل رقمي ونتيح العد الذاتي، كما أنها المرة الأولى التي تشارك فيه المرأة بشكل كبير. كنا نهدف لأن تشكل النساء بين 10 و12 في المائة من إجمالي الباحثين الميدانيين، وتجاوزنا هذا الهدف إلى 20 في المائة.
شهدنا تقدماً كبيراً على صعيد العد الذاتي والعد الميداني خلال الفترة الماضية. فبيانات التعداد مهمة للغاية لرسم السياسات الاقتصادية والتخطيط المبني على منهجيات علمية. وكلما كانت البيانات أفضل، كلما كانت الأسس التي يعتمد عليها صناع القرار أسلم.
نسعى، بعد استكمال التعداد، إلى استخدام هذه البيانات من طرف هيئة الإحصاء، لتحديث عدة معطيات بشكل دوري بدل الانتظار لفترة عشر سنوات، بحيث نعزز قوة الاقتصاد وندعم مرونة السياسات وسرعتها في عملية اتخاذ القرار.
> تهدف السعودية لتصبح وجهة سياحية رائدة في المنطقة والعالم. كيف تستعد المدن لهذا التحول؟
- كان برنامج جودة الحياة بين أوائل المشاريع التي أطلقتها المملكة. واعتمد هذا المشروع نظرة طويلة المدى، تستهدف من خلالها المواطنين والمقيمين الحاليين والمستقبليين وكذلك الزائرين، من خلال برامج موجهة لكل فئة.
السياحة كانت في السابق من القطاعات التي لم تحظ بالاهتمام الذي تستحق، والذي يليق بقدرات المملكة، مع أن قطاع السياحة والسفر شكّل عام 2019 قرابة 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وكان مسؤولاً عن توليد مئات ملايين الوظائف حول العالم. اليوم، وبفضل حكمة القيادة الرشيدة التي ارتأت التركيز على الإصلاحات الاجتماعية أولاً، بهدف تمكين الإصلاحات الاقتصادية، نشهد نجاحاً واضحاً في تفعيل عدة قطاعات، في مقدمتها الترفيه والرياضة والسياحة والثقافة.
أعتقد أن المملكة تزخر بالكثير من الإمكانات في قطاع السياحة، ونعمل اليوم على استغلالها على نحو جيد. تلعب تجربة المستخدم دوراً محورياً في (هذه الجهود)، وأعتقد أن النمو في هذا القطاع كبير للغاية، وهو نمو تواكبه وزارة ومنظومة السياحة وشركاؤها، ويتطلب مساهمة ودعم مختلف المؤسسات.
ولا شك أننا سنلحظ نمواً كبيراً في هذا القطاع خلال الفترة المقبلة، مع استهداف 100 مليون سائح بحلول 2030، و10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا سيترافق بالتالي مع فرص وظيفية تواكب هذا النمو وتنعكس نمواً مستداماً مباشراً وغير مباشر تستفيد منه المملكة على كل الصعد.
> ما الذي تسعون لتحقيقه في دافوس هذا العام؟
- تتمتع المملكة بإرث قوي وطويل من التشارك الدولي، كما لديها ثروة من الخبرات تراكمت خلال السنوات الست أو السبع الماضية.
جئنا إلى دافوس بقناعة أننا نستطيع العمل بشكل أفضل مع شركائنا، ولنستعرض الدور القيادي الذي نلعبه على الساحة الدولية. وقد كان هذا الدور واضحاً خلال فترة الجائحة ومجموعة العشرين. فقد نجحنا في تنظيم قمتين جمعتا العالم لمواجهة تحدي «كوفيد – 19». ولم تكتف السعودية بقيادة الاستجابة العالمية لأزمة «كورونا» مع الحلفاء والشركاء فحسب، بل حققت تقدماً كبيراً على صعيد مكافحة التغير المناخي.
تشهد الساحة الدولية تغيرات أكثر ديناميكية من السابق. ولدينا دور نلعبه وقيمة مضافة نشارك بها ونتفاعل من خلالها أيضاً مع تجارب الآخرين. نحن سنقدم خلاصة تجارب المملكة على ضوء رؤية 2030 والنتائج الرائدة التي حققتها من خلال التركيز على سياسات محورها الإنسان وتمكينه على كل الصعد مع التوفيق بين متطلبات النمو الاقتصادي وحماية البيئة والاستدامة في ظل الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا المتقدمة والابتكار ومبادئ المرونة في العمل الحكومي، وهي كلها قضايا محورية سيناقشها قادة العالم في المنتدى هذا العام.
> حدثنا عن مشاريع السعودية لمكافحة التغير المناخي...
- لدينا مشاريع طموحة للغاية على هذا الصعيد. ونحن نثبت أن القيادة المسؤولة في مجال إمدادات الطاقة لا تتناقض مع القيادة في مكافحة التغير المناخي.
أعتقد أن السعودية قائد رائع على مستوى مكافحة التغير المناخي، فقد ضاعفنا المساهمات المحددة وطنياً لخفض الانبعاثات من 130 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، إلى 278 طناً بفضل مبادرة «السعودية الخضراء». كما نقود عدة مبادرات في هذا المجال، في مقدمتها زرع مليار شجرة في السعودية ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر.
لا يقتصر الدور القيادي الذي تلعبه السعودية على حدودها، بل لديه أثر مباشر على المنطقة والعالم عبر مبادرة الشرق الأوسط الأخضر. فعلى سبيل المثال، نعمل على مبادرة عالمية للإسهام في تقديم حلول الوقود النظيف لتوفير الغذاء لأكثر من 750 مليون شخص.
وأعتقد أن أهم ما في مقاربة السعودية لموضوع التغير المناخي هو تحويله من عائق أمام النمو إلى فرصة لتحقيق نمو مستدام وبعيد الأمد. فقد مثّل إعلان الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، عن استهداف المملكة الوصول للحياد الصفري في عام 2060 نقطة فاصلة على المستوى العالمي، انطلاقاً من موقع المملكة الرائد في قطاع الطاقة، إذ أكد أن هذا الهدف سيتحقق من خلال نهج الاقتصاد الدائري للكربون، بما يتوافق مع خطط السعودية التنموية، وتمكين تنوعها الاقتصادي، مع استغلال كافة التقنيات اللازمة لإدارة وتخفيض الانبعاثات. وقد أعلن ولي العهد في هذا الإطار عن حزمة أولى من المبادرات، تمثل استثمارات بقيمة تزيد عن 700 مليار ريال، مما يسهم في تنمية الاقتصاد الأخضر، وخلق فرص عمل نوعية، وتوفير فرص استثمارية ضخمة للقطاع الخاص.


مقالات ذات صلة

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.

المشرق العربي جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة الاثنين (الخارجية التركية)

مباحثات تركية فرنسية حول الوضع في غزة غداة لقاء فيدان وفد «حماس» في أنقرة

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التطورات في قطاع غزة غداة لقاء مع وفد من «حماس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الهند تسارع إلى احتواء صدمة الطاقة وسط ضغوط على العملة والنمو

منظر عام للطريق الساحلي في مومباي (رويترز)
منظر عام للطريق الساحلي في مومباي (رويترز)
TT

الهند تسارع إلى احتواء صدمة الطاقة وسط ضغوط على العملة والنمو

منظر عام للطريق الساحلي في مومباي (رويترز)
منظر عام للطريق الساحلي في مومباي (رويترز)

أدى الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة، الناتج عن الحرب الإيرانية، إلى تعقيد آفاق الاقتصاد الكلي في الهند، مما دفع صانعي السياسات إلى اتخاذ تدابير استثنائية لحماية ثالث أكبر اقتصاد في آسيا من تداعيات الصدمة الخارجية.

ويُعد هذا الاضطراب، الذي بدأ أواخر فبراير (شباط)، من أشدّ الصدمات التي طالت أسواق الطاقة العالمية في تاريخها، مما فرض ضغوطاً كبيرة على القطاع الخارجي للهند، عبر رفع تكلفة الواردات بشكل ملحوظ وإضعاف جاذبية الأصول المحلية أمام المستثمرين الأجانب، وفق «رويترز».

وقد خفّض اقتصاديون توقعاتهم للنمو، في مقابل رفع تقديرات التضخم، مع ترجيح استمرار الضغوط على الروبية، في ظل احتمال تسجيل عجز في ميزان المدفوعات للعام الثالث على التوالي.

ويجعل الاعتماد الكبير للهند على واردات الطاقة عملتها أكثر هشاشة مقارنة بالأسواق الناشئة الأخرى في حال استمرار الأزمة الإيرانية، إذ تستورد البلاد نحو 90 في المائة من احتياجاتها النفطية ونحو 50 في المائة من احتياجاتها من الغاز. وأكد كبير المستشارين الاقتصاديين، في «أنانثا ناجيسواران»، يوم الثلاثاء، أن إدارة الحساب الجاري بكفاءة وتمويله ومنع مزيد من تراجع العملة تُعدّ من أبرز أولويات الحكومة هذا العام في ظل أزمة الخليج.

ومن المتوقع أن يؤدي الاضطراب الطاقي الناجم عن الصراع الإيراني الأميركي إلى اتساع عجز الحساب الجاري للهند إلى 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية المنتهية في مارس (آذار) 2027، مقارنةً بـ0.9 في المائة في العام السابق.

وإلى جانب الضغوط على الحساب الجاري، يشكّل التدفق القياسي لرؤوس الأموال الأجنبية الخارجة ضغطاً إضافياً على حساب رأس المال، إذ سحب المستثمرون الأجانب أكثر من 20 مليار دولار من الأسهم الهندية منذ اندلاع الحرب، متجاوزين بذلك إجمالي التدفقات الخارجة المسجلة في العام الماضي.

وفي انعكاس لهذه الضغوط المزدوجة، تراجعت الروبية بأكثر من 5 في المائة منذ بدء الحرب على إيران، لتسجل هذا الأسبوع أدنى مستوياتها على الإطلاق، مما يجعلها أسوأ العملات الآسيوية أداءً في عام 2026 حتى الآن.

وسعياً لاحتواء هذه الضغوط، كثّف صانعو السياسات إجراءات إدارة الأزمات، بما في ذلك الدعوة إلى خفض الاستهلاك الذي يستنزف احتياطيات النقد الأجنبي. كما دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يوم الأحد، إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات للحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي، فيما رفعت الحكومة المركزية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، الرسوم الجمركية على واردات المعادن النفيسة بهدف كبح الطلب ودعم الروبية.

من جانبه، باع البنك المركزي جزءاً من احتياطياته من النقد الأجنبي بالدولار، ولجأ إلى إجراءات تنظيمية نادرة لدعم العملة. ويعكس هذا الضغط على القطاع الخارجي أوجه تشابه مع أزمات سابقة، مثل الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، إلا أنه يأتي في سياق اقتصادي أفضل نسبياً؛ إذ كان التضخم منخفضاً قبل اندلاع الحرب، في حين ظل النمو قوياً.


الأسهم الأوروبية ترتد صعوداً بدعم من تراجع النفط رغم تعثر محادثات السلام

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتد صعوداً بدعم من تراجع النفط رغم تعثر محادثات السلام

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

ارتفعت الأسهم الأوروبية، متعافية من الخسائر الحادة في الجلسة السابقة، مدعومة بتراجع أسعار النفط، رغم استمرار تعثر مفاوضات السلام بين واشنطن وطهران.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.7 في المائة، ليصل إلى 611.06 نقطة بحلول الساعة 07:03 بتوقيت غرينتش، بعد أن كان قد أغلق منخفضاً بأكثر من 1 في المائة يوم الثلاثاء، وفق «رويترز».

كما سجلت البورصات الإقليمية مكاسب، حيث ارتفع مؤشر «إيبكس 35» الإسباني بنسبة 0.6 في المائة، فيما صعد مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.7 في المائة.

وقبيل قمة مرتقبة في بكين، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه لا يعتقد أنه سيحتاج إلى دعم الصين لإنهاء الحرب على إيران، في وقت تتراجع فيه آمال التوصل إلى اتفاق سلام دائم، ولا تزال تُحكم طهران قبضتها على مضيق هرمز.

وقد تعثرت المفاوضات بين واشنطن وطهران، دون التوصل إلى اتفاق حتى الآن.

وقالت كبيرة محللي السوق في شركة «فيليب نوفا»، بريانكا ساشديفا، إن «المخاوف المتعلقة باضطرابات الإمدادات والغموض في الشرق الأوسط لا تزال تدعم أسعار النفط، حتى مع سعي المتداولين لتحديد اتجاه واضح».

ومع اقتراب نهاية الربع الأول، يُتوقع أن تسجل أرباح الشركات الأوروبية أسرع وتيرة نمو لها في ثلاث سنوات؛ إذ تشير بيانات مجموعة بورصة لندن إلى نمو الأرباح بنسبة 10.2 في المائة خلال الربع.

وفي تحركات الشركات، قفزت أسهم شركة «ميرك» بنسبة 8 في المائة بعد رفعها توقعات نطاق الربح التشغيلي المعدل للعام بأكمله.

كما ارتفعت أسهم «أليانز» بنسبة 1.6 في المائة، بعد تسجيل شركة التأمين زيادة بنسبة 52 في المائة في صافي أرباح الربع الأول.


أرباح الشركات الأوروبية تتجه نحو أسرع نمو في 3 سنوات رغم اضطرابات الطاقة

مخطط لارتفاع الأسهم مع ظهور عبارة «أسعار النفط» (رويترز)
مخطط لارتفاع الأسهم مع ظهور عبارة «أسعار النفط» (رويترز)
TT

أرباح الشركات الأوروبية تتجه نحو أسرع نمو في 3 سنوات رغم اضطرابات الطاقة

مخطط لارتفاع الأسهم مع ظهور عبارة «أسعار النفط» (رويترز)
مخطط لارتفاع الأسهم مع ظهور عبارة «أسعار النفط» (رويترز)

مع اقتراب موسم إعلان نتائج الربع الأول من نهايته، تتجه أرباح الشركات الأوروبية لتحقيق أسرع وتيرة نمو لها منذ ثلاث سنوات، مدفوعة بشكل أساسي بالقفزة الكبيرة في أرباح قطاعَي الطاقة والخدمات المالية. غير أن هذا الأداء القوي يُخفي خلفه تحديات متزايدة للمستهلكين والشركات، في ظل استمرار الحرب الإيرانية وما تسببه من اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية.

ووفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية، فمن المتوقع أن ترتفع أرباح الشركات الأوروبية بنسبة 10.2 في المائة خلال الربع الأول، استنادا إلى نتائج الشركات التي أُعلنت بالفعل وتقديرات الشركات التي لم تفصح بعد عن نتائجها. ويُعد ذلك أقوى نمو ربعي منذ الربع الأول من عام 2023، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع الضغوط التضخمية عالمياً، وفق «رويترز».

نموذج لخط أنابيب للغاز الطبيعي وعلم الاتحاد الأوروبي (رويترز)

قطاع الطاقة يقود طفرة الأرباح

جاءت القفزة في الأرباح مدفوعة بصورة رئيسية بقطاع الطاقة، بعدما أدت الحرب إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز الطبيعي منذ أواخر فبراير (شباط). وتشير التقديرات إلى أن أرباح شركات الطاقة الأوروبية ستنمو بنحو 50 في المائة خلال الربع الأول، بعدما كانت التوقعات في بداية العام تشير إلى تراجعها.

ورغم أن قطاع النفط والغاز لا يشكل سوى نحو 7 في المائة من مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي، فإن الارتفاع السريع في أسعار الطاقة عزّز بشكل كبير تقديرات الأرباح الإجمالية للشركات الأوروبية.

وقال استراتيجي الأسهم في «بنك باركليز»، ماجيش كومار تشاندراسيكاران، إن القفزة في أسعار النفط أسهمت في تحسينات قوية بأرباح شركات الطاقة، مضيفاً أن سرعة التحول في تقديرات النمو كانت لافتة للغاية.

واستفادت شركات أوروبية كبرى مثل «شل» و«بي بي» و«توتال إنرجيز» من التقلبات الحادة في الأسعار، لا سيما عبر أنشطة التداول، في وقت بدا فيه أداء الشركات الأوروبية أقوى من نظيراتها الأميركية في هذا المجال.

ضبابية التوقعات واستمرار المخاطر

ورغم قوة النتائج، أكدت الشركات الأوروبية أن النظرة المستقبلية لا تزال شديدة الضبابية، مع استمرار الصراع في الشرق الأوسط وترقب الأسواق ردود فعل البنوك المركزية تجاه موجة التضخم الجديدة.

وتتوقع الأسواق حالياً احتمالاً يقارب 80 في المائة لرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة خلال الشهر المقبل، فيما تشير العقود الآجلة إلى احتمال تنفيذ «بنك إنجلترا» رفعين إضافيين للفائدة قبل نهاية العام.

وقالت استراتيجية الأسهم في «سانت جيمس بليس»، كارلوتا إستراغيس لوبيز، إن حالة عدم اليقين المرتبطة بظروف التمويل وارتفاع تكاليف الطاقة تجعل البيئة التشغيلية أكثر هشاشة بالنسبة إلى الشركات.

وأضافت أن ارتفاع أسعار الطاقة بدأ ينعكس تدريجياً على تكاليف الإنتاج والطلب الاستهلاكي، مما يثير تساؤلات حول استدامة نمو المبيعات والأرباح خلال الفصول المقبلة.

وشهدت بعض القطاعات بالفعل خفضاً في التوقعات، خصوصاً شركات الطيران والمشروبات، مع تزايد المخاوف من تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي.

البنوك تحقق نتائج قوية رغم ضعف الأسهم

في المقابل، واصل القطاع المصرفي الاستفادة من بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، حيث يُتوقع أن تسجل المؤسسات المالية نمواً في ربحية السهم بنحو 16 في المائة مع انتهاء موسم النتائج.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن أكثر من 70 في المائة من البنوك الأوروبية أعلنت نتائج تفوّقت على توقعات السوق، إلا أن أداء أسهم القطاع ظل محدوداً بفعل المخاوف المرتبطة بالحرب والتباطؤ الاقتصادي.

وأشار تشاندراسيكاران إلى أن نتائج البنوك كانت «قوية للغاية»، لافتاً إلى أن تحركات الأسهم لا تعكس بالكامل متانة الأرباح المحققة.

ورغم تراجع مؤشر البنوك الأوروبي بنسبة 1.5 في المائة منذ اندلاع الحرب، فإنه لا يزال مرتفعاً بنحو 2.6 في المائة منذ بداية العام، بعدما سجل مكاسب تقارب 70 في المائة خلال العام الماضي.

اتساع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة

في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا ارتفاع تكاليف الطاقة، تواصل أسهم التكنولوجيا الأميركية دعم أداء الأسواق في الولايات المتحدة.

وقال كبير الاقتصاديين في «جيفريز»، موهيت كومار، إن هناك تبايناً واضحاً بين أداء الاقتصادَين الأوروبي والأميركي، مشيراً إلى أن أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة انخفضت مقارنة ببداية الحرب، في حين ارتفعت في أوروبا بأكثر من 40 في المائة.

وأضاف أن أسعار الغاز تؤثر بشكل مباشر على الشركات الأوروبية، في حين تبقى أسعار النفط العامل الأكثر تأثيراً على المستهلكين عالمياً.

ومنذ اندلاع الحرب، تراجع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 2.3 في المائة، مقابل ارتفاع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأميركي بنسبة 8 في المائة، وصعود مؤشر «ناسداك» التكنولوجي بنحو 17 في المائة.

وجاءت مكاسب الأسواق الأميركية مدعومة بالأداء القوي لأسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، بعدما أعلنت شركات مثل «إيه إم دي» و«ألفابت» و«مايكروسوفت» نتائج وإيرادات فاقت توقعات «وول ستريت»، مدفوعة بالطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

ورغم ذلك، لا يزال محللو «بنك أوف أميركا» يفضّلون الأسهم الأوروبية مقارنة بالأسواق العالمية، مستندين إلى تقييمات أكثر جاذبية للأسهم، حتى مع استمرار ضعف نمو الأرباح مقارنة بالولايات المتحدة.

رسم بياني لمؤشر أسعار الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

المستهلك الأوروبي تحت الضغط

في المقابل، بدأت تداعيات ارتفاع الأسعار تظهر بوضوح على القطاعات المرتبطة بالإنفاق الاستهلاكي، مع تراجع ثقة المستهلكين في منطقة اليورو إلى أدنى مستوياتها في ثلاث سنوات ونصف السنة.

وتعرّضت أسهم شركات السلع الفاخرة والتجزئة والسيارات لضغوط قوية خلال العام الحالي؛ إذ تراجعت أسهم شركات السلع الفاخرة الأوروبية بأكثر من 20 في المائة منذ بداية 2026، فيما انخفض قطاع السيارات بنسبة 11.5 في المائة، وقطاع التجزئة بنحو 8.9.

وأعلنت مجموعة «إل في إم إتش»، أكبر شركة للسلع الفاخرة في العالم، تراجع مبيعاتها خلال الشهر الماضي، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، فيما أصدرت سلسلة الحانات البريطانية «جي دي ويذرسبون» ثالث تحذير بشأن الأرباح خلال خمسة أشهر.

ويرى محللو «أموندي للاستثمار» أن استمرار الصراع سيؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي الأوروبي وأرباح الشركات، كما سيقلّص قدرة الشركات على تمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، مقارنة بما حدث خلال موجة التضخم التي أعقبت الحرب الأوكرانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended