محمد عبلة: أعمالي مدونات لانفعالاتي

محمد عبلة: أعمالي مدونات لانفعالاتي

التشكيلي المصري حصد «وسام غوته» أرفع جائزة ألمانية في الثقافة والعلوم
الاثنين - 15 شوال 1443 هـ - 16 مايو 2022 مـ رقم العدد [ 15875]

للفنان محمد عبلة مسيرة غنية ومتنوعة في مجال الفن التشكيلي، تجاوزت الفعاليات التي شارك فيها وأقامها على مدى أكثر من 40 عاماً مئات المعارض، قدم خلالها كثيراً من أعمال التصوير والنحت والطباعة وفن الفيديو، وقد تم تتويجه أخيراً بمنحه «وسام غوته» أرفع جائزة ألمانية في مجال الثقافة والعلوم، «تقديراً لما قدمه من جهود فنية شكلت جسراً بين الثقافتين المصرية والألمانية، وغيرهما من ثقافات العالم». بهذا التتويج، يكون عبلة ثالث مبدع عربي يحصل على هذا الوسام، بعد الشاعر أدونيس، وأستاذ الفلسفة الدكتور عبد الغفار مكاوي... هنا حوار معه حول هذا التتويج ومسيرته الفنية:
> بداية حدثني عن شعورك بحصولك على هذا الوسام الرفيع...
- هو تتويج لمسيرة فنية استمرت لأكثر من أربعين عاماً، ورد جميل لما قمت به في خدمة مجتمعي المصري، وما قمت به من مجهودات لخدمة الثقافة المصرية والتقريب بينها وبين الثقافة الألمانية، فالألمان يدركون مجهودي، ويتابعون ما أقوم به منذ زمن، لذا أراها بمثابة تقدير واحترام كبير لما قمت به وما قدمته على المستويين المصري والألماني. أما كون اقتران اسمي باسم غوته فهو شيء عظيم بالنسبة لي، فقد كان شاعراً وفيلسوفاً وفنان مسرح وعالماً.
وما يجعل هذه الجائزة مهمة هو لجنة التحكيم التي تمنحها، وما تتسم به من ترفع وموضوعية، فهي تمنحها لمن تراه مستحقاً لها، وقد حصلت عليها من بين المئات الذين تم ترشيحهم من دول العالم المختلفة، هناك حيادية، وتظل لجنة التحكيم تفحص الأسماء لمدة عام كامل، وهذا سر عظمتها.
> بالمناسبة، حدثني إذن عن جائزة محمد عبلة لفن التحريك... كيف تم التفكير في تنظيمها؟
- كانت من أجل دعم الفنانين الشباب، وقد قمت بإقامتها في فروع الرسم والتصوير، والتحريك، وهدفها الأساسي منح الشباب جوائز تشجعهم وتساعدهم في الاستمرار، وتدفعهم للأمام، وترسل لهم رسالة بأن أعمالهم محل تقدير. هؤلاء الشباب يصنعون أفلاماً كثيرة ووجدت أنه يجب أن تسلط الأضواء على أعمالهم بجائزة أقدمها بنفسي وأدعمها مالياً من خلال مسابقة يتم تنظيمها كل عام، وهو تقليد كان موجوداً في مصر منذ فترة طويلة، حيث كان الفنانون والأثرياء من محبي الفن يقدمون هذه الجوائز ويرعونها، وهي بلا شك مهمة إلى جانب جوائز الدولة التي لا يمكن أن نلقي على كاهلها مهمة عمل كل شيء، يجب على الفنانين الكبار ورجال الأعمال أن يقدموا ما يمكن أن ينشط الحركة الثقافية والفن ما دام ذلك في استطاعتهم. هذه الجائزة التي أقدمها تأتي كمبادرة لتشجيع آخرين على أن يسيروا في الطريق نفسها، وعمل مسابقات فنية مشابهة، أو تقديم خدمات يحتاجها المجتمع من تعليم وصحة وغير ذلك.
> تقيم كثيراً من المعارض في مدن مصرية ربما يتمتع فيها الفن التشكيلي باهتمام الناس ولا يلقى رواجاً، وبالتالي لا يحقق أي نجاح مادي...
- قضية بيع اللوحات وتحقيق فائدة مادية من إقامة المعرض ليست لها علاقة بما أقوم به، هذه القصة لها ناسها، فالفنانون لا يجيدون مطلقاً مهارات البيع والترويج. كل فنان له مهمته وعليه أن يجتهد ويقدم فنه، وينشره ويشارك في الفعاليات والمعارض، أنا شخصياً أقمت معارض في الأقصر ودمياط والمنيا، ومناطق أخرى كثيرة، وقد لاحظت أن ارتياد المعارض ومتابعة الفن التشكيلي غير شائعة، وهذه الأشياء ليست قاصرة على مدن بعينها لكنها موجودة في كل مكان، وهنا يأتي دور الدولة الحقيقي، وهو تشجيع الحوارات والكلام عن الفن وتذوقه عن طريق الصحافة والمدارس وحصص الرسم وأشياء من هذا القبيل، وهي أشياء للأسف غير متوفرة ولا توجد واحدة من المؤسسات تقوم بها.
> لهذا السبب ترى أن تجاربك مع وزارة الثقافة محبطة؟
- التجارب بشكل عام في هذا المناخ غير مشجعة، ويجب على مؤسسات الدولة أن تقوم بمجهود كبير من أجل محاربة الإرهاب، والفن والثقافة لهما دور كبير في محاربة الإرهاب، ويدرك الجميع أن الحلول الأمنية غير كافية، ونتائجها واضحة أمامنا، لأن طرفاً واحداً هو الذي يتصدى للعنف، وهذا غير كافٍ، القضاء على الإرهاب يحتاج كل المصريين، الشعب كله لا بد أن يحارب في هذه الجبهة، وبسلاح الفكر والثقافة والفن.
> لديك معارض تقيمها بين وقت وآخر لأعمال رسمتها في مراحل مختلفة من حياتك ولم تعرضها من قبل... ما الفكرة وراء ذلك؟
- الفكرة هنا لا تأتي فجأة، ولا بالقصد، لكن تتوقف على وجود فرصة مكان كبير، أستطيع أن أعرض فيه ما لديّ من لوحات، المكان هو الذي يحكم عدد الأعمال، ومعظم الأماكن تكون صغيرة، ولا تتيح لك عرض كل اللوحات، لكن الآن مثلاً وأنا أستعد لمعرضي الجديد، لدي مساحة كبيرة لعرض أعمالي، وهي فرصة تتيح لي أن أقدم أكبر عدد من رسوماتي من مراحل ماضية، لم أقم بعرضها من قبل ولم يشاهدها أحد.
> على أي أساس إذن تقوم بهذا الاختيار في معرض بهذا الاتساع؟
- أولاً هناك لوحات لم تحظَ من قبل بمشاهدة جيدة، وأخرى لم يتم عرضها أصلاً، وهناك لوحات رسمتها في فترة معينة، ولم أعرض منها غير عمل واحد، هذه الأعمال وغيرها، أقوم بعرضها، لسبب مهم يخصني كفنان، وهو أنني عندما أرسم لا يكون لدي خطة ولا أفكار جاهزة، وأعمالي كلها ناتجة عن انفعالاتي، أنا فنان أعمل تحت تأثير ما يعتمل في روحي، ولهذا أجد في بعض الأوقات أن هناك أعمالاً رسمتها من قبل تتراسل وتتحاور مع أعمال أخرى آنية، قمت للتو بتنفيذها، في هذه الحالة أضعها معاً في عرض واحد، المحدد الوحيد هو تاريخي وانفعالاتي الشخصية والفنية، هنا يمكن النظر إلى لوحاتي باعتبارها يومياتي التي أسجل من خلالها حالاتي المختلفة، في بعض الأوقات تكون لدي حدوته أو قصة، فأذهب لأحكيها عن طريق الرسم.
> معنى هذا أن معارض مثل «العائلة» و«أبراج القاهرة» و«مغارة علي بابا» تأتي في هذا السياق؟
- بالطبع، كل معارضي هكذا، وجميعها تأتي في سياق الحكايات، وهناك أعمال رسمتها بنوع من الحنين للماضي، ومحاولة تسجيله وتوثيقه. التركيز على الواقع - هنا - في فترة ما، مهم جداً، هذه المراحل التي عشتها تنتمي لي، وهذا الانتماء هو ما يدفعني للعودة لها وتصويرها من جديد بما أشعر به تجاهها في لحظات الإبداع والرسم.
على سبيل المثال التشوهات التي تحدث في القاهرة وغيرها من المدن، الجميع يراها ويعيشها وليس أنا فقط، لكن الفنان له طريقة أخرى للتفاعل مع الأحداث، وما يجري في الواقع من تفاصيل يراها قبيحة يجب وقفها أو التصدي لها ومواجهتها، والفنان هنا هو مرآة للمجتمع، وعليه ينعكس ما يدور على الأرض، وهكذا أنا أتفاعل مع الأشياء وأمتصها، وتعتمل داخلي ثم تخرج في صورة أو لوحة أو تمثال، وفي أعمال أبراج القاهرة كنت أريد أن أتحدث عن هذه المدينة التي تتكدس فوق بعضها، وتبني على بناياتها، طبقات لا علاقة لأي منها بغيرها، فيها ما ينتمي للعشرينات، وفوقه ما ينتمي للستينات، ثم الثمانينات، وهكذا تتوالى الطوابق المشوهة؛ واحدا تلو الآخر.
> هل كانت معارضك عن النيل رداً على هذه التشوهات؟
- لا... موضوع النيل ولوحاته جاء قبل هذا بعد احتراق مرسمي في المسافر خانة، وقد دفعني هذا لأن يكون المكان الذي أرسم فيه قريباً من المياه، من هنا اخترت أن يكون المرسم في جزيرة «القرصاية»، في قلب النيل، وأنا الحقيقة حين أقيم في أي مكان أقوم برسمه وتصوير ناسه وتفاصيل حياته وما يدور فيه.
> لكن كيف تفسر لجوءك الدائم لكثير من الوسائل والأساليب للتعبير الفني، فمرة تقدم نحتاً، ومرة أعمال تصوير ومرة تستخدم فن الفيديو ثم الطباعة، وغيرها من طرق وتقنيات؟
- هناك ضرورات تدفعني لاختيار وسيط دون آخر، هناك أعمال أجد أنها لا يمكن التعبير عنها إلا بالرسم، وأخرى يناسبها النحت أو «الفيديو أرت»، وهكذا تجد أن الموضوع هو الذي يفرض الخامة التي أقدمها بها، فمثلاً في بعض الأحيان أريد أن أقول جملة مفيدة مختصرة ومركبة، في هذه الحالة يكون النحت أقوى وسيلة ألجأ إليها لقنص الفكرة ووضعها في كتلة تظل طول الوقت نابضة وحية.
> ماذا إذن عن متحف الكاريكاتير الذي أقمته في مدينة الفيوم جنوب مصر؟
- في الحقيقة هذا المتحف كان هدفه الرد بطريقة ساخرة على ما يحدث هناك من ممارسات إرهابية للتنظيمات التي كانت منتعشة هناك، وقد جمعت كل الساخرين الذين انتقدوا المجتمع وممارساته في مكان واحد، كان هذا ردي، وقد اكتشفت فيما بعد أنه متحف الكاريكاتير الوحيد في الشرق الأوسط، وقد سعيت من خلاله لرد الجميل لهؤلاء الفنانين العظماء الذين تصدوا بلوحاتهم لما رأوه من تشوهات طالت المجتمع المصري.
> أقمت كثيراً من المعارض في مصر وخارجها... كيف تقيم ردود الأفعال عليها هنا وما يقابلها هناك؟
- في أوروبا، وبخاصة أنني عشت في ألمانيا لفترات طويلة دائماً ردود الأفعال إيجابية، وأنا أسافر كثيراً، ولدي لوحات مقتناة هتاك، لاحظت أن أعمالي يتم الاهتمام بها والمحافظة عليها، وهو جو آخر مختلف عن الأجواء هنا، هناك صحف الفن كثيرة، ونقاد الفن أيضاً، ولهذا ترى انتعاش الفن التشكيلي واضحاً.


مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

فيديو