من العراق وسوريا إلى تركيا وإيران... هل يخفف شتاء 2022 من وطأة الجفاف؟

سهول محافظة نينوى كانت الأكثر تضرراً بارتفاع درجات الحرارة

آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
TT

من العراق وسوريا إلى تركيا وإيران... هل يخفف شتاء 2022 من وطأة الجفاف؟

آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)

شهد العراق خلال السنوات الثلاث الماضية موجة جفاف واسعة، تسببت في تراجع مساحات الأراضي المزروعة بمحاصيل الحنطة والشعير والمحاصيل الاستراتيجية الأخرى. ومع مطلع هذا الشتاء تعرَّضت مناطق في شمال البلاد لعواصف مطرية ومضية، أدت إلى سيول وفيضانات عنيفة، نتجت عنها خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبينما ساهمت الهطولات المطرية في تغذية بعض السدود في إقليم كردستان العراق، لا تزال مناطق وسط البلاد وجنوبها وشرقها تعاني حتى الآن من قلَّة الأمطار، وسط مخاوف من تعرُّضها لسيول وفيضانات مفاجئة كما حصل في الشمال. ورغم ذلك، لا يزال الأمل قائماً في أن تساهم هطولات هذا الشتاء في سد العجز المائي الذي يُقدَّر بنحو 12 مليار متر مكعب، من أصل 53 مليار متر مكعب هي حاجة البلاد السنوية.
- الجفاف يهدد غذاء العراق
يؤدي الجفاف في العراق إلى تحوُّل مناطق زراعية شاسعة إلى أراضٍ جرداء؛ حيث تُظهر دراسات رسمية أن الصحراء أصبحت تشغل الآن نحو 40 في المائة من مساحة البلاد. كما تعاني الأراضي الزراعية من مشكلة التملُّح؛ خصوصاً في مناطق الجنوب.
وكانت سهول محافظة نينوى التي توصف بسلَّة غذاء العراق، الأكثر تضرراً من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف الماضي. فبعد أن كان إنتاجها من الحبوب خلال موسم 2020 نحو 930 طناً، انخفض في 2021 إلى 90 طناً فقط بسبب الجفاف. كما تسبب الجفاف في ارتفاع أسعار الحبوب إلى مستويات قياسية؛ إذ بلغ سعر طن القمح 520 دولاراً بعد أن كان 180 دولاراً قبل سنة، ووصل سعر طن الشعير إلى 400 دولار بينما كانت قيمته 80 دولاراً.
ونظراً لتدني مخزون العراق المائي من نهري دجلة والفرات وروافدهما، قررت وزارة الزراعة تقليص خطتها الزراعية لجميع المحاصيل الشتوية إلى النصف، بحيث تبلغ المساحة المزروعة خلال هذا الشتاء 250 ألف هكتار، بالمقارنة مع 500 ألف هكتار في شتاء 2021.
وكان إنتاج القمح في صيف 2021 قد بلغ 3.5 مليون طن، متراجعاً بمقدار 1.5 مليون طن عن الموسم السابق. وتتوقع وزارة الزراعة ألا يتجاوز إنتاج القمح في الموسم القادم 2.5 مليون طن، وهي كمية لا تكفي لتغطية حاجة البلاد من الخبز المدعوم حكومياً، الذي يستلزم 4.5 مليون طن سنوياً.
ولا تقتصر حالة الطقس الجاف على العراق فقط؛ لأن الهطولات المطرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال قليلة في موسم الشتاء الحالي، مما أعاق البَذر المبكر لزراعات الحبوب الشتوية التي سيتم حصاد نتاجها في الصيف المقبل. ولكن ما يجري في العراق يمثِّل حالة دراسية عن أثر تغيُّر المناخ وضعف إدارة الموارد المائية في تهديد الأمن الغذائي.
ويخلُص تقرير صدر مؤخراً عن وزارة الموارد المائية العراقية، إلى أن موجات الجفاف الشديدة المتوقعة حتى سنة 2025 ستؤدي إلى جفاف نهر الفرات بشكل كامل في قطاعه الجنوبي، بينما سيتحول نهر دجلة إلى مجرى مائي بموارد محدودة. ويمثل النهران اللذان ينبعان من تركيا ويمران عبر سوريا، مصدراً لما يصل إلى 98 في المائة من إمدادات المياه السطحية في العراق. وكان البنك الدولي قد حذَّر العراق من أن المياه لن تصل إلى ثلث الأراضي المروية في سنة 2050، إذا ارتفعت الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة كما هو متوقع.
- استنزاف مياه تركيا
ويُلقي العراق باللائمة على دول الجوار في تراجع حصَّته من الموارد المائية السطحية. فرغم وجود اتفاقيات خاصة بمياه دجلة والفرات مع تركيا، كان آخرها في 2009، فإن هذه الاتفاقيات لم تنفَّذ بالكامل. وفي المقابل، تؤكد تركيا أنها تفي بما عليها من التزامات، وتشير إلى سوء إدارة المياه في العراق.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن مشروع تركيا الكبير في الأناضول الذي يتضمن بناء 22 سداً و19 محطة كهرمائية، سيقلِّل إلى حد بعيد كمية المياه المتدفقة من نهري دجلة والفرات إلى سوريا والعراق. تركيا نفسها تعاني حالياً من الجفاف الذي طال أمده، وهي تحتفظ بالمياه خلف السدود لتلبية احتياجاتها الخاصة، بما فيها الزراعات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه كالذرة والقطن والشمندر السكري.
ومنذ الثمانينات، شجَّعت السياسات الحكومية زراعة المحاصيل ذات العوائد المالية المرتفعة، مما جعل تركيا سابع أكبر منتج زراعي في العالم، وأحد أكبر مصادر الحبوب والفاكهة والتبغ والشاي. وبينما تساهم الزراعة في 6 في المائة من الدخل القومي، فهي توظف نحو 20 في المائة من القوة العاملة في البلاد، وتستهلك ما يقرب من 75 في المائة من المياه العذبة، وهي نسبة يحذِّر الخبراء من أنها غير مستدامة.
ويزداد الطلب على المياه بشكل متسارع في تركيا بسبب الزراعات المستنزفة للمياه، مما أدى إلى انخفاض طبقات المياه الجوفية وجفاف أنظمة أنهار بأكملها. كما لا يزال المزارعون في تركيا يستخدمون تقنيات الري القديمة، بما فيها السواقي المفتوحة وقنوات الجر المرتفعة التي تعاني من فقدان المياه بنسبة 35 إلى 60 في المائة بسبب التبخُّر والتسرُّب.
- الإفلاس المائي في إيران
ويبدو أن الحكومة العراقية مجبرة في ملف الأمن المائي على معالجة جملة من القضايا، من بينها الاضطرابات السياسية والتحديات الأمنية والأزمة الاقتصادية والخلافات مع دول الجوار. وكانت وزارة الموارد المائية العراقية قد استكملت مؤخراً جميع الإجراءات الفنية والقانونية، لرفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية ضد سياسة المياه الإيرانية التي تتسبب في جفاف الأهوار في جنوب البلاد.
وتبلغ حصة العراق من مياه الأنهار والجداول الآتية من إيران نحو 11 مليار متر مكعب في السنة؛ لكن سلسلة طويلة من السدود تقطع المياه عن عشرات الروافد والجداول التي تعبر الحدود. وتتخذ إيران خطوات للاحتفاظ بمزيد من المياه في أراضيها؛ حيث قامت ببناء 16 سداً على نهر سيروان، أحد روافد دجلة، خلال السنوات القليلة الماضية. كما تعمل وزارة الطاقة الإيرانية منذ سنتين على مضاعفة عدد السدود في البلاد لتصل إلى نحو 400 سد، وسيكون العشرات منها عائقاً أمام وصول المياه إلى العراق.
وتملك إيران أسبابها الداخلية التي تدفعها للقيام بهذه الإجراءات، فهي تعاني أيضاً من الجفاف الشديد. وخلال موسم الشتاء الماضي، تلقَّت إيران نصف معدل الهطول المطري المعتاد. وتحصل أكثر من 8 آلاف قرية وبلدة إيرانية على مياهها من صهاريج جوَّالة، بينما أدت أزمة المياه إلى احتجاجات واشتباكات عنيفة؛ خصوصاً في محافظة خوزستان التي تحاذي محافظتي ميسان والبصرة العراقيتين. ولم تقتصر الاحتجاجات على خوزستان؛ بل طالت أيضاً مناطق كثيرة في إيران، بما فيها محافظات لوريستان وأصفهان وطهران. وترتبط قلة المياه في إيران بتغيُّر المناخ وسوء إدارة الموارد.
وفي سعيها لمواجهة العقوبات الدولية والاكتفاء ذاتياً، ضاعفت الحكومة الإيرانية نقاط استخراج المياه الجوفية بين عامي 2002 و2015، من أجل دعم القطاع الزراعي، لا سيما زراعة القمح والأرز وقصب السكر، مما استنفد المياه الجوفية وتسبب في نضوبها. ومع تناقص منسوب المياه الجوفية، ارتفعت ملوحتها على النحو الذي تسبب في تملح التربة عند استخدامها في ري الأراضي الزراعية. ورغم أن المشكلات المائية في إيران معروفة منذ 30 سنة، فإنه لا توجد خطة منهجية من شأنها زيادة الموارد المائية وتنظيم استهلاكها، مما أوصل البلاد إلى حالة «إفلاس مائي» يتجاوز فيها الطلب على المياه ما هو متاح. وسوف يستغرق الأمر أكثر من شتاء ممطر للتخفيف من نقص المياه.
- سوريا تواجه أسوأ جفاف
ولا تختلف أسباب أزمة المياه في سوريا عن تلك التي في العراق أو تركيا أو إيران، باستثناء ظروف الصراع القائمة في البلاد منذ سنة 2011؛ خصوصاً في المنطقة الشمالية الشرقية التي تعتمد في زراعتها على نهرَي دجلة والفرات. وتشهد سوريا أسوأ موجة جفاف منذ 70 سنة، وهي مشكلة تضاف إلى كثير من المشكلات التي تعصف بها.
ووفقاً لتقديرات برنامج الغذاء العالمي، يواجه 12.4 مليون سوري انعدام الأمن الغذائي؛ حيث يتلقى 4.8 مليون شخص منهم مساعدات غذائية من البرنامج. وللبقاء على قيد الحياة تتبع 90 في المائة من العائلات السورية استراتيجيات تأقلم سلبية، تشمل تقليل وجبات الطعام، وشراء كميات تقل عن الحاجة الفعلية، والاقتراض لشراء الاحتياجات الأساسية.
وتُعتبر المنطقة الشمالية الشرقية التي تخضع بمعظمها حالياً لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، مصدراً لمجمل قطن سوريا ونصف حبوبها ومعظم نفطها. ويعتمد أكثر من 5 ملايين سوري على نهر الفرات كمصدر لمياه الشرب التي تتناقص بفعل السياسات المائية التركية، وتتراجع نوعيتها بسبب التلوث الناجم عن حرَّاقات النفط البدائية والتسربات من خطوط وخزانات المشتقات في قطاع النفط.
ونتيجة ذلك، يعاني كثيرون؛ ليس فقط من قلَّة المياه المتاحة للزراعة؛ بل من عدم وجود مياه صالحة للشرب. وكما هي الحال في العراق، جفَّت الحقول والبساتين في الجزيرة السورية، كما حصل في مدينة الرقة؛ حيث يعيش نحو 400 ألف شخص؛ إذ انخفض تدفق المياه في نهر الفرات من 600 متر مكعب في الثانية إلى 200 متر مكعب فقط.
ولا يُعتبر الجفاف السبب الوحيد لنقص المياه في سوريا. فقد ساهم إهمال نُظم الري، وزيادة استخدام المياه لتشغيل المحطات الكهرمائية، والتعدِّيات على شبكات المياه والأحواض الجوفية، والاعتماد على أساليب بدائية في الري، وتملُّح التربة، والافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي للمستوعبات المائية، في تفاقم أزمة المياه.
ويتخوَّف المزارعون ومربُّو الماشية في شمال شرقي البلاد، من تكرار سيناريو الجفاف الذي سبب لهم خسائر كبيرة في العام الماضي؛ حيث شهدت منطقة الجزيرة تراجعاً في إنتاج محاصيل استراتيجية، مثل القمح والشعير والذرة، بسبب انحباس الأمطار وتوقف جريان نهر الفرات ورافده الرئيسي نهر الخابور، كما اضطر مربُّو الإبل إلى بيع آلاف الجِمال في السوق السوداء، وتهريبها إلى البلدان المجاورة.
عبر الهلال الخصيب، من سوريا والأردن والعراق، وصولاً إلى تركيا وإيران المجاورتين، تتفاقم أزمة المياه سنة بعد سنة. ورغم الدور المؤثر للجفاف الناتج عن تغيُّر المناخ، فإن جزءاً كبيراً من المشكلة يتعلق بثقافة استهلاك المياه في منطقة اعتادت على الوفرة والخصوبة عبر مراحل التاريخ المختلفة. وقد أصبحت هذه الأزمة من التعقيد بحيث تتطلب تفاهمات داخلية وعابرة للحدود، إلى جانب مراجعة شاملة لسياسات إدارة المياه في كل بلد، وعلى مستوى الإقليم بأكمله.


مقالات ذات صلة

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.