من العراق وسوريا إلى تركيا وإيران... هل يخفف شتاء 2022 من وطأة الجفاف؟

سهول محافظة نينوى كانت الأكثر تضرراً بارتفاع درجات الحرارة

آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
TT

من العراق وسوريا إلى تركيا وإيران... هل يخفف شتاء 2022 من وطأة الجفاف؟

آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)

شهد العراق خلال السنوات الثلاث الماضية موجة جفاف واسعة، تسببت في تراجع مساحات الأراضي المزروعة بمحاصيل الحنطة والشعير والمحاصيل الاستراتيجية الأخرى. ومع مطلع هذا الشتاء تعرَّضت مناطق في شمال البلاد لعواصف مطرية ومضية، أدت إلى سيول وفيضانات عنيفة، نتجت عنها خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبينما ساهمت الهطولات المطرية في تغذية بعض السدود في إقليم كردستان العراق، لا تزال مناطق وسط البلاد وجنوبها وشرقها تعاني حتى الآن من قلَّة الأمطار، وسط مخاوف من تعرُّضها لسيول وفيضانات مفاجئة كما حصل في الشمال. ورغم ذلك، لا يزال الأمل قائماً في أن تساهم هطولات هذا الشتاء في سد العجز المائي الذي يُقدَّر بنحو 12 مليار متر مكعب، من أصل 53 مليار متر مكعب هي حاجة البلاد السنوية.
- الجفاف يهدد غذاء العراق
يؤدي الجفاف في العراق إلى تحوُّل مناطق زراعية شاسعة إلى أراضٍ جرداء؛ حيث تُظهر دراسات رسمية أن الصحراء أصبحت تشغل الآن نحو 40 في المائة من مساحة البلاد. كما تعاني الأراضي الزراعية من مشكلة التملُّح؛ خصوصاً في مناطق الجنوب.
وكانت سهول محافظة نينوى التي توصف بسلَّة غذاء العراق، الأكثر تضرراً من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف الماضي. فبعد أن كان إنتاجها من الحبوب خلال موسم 2020 نحو 930 طناً، انخفض في 2021 إلى 90 طناً فقط بسبب الجفاف. كما تسبب الجفاف في ارتفاع أسعار الحبوب إلى مستويات قياسية؛ إذ بلغ سعر طن القمح 520 دولاراً بعد أن كان 180 دولاراً قبل سنة، ووصل سعر طن الشعير إلى 400 دولار بينما كانت قيمته 80 دولاراً.
ونظراً لتدني مخزون العراق المائي من نهري دجلة والفرات وروافدهما، قررت وزارة الزراعة تقليص خطتها الزراعية لجميع المحاصيل الشتوية إلى النصف، بحيث تبلغ المساحة المزروعة خلال هذا الشتاء 250 ألف هكتار، بالمقارنة مع 500 ألف هكتار في شتاء 2021.
وكان إنتاج القمح في صيف 2021 قد بلغ 3.5 مليون طن، متراجعاً بمقدار 1.5 مليون طن عن الموسم السابق. وتتوقع وزارة الزراعة ألا يتجاوز إنتاج القمح في الموسم القادم 2.5 مليون طن، وهي كمية لا تكفي لتغطية حاجة البلاد من الخبز المدعوم حكومياً، الذي يستلزم 4.5 مليون طن سنوياً.
ولا تقتصر حالة الطقس الجاف على العراق فقط؛ لأن الهطولات المطرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال قليلة في موسم الشتاء الحالي، مما أعاق البَذر المبكر لزراعات الحبوب الشتوية التي سيتم حصاد نتاجها في الصيف المقبل. ولكن ما يجري في العراق يمثِّل حالة دراسية عن أثر تغيُّر المناخ وضعف إدارة الموارد المائية في تهديد الأمن الغذائي.
ويخلُص تقرير صدر مؤخراً عن وزارة الموارد المائية العراقية، إلى أن موجات الجفاف الشديدة المتوقعة حتى سنة 2025 ستؤدي إلى جفاف نهر الفرات بشكل كامل في قطاعه الجنوبي، بينما سيتحول نهر دجلة إلى مجرى مائي بموارد محدودة. ويمثل النهران اللذان ينبعان من تركيا ويمران عبر سوريا، مصدراً لما يصل إلى 98 في المائة من إمدادات المياه السطحية في العراق. وكان البنك الدولي قد حذَّر العراق من أن المياه لن تصل إلى ثلث الأراضي المروية في سنة 2050، إذا ارتفعت الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة كما هو متوقع.
- استنزاف مياه تركيا
ويُلقي العراق باللائمة على دول الجوار في تراجع حصَّته من الموارد المائية السطحية. فرغم وجود اتفاقيات خاصة بمياه دجلة والفرات مع تركيا، كان آخرها في 2009، فإن هذه الاتفاقيات لم تنفَّذ بالكامل. وفي المقابل، تؤكد تركيا أنها تفي بما عليها من التزامات، وتشير إلى سوء إدارة المياه في العراق.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن مشروع تركيا الكبير في الأناضول الذي يتضمن بناء 22 سداً و19 محطة كهرمائية، سيقلِّل إلى حد بعيد كمية المياه المتدفقة من نهري دجلة والفرات إلى سوريا والعراق. تركيا نفسها تعاني حالياً من الجفاف الذي طال أمده، وهي تحتفظ بالمياه خلف السدود لتلبية احتياجاتها الخاصة، بما فيها الزراعات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه كالذرة والقطن والشمندر السكري.
ومنذ الثمانينات، شجَّعت السياسات الحكومية زراعة المحاصيل ذات العوائد المالية المرتفعة، مما جعل تركيا سابع أكبر منتج زراعي في العالم، وأحد أكبر مصادر الحبوب والفاكهة والتبغ والشاي. وبينما تساهم الزراعة في 6 في المائة من الدخل القومي، فهي توظف نحو 20 في المائة من القوة العاملة في البلاد، وتستهلك ما يقرب من 75 في المائة من المياه العذبة، وهي نسبة يحذِّر الخبراء من أنها غير مستدامة.
ويزداد الطلب على المياه بشكل متسارع في تركيا بسبب الزراعات المستنزفة للمياه، مما أدى إلى انخفاض طبقات المياه الجوفية وجفاف أنظمة أنهار بأكملها. كما لا يزال المزارعون في تركيا يستخدمون تقنيات الري القديمة، بما فيها السواقي المفتوحة وقنوات الجر المرتفعة التي تعاني من فقدان المياه بنسبة 35 إلى 60 في المائة بسبب التبخُّر والتسرُّب.
- الإفلاس المائي في إيران
ويبدو أن الحكومة العراقية مجبرة في ملف الأمن المائي على معالجة جملة من القضايا، من بينها الاضطرابات السياسية والتحديات الأمنية والأزمة الاقتصادية والخلافات مع دول الجوار. وكانت وزارة الموارد المائية العراقية قد استكملت مؤخراً جميع الإجراءات الفنية والقانونية، لرفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية ضد سياسة المياه الإيرانية التي تتسبب في جفاف الأهوار في جنوب البلاد.
وتبلغ حصة العراق من مياه الأنهار والجداول الآتية من إيران نحو 11 مليار متر مكعب في السنة؛ لكن سلسلة طويلة من السدود تقطع المياه عن عشرات الروافد والجداول التي تعبر الحدود. وتتخذ إيران خطوات للاحتفاظ بمزيد من المياه في أراضيها؛ حيث قامت ببناء 16 سداً على نهر سيروان، أحد روافد دجلة، خلال السنوات القليلة الماضية. كما تعمل وزارة الطاقة الإيرانية منذ سنتين على مضاعفة عدد السدود في البلاد لتصل إلى نحو 400 سد، وسيكون العشرات منها عائقاً أمام وصول المياه إلى العراق.
وتملك إيران أسبابها الداخلية التي تدفعها للقيام بهذه الإجراءات، فهي تعاني أيضاً من الجفاف الشديد. وخلال موسم الشتاء الماضي، تلقَّت إيران نصف معدل الهطول المطري المعتاد. وتحصل أكثر من 8 آلاف قرية وبلدة إيرانية على مياهها من صهاريج جوَّالة، بينما أدت أزمة المياه إلى احتجاجات واشتباكات عنيفة؛ خصوصاً في محافظة خوزستان التي تحاذي محافظتي ميسان والبصرة العراقيتين. ولم تقتصر الاحتجاجات على خوزستان؛ بل طالت أيضاً مناطق كثيرة في إيران، بما فيها محافظات لوريستان وأصفهان وطهران. وترتبط قلة المياه في إيران بتغيُّر المناخ وسوء إدارة الموارد.
وفي سعيها لمواجهة العقوبات الدولية والاكتفاء ذاتياً، ضاعفت الحكومة الإيرانية نقاط استخراج المياه الجوفية بين عامي 2002 و2015، من أجل دعم القطاع الزراعي، لا سيما زراعة القمح والأرز وقصب السكر، مما استنفد المياه الجوفية وتسبب في نضوبها. ومع تناقص منسوب المياه الجوفية، ارتفعت ملوحتها على النحو الذي تسبب في تملح التربة عند استخدامها في ري الأراضي الزراعية. ورغم أن المشكلات المائية في إيران معروفة منذ 30 سنة، فإنه لا توجد خطة منهجية من شأنها زيادة الموارد المائية وتنظيم استهلاكها، مما أوصل البلاد إلى حالة «إفلاس مائي» يتجاوز فيها الطلب على المياه ما هو متاح. وسوف يستغرق الأمر أكثر من شتاء ممطر للتخفيف من نقص المياه.
- سوريا تواجه أسوأ جفاف
ولا تختلف أسباب أزمة المياه في سوريا عن تلك التي في العراق أو تركيا أو إيران، باستثناء ظروف الصراع القائمة في البلاد منذ سنة 2011؛ خصوصاً في المنطقة الشمالية الشرقية التي تعتمد في زراعتها على نهرَي دجلة والفرات. وتشهد سوريا أسوأ موجة جفاف منذ 70 سنة، وهي مشكلة تضاف إلى كثير من المشكلات التي تعصف بها.
ووفقاً لتقديرات برنامج الغذاء العالمي، يواجه 12.4 مليون سوري انعدام الأمن الغذائي؛ حيث يتلقى 4.8 مليون شخص منهم مساعدات غذائية من البرنامج. وللبقاء على قيد الحياة تتبع 90 في المائة من العائلات السورية استراتيجيات تأقلم سلبية، تشمل تقليل وجبات الطعام، وشراء كميات تقل عن الحاجة الفعلية، والاقتراض لشراء الاحتياجات الأساسية.
وتُعتبر المنطقة الشمالية الشرقية التي تخضع بمعظمها حالياً لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، مصدراً لمجمل قطن سوريا ونصف حبوبها ومعظم نفطها. ويعتمد أكثر من 5 ملايين سوري على نهر الفرات كمصدر لمياه الشرب التي تتناقص بفعل السياسات المائية التركية، وتتراجع نوعيتها بسبب التلوث الناجم عن حرَّاقات النفط البدائية والتسربات من خطوط وخزانات المشتقات في قطاع النفط.
ونتيجة ذلك، يعاني كثيرون؛ ليس فقط من قلَّة المياه المتاحة للزراعة؛ بل من عدم وجود مياه صالحة للشرب. وكما هي الحال في العراق، جفَّت الحقول والبساتين في الجزيرة السورية، كما حصل في مدينة الرقة؛ حيث يعيش نحو 400 ألف شخص؛ إذ انخفض تدفق المياه في نهر الفرات من 600 متر مكعب في الثانية إلى 200 متر مكعب فقط.
ولا يُعتبر الجفاف السبب الوحيد لنقص المياه في سوريا. فقد ساهم إهمال نُظم الري، وزيادة استخدام المياه لتشغيل المحطات الكهرمائية، والتعدِّيات على شبكات المياه والأحواض الجوفية، والاعتماد على أساليب بدائية في الري، وتملُّح التربة، والافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي للمستوعبات المائية، في تفاقم أزمة المياه.
ويتخوَّف المزارعون ومربُّو الماشية في شمال شرقي البلاد، من تكرار سيناريو الجفاف الذي سبب لهم خسائر كبيرة في العام الماضي؛ حيث شهدت منطقة الجزيرة تراجعاً في إنتاج محاصيل استراتيجية، مثل القمح والشعير والذرة، بسبب انحباس الأمطار وتوقف جريان نهر الفرات ورافده الرئيسي نهر الخابور، كما اضطر مربُّو الإبل إلى بيع آلاف الجِمال في السوق السوداء، وتهريبها إلى البلدان المجاورة.
عبر الهلال الخصيب، من سوريا والأردن والعراق، وصولاً إلى تركيا وإيران المجاورتين، تتفاقم أزمة المياه سنة بعد سنة. ورغم الدور المؤثر للجفاف الناتج عن تغيُّر المناخ، فإن جزءاً كبيراً من المشكلة يتعلق بثقافة استهلاك المياه في منطقة اعتادت على الوفرة والخصوبة عبر مراحل التاريخ المختلفة. وقد أصبحت هذه الأزمة من التعقيد بحيث تتطلب تفاهمات داخلية وعابرة للحدود، إلى جانب مراجعة شاملة لسياسات إدارة المياه في كل بلد، وعلى مستوى الإقليم بأكمله.


مقالات ذات صلة

فرنسا تحت وطأة موجة حر جديدة وتحذيرات مع توسع الحرائق

أوروبا الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحت وطأة موجة حر جديدة وتحذيرات مع توسع الحرائق

أعلنت فرنسا حال تأهب قصوى في ربع أراضيها تقريباً بسبب موجة حر تؤجج أيضاً الحرائق، فيما قرر عدد من المعالم السياحية مثل برج إيفل الإغلاق باكراً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا سيدة تشرب المياه لتبريد جسمها خلال موجة من ارتفاع درجات الحرارة تضرب أوروبا (رويترز)

أكثر من 1700 وفاة جراء الحر في بلجيكا وموجة متواصلة في فرنسا

تسببت موجة الحر في بلجيكا في أواخر يونيو (حزيران) في 1747 وفاة إضافية، وهي أعلى حصيلة على الإطلاق خلال موجة حر في البلاد منذ بدء تسجيل البيانات عام 2000.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تكنولوجيا يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تُظهر دراسة أن تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات قد يخفض تكاليف الكهرباء؛ لكن أثره البيئي يختلف حسب مصادر الطاقة المحلية.

نسيم رمضان (لندن)
بيئة ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978،…

غازي الحارثي (الرياض)
الولايات المتحدة​ الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأربعاء إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها ​الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية

«الشرق الأوسط» (لندن)

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة
TT

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية للظواهر الجوية المتطرفة

تقول آمي ماكغفرن: «أحب أن أقول للناس إنني كنت أعمل في مجال الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح رائجاً... فقد عرفت الحقيقة أنني أريد استخدام الذكاء الاصطناعي لإحداث تغيير في العالم الحقيقي، كما كتبت ساتشي كيتاجيما مولكي».

تحسين التنبؤات الجوية

وتضيف آمي ماكغفرن، الأستاذة في كلية الأرصاد الجوية وكلية علوم الحاسوب بجامعة أوكلاهوما: «في عام 2005، عندما انتقلتُ لأول مرة إلى أوكلاهوما وأصبحتُ أستاذة جامعية، بدأتُ دراسة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤات الجوية. وتحديداً، كان بحثي يسعى إلى تحسين التنبؤات المتعلقة بالظواهر الجوية المتطرفة، مثل الأعاصير، وموجات الحر، والعواصف الثلجية».

وتضيف أنها مشكلة معقدة للغاية تتجاوز مجرد معرفة ما إذا كنتَ بحاجة إلى معطف أو مظلة اليوم. إنها تتعلق بما إذا كان عليكَ إخلاء منزلكَ من إعصار قادم إلى شارعكَ خلال الدقائق الخمس القادمة أو الخمس عشرة دقيقة القادمة. إنها لحظات حاسمة لاتخاذ القرارات، مليئة بالشكوك.

مسألة مثالية للذكاء الاصطناعي

لكنها مسألة مثالية للذكاء الاصطناعي، نظراً لوفرة بيانات الطقس المتاحة، والبيانات هي ما يبرع فيه الذكاء الاصطناعي حقاً. فهو يكشف أنماطاً لا يستطيع البشر رؤيتها، ويجد روابط مفيدة بين نماذج الطقس المختلفة.

خلال العشرين عاماً الماضية تغيرت إمكانياتنا في استخدام الذكاء الاصطناعي والتنبؤات الجوية بشكل كبير. فاليوم، يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التنبؤات التي تُجريها الهيئات الحكومية، وشركات القطاع الخاص، مثل مؤسسات الطقس، وتظهر النتائج على هواتف الجمهور.

تجربة علمية

في عام 2019 حصلتُ أنا وزملائي على منحة قدرها 20 مليون دولار من المؤسسة الوطنية للعلوم لإنشاء معهد للذكاء الاصطناعي مُخصص للتنبؤات الجوية (كنت مديرة له). وقد دعم هذا التمويل 24 عضواً من أعضاء هيئة التدريس، و35 باحثاً، و46 طالب دراسات عليا، و83 طالباً جامعياً. إنه نوع من العمل لا يُمكن إنجازه بمنح أصغر، وأكثر تقليدية.

أصبحنا قادرين على التنبؤ بموعد وصول موجة البرد إلى مياه المحيط قرب جنوب تكساس بوقت كافٍ لفرق إنقاذ الحيوانات لإنقاذ السلاحف البحرية. وقد حسّنّا نظام الإنذار المبكر بالبرد، ما أتاح للناس 60 دقيقة لحماية سياراتهم، ومعداتهم الزراعية، وطائراتهم، بدلاً من الإنذارات التي كانت تُصدر كل 15 دقيقة فقط. كما حسّنّا توقعات الأعاصير، بحيث أصبح بإمكان خبراء الأرصاد الجوية تقدير حدة الإعصار المداري بدقة كل خمس دقائق، بدلاً من مرة أو مرتين فقط في اليوم.

إيقاف الأبحاث بسبب «الهستيريا المناخية»

كان لدينا الكثير لنفعله. ولكن في الصيف الماضي اكتشفنا أن تمويلنا سينتهي بدلاً من تجديده كما كنا نتوقع. إذ أبلغ مكتب الإدارة والميزانية الأميركي الإذاعة الوطنية العامة (NPR) أن برنامجنا يُهدر أموال دافعي الضرائب بسبب «الهستيريا المناخية». صحيح أن الاسم الرسمي لمعهدنا، الذي اختارته المؤسسة الوطنية للعلوم، يتضمن كلمة «المناخ»، إلا أن تركيزنا كان على الظواهر الجوية المتطرفة. فالمناخ والطقس أمران مختلفان.

* خدمة «نيويورك تايمز»


موجة الحر متواصلة في أوروبا وسط تحذيرات من موجة جديدة مقبلة

أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

موجة الحر متواصلة في أوروبا وسط تحذيرات من موجة جديدة مقبلة

أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)
أشخاص يقفون في «ساحة الأبطال» في العاصمة المجرية بودابست حيث يقوم مدفع مياه تابع للشرطة برشّ رذاذ منعش على المارة خلال موجة حر... 30 يونيو 2026 (أ.ب)

تواصل موجة الحرّ التأثير على عشرات الملايين في أوروبا، مع تسجيل درجات قياسية في عدد من الدول، فيما توقّع خبراء موجة حرّ جديدة في عدد من المناطق في الأيام المقبلة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أن موجة الحر الحالية بدأت تتراجع في أوروبا، يواجه أكثر من 95 مليون نسمة، خاصة في شرق القارة وجنوبها، درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، وفقاً لبيانات أعدتها أو جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

في سلوفاكيا، بلغت الحرارة مستوى قياسياً إذ وصلت إلى 41.3 درجة، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية، بحسب إيفان غارتشار، المتحدث باسم المعهد السلوفاكي للأرصاد الجوية.

أشخاص يقفون في الظل خلال موجة حر أمام القلعة الملكية في المدينة القديمة في وارسو 27 يونيو 2026 (رويترز)

وفي كرواتيا، سجّلت مدينة سبليت، الثلاثاء، رقماً قياسياً أيضاً مع بلوغ الحرارة 39.5 درجة مئوية، بحسب ما أفادت هيئة الأرصاد الجوية الكرواتية «وكالة الصحافة الفرنسية»، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 38.6 درجة المسجل في يوليو (تموز) 1950.

ويقول خبراء إن موجة الحرّ الحالية هي الأشدّ على الإطلاق في أوروبا، وأنها ناجمة عن التغيّر المناخي.

وتلقي موجة الحر ظلالها على الجنوب الأوروبي أيضاً، حيث يواجه 19 مليون شخص في إيطاليا وأكثر من 15 مليون في جنوب غربي إسبانيا درجات مرتفعة.

أما في شرق القارة ووسطها، ولا سيما المجر، فيواجه معظم السكان حرارة تزيد عن 35 درجة.

وفيما بدا أن موجة الحر تنحسر، في بعض المناطق على الأقل، حذّر خبراء من موجة جديدة قد تسود في الأيام المقبلة.

أشخاص يسبحون في البحر الأسود في أوديسا بأوكرانيا في 30 يونيو 2026 وسط موجة حرّ تشهدها أوروبا والغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مستوى قياسي

وقال الخبير في الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية الفرنسية، باتريك غالوا، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ابتداء من يوم الجمعة، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، نتوقع مرتفعاً جوياً... ستكون درجات الحرارة فيه مرتفعة جداً، ومن المرجح أن تتجاوز 35 درجة»، وذلك في وقت بدأت فيه موجة الحرّ الاستثنائية التي شهدتها فرنسا في الآونة الأخيرة بالانحسار.

وما تزال 4 مقاطعات في جنوب شرقي البلاد في حالة الإنذار البرتقالي بسبب موجة الحرّ الحالية، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.

وفي البرتغال، التي ظلّت بمنأى نسبياً عن موجة الحرّ في الأسبوعين الماضيين، يتوقع أن تحلّ موجة حر اعتباراً من الأربعاء، تؤثر بشكل خاص على السواحل بشدّة، بحسب هيئة الأرصاد الجوية.

وقال خبير الأرصاد، خورخي بونتي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن مناطق عدة في الداخل ستكون تحت الإنذار البرتقالي، على أن يمتد هذا الإنذار لمعظم أنحاء البلاد.

لكن درجات الحرارة المرتفعة المتوقعة ستظل دون الرقم القياسي التاريخي البالغ 47.3 درجة مئوية، المسجل عام 2003.

وقال الخبير: «ما يلفت انتباهنا في هذه التوقعات ليس درجات الحرارة القصوى فقط، بل استمرار هذه المستويات المرتفعة جداً لأيام متتالية».

رجل يستريح على مقعد بالظل في بلغراد 30 يونيو 2026 حيث تعاني صربيا من موجة حر شديدة (أ.ف.ب)

موجة حر بحريّة «تاريخية»

ويشهد شمال غربي البحر المتوسط موجة حرّ بحريّة بلغت مستوى قياسياً من حيث الشدة، مع تسجيل ارتفاع بمعدل 5.2 درجات عن المعدلات الطبيعية، وفقاً لبيانات معهد علوم البحار الإسباني.

وقال خوستينو مارتيينيز، الباحث في معهد علوم البحار لوكالة الصحافة الفرنسية: «إنْ قمنا بحساب متوسط شدّة هذه الظاهرة، نحصل على 5.2 درجة، وعندما نجري الحساب نفسه للسنوات السابقة نلاحظ أن هذا الرقم يمثل مستوى قياسياً».

وأشار إلى أن هذا الرقم القياسي يعود بدرجة كبيرة إلى موجة الحر الشديدة التي اجتاحت أوروبا في الآونة الأخيرة.

وأوضح أن «موجة الحر هذه... هي الأكثر شدّة مقارنة بأيّ متوسط يومي سجلناه سابقاً»، في إشارة إلى المنطقة الممتدة شمال جزر البليار الإسبانية وغرب كورسيكا وسردينيا.

سكان بوخارست يبردون أنفسهم في أحد أكثر أيام شهر يونيو حرارة من خلال المرور عبر جهاز رش المياه المثبت وسط مدينة بوخارست في رومانيا 30 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وقال إن القياس اعتمد على درجات حرارة السطح فقط باستخدام بيانات الأقمار الاصطناعية.

ولفت إلى أن تسجيل الرقم القياسي في شمال غربي المتوسط جاء بعد انتقال ذروة موجة الحر الجوية نحو شرق أوروبا.

وبحسب العلماء، فإن المحيطات امتصّت نحو 90 في المائة من الحرارة الزائدة الناتجة عن النشاط البشري منذ بداية العصر الصناعي، بينما تُعد أوروبا أسرع قارات العالم احتراراً.

مدفع مياه تابع للشرطة المجرية يرش رذاذاً منعشاً على المارة خلال موجة حر في بودابست 30 يونيو 2026 (أ.ب)

كما أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي يزيد من قدرته على الاحتفاظ بالرطوبة، ما يؤدي إلى عواصف أشد، وبالتالي ارتفاع خطر الفيضانات، وهي من الظواهر الجوية المتطرفة التي يُفاقمها تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.

وكان ارتفاع حرارة البحر المتوسط ساهم في تغذية عاصفة عنيفة أدّت إلى أسوأ فيضانات تشهدها إسبانيا منذ عقود في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حيث سُجّلت معظم الوفيات، التي تجاوزت 230، في منطقة فالنسيا، شرق البلاد.


حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
TT

حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)

من المتوقع أن تتخطى موجة الحر التي تجتاح أوروبا 35 درجة مئوية لفترة، الجمعة، وأن تطول 150 مليون شخص على الأقل، بينهم أكثر من 50 مليوناً في ألمانيا و30 مليوناً في فرنسا، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشير تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أنَّ الحرارة ستتخطى 30 درجة مئوية بالنسبة إلى أكثر من 420 مليون شخص في أوروبا (من دون احتساب تركيا)، ما يعني أنها ستطول نحو 7 أشخاص من كلّ 10 بالقارة، حسب أرقام تستند إلى توقعات خدمة الأرصاد الجوية الألمانية ومركز الأبحاث المشتركة، وتتقاطع مع أرقام منظمة «كليماداشبورد» النمساوية غير الحكومية.

وهذه الأرقام تتجاوز التوقعات الصادرة عن المعهد الألماني للأحوال الجوية، والتي حُسبت بالنسبة إلى الخميس في الساعة 3.00 بتوقيت غرينتش. وتوقَّعت أن تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية وأن تطول 101 مليون نسمة.

امرأة تدفع عربة أطفال وسط المدينة خلال موجة حارة في فيينا بالنمسا 26 يونيو 2026 (رويترز)

وعلى عكس الخميس، لم تعد المنطقة الأكثر تضرراً من موجة الحر هي البر الفرنسي بل ألمانيا، حيث من المتوقع أن تصل درجات الحرارة إلى أكثر من 30 درجة مئوية، الجمعة، وأن تطول نحو 82 مليون نسمة، بينهم 52 مليوناً ستطولهم درجات حرارة تصل إلى 35 مئوية.

ولا تزال التوقعات تشير إلى أنّ درجات الحرارة ستتجاوز 35 مئوية لنحو 34 مليون نسمة في فرنسا و17 مليوناً في إيطاليا و15 مليوناً في هولندا. وأصدر «المعهد الهولندي للأرصاد الجوية» أول إنذار له بشأن موجة الحر الشديد، الذي يسري مفعوله الجمعة في معظم أنحاء البلاد.

ومن المتوقع أيضاً أن تؤثر مستويات درجات الحرارة هذه بشكل كبير على كل من المجر وبلجيكا ولوكسمبورغ.

ويُتوقع أن تطول موجة الحرّ التي شهدتها أوروبا الغربية في الأيام الأخيرة منطقة البلقان اعتباراً من السبت، فيما كان كامل ساحل البحر الأدرياتيكي مشمولاً، الجمعة، بتحذيرات من المستوى الأحمر، حسب وكالة «ميتيو ألارم».

ومن المنتظَر أن تصل مستويات الحرارة إلى 39 درجة، اعتباراً من الأحد حتى الاثنين على الأقل، في بعض مناطق صربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة ومونتينيغرو، وفق مختلف الهيئات الوطنية للأرصاد الجوية.

رجل يضع غطاءً على رأسه لتخفيف أثر الحرارة في روتردام بهولندا (إ.ب.أ)

وفي بلغراد، يُفترَض أن تصل الحرارة إلى 36 درجة السبت، و38 الأحد، و39 الاثنين والثلاثاء، متجاوزة الرقم القياسي البالغ 38.7 درجة الذي سُجّل في العاصمة في يونيو (حزيران) 2021.

وفي صربيا التي شهدت في السنوات الثلاث الأخيرة معدلات الحرارة الأشدّ صيفاً منذ بدء القياسات عام 1951، يعمل أكثر من عامل من كل خمسة في الهواء الطلق، حسب موقع «كليما 101» المتخصص، وشوهد عمّال في ورش البناء ظهر الجمعة تحت الشمس الحارقة. ورغم الحرّ، يُتوقَّع أن يشارك آلاف الأشخاص في بلغراد السبت في تجمّع ينظمه الحزب التقدمي الصربي الحاكم، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومع تجاوز درجات الحرارة 35 درجة، قصد كثير من السكان، الجمعة، الأماكن المظَلَّلة وتلك التي يتوافر فيها الماء. وقال ألكسندر (60 عاماً) وقد غمر قدميه في نافورة بوسط المدينة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعاني كثيراً من الحر الشديد، وهذا المكان هو الأنسب لي».

وفي بريشتينا، عاصمة كوسوفو، كان الشارع الرئيسي الذي يكون عادة مزدحماً بالمارة شبه خالٍ ظهر الجمعة، فيما كان القلائل الذين يمرّون فيه يسرعون الخطى كي لا يمكثوا طويلاً في الحرّ.

وقالت الموظفة الحكومية (41 عاماً) مايليندا التي كانت تشتري أدويتها سريعاً قبل عطلة نهاية الأسبوع لوكالة الصحافة الفرنسية: «من المتوقع أن تشتدّ موجة الحر خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأريد أن أؤمّن كل ما أحتاج إليه حتى لا أضطر للخروج غداً وبعد غد».

وعلى الساحل الأدرياتيكي، امتد الحرّ إلى مياه البحر أيضاً؛ إذ تجاوزت حرارة المياه في بولا بكرواتيا صباح الجمعة 27 درجة عند الساعة الثامنة.

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

وسبق أن شهد صيف 2025 موجات حرّ عدة في البلقان، وسُجِّل في كوسوفو في يوليو (تموز) 2025 أشد يوم حرّ على الإطلاق مع تسجيل 42.4 درجة مئوية. وتعرضت ألبانيا لحرائق عدة التهمت عشرات آلاف الهكتارات واضطر آلاف السكان إلى إخلاء منازلهم.

التغير المناخي مسؤول

وخلصت شبكة علمية دولية في دراسة نشرت نتائجها الجمعة، إلى أن التغير المناخي مسؤول «في شكل لا لبس فيه» عن موجة الحرّ الشديدة التي تضرب أوروبا الغربية راهناً، والتي كانت ستكون شبه مستحيلة الحدوث قبل نحو 50 عاماً.

وأكّد علماء شبكة «وورلد ويذر أتريبيوشن» (دبليو دبليو إيه) الذين يدرسون مسؤولية الاختلالات المناخية الناجمة عن الأنشطة البشرية في الظواهر المناخية القصوى، أن درجات الحرارة المرتفعة جدّاً خلال النهار والليل أيضاً كانت ستكون «شبه مستحيلة» في هذه الفترة من عام 1976 الذي شهد بدوره قيظاً استثنائياً.

ولو وقعت موجة حرّ من هذا القبيل، لكانت ألطف بـ3.5 درجات مئوية نهاراً و2.4 درجة ليلاً، حسب حسابات العلماء.

وقال تيودور كيبينغ من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن الذي شارك في هذه الأبحاث: «خلصنا إلى أنه خلال السنوات الخمسين الأخيرة التي زادت فيها حرارة الكوكب 1.1 درجة مئوية، تغيّرت أرجحية وقوع موجة قيظ كهذه بدرجة فائقة».

وصرّح خلال عرض الدراسة على وسائل الإعلام بأن «موجة كهذه ما كانت ممكنة في يونيو من دون التغيّر المناخي».

وأشارت فريديريكه أوتو من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن إلى أن «هذه الظاهرة المناخية ليست غير الاعتيادية لكن درجات الحرارة كذلك» بسبب التغيّر المناخي البشري المصدر.

«مزعج وخطير»

يتأتّى هذا التغيّر المناخي البشري المصدر من الاستخدام الكثيف لمصادر الطاقة الأحفورية، من فحم ونفط وغاز أحفوري، فضلاً عن قطع الغابات.

واستند العلماء المقيمون في عدّة بلدان أوروبية في أبحاثهم إلى بيانات أرصاد جوية حالية وتوقّعات الأيام المقبلة؛ إذ إن موجة الحرّ ما زالت متواصلة، وقارنوها بالمعطيات المسجّلة في 2003 و1976.

طفل يحاول التخفيف من أثر الحرارة بالوقوف داخل نافورة ماء في تورين بإيطاليا (إ.ب.أ)

ولم تلق هذه الأبحاث التي أجريت بوتيرة متسارعة مراجعة من باحثين خارجيين، وفق الإجراءات المعمول بها في إطار المنشورات العلمية. غير أن المنهجية المعتمدة سبق أن صادقت عليها الأسرة العلمية، حسبما ذكّر القيّمون على هذه الأبحاث.

وباتت الليالي الحارة أكثر ترجيحاً بمائة مرّة اليوم مما كانت عليه الحال خلال موجة الحرّ القياسي في 2003. وباتت الحرارة القصوى خلال النهار أكثر ترجيحاً بعشر مرّات، حسب الباحثين.

واستبعد العلماء مسؤولية ظاهرة «إل نينيو» الطبيعية التي ترفع الحرارة على سطح الأرض في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، متسبّبة بموجات جفاف وفيضانات وحرارة قياسية في العالم. ولاحظوا أن هذه الظاهرة لم تؤد «أيّ دور» في موجة الحرّ الحالية.

ويجعل «الإجهاد الحراري» الناجم عن درجات حرارة ومستويات رطوبة عالية هذا القيظ «مزعجاً وخطيراً بشكل خاص»، حسب فريديريكه أوتو.

وكشفت الدراسة أن نحو 45 في المائة من المدن الـ854 المشمولة بالتحليل في 30 دولة أوروبية حطّمت المستويات القياسية للإجهاد الحراري أو أنها على وشك تحطيمها.

وتستند هذه الخلاصات إلى مؤشّر حرارة يعرف بـ«مقياس حرارة ذي بُصيلة مخضّلة» يقوم على الحرارة والرطوبة ونسبة الإشماس والغطاء السحابي. ويستخدم هذا المؤشّر خصوصاً في عالم الرياضة.

و​ذكر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن ‌درجة ‌الحرارة ​في ‌سوفوك بشرق ​إنجلترا بلغت 36.9 درجة مئوية، اليوم الجمعة، ‌لتحطم الرقم ‌القياسي ​لأشد ‌أيام ‌يونيو حرارة لليوم ‌الثالث على التوالي، وذلك مع اقتراب موجة الحر من نهايتها.