من العراق وسوريا إلى تركيا وإيران... هل يخفف شتاء 2022 من وطأة الجفاف؟

سهول محافظة نينوى كانت الأكثر تضرراً بارتفاع درجات الحرارة

آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
TT

من العراق وسوريا إلى تركيا وإيران... هل يخفف شتاء 2022 من وطأة الجفاف؟

آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)
آثار الجفاف في منطقة الأهوار جنوب العراق في الصيف الماضي (أ.ف.ب)

شهد العراق خلال السنوات الثلاث الماضية موجة جفاف واسعة، تسببت في تراجع مساحات الأراضي المزروعة بمحاصيل الحنطة والشعير والمحاصيل الاستراتيجية الأخرى. ومع مطلع هذا الشتاء تعرَّضت مناطق في شمال البلاد لعواصف مطرية ومضية، أدت إلى سيول وفيضانات عنيفة، نتجت عنها خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبينما ساهمت الهطولات المطرية في تغذية بعض السدود في إقليم كردستان العراق، لا تزال مناطق وسط البلاد وجنوبها وشرقها تعاني حتى الآن من قلَّة الأمطار، وسط مخاوف من تعرُّضها لسيول وفيضانات مفاجئة كما حصل في الشمال. ورغم ذلك، لا يزال الأمل قائماً في أن تساهم هطولات هذا الشتاء في سد العجز المائي الذي يُقدَّر بنحو 12 مليار متر مكعب، من أصل 53 مليار متر مكعب هي حاجة البلاد السنوية.
- الجفاف يهدد غذاء العراق
يؤدي الجفاف في العراق إلى تحوُّل مناطق زراعية شاسعة إلى أراضٍ جرداء؛ حيث تُظهر دراسات رسمية أن الصحراء أصبحت تشغل الآن نحو 40 في المائة من مساحة البلاد. كما تعاني الأراضي الزراعية من مشكلة التملُّح؛ خصوصاً في مناطق الجنوب.
وكانت سهول محافظة نينوى التي توصف بسلَّة غذاء العراق، الأكثر تضرراً من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف الماضي. فبعد أن كان إنتاجها من الحبوب خلال موسم 2020 نحو 930 طناً، انخفض في 2021 إلى 90 طناً فقط بسبب الجفاف. كما تسبب الجفاف في ارتفاع أسعار الحبوب إلى مستويات قياسية؛ إذ بلغ سعر طن القمح 520 دولاراً بعد أن كان 180 دولاراً قبل سنة، ووصل سعر طن الشعير إلى 400 دولار بينما كانت قيمته 80 دولاراً.
ونظراً لتدني مخزون العراق المائي من نهري دجلة والفرات وروافدهما، قررت وزارة الزراعة تقليص خطتها الزراعية لجميع المحاصيل الشتوية إلى النصف، بحيث تبلغ المساحة المزروعة خلال هذا الشتاء 250 ألف هكتار، بالمقارنة مع 500 ألف هكتار في شتاء 2021.
وكان إنتاج القمح في صيف 2021 قد بلغ 3.5 مليون طن، متراجعاً بمقدار 1.5 مليون طن عن الموسم السابق. وتتوقع وزارة الزراعة ألا يتجاوز إنتاج القمح في الموسم القادم 2.5 مليون طن، وهي كمية لا تكفي لتغطية حاجة البلاد من الخبز المدعوم حكومياً، الذي يستلزم 4.5 مليون طن سنوياً.
ولا تقتصر حالة الطقس الجاف على العراق فقط؛ لأن الهطولات المطرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال قليلة في موسم الشتاء الحالي، مما أعاق البَذر المبكر لزراعات الحبوب الشتوية التي سيتم حصاد نتاجها في الصيف المقبل. ولكن ما يجري في العراق يمثِّل حالة دراسية عن أثر تغيُّر المناخ وضعف إدارة الموارد المائية في تهديد الأمن الغذائي.
ويخلُص تقرير صدر مؤخراً عن وزارة الموارد المائية العراقية، إلى أن موجات الجفاف الشديدة المتوقعة حتى سنة 2025 ستؤدي إلى جفاف نهر الفرات بشكل كامل في قطاعه الجنوبي، بينما سيتحول نهر دجلة إلى مجرى مائي بموارد محدودة. ويمثل النهران اللذان ينبعان من تركيا ويمران عبر سوريا، مصدراً لما يصل إلى 98 في المائة من إمدادات المياه السطحية في العراق. وكان البنك الدولي قد حذَّر العراق من أن المياه لن تصل إلى ثلث الأراضي المروية في سنة 2050، إذا ارتفعت الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة كما هو متوقع.
- استنزاف مياه تركيا
ويُلقي العراق باللائمة على دول الجوار في تراجع حصَّته من الموارد المائية السطحية. فرغم وجود اتفاقيات خاصة بمياه دجلة والفرات مع تركيا، كان آخرها في 2009، فإن هذه الاتفاقيات لم تنفَّذ بالكامل. وفي المقابل، تؤكد تركيا أنها تفي بما عليها من التزامات، وتشير إلى سوء إدارة المياه في العراق.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن مشروع تركيا الكبير في الأناضول الذي يتضمن بناء 22 سداً و19 محطة كهرمائية، سيقلِّل إلى حد بعيد كمية المياه المتدفقة من نهري دجلة والفرات إلى سوريا والعراق. تركيا نفسها تعاني حالياً من الجفاف الذي طال أمده، وهي تحتفظ بالمياه خلف السدود لتلبية احتياجاتها الخاصة، بما فيها الزراعات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه كالذرة والقطن والشمندر السكري.
ومنذ الثمانينات، شجَّعت السياسات الحكومية زراعة المحاصيل ذات العوائد المالية المرتفعة، مما جعل تركيا سابع أكبر منتج زراعي في العالم، وأحد أكبر مصادر الحبوب والفاكهة والتبغ والشاي. وبينما تساهم الزراعة في 6 في المائة من الدخل القومي، فهي توظف نحو 20 في المائة من القوة العاملة في البلاد، وتستهلك ما يقرب من 75 في المائة من المياه العذبة، وهي نسبة يحذِّر الخبراء من أنها غير مستدامة.
ويزداد الطلب على المياه بشكل متسارع في تركيا بسبب الزراعات المستنزفة للمياه، مما أدى إلى انخفاض طبقات المياه الجوفية وجفاف أنظمة أنهار بأكملها. كما لا يزال المزارعون في تركيا يستخدمون تقنيات الري القديمة، بما فيها السواقي المفتوحة وقنوات الجر المرتفعة التي تعاني من فقدان المياه بنسبة 35 إلى 60 في المائة بسبب التبخُّر والتسرُّب.
- الإفلاس المائي في إيران
ويبدو أن الحكومة العراقية مجبرة في ملف الأمن المائي على معالجة جملة من القضايا، من بينها الاضطرابات السياسية والتحديات الأمنية والأزمة الاقتصادية والخلافات مع دول الجوار. وكانت وزارة الموارد المائية العراقية قد استكملت مؤخراً جميع الإجراءات الفنية والقانونية، لرفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية ضد سياسة المياه الإيرانية التي تتسبب في جفاف الأهوار في جنوب البلاد.
وتبلغ حصة العراق من مياه الأنهار والجداول الآتية من إيران نحو 11 مليار متر مكعب في السنة؛ لكن سلسلة طويلة من السدود تقطع المياه عن عشرات الروافد والجداول التي تعبر الحدود. وتتخذ إيران خطوات للاحتفاظ بمزيد من المياه في أراضيها؛ حيث قامت ببناء 16 سداً على نهر سيروان، أحد روافد دجلة، خلال السنوات القليلة الماضية. كما تعمل وزارة الطاقة الإيرانية منذ سنتين على مضاعفة عدد السدود في البلاد لتصل إلى نحو 400 سد، وسيكون العشرات منها عائقاً أمام وصول المياه إلى العراق.
وتملك إيران أسبابها الداخلية التي تدفعها للقيام بهذه الإجراءات، فهي تعاني أيضاً من الجفاف الشديد. وخلال موسم الشتاء الماضي، تلقَّت إيران نصف معدل الهطول المطري المعتاد. وتحصل أكثر من 8 آلاف قرية وبلدة إيرانية على مياهها من صهاريج جوَّالة، بينما أدت أزمة المياه إلى احتجاجات واشتباكات عنيفة؛ خصوصاً في محافظة خوزستان التي تحاذي محافظتي ميسان والبصرة العراقيتين. ولم تقتصر الاحتجاجات على خوزستان؛ بل طالت أيضاً مناطق كثيرة في إيران، بما فيها محافظات لوريستان وأصفهان وطهران. وترتبط قلة المياه في إيران بتغيُّر المناخ وسوء إدارة الموارد.
وفي سعيها لمواجهة العقوبات الدولية والاكتفاء ذاتياً، ضاعفت الحكومة الإيرانية نقاط استخراج المياه الجوفية بين عامي 2002 و2015، من أجل دعم القطاع الزراعي، لا سيما زراعة القمح والأرز وقصب السكر، مما استنفد المياه الجوفية وتسبب في نضوبها. ومع تناقص منسوب المياه الجوفية، ارتفعت ملوحتها على النحو الذي تسبب في تملح التربة عند استخدامها في ري الأراضي الزراعية. ورغم أن المشكلات المائية في إيران معروفة منذ 30 سنة، فإنه لا توجد خطة منهجية من شأنها زيادة الموارد المائية وتنظيم استهلاكها، مما أوصل البلاد إلى حالة «إفلاس مائي» يتجاوز فيها الطلب على المياه ما هو متاح. وسوف يستغرق الأمر أكثر من شتاء ممطر للتخفيف من نقص المياه.
- سوريا تواجه أسوأ جفاف
ولا تختلف أسباب أزمة المياه في سوريا عن تلك التي في العراق أو تركيا أو إيران، باستثناء ظروف الصراع القائمة في البلاد منذ سنة 2011؛ خصوصاً في المنطقة الشمالية الشرقية التي تعتمد في زراعتها على نهرَي دجلة والفرات. وتشهد سوريا أسوأ موجة جفاف منذ 70 سنة، وهي مشكلة تضاف إلى كثير من المشكلات التي تعصف بها.
ووفقاً لتقديرات برنامج الغذاء العالمي، يواجه 12.4 مليون سوري انعدام الأمن الغذائي؛ حيث يتلقى 4.8 مليون شخص منهم مساعدات غذائية من البرنامج. وللبقاء على قيد الحياة تتبع 90 في المائة من العائلات السورية استراتيجيات تأقلم سلبية، تشمل تقليل وجبات الطعام، وشراء كميات تقل عن الحاجة الفعلية، والاقتراض لشراء الاحتياجات الأساسية.
وتُعتبر المنطقة الشمالية الشرقية التي تخضع بمعظمها حالياً لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، مصدراً لمجمل قطن سوريا ونصف حبوبها ومعظم نفطها. ويعتمد أكثر من 5 ملايين سوري على نهر الفرات كمصدر لمياه الشرب التي تتناقص بفعل السياسات المائية التركية، وتتراجع نوعيتها بسبب التلوث الناجم عن حرَّاقات النفط البدائية والتسربات من خطوط وخزانات المشتقات في قطاع النفط.
ونتيجة ذلك، يعاني كثيرون؛ ليس فقط من قلَّة المياه المتاحة للزراعة؛ بل من عدم وجود مياه صالحة للشرب. وكما هي الحال في العراق، جفَّت الحقول والبساتين في الجزيرة السورية، كما حصل في مدينة الرقة؛ حيث يعيش نحو 400 ألف شخص؛ إذ انخفض تدفق المياه في نهر الفرات من 600 متر مكعب في الثانية إلى 200 متر مكعب فقط.
ولا يُعتبر الجفاف السبب الوحيد لنقص المياه في سوريا. فقد ساهم إهمال نُظم الري، وزيادة استخدام المياه لتشغيل المحطات الكهرمائية، والتعدِّيات على شبكات المياه والأحواض الجوفية، والاعتماد على أساليب بدائية في الري، وتملُّح التربة، والافتقار إلى التخطيط الاستراتيجي للمستوعبات المائية، في تفاقم أزمة المياه.
ويتخوَّف المزارعون ومربُّو الماشية في شمال شرقي البلاد، من تكرار سيناريو الجفاف الذي سبب لهم خسائر كبيرة في العام الماضي؛ حيث شهدت منطقة الجزيرة تراجعاً في إنتاج محاصيل استراتيجية، مثل القمح والشعير والذرة، بسبب انحباس الأمطار وتوقف جريان نهر الفرات ورافده الرئيسي نهر الخابور، كما اضطر مربُّو الإبل إلى بيع آلاف الجِمال في السوق السوداء، وتهريبها إلى البلدان المجاورة.
عبر الهلال الخصيب، من سوريا والأردن والعراق، وصولاً إلى تركيا وإيران المجاورتين، تتفاقم أزمة المياه سنة بعد سنة. ورغم الدور المؤثر للجفاف الناتج عن تغيُّر المناخ، فإن جزءاً كبيراً من المشكلة يتعلق بثقافة استهلاك المياه في منطقة اعتادت على الوفرة والخصوبة عبر مراحل التاريخ المختلفة. وقد أصبحت هذه الأزمة من التعقيد بحيث تتطلب تفاهمات داخلية وعابرة للحدود، إلى جانب مراجعة شاملة لسياسات إدارة المياه في كل بلد، وعلى مستوى الإقليم بأكمله.


مقالات ذات صلة

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

نقل المئات إلى المستشفيات جراء «كارثة» الحر الشديد في اليابان

نُقل أكثر من 450 شخصاً في طوكيو إلى المستشفيات خلال يوم واحد؛ للعلاج من مشكلات مرتبطة بالإجهاد الحراري.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - باريس)
يوميات الشرق ما نمنحه للكائنات الصغيرة يعود إلينا على هيئة حياة (مجلس مدينة ويستبري وبريندن مورليس)

تمثال مُصمَّم لجذب الحشرات في بريطانيا

في مبادرة تجمع بين الفنّ والحفاظ على البيئة، تُركَّب منحوتة فنية جديدة في متنزه «بينلي بارك» بمدينة ويستبري في مقاطعة ويلتشير البريطانية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحت وطأة موجة حر جديدة وتحذيرات مع توسع الحرائق

أعلنت فرنسا حال تأهب قصوى في ربع أراضيها تقريباً بسبب موجة حر تؤجج أيضاً الحرائق، فيما قرر عدد من المعالم السياحية مثل برج إيفل الإغلاق باكراً.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.


انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
TT

انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)

انخفض معدل إزالة الغابات في منطقة الأمازون البرازيلية العام الماضي، إلى أدنى مستوى له منذ عقد، وفقاً لبيانات رسمية صدرت الجمعة، وهو أحدث تراجع تشهده المنطقة في ظل حكم الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

وسجل المعهد الوطني لأبحاث الفضاء إزالة 2874 كيلومتراً مربعاً من الغطاء النباتي لأكبر غابة استوائية في العالم في الفترة من أغسطس (آب) 2025 إلى يوليو (تموز) 2026، ما يمثل انخفاضاً بنسبة تقارب 37 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وكان المعهد قد بدأ تتبع عمليات إزالة الغابات عبر الأقمار الاصطناعية منذ عام 2016.

وتعهد لولا الذي سيسعى لإعادة انتخابه في أكتوبر (تشرين الأول)، بإنهاء إزالة الغابات بطرق غير قانونية بحلول عام 2030.

وقال أثناء عرض البيانات الجديدة في ساو باولو: «تشير الأرقام إلى أننا إذا حافظنا على الوتيرة الحالية وبالجدية التي أظهرناها ومع توفير الموارد اللازمة، يمكننا تحقيق ذلك».

يُذكر أن معدلات إزالة الغابات في الأمازون ارتفعت بشدة في عهد سلفه اليميني جايير بولسونارو، ووصلت إلى ذروتها عام 2022 مع إزالة 12500 كيلومتر مربع.

وأضاف لولا الجمعة: «في هذا البلد، نحن نتعامل مع قضية المناخ بجدية بالغة، لأننا لا ننكر الحقائق. نحن نرى بأعيننا ما يحدث»، في إشارة إلى الظواهر المناخية المتطرفة.

وسيواجه لولا في الانتخابات الرئاسية المقبلة منافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق، ويتقدم السياسي اليساري المخضرم بفارق طفيف في أحدث استطلاعات الرأي.

غير أن نشطاء في مجال البيئة يأخذون على لولا دعمه التنقيب عن النفط على نطاق واسع قبالة ساحل الأمازون، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»
TT

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

في عام 2020، ومباشرة بعد أن اشترى وينسلو ولورا روبنسون مزرعة في ولاية مين، فوجئا بمعلومة تفيد بأن مياه الصرف الصحي كانت تُستخدم سماداً في تلك الأرض قبل عقود، وأن هذه المياه خلّفت وراءها مواد كيميائية تُعرف بـ«المواد الكيميائية الأبدية» (forever chemicals) التي ظلت عالقة في التربة.

أراضٍ زراعية أميركية ملوثة كيميائياً

كان مزارعو ولاية مين في طليعة من كشفوا عن هذه المشكلة التي تعاني منها الأراضي الزراعية في جميع أنحاء البلاد؛ إذ استُخدمت مياه الصرف الصحي - الناتجة عن محطات معالجة المياه العادمة - على نطاق واسع في المزارع منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك بهدف تحويلها بعيداً عن مكبات النفايات وتوفير سماد رخيص للمزارعين.

وتُباع هذه المواد أيضاً - تحت اسم «المواد الصلبة الحيوية» أو «biosolids» - في بعض متاجر مستلزمات الحدائق كسماد منزلي، وربما تكون أنت نفسك تستخدمها في حديقة منزلك دون أن تدري. غير أن مياه المجاري هذه قد تحتوي على مستويات عالية من مركبات «بيرفلورو ألكيل» و«بولي فلورو ألكيل» (PFAS)، وهي المواد التي تُلقب بـ«الكيميائيات الأبدية» لأنها لا تتحلل كما تنتقل من التربة إلى الغذاء. ورغم أن الآثار المترتبة على وجود هذه المركبات في الغذاء لم تُفهم بالكامل بعد، فإنها ارتبطت بأمراض الكبد والسرطان وأمراض أخرى.

البحث عن طريقة أقل تكلفة

وفي سياق إزالة هذه المواد الضارة الأبدية، تقترح دراسة جديدة أجرتها جامعة ييل ونُشرت في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) طريقة منخفضة التكلفة يمكن للمزارعين من خلالها معالجة هذه المشكلة والمساهمة في الوقت نفسه في مكافحة التغير المناخي.

وتُعد الطرق الحالية لمعالجة التربة الملوثة بمركبات PFAS باهظة التكلفة للغاية - إذ قد تصل أحياناً إلى مليون دولار للفدان الواحد - وعادة ما تُستخدم فقط في مواقع محددة مثل المطارات أو القواعد العسكرية، كما أنها تتطلب إزالة التربة ونقلها؛ ومن ثم، فإن تنظيف ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الأميركية بهذه الطريقة ليس أمراً عملياً أو ممكناً.

قرر نوح بلانافسكي، أستاذ الكيمياء الجيولوجية في جامعة ييل والمتخصص في دراسة صحة التربة، العمل على هذه المشكلة بعد أن اطلع على تفاصيلها من المزارعين. ويقول بلانافسكي: «كان المزارعون يشعرون بقلق عميق إزاء هذا الأمر، وشعروا بأنهم لا يحصلون على معلومات دقيقة، وأنهم يواجهون مشكلة هائلة بينما يتم تجاهلهم أو التلاعب بعقولهم وتضليلهم».

زراعة محاصيل تمتص السموم

اختبرت الدراسة نهجاً بسيطاً لمعالجة التربة الملوثة، يتمثل في قيام المزارعين بزراعة محاصيل معروفة بقدرتها على امتصاص مركبات PFAS بسرعة، مثل القنب وعباد الشمس. ويضيف المزارعون أيضاً صخوراً قلوية مسحوقة إلى التربة لرفع مستوى الأس الهيدروجيني (pH)، ما يساعد النباتات على امتصاص كميات أكبر من المواد الكيميائية. وعند حصاد المحاصيل، فإنها تُعرَّض لدرجات حرارة عالية جداً في غياب الأكسجين، مما يؤدي إلى تفكيك مركبات «بيرفلورو ألكيل» PFAS.

يقول بلانافسكي: «على الرغم من أنها تُعرف بـ(المواد الكيميائية الأبدية) - نظراً لكونها مركبات شديدة الثبات والمتانة - فإنه يمكن تدميرها عند درجات حرارة مرتفعة، وهي حقيقة موثقة جيداً». وتنتج عن هذه العملية مادة «الفحم الحيوي» (biochar)، التي يمكن إعادتها إلى التربة للمساعدة في احتجاز المزيد من المركبات الأبدية.

خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن

ويُقدّر العلماء أن هذه الطريقة قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن.

وثمة تحدٍ آخر يتمثل في أن مياه الصرف الصحي لا تزال تُستخدم في بعض المزارع في معظم الولايات. ولا عجب في شيوع استخدامها تاريخياً؛ إذ تقول لورا روبنسون، وهي مزارعة عضوية في ولاية مين شاركت في دراسة جامعة ييل: «بالكاد يغطي المزارعون نفقاتهم؛ فالزراعة لا تدر أرباحاً كبيرة. لذا، إذا عُرض عليك سماد مجاني لمساحات شاسعة من حقول القش، فمن الطبيعي أن تقبل به، خاصة وأن الجهات المعنية كانت تؤكد سلامته».

هل تكلفة عمليات المعالجة والتنقية معقولة؟

تتميز الطريقة التي يتبعها العلماء بأن تكلفتها أقل بكثير (بفارق هائل في التكلفة) مقارنة بالأساليب الأخرى المستخدمة لإزالة المواد الكيميائية الأبدية، كما أنها تنطوي على ميزة إضافية: إذ تساهم إضافة الصخور المسحوقة إلى التربة في احتجاز ثاني أكسيد الكربون.

وتجدر الإشارة إلى أن «بلانافسكي» يجري أبحاثاً أيضاً حول هذا النوع من إزالة الكربون - المعروف باسم «التجوية الصخرية المعززة» - كما شارك في تأسيس شركة ناشئة تدعى «ليثوس» Lithos تعمل بشكل منفصل على استخدام غبار الصخور في مزارع أخرى.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن تساهم عائدات بيع أرصدة إزالة الكربون في تمويل عمليات معالجة التربة من المواد الأبدية. ويقول بلانافسكي: «نحن بحاجة إلى إزالة مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون لتحقيق أهدافنا المناخية. وهناك أيضاً إجماع علمي على أن وجود مواد PFAS في المنظومة الغذائية يثير مخاوف صحية حقيقية على نطاق عام واسع... وأعتقد أن معظم الناس يتفقون على أن التمويل المخصص لهذين الأمرين غير كافٍ».

* مجلة «فاست كومباني».