فيرا تولياكوفا وناظم حكمت... علاقة متوهجة نمت في كنف السباق مع الموت

في سيرتها عنه حرصت على الوفاء له شاعراً وإنساناً وزوجاً

ناظم حكمت
ناظم حكمت
TT

فيرا تولياكوفا وناظم حكمت... علاقة متوهجة نمت في كنف السباق مع الموت

ناظم حكمت
ناظم حكمت

قل أن حظي شاعر معاصر بما حظي به الشاعر التركي ناظم حكمت من شهرة واهتمام نقدي وتعاطف واسع، على المستويين الوطني والعالمي. لا بل إن ما لقيه الشاعر من حفاوة وتقدير على الصعيد العالمي، يفوق بأضعاف ما لقيه في بلاده، التي لم يجد حكامها العسكريون طريقة ملائمة لتكريمه، كشيوعي بالغ الخطورة، سوى ملاحقته الدائمة ومصادرة كتبه، وصولاً إلى إيداعه السجون لسنوات طويلة. ومع أن الشاعر كان يمتلك بوسامته البادية وعينيه الزرقاوين الصافتين وقامته الفارعة، فضلاً عن موهبته العالية، كل ما يوفر له أسباب السعادة والطمأنينة، إلا أن انتماءه العقائدي لم يكن ليوضع من قبَل سلطات بلاده في خانة الآيديولوجيا المناهضة وحدها، بل يُنظر إليه من زاوية العداء التاريخي المستحكم مع الروس، في الآن ذاته. وإذ لمح حكمت غير مرة إلى أن السلطة الحاكمة كانت تدبر مكيدة لاغتياله خارج السجن، بطريقة لا تثير الشبهات، تمكن في غفلة من العسس، من الفرار بأعجوبة عبر البحر، ليصل بعد ذلك إلى موسكو، حيث ستأخذ حياته اللاحقة مساراً آخر.
إلا أن الحديث عن الحقبة الموسكوبية التي سبقت وفاة ناظم حكمت، والتي نقلتها زوجته الأخيرة فيرا تولياكوفا إلى القراء، بقدر عال من البراعة السردية والدفء الحميم، لا يستقيم بأي حال دون التوقف قليلاً عند حياة ناظم العاطفية السابقة، حيث ارتبط الشاعر الشغوف بالحياة بغير قصة حب، وغير علاقة زوجية. ولا نستطيع في هذا السياق أن نغفل العلاقة الملتبسة التي ربطت حكمت بزوجته بيراييه، حيث لم يتح لهما أن يعيشا تحت سقف واحد لأكثر من سنوات ثلاث، فيما ظل الشاعر خلال السنين المتبقية قابعاً خلف ظلمة السجون. على أن الزوجة المثقفة التي حرصت على الوفاء للشاعر طيلة سنوات سجنه الطويلة، لم تستطع أن تغفر له خيانته لها مع امرأة أخرى يختزلها ناظم اسمها بالحرف «س»، معترفاً بفعلته تلك، كما بإلحاح زوجته في طلب الطلاق. وهو ما حدث بالفعل قبل خروج الشاعر من السجن، ليتزوج دون إبطاء من امرأة أخرى هي منور، التي ظهر اسمها في الكثير من قصائده العاطفية. وإذا كان حنا مينة قد اعتبر في كتابه «ناظم حكمت\ السجن، المرأة، الحياة»، أن بيراييه ومنور هما المرأة عينها، عاد في كتابه اللاحق «ناظم حكمت ثائراً» ليتراجع عن رأيه السابق، مؤكداً أنهما امرأتان مختلفتان. كما أن مينة الذي كان قد أشار إلى عجز حكمت عن الإنجاب، بناء لاعتراف شخصي من الشاعر لصديقه الكاتب كمال طاهر، عاد لاحقاً ليؤكد أن ولده محمد هو ابنه البيولوجي، الذي كان قد تنبأ بولادته في قصيدة استشرافية يقول فيها:
سيولد منا، يا منور، أكمل من ولد من التراب
ومن النار والبحار
ودون خوف ولا تفكير
سيترك الناس أيدي الناس
ناظرين إلى النجوم قائلين: الحياة شيء جميل
أما البرود العاطفي الذي أظهره حكمت إزاء الزوجة السابقة التي هدرت سنوات شبابها في سبيل حبها له، فيعيده صاحب «المصابيح الزرق» إلى التكوين النفسي للشعراء والفنانين، الذين يشكل النأي والابتعاد جزءاً لا يتجزأ من افتتانهم بالمرأة، كما بسائر الموجودات. لكن التحقق الفعلي للمرأة المحبوبة يتسبب بإبطال الجانب الأكبر من هذا السحر، ويعيد الأشياء إلى حجمها الطبيعي. كما يرى مينة أن حكمت الذي وجد نفسه حائراً بين خياري الوفاء لزوجته والوفاء لقصيدته، لم يملك كشاعر مبدع سوى أن ينتصر للخيار الثاني، وهو الأمر البديهي في رأيه. لكن اللافت في الوقت ذاته أن العلاقة الجديدة مع منور لم تثبت طويلاً إزاء الزمن، كما ظلت محاطة بالكثير من الغموض واللبس، قبل أن تخلي مكانها لعلاقة جديدة كان مقدراً لها أن تتم في ظروف مغايرة وفوق مسرح آخر.
كان من الطبيعي أن يُستقبل ناظم حكمت في موسكو استقبال الفاتحين، خصوصاً أن حملة تضامنٍ واسعة قد سبقت إطلاق سراحه، محولة إياه إلى واحد من الرموز الشعرية والنضالية الأكثر شهرة على الصعيد العالمي. على أن الهالة التي أحاطت به والأدوار المتعددة التي أسندت إليه، لم تستطع أن تردم في أعماقه شعوراً داهماً بالوحشة واقتراب الكهولة، وصولاً إلى توجسه من الموت المفاجئ، بفعل مرض في القلب والأوعية الدموية يصعب شفاؤه. ولأن المرأة وحدها هي القادرة، في رأيه، على منحه الدفء الذي يحتاجه، فلم يكد بصره يقع على الشابة الجميلة فيرا تولياكوفا، التي قصدت منزله طلباً للمساعدة في مجال الأفلام المتحركة، حتى أدرك حكمت، وهو المحاط بعشرات المعجبات المماثلات، أن لهذه المرأة سحرها المختلف، وأنها وحدها القادرة على بعث الحياة في أوصاله اليابسة.
قد تكون السيرة التي تولت فيرا تولياكوفا كتابتها بنفسها تحت عنوان «الحديث الأخير مع ناظم»، هي إحدى أكثر السير المماثلة شفافية وصدقاً وغنى بالتفاصيل. والواضح أن تولياكوفا لا تظهر في كتابها بمظهر الكاتبة الهاوية التي تريد الاتكاء على مكانة زوجها الراحل لتحقيق الشهرة، بل هي عملت على تنويع أساليب السرد، متنقلة برشاقة بين الأزمنة، ودافعة عصب اللغة إلى مداه الأخير. ولعل ما أضفى على العمل تلك الشحنة الفائضة من العاطفة والبوح الحميم، هو كون الزوجة المفجوعة قد شرعت في كتابته بعد أسبوعين اثنين من رحيل زوجها، ومن ثم استمرت في الكتابة لعامين متتاليين. وهو ما أتاح لفيرا أن تطلق العنان للغتها الفوارة وحبها الجامح، في ظل الشعور الممض بالخسارة، والوطأة الثقيلة للفقدان. ولعل الغليان العاطفي الذي يقف وراء الكتاب، هو الذي جعل فيرا تستسلم تماماً لإغواء السرد، مدونة في البدء ما يزيد عن الصفحات الألف، قبل أن تعمد إلى حذف الكثير من التفاصيل الحميمة للعلاقة، كما تشير في مقدمة الكتاب.
«كنتَ منذ أن جئت إلى موسكو، أشبه بالأسطورة، وكنت بالنسبة لي بعيداً كأولئك الذين يعملون في الكرملين»، تقول تولياكوفا لحكمت بعد رحيله. وهي إذ تختار ضمير المخاطب كصيغة للكتابة، تبدو وكأنها ترفض بشكل قاطع فكرة غيابه عن العالم، وهو الماثل في وجدانها من خلال حضوره الأخاذ، كما من خلال إبداعه ومواقفه النضالية والإنسانية. على أن أكثر ما يلفت في السيرة، ليس فقط الوقوع السريع للشاعر في حب الشابة الشقراء التي تصغره بعقود، بل اكتشاف فيرا منذ لحظة اللقاء الأولى أن ناظم مصاب بمرض خطير في القلب والشرايين، وهو ما أكسب العلاقة طابعها الدرامي والرومانسي، بحيث راح الحب بين الطرفين ينمو في كنف القلق والخوف من المجهول والسباق مع الموت. ومع ذلك فقد احتاجت فيرا إلى وقت غير قليل، لتتأكد من مشاعرها الحقيقية إزاء الرجل الذي تمنت نساء كثيرات أن يحظين منه بأدنى التفاتة، فيما كان من جهته، ومنذ الأيام الأولى للقائها به، يعترف لها بحبه باكياً، كما تروي. ثم تضيف بأنها المرة الأولى التي قيض لها من خلالها أن تعرف كيف يبكي الرجال.
تحاول فيرا تولياكوفا من خلال سردها الشيق أن توائم قدر استطاعتها بين موجبات الوفاء للشاعر الذي أحبته، وبين الحرص المقابل على تقديمه كإنسان وكزوج، بقدر من الموضوعية والالتزام بالحقيقة، وبمعزل عن هالة التعظيم و«الأسطرة» التي أحاطت به. ففيرا التي وقعت بعد تردد في حب ناظم، مقررة الزواج منه والتخلي عن زوجها الأول، لا تتوانى في غير مناسبة عن الإشارة إلى الغيرة شبه «المرَضية» التي كان يبديها حكمت إزاءها. فقد كان، في فترة التعارف السابقة على الزواج، يحرص على الاتصال بمكتبها مرات عدة في اليوم الواحد. «كنت تفكر في نفسك فقط. أردت أن تضعني في مجال سيطرتك، ولم تمنحني الفرصة لكي أتوقف ولو للحظة عن التفكير بك»، تقول له في أحد فصول السيرة. ثم تقول في مكان آخر بأن الحياة تمنحنا في بعض الأحيان شعراء إنسانيين وعظماء، ومع ذلك فيمكن لهؤلاء ببساطة «أن يلصقوك بالحائط، ويستجوبوك بإلحاح كما يفعل المحققون». ومع ذلك فإن الكاتبة نفسها ما تلبث أن تضع غيرة الشاعر ونزوعه المفرط للتملك في إطارهما الصحيح، حيث لم تكن الشهرة وحدها قادرة أن تدرأ عنه وطأة السجن والمنفى والمرض وشبح الموت المتربص، بل كانت روحه القلقة تحتاج إلى حب عميق يحميه من الصقيع. حتى إذا وجده، مشفوعاً بالحنان والجمال والذكاء، عند تولياكوفا بالذات، تشبث به كما يفعل الغريق بقشة النجاة الأخيرة. والأدل على ذلك هو قول حكمت لها في إحدى القصائد:
أحبكِ كما أحب الخبز المغمس بالملح
أحبك مثل كلمات «الحمد لله،
لا أزال أحيا»
بفضلكِ أنت تمنحني الأشجار ثمارها
بفضلكِ أجمع العسل من ورود الأمل
وبفضلكِ أيضاً لن أسمح للموت أن يصل إلي
وكما حرصت فرنسواز جيلو على أن تقدم في كتابها عن بيكاسو صورة بانورامية عن عصر بكامله، فعلت تولياكوفا الشيء نفسه، ولو بعاطفة أشد، وبنبرة من الرومانسية فرضتها الطبيعة المختلفة للعلاقتين. ففي سياق التركيز على التوتر السياسي والأمني الذي كان يسود العالم، زمن الحرب الباردة بين المعسكرين، تحدثت الكاتبة عن أسفار زوجها المتكررة إلى الخارج، وعن دوره البارز والطليعي في مختلف المهرجانات والمؤتمرات الثقافية التي حضرها، بخاصة مؤتمر القاهرة، حيث خصه عبد الناصر بلفتة تكريمية مؤثرة. كما تحدثت عن تحول موسكو، خلال تلك الحقبة، إلى قبلة أنظار رئيسية لكتاب العالم اليساريين. واللافت هنا أن الانطباعات التي قدمتها فيرا عن لقائها غير مرة بأراغون وإلسا تريوليه، كما بنيرودا وماتيلدا، لم تخل تماماً من الغمز واللمز والشعور الواضح بالمنافسة، إذ أشارت بشيء من السخرية إلى «جنون» أراغون بإلسا، كما إلى النزعة العدائية عند هذه الأخيرة، ولتشاوفها وثقل حضورها. فيما تعاملت مع ماتيلدا بوصفها زوجة نيرودا المضجرة وطليقته المحتملة.
ثمة أمر آخر ألحت فيرا تولياكوفا على إبرازه في السيرة، وهو يتعلق بإزالة الصورة النمطية المتعلقة بولاء ناظم حكمت «الأعمى» للنموذج الشيوعي السوفياتي، وغض بصره عن الفظاعات المروعة التي ارتكبت بحق ملايين المحتجين على الوضع السائد. فهي لا تُظهر أي تشكيك برواية ناظم المتعلقة بمرضه، التي يؤكد فيها أن السبب الحقيقي لتفاقم وضعه الصحي هو عجز قلبه المتعب عن تحمل ثقل المجنزرات السوفياتية التي قمعت انتفاضة المجر، بعيد رحيل ستالين بفترة وجيزة. كما تتحدث فيرا عن تبرم ناظم العلني من إخضاع الفن للفحوص المخبرية الآيديولوجية، ومن قمع الكتاب المعارضين للفساد البيروقراطي، وكيف عرضهما ذلك معاً للملاحقة الدائمة من قبل المخابرات وأجهزة الأمن. كما آلمها إلى حد بعيد موقف السخرية والاستهجان الذي أظهره سدنة السلطة السياسية وكتابها، إزاء ما كتبه عن زوجته من قصائد الشغف والتتيم، معتبرين أن مثل هذه الرقة المفرطة لا تليق بشاعر مثل ناظم، ينبغي أن يكرس نفسه، في رأيهم، لمجابهة الإمبريالية العالمية و«تخرصات» شعرائها ومثقفيها. غير أن حكمت المثقل بالأعباء، والمنهك جسداً وروحاً، لم يأبه بكل ذلك الابتزاز الدوغمائي، وهو الذي وجد في عشقه لتولياكوفا، ملاذه ومتكأه وضالته الأخيرة. حتى إذا استشرف نهايته الوشيكة، خاطب زوجته بالقول:
سيبقى هذا الفراق ورائي مثل شارع تحت المطر
سأذهب إلى اللامكان ولن يعيدني شيء
لا السفن ولا الطائرات ولا القطارات
لن أرسل الرسائل ولا البرقيات
لن تضحكي برقة عند سماع صوتي عبر الهاتف
وستبقين وحيدة



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي