إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

كتابه عن شعب «ضاقت به الأرض» بنسخة جديدة

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


مقالات ذات صلة

الشعر على حافة الوجود والعدم

ثقافة وفنون الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم

الذات في الديوان قلقة تبحث عن نفسها ولا تجدها كاملة... فثمة شعور دائم بالاغتراب ليس فقط عن العالمrn بل عن الداخل أيضاً

علي سعدون
ثقافة وفنون «الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

في منزل منعزل وسط غابة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تتكون من الأم والأب وطفلين، يعثر عليهم مقتولين بالرصاص في بيتهم دون أي آثار

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)

الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم
TT

الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم

يمثل ديوان «برزخ الريح» للشاعر غريب إسكندر تجربة شعرية تنتمي بوضوح إلى أفق الحداثة العربية التي تستند بمعظمها إلى تنظيرات غربية، ولا غرو في ذلك إذا ما عرفنا أن الشاعر يقيم بلندن، ويكتب باللغتين العربية، والإنجليزية. وفي هذا الديوان الذي صدر مؤخراً عن «منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق 2026» تتراجع الحكاية لصالح التأمّل، وتتقدّم اللغة بوصفها أداة قلق واكتشاف في آنٍ معاً. منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام منطقة ملتبسة وشائكة: «البرزخ» بوصفه حدّاً فاصلاً وواصلاً في الوقت نفسه، و«الريح» بوصفها قوة عابرة لا تستقر. هذا التوتر بين الثبات والتحوّل ينعكس في مجمل نصوص الديوان التي تبدو كأنها تقيم في حالة عبور دائم.

فبعد تجربة امتدت لأربعة عقود أصدر خلالها الشاعر أكثر من مجموعة شعرية، منها «سواد باسق/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر2001» و«أفعى كلكامش/ دار الفارابي 2011»، يتورّط غريب إسكندر من جديد بواحدة من إرهاصات اللّاهوت ممثلة بـ«البرزخ» الذي ينبثق هنا بوصفه دالّاً، ونافذة غير مرئية لكل ما هو باطني، وغنوصي، جاعلاً إياه عتبة ينفذ منها إلى العالم الشاسع، عالم ما بعد الموت، وما قبله. وهي إشارة أولى إلى إرباك القارئ، ووضعه في خضم تجربة الوجود.

لغة الديوان مكثّفة، متقشّفة، تنأى عن المباشرة، وتراهن على الإيحاء. والجملة الشعرية غالباً ما تأتي قصيرة، ومقطوعة النفس، أو مفتوحة على احتمالات متعددة، بحيث لا تقدّم معنى جاهزاً بقدر ما تُنتج مناخاً شعورياً. في أحد المقاطع، نقرأ: «كلُّ شيءٍ سينتهي/ ولا ينتهي الاسم»، وهي عبارة تختزل هذا الهاجس الوجودي الذي يلازم النصوص، حيث يتقاطع الفناء مع رغبة غامضة في البقاء، ولو على مستوى اللغة. ولا يسعى الشاعر إلى بناء صور مكتملة، بل يفضّل الاشتغال على التشظّي، حيث المفردات تنتمي إلى حقول دلالية مألوفة: الضوء، الظلمة، الجسد، الريح، الصمت، ولكنّها تُعاد صياغتها ضمن شبكة رمزية تجعلها غريبة، ومفتوحة. وهنا لا تكون اللغة وسيلة نقل، بل تعد موضوعاً للتجربة نفسها، وكأن الشاعر يختبر حدودها، أو حتى عجزها. يظهر ذلك في مقطع آخر يقول فيه: «لا شيء سوى الصمت»، حيث يتحوّل الصمت من غياب للكلام إلى مركز للمعنى.

الذات في هذا الديوان قلقة، منشطرة، تبحث عن نفسها، ولا تجدها كاملة. فثمة شعور دائم بالاغتراب، ليس فقط عن العالم، بل عن الداخل أيضاً. في إحدى الصور اللافتة يقول الشاعر: «أنا هنا... وكلما أضحك لأنني أموت»، وهي مفارقة تجمع بين الحضور والغياب في لحظة واحدة، وتكشف عن وعي مأزوم بالوجود، حيث يصبح العيش نفسه شكلاً من أشكال الفناء المؤجل. والزمن في هذه النصوص لا يتحرك في خط مستقيم، بل يبدو دائرياً، أو متداخلاً، حيث تفضي البداية إلى النهاية، والنهاية تعود لتكون بداية أخرى، في استعادة واضحة لفكرة «البرزخ». وهذا التصور يتجلّى في إشارات متكررة إلى التلاشي، والتحوّل، كما في عبارة إليوت التي يوردها الشاعر«In my beginning is my end»، في إحالة إلى تداخل الأزمنة، وكسر التسلسل التقليدي.

ويحضر الجسد بوصفه كياناً هشّاً، لكنّه في الوقت ذاته مساحة للمعنى، وحقل للتجربة. فليس الجسد، هنا، جسداً حسّياً بقدر ما هو استعارة للوجود الإنساني في ضعفه، وتعرّضه للزوال. ويتقاطع الجسد مع مفاهيم مثل الألم، والذاكرة، ويظهر أحياناً بوصفه عبئاً، وأحياناً وسيلة إدراك، مما يعكس نظرة مركّبة إلى الكينونة. ومن العناصر اللافتة أيضاً حضور الصمت بوصفه لغة موازية. فالشاعر يترك فراغات مقصودة داخل النص، ويعتمد على الانقطاع، والتكرار، ليخلق إيقاعاً داخلياً لا يقل أهمية عن الكلمات في هذا السياق، فتبدو القصيدة كأنها تُكتب «بما لا يُقال» بقدر ما «تُكتب بما يُقال»، وهو ما يمنحها بعداً تأمّلياً عميقاً. ولا تخلو النصوص من إشارات ثقافية، سواء من التراث العربي، أو من الأدب العالمي، ولكنّها لا تُقدَّم على نحو مباشر، بل تتسلل عبر اللغة، والصور، وتندمج في نسيج القصيدة. هذا الانفتاح يمنح الديوان بُعداً كونياً، ويخرجه من حدود الجغرافيا الضيّقة، من دون أن يفقد خصوصيته. فالشاعر لا يقتبس بقدر ما يعيد تشكيل هذه المرجعيات داخل نسيجه الشعري، بحيث تصبح جزءاً من تجربته الخاصة. وهذا ما يعزز من ثراء النص، ويجعله قابلاً لقراءات متعددة. فقد وظّف الشاعر عمله الآخر، بوصفه باحثاً في الأدب المقارن، والترجمة، في تجربته الشعرية على نحو ينسجم مع مفاهيم عالمية وإنسانية من قبيل الانفتاح، والتناص، وما يعرف بـ«شعر العالم».

أما من حيث البناء، فلا يعتمد الديوان على شكل تقليدي، بل يقدّم نصوصاً أقرب إلى الشذرات، أو المقطّعات التأمّلية. لا توجد حبكة، أو تسلسل واضح، بل حركة حرّة بين الصور والأفكار. هذا التفكك الظاهري ينسجم مع الرؤية العامة، حيث العالم نفسه يبدو مفككاً، وغير قابل للإحاطة. لذلك، قد لا يكون «برزخ الريح» ديواناً سهلاً، لأنّه يتطلّب قارئاً مستعداً للتورط في لعبة التأويل، والتخلّي عن انتظار المعنى المباشر. لكنّه، في المقابل، يقدّم تجربة شعرية غنية، تفتح أفقاً للتفكير في الوجود، والزمن، واللغة.

وباختصار، يمكن القول إنَّ غريب إسكندر يكتب شعراً يقف على الحافّة: حافّة المعنى، وحافّة اللغة، وحافّة الوجود ذاته. هو لا يقدّم إجابات، وخلاصات جاهزة، بل يضعنا في قلب التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها. إنّه يوسّع مساحة السؤال، ويجعل من القصيدة مكاناً للعبور، حيث «لا يوجد شيء مكتمل»، وكلّ شيء معرّض لأن يُعاد التفكير فيه من جديد. وفي هذا السياق، تبدو اللغة كأنها تُقاوم الاستقرار؛ فهي لغة «تتكوّن وهي تتفكّك»، إن صح التعبير، فتمتلئ القصائد بأسئلة غير مكتملة تشير إلى عجز اللغة عن الإمساك بالحقيقة. وهذا القلق لا يُطرح بشكل فلسفي مباشر، بل يتجلّى عبر الصور الشعرية، وعبر التوتر بين الحضور، والغياب، بين الصوت، والصمت، والمعنى، واللامعنى. وفي هذا السياق تبرز قصيدة «هاملت» بوصفها واحدة من اللحظات الدالة في الديوان:

«أسطورةٌ حيّة

هذا العالم

لا يصلحُ له مثالٌ واحد:

وجود واحد

عدم واحد

حقيقة واحدة

أو حتى خيال واحد.

فقد اختفى شبحُ الأب

تماماً من على خشبة الحياة

لكنَّ المسرحَ لا يزال مكتظّاً

بـ«أن تكون أو لا تكون»

التي لم تعد «مشكلة»

بعد الآن

في هذه الأزمنة المبهمة!».

يستدعي الشاعر شخصية هاملت لا بوصفها إحالة ثقافية فحسب، بل مرآة للذات القلقة، والمترددة أمام أسئلة الوجود. ففي المقطع الذي يقول فيه: «أن تكون أو لا تكون»، لا يعيد الشاعر صياغة العبارة الشكسبيرية بوصفها اقتباساً جاهزاً، بل يعيد إدماجها داخل نسيجه الشعري بوصفها سؤالاً مفتوحاً، منزوع اليقين. هنا لا يعود السؤال اختياراً بين حالتين، بل يتحول إلى حالة وجودية مستمرة، إلى تعليق دائم بين الإمكان والعدم. ومما يلفت الانتباه في هذه القصيدة هو أنّ الشاعر يفرّغ العبارة من بُعدها المسرحي الدرامي، ليمنحها بُعداً تأمّلياً داخلياً. فـ«أن تكون» لا تعني الحضور المكتمل، و«أن لا تكون» لا تعني الغياب التام، بل إنّ الاثنين يتداخلان داخل تجربة الذات، كما لو أنّ الوجود نفسه حالة «برزخية»، تماماً كما يقترح عنوان الديوان. وبهذا تصبح شخصية هاملت امتداداً لصوت الشاعر، وليست قناعاً له، حيث يتكرر التردد، ويتعمّق الشك، وتغدو اللغة عاجزة عن الحسم.

إنَّ إدراج هذه الإحالة لا يأتي بوصفه تزييناً ثقافياً، بل يعد جزءاً من بنية التفكير الشعري في الديوان، حيث تتقاطع المرجعيات العالمية مع التجربة الفردية لتنتج معنى جديداً. وهكذا يتحول «هاملت» إلى نص داخل النص، يعزز من فكرة العبور، واللايقين، ويؤكد أنَّ السؤال الوجودي، في جوهره، لا يزال مفتوحاً، ومتجدداً، وعصياً على الإجابة.


«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة
TT

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

في منزل منعزل وسط غابة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تتكون من الأم والأب وطفلين، يعثر عليهم مقتولين بالرصاص في بيتهم دون أي آثار تدل على وجود اختراق أو سرقة، كأننا إزاء فعل عنيف دموي بدا كأنه تصفية دقيقة ومحسوبة، لا تترك خلفها إشارة أو علامة تشكل دافعاً واضحاً أو مشتبهاً مباشراً بارتكاب الجريمة.

يرتكز الصراع على تلك الفكرة، ويتنامى من خلاها جوهر الحبكة الدرامية في رواية «الفتاة الصامتة» الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، تأليف مشترك لاثنين من أدباء السويد هما مايكل هيورث وهانز روزينفيلت، ترجمة هند حسني، التي تأتي ضمن سلسلة روايات «المحقق الجنائي سيباستيان بيرغمان».

تظهر المفاجأة الكبرى ضمن الأحداث حين تكتشف الشرطة أن هناك ناجية واحدة؛ فتاة صغيرة تدعى «نيكول» كانت مختبئة وقت وقوع المجزرة، حيث أصيبت بصدمة نفسية شديدة أفقدتها القدرة على النطق تماماً، لتصبح مفتاحاً للعثور على القاتل وشاهداً على ما جرى لكنها لا تستطيع، أو لا ترغب في التحدث.

وتشهد الرواية عودة شخصية «سيباستيان بيرغمان» إلى الواجهة رغم اضطرابه الشخصي وعلاقاته المتوترة مع زملائه في فريق التحقيق، وهو محقق معروف بذكائه الحاد وسلوكه غير المعتاد، ويرى أن الفتاة قد تكون المفتاح الوحيد لفهم دوافع القاتل، وكشف هويته لكنه يواجه تحدياً كبيراً كيف يمكنه قراءة صمتها؟

وتجسد الرواية السمات الأساسية لأدب الجريمة، التي تجعله جذاباً لدى فئات واسعة من القراء، لا سيما المراهقين والشباب، فهى تبدأ بفعل صادم يشد الانتباه منذ اللحظات الأولى، كما تعتمد القصة على الغموض وسط سرد سريع متصاعد، انتظاراً للعثور على حل الجريمة التي تتحول إلى لغز يتحدى ذكاء البطل والقارئ على حد سواء.

وُلد المؤلف الأول مايكل هيورث عام 1963/ وهو منتج فني بارز وسيناريست، أما هانز روزينفيلت فوُلد عام 1964 وسبق أن عمل حارساً للأسود وسائقاً ومعلماً وممثلاً حتى عام 1992 عندما بدأ يكتب دراما تلفزيونية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

جلست آنا إريكسون في سيارتها منتظرة أمام المبنى السكني ذي اللون الأصفر الباهت، تأخرت «فانجا» وهو أمر نادر الحدوث، افترضت «آنا» أن هذا ليس سوى وسيلة أخرى من الوسائل التي انتهجتها ابنتها مؤخراً لتأكيد موقفها منها لكن الأسوأ من كل ذلك أنها لم تعد تتصل بها إطلاقاً.

تمكنت «آنا» من التعايش مع ذلك، تفهمت الأسباب وبطريقة ما في أعماقها ربما شعرت بأنها تستحق ذلك وبصراحة لم تكن علاقتهما في إطار كونهما أماً وابنتها من ذلك النوع الذي يتضمن محادثات هاتفية طويلة.

أما «فالديمار» فقد كان ابتعاد «فانجا» عنه مؤلماً إلى حد لا يُحتمل وقد حوّله إلى ظل لما كان عليه في السابق أكثر حتى مما فعل به السرطان نفسه. لم يتوقف قط عن الحديث عن ابنته وعن الحقيقة التي ما كان ينبغي لهما إخفاؤها عنها، كان عليهما التعامل مع الأمور بطريقة مختلفة تماماً، لقد أفلت من قبضة الموت ليجد أن الحياة لم تعد تحمل له سوى الحزن والندم، بالطبع وجدت «آنا» الوضع عبئاً هي الأخرى لكنها استطاعت التكيف فقد كانت دائماً أقوى من زوجها.

مر أكثر من شهر على خروج «فالديمار» من المستشفى، ومع ذلك لم تستطع «آنا» إقناعه بمغادرة الشقة، كان جسده قد تقبل الكلية الجديدة تماماً، لكن «فالديمار» نفسه لم يستطع تقبل واقعه الجديد كعالم خال من ابنته وقد اختار أن ينأى بنفسه عن كل شيء.

لا يبدو أن أي شيء يشغله هذه الأيام لا «آنا» ولا الزملاء القلائل الذين لا يزالون يتواصلون معه رغم ما فعله، ولا الأصدقاء الذين باتت اتصالاتهم أكثر ندرة أو حتى التحقيق الذي لا يزال جارياً، صحيح أن هذه الاتهامات بالتهرب الضريبي والاحتيال خطيرة لكنها بدت بلا أهمية تذكر مقارنة بما جعل «فانجا» تعانيه.


بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.