المساعي قائمة لـ«تصويب» مسار التحقيق تفادياً لأزمة أمنية وسياسية

المساعي قائمة لـ«تصويب» مسار التحقيق تفادياً لأزمة أمنية وسياسية
TT

المساعي قائمة لـ«تصويب» مسار التحقيق تفادياً لأزمة أمنية وسياسية

المساعي قائمة لـ«تصويب» مسار التحقيق تفادياً لأزمة أمنية وسياسية

قال مصدر سياسي بارز إن هدوء العاصفة الدموية التي اجتاحت خطوط التماس على طول الطريق الفاصلة بين منطقتي الشياح وعين الرمانة لا يعني أن هذه العاصفة لا يمكن أن تهبّ مرة أخرى ما لم تتضافر الجهود لتطويق تداعياتها السلبية من خلال العودة إلى الاحتكام للدستور والتقيُّد بالقوانين للنأي بملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت عن التجاذبات الطائفية والمذهبية التي أحدثت انقساماً كاد يأخذ البلد إلى المجهول في ظل انحلال مؤسسات الدولة وإداراتها التي لم يبق منها سوى الجيش والقوى الأمنية التي تمكّنت من وأد الفتنة.
ولفت المصدر لـ«الشرق الأوسط» إلى أن درء الفتنة في بلد كلبنان يقف على شفير الهاوية يتطلب أولاً تحييد هذا التحقيق عن الصراعات المذهبية وتصفية الحسابات السياسية التي كانت وراء الانقسام الدموي بين فريق يطالب بتنحّي المحقق القاضي طارق البيطار وبين آخر يرفض تنحّيه، فيما تصاعدت ردود الفعل الدولية المؤيدة لاستمراره في التحقيق لتحديد الجهة المسؤولة عن الانفجار.
ورأى أن تصويب مسار التحقيق وتصحيح بعض الخلل الذي أصابه لن يكون باللجوء إلى العنف أو استخدام القوة وإنما بتأكيد الفصل بين السلطات وعدم التدخُّل في التحقيق سواء بتهديد القاضي البيطار أو بلجوء فريق إلى توظيفه لتسجيل نقاط على الآخر، ورأى أن هذا يستدعي تصحيح بعض الخلل وصولاً للإقرار بمبدأ التوازن في ادعاءات البيطار على عدد من المسؤولين وملاحقتهم لئلا يتذرّع الفريق المتضرّر من هذه الملاحقات بأنه اعتمد الانتقائية والاستنسابية في إصداره مذكرات التوقيف التي تعامل معها من ادّعى عليهم بأنها تدعوهم للارتياب المشروع.
وأكد المصدر نفسه أن المداولات التي جرت قبل انعقاد الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء وأدت إلى تعليق جلساته بعد أن دفعت المناقشات بين الوزراء باتجاه انتقال خطوط التماس من الشارع إلى داخل الحكومة، كانت قد طرحت بعض المخارج على قاعدة التقيُّد بمبدأ الفصل بين السلطات وعدم التدخل في القضاء، كما نقل وزراء عن لسان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
وتابع أن الوزراء المحسوبين على حركة «أمل» و«حزب الله» أصروا في الجلسة على كفّ يد القاضي البيطار وطالبوا بتنحّيه فوراً، وهذا ما تسبب باندلاع اشتباك سياسي سرعان ما انتقل إلى الشارع وتحوّل إلى عسكري في منطقة حساسة جداً كانت قد انطلقت منها شرارة الحرب الأهلية عام 1975.
وقال إن المداولات التي جرت في الجلسة تمحورت حول تكليف وزير العدل هنري خوري، بالتعاون مع رئيس مجلس القضاء القاضي سهيل عبود، والنائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، بالتواصل مع البيطار في محاولة لإعادة تصويب مسار التحقيق وصولاً إلى تصحيح بعض الخلل الذي أصابه.
وأضاف المصدر نفسه أن تصويب المسار يمكن بتبيان الأسباب التي أمْلت على البيطار الادعاء على الوزير السابق النائب نهاد المشنوق من دون الاستماع إلى أقواله أسوةً بغيره من المدعى عليهم، إضافةً إلى حصره الادعاء بعدد من الوزراء السابقين وبرئيس الحكومة السابق حسان دياب بخلاف اللائحة التي كان قد أعدها سلفه القاضي فادي صوّان وأورد فيها أسماء عدد من المشتبه فيهم.
وأشار إلى مطالبة الوزراء الشيعة بتصويب مسار التحقيق بحيث يشمل وزراء العدل السابقين ووزراء آخرين شغلوا وزارات منذ تفريغ حمولة الباخرة من نيترات الأمونيوم إلى حين انفجارها، إضافة إلى قادة الأجهزة الأمنية من سابقين وحاليين والقضاة الذين أفتوا بتفريغ حمولتها، وبالتالي سمحوا بتخزينها بدلاً من التخلص منها، ورأى أنه لا بد من مساءلة رئيس الجمهورية ميشال عون للوقوف على ما لديه من معطيات، خصوصاً أنه كان قد أُعلم بوجودها قبل أسابيع من انفجارها.
وتابع أن هناك ضرورة للاستماع إلى أقوال الرئيس عون بعد أن أحجم عن إعلام المجلس الأعلى للدفاع عن وجود هذه المواد في المرفأ بذريعة أن لا صلاحية له بالتدخل لطلب التخلص منها، فيما رأس أخيراً الاجتماع الطارئ للمجلس الذي استمر لدقائق وانتهى بعدم السماح للقاضي البيطار بملاحقة رئيس جهاز أمن الدولة اللواء طوني صليبا.
وفي هذا السياق، يسأل المصدر السياسي: كيف سمح عون لنفسه بإخضاع اللواء صليبا لإمرة المجلس الأعلى برئاسته مع أنه يتبع إدارياً ومالياً لرئاسة الحكومة ويخضع لإمرة رئيس مجلس الوزراء، خصوصاً أن دور المجلس الأعلى يبقى محصوراً في رفع التوصيات إلى مجلس الوزراء ولا يتمتع بصفة تنفيذية؟
كما يسأل: كيف أن هيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل أفتت بإلحاق اللواء صليبا بمجلس الدفاع وأخضعته لسلطة رئيس الجمهورية ونائبه رئيس الحكومة، مع أنه لا صلاحية لعون تسمح له بالتدخل للتخلص من المواد المتفجّرة؟
وكشف المصدر أيضاً أن وزير العدل كان قد تنقل بين المقرات الرئاسية والتقى رئيس المجلس النيابي نبيه بري وحمل اقتراحاً يقضي بأن تتشكل الهيئة الاتهامية العليا من 3 قضاة يتولون التواصل مع البيطار بهدف إعادة تصويب مسار التحقيق وإصلاح ما يعتريه من خلل في حال وجوده، لكن بري لم يأخذ به انطلاقاً من أنه لا يشكّل المخرج المناسب لأسباب عدة من بينها أن الاتفاق على تشكيل الهيئة برئاسة قاضٍ وتعيين عضوين فيها قد يراد منه تقطيع الوقت لتبريد الأجواء لفترة معينة من دون أن يؤدي إلى التجاوب مع ما يطالب به الوزراء الشيعة.
لذلك فإن بري وإن كان يتحفّظ على المخارج المطروحة لإخراج الخلاف حول المحقق العدلي من الشارع وإعادته كمادة خلافية توكل إلى المؤسسات المولجة بإيجاد حل للنزاع، فهو في المقابل لن يبدّل موقفه، ما يعني أن الحكومة مهددة بالانفجار من الداخل في حال تعذّر الوصول إلى «تسوية»، وهذا ينسحب على المجلس الأعلى للدفاع الذي بات يستحيل انعقاده رغم أن عون ألحّ على دعوته للاجتماع فور اندلاع الاشتباكات، ولم يستجب ميقاتي لرغبته تحسُّباً لمقاطعة شيعية له أو تفادياً لحصول صدام سياسي في حال شارك فيه المعنيون من الوزراء الشيعة، واستُعيض عنه بتوجه ميقاتي إلى غرفة عمليات الجيش اللبناني في وزارة الدفاع حيث تابع الوضع بحضور وزير الدفاع العميد موريس سليم، وقائد الجيش العماد جوزف عون.
وعليه ورغم إيحاء رئيس الجمهورية بإمكان الوصول إلى حل فإنه لا يبدو أن الأجواء السياسية المحلية أو الدولية ناضجة في المدى المنظور لإنجاز تسوية تبقى مستحيلة إذا كان المطلوب من البيطار أن يتنحّى، إلا إذا اتخذ قراره بملء إرادته، وأخلى الساحة لقاضٍ، علماً بأن ميقاتي ليس في وارد طلب التنحي منه.
ويبقى السؤال: كيف سيتصرف ميقاتي إذا أُقفلت الأبواب أمام الوصول إلى مخرج يجنّب البلد الدخول مجدداً في أزمة مديدة، بعد أن انقسم حول ملف التحقيق إلى محورين؛ الأول يتمثل بحركة «أمل» و«حزب الله» من دون أن يذهب تيار «المردة» بقيادة سليمان فرنجية بعيداً في انضمامه إلى حليفيه في مواجهة مع آخر يتزعّمه فريق مسيحي على خصومة مع عون ووريثه السياسي جبران باسيل الذي تصرف منذ الوهلة الأولى لاندلاع الاشتباك الدموي وكأنه حُشر في الزاوية، كما برز في أول موقف له، وإن كان تياره السياسي سارع إلى تنظيم حملة ضد حزب «القوات اللبنانية» متهماً رئيسه سمير جعجع بأنه افتعل الاشتباكات لخلق المناخ المؤدي إلى تأجيل الانتخابات النيابية بذريعة أن استطلاعات الرأي التي أجراها سجّلت تراجعه في الشارع المسيحي؟



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.