شروط طهران تصعّب احتمالات نجاح مفاوضات فيينا المرتقبة

فرنسا تتهم إيران بفرض أمر واقع جديد ميدانياً

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده (إ.ب.أ)
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده (إ.ب.أ)
TT

شروط طهران تصعّب احتمالات نجاح مفاوضات فيينا المرتقبة

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده (إ.ب.أ)
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده (إ.ب.أ)

يحط المفاوض الأوروبي إنريكي مورا؛ الذي يلعب دور «همزة الوصل» بين إيران والولايات المتحدة في مفاوضات فيينا المتوقفة منذ 23 يونيو (حزيران) الماضي، في طهران اليوم (الخميس) لإجراء سلسلة من اللقاءات مع المسؤولين الإيرانيين، في محاولة لدفع إيران إلى العودة سريعاً إلى طاولة المفاوضات.
ورغم أن الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، وسع، الاثنين، دائرة المحادثات المرتقبة بين الجانبين بحيث تشمل التطورات في أفغانستان والعلاقات العامة بين طهران و«بروكسل»، فإن الملف النووي هو الأساس، خصوصاً أن وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، كلف الإسباني إنريكي مورا لعب دور «الوسيط»، وهو ما فعله خلال جولات المفاوضات الست في العاصمة النمساوية. ومن الثابت، بالنسبة لمصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، أن مورا سيحاول الحصول من طهران على تعريف دقيق لكلمة «قريباً» التي يستخدمها المسؤولون الإيرانيون عند تناولهم تاريخ عودتهم إلى «فيينا»، في الوقت الذي تحث فيه الأطراف كافة السلطات الإيرانية على وضع حد للتمنع والمماطلة. وتؤكد واشنطن، ومعها العواصم الغربية، أن نافذة فيينا «لن تكون مفتوحة إلى الأبد».
وما زالت طهران تستمهل استحقاق العودة. لكن ثمة مؤشرات على اقترابها؛ إذ إن السلطات الإيرانية قررت، من جهة، أن تبقى المفاوضات في إطار وزارة الخارجية (كما في السابق) على أن تكون تحت إشراف مجلس الأمن القومي، ومن جهة ثانية، يبدو أنها وصلت إلى خاتمة مراحل المشاورات الداخلية لتعيين الخط الذي ستسلكه مستقبلاً؛ وهو الأمر الذي أكده وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان، إبان وجوده في العاصمة اللبنانية الأسبوع الماضي.
بيد أن العودة إلى «فيينا» شيء ونجاح المفاوضات شيء آخر. ذلك أن طهران، وفق المصادر المشار إليها، تراكم المطالب «الاستباقية» التي ربما لا تصل إلى سقف الشروط لكن من شأنها مضاعفة الصعاب التي حالت دون تحقيق الهدف الأساسي بعد عشرات الساعات من المفاوضات المكثفة وإنْ بالواسطة بين واشنطن وطهران. ومنذ وصول إبراهيم رئيسي إلى السلطة في يونيو الماضي، كانت السردية الإيرانية تقول إن طهران لن تفاوض إذا كان ذلك لـ«كسب الوقت» أو إن كانت المفاوضات «لا توفر الحقوق والمصالح المشروعة للشعب الإيراني». واليوم، أصبحت الأمور أكثر وضوحاً؛ إذ إن المطلب الأول لطهران هو الحصول على ضمانة من الدول الأوروبية الضالعة في المفاوضات؛ وهي فرنسا وبريطانيا وألمانيا، قوامها امتناع «أي طرف»، في إشارة إلى الولايات المتحدة الأميركية، عن الخروج مجدداً من الاتفاق الذي قد يتم التوصل إليه. والحال؛ أن المصادر الأوروبية تؤكد أن أمراً كهذا «ليس في متناول يدها» وأن «لا قدرة لديها لتوفير ضمانة» كهذه. وتبدو هذه المصادر «مندهشة» من الطلب الإيراني وهي تؤكد أن هذ النوع من المطالب أثير في الماضي وكان الرد الأميركي أن توفيره يفترض المرور بالكونغرس الأميركي وليس من المؤكد الحصول على مصادقته.
لا تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ فإيران عادت لتؤكد بقوة أنها تريد العودة إلى اتفاق صيف عام 2015 «كما هو بلا زيادة ولا نقصان» وأن شرط تراجع الولايات المتحدة عن «كل» العقوبات القديمة والحديثة التي فرضتها مجدداً أو أعادت فرضها، لا مساومة حوله. وبذلك تكون طهران بصدد طرح شرطين؛ الأول: رفض أي إضافة على الاتفاق السابق، مما يعني عملياً رفضها أي فقرة جديدة تلزمها بقبول التفاوض لاحقاً بخصوص برنامجها الصاروخي الباليستي من جهة وبخصوص سياستها الإقليمية المزعزعة للاستقرار من جهة أخرى. والحال أن إدارة بايدن تخضع لضغوط داخلية وخارجية لعدم التخلي عن هذا المطلب الذي سبق للمرشد علي خامنئي أن أعلن بصدده رفضه المطلق في كلمة له في يونيو الماضي. كذلك، فإن مطلب رفع «كل» العقوبات مرة واحدة يطرح مشكلة قانونية وسياسية بالنسبة لواشنطن. فمن الناحية القانونية؛ تبدو الأمور شائكة؛ لأن إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب وضعت مجموعة من العراقيل القانونية وخلطت العقوبات الخاصة بـ«النووي» مع العقوبات المرتبطة بالإرهاب وحقوق الإنسان... بحيث يبدو رفعها مرة واحدة أمراً بالغ الصعوبة. وسياسياً؛ لا ترى الإدارة الأميركية من المفيد أو المناسب التجاوب مع هذا المطلب؛ لأنه يجردها من أي وسيلة ضاغطة مستقبلاً على إيران لحملها على قبول التفاوض بشأن الملفات الأخرى. يضاف إلى ذلك كله؛ أن إيران تريد من واشنطن «بادرة حسن نية» من خلال الإفراج عن 10 مليارات دولار مجمدة في المصارف الأميركية؛ الأمر الذي ترفضه واشنطن وتلقى في ذلك دعماً من الجانب الأوروبي.
وأمس، اتهمت باريس الطرف الإيراني بأنه يسعى «لإيجاد أمر واقع (جديد)» ميدانياً من شأنه تعقيد العودة إلى اتفاق 2015، عادّةً ذلك أمراً «محرجاً». وقالت الخارجية الفرنسية إن واشنطن والشركاء الآخرين «مستعدون لاستئناف المفاوضات حيث توقفت في يونيو الماضي» و«الانتهاء من المفاوضات سريعاً، وننتظر من إيران أن تكشف بوضوح عن نواياها».
ثمة قناعة عامة تشي بصعوبة تصور أن تعطي إدارة بايدن طهران غداً ما لم تعطه لها بالأمس حينما كان حسن روحاني رئيساً لإيران وراغباً في التوصل إلى اتفاق بأسرع وقت ليحسب له سياسياً. يضاف إلى ذلك؛ أن التقدم الذي يحرزه برنامجها النووي (تخصيب بنسبة بين 20 و60 في المائة)، والبدء في إنتاج معدن اليورانيوم المخصب، ونشر طاردات مركزية بالغة السرعة، ومراكمة ما لا يقل عن 120 كيلوغراماً من اليورانيوم مرتفع التخصيب...) يجعلها قريبة من الحافة النووية، وبالتالي فإنها تجمع الأوراق الضاغطة لنفاذ مطالبها واثقة بأن واشنطن المنسحبة من أفغانستان في ظروف كارثية لن تغامر بحرب مع إيران. يضاف إلى ذلك؛ استدارتها نحو الصين وروسيا وشرق آسيا ونجاحها في بيع كميات كبيرة من النفط، واستكانة جبهة المطالبات الداخلية، مما يدفع بها إلى الاعتقاد أن لديها مزيداً من الوقت للمناورة لتحسين ظروف التفاوض وللحصول على ما تريد.



طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
TT

طهران تراهن على التفاوض... وباريس تحضها على «تنازلات كبرى»

عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى رضا صالحي أميري وزير السياحة الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الاستخبارات على هامش اجتماع الحكومة الأربعاء (الرئاسة الإيرانية)

في وقت تتقاطع فيه مؤشرات الانفتاح الدبلوماسي مع تصاعد الضغوط الغربية، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن البرنامج النووي، مشيراً إلى أن تبادل الرسائل عبر دول صديقة أسهم في تيسير محادثات وصفها بـ«المثمرة»، في وقت حض فيه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، طهران، على «القبول بتنازلات كبرى».

وقال عراقجي، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن طهران فقدت ثقتها بالولايات المتحدة بوصفها شريكاً تفاوضياً، لكنها لا تزال ترى أن الوصول إلى اتفاق «عادل ومنصف» يضمن عدم امتلاك إيران أسلحة نووية «يبقى ممكناً حتى خلال فترة زمنية قصيرة».

ولفت عراقجي إلى أن بلاده لا ترفض مبدأ التفاوض بحد ذاته، لكنها ترفض توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامجها الصاروخي أو دورها الإقليمي، مشدداً على أن أي مفاوضات يجب أن تقتصر حصراً على الملف النووي، قائلاً: «دعونا لا نتحدث عن أمور مستحيلة، ولا نضيّع فرصة التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف».

وأوضح أن طهران تتوقع، في المقابل، رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها منذ سنوات، واحترام حقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، معتبراً أن تلك العقوبات شكلت عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الإيراني.

وحذر عراقجي من أن تعثر المسار التفاوضي سيضع إيران أمام خيارات أخرى، مؤكداً أن بلاده «جاهزة لجميع السيناريوهات»، رغم أن أي صراع عسكري «سيكون كارثياً على الجميع»، وقد يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الإيرانية ليطال المنطقة بأسرها.

وأشار عراقجي إلى أن القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، ستكون أهدافاً محتملة في حال اندلاع مواجهة، لافتاً إلى أن التجارب السابقة، بما فيها حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل العام الماضي، أظهرت في آنٍ واحد قدرات إيران وحدود ترسانتها الصاروخية.

وعلى الصعيد الداخلي، نفى وزير الخارجية الإيراني وجود أي خطط لإعدام، أو شنق المتظاهرين المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة، مؤكداً أن «حقوق جميع الموقوفين ستحترم وتضمن»، متهماً «عناصر إرهابية مرتبطة بالخارج» بالوقوف وراء أعمال العنف التي شهدتها البلاد.

وأدت حملة القمع الإيرانية إلى إخماد الاحتجاجات، التي بدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، بسبب المتاعب الاقتصادية، لكنها شكلت التحدي السياسي الأكبر للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها في عام 1979.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد القتلى الذين سقطوا جراء الاضطرابات بلغ 3117، لكن وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، قالت اليوم (الأحد)، إنها تحققت حتى الآن من مقتل 6713 شخصاً. ولا تزال 17091 حالة وفاة قيد التحقيق، بحسب المنظمة التي تعتمد على شبكة واسعة من الناشطين في داخل البلاد.

«القبول بتنازلات كبرى»

في المقابل، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أن على إيران «القبول بتنازلات كبرى» في إطار مسار دبلوماسي يهدف إلى تفادي ضربات أميركية محتملة على أراضيها، وذلك في مقابلة مع صحيفة «ليبراسيون» نشرت الأحد.

وقال بارو إن الولايات المتحدة «وضعت نفسها في موقع يمكّنها من إطلاق عملية عسكرية ضد إيران»، لكنها عرضت في الوقت نفسه، مساراً تفاوضياً «يتعين على النظام اغتنامه عبر القبول بتنازلات كبرى، وإحداث تغيير جذري في النهج».

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كالاس تتحدَّث إلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في بروكسل الخميس الماضي (إ.ب.أ)

وأضاف بارو أن «على إيران أن تتوقف عن كونها مصدراً للتهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية»، داعياً في الوقت نفسه، إلى أن «يستعيد الشعب الإيراني حريته»، مطالباً السلطات الإيرانية بـ«وضع حد للقمع، وإطلاق سراح السجناء، ووقف الإعدامات، وإعادة خدمة الإنترنت» وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

كما طالب وزير الخارجية الفرنسي، طهران، بالسماح بعودة الفرنسيين سيسيل كولر وجاك باريس إلى بلادهما، مؤكداً أنهما «في أمان داخل السفارة الفرنسية بطهران».

وكانت السلطات الإيرانية قد أوقفت كولر وشريكها باريس في مايو (أيار) 2022، وحُكم عليهما بالسجن 20 و17 عاماً على التوالي، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، قبل الإفراج عنهما مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع منعهما من مغادرة البلاد.

وأشار بارو إلى أن حكماً قضائياً في فرنسا يتعلق بمواطنة إيرانية يُحتمل أن تكون موضع تبادل مع الفرنسيين، سيصدر أواخر فبراير (شباط)، لافتاً إلى أن السلطات الإيرانية أبدت رغبة في إجراء عملية تبادل عقب انتهاء الإجراءات القضائية بحق الإيرانية مهدية إسفندياري، التي طلب الادعاء العام الحكم عليها بالسجن عاماً نافذاً بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وأكد بارو أن «جهودنا للإفراج عن الرعايا الفرنسيين المحتجزين في إيران، لم تمنعنا يوماً من اتخاذ إجراءات حازمة جداً بحق النظام»، في إشارة إلى قرار الاتحاد الأوروبي، الخميس، إدراج «الحرس الثوري» الإيراني على قائمة «المنظمات الإرهابية»، على خلفية اتهامه بتنفيذ حملة قمع دموية خلال الاحتجاجات الأخيرة. وردّت إيران، الأحد، على هذا القرار بإعلان الجيوش الأوروبية «منظمات إرهابية».


العرب في إسرائيل يستعدون لبدء عصيان مدني غداً

مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)
مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)
TT

العرب في إسرائيل يستعدون لبدء عصيان مدني غداً

مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)
مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)

بعد المظاهرات العملاقة التي بدأت قبل 10 أيام وبلغت ذروتها في تل أبيب، مساء السبت، ضد استفحال الجريمة في مجتمعهم، يستعد المواطنون العرب في إسرائيل، يوم غد (الاثنين)، لبدء «عصيان مدني» يتمثل في الامتناع عن شراء أي شيء ودفع أي التزامات ضريبية أو غرامات، كنوع من التصعيد في احتجاجهم ضد سياسة الحكومة اليمينية المتطرفة.

وكانت المظاهرة الكبيرة، التي أقيمت السبت، محفزاً كبيراً لمعركة العرب في إسرائيل ضد سياسة الحكومة، التي يقولون إنها «تشجع العصابات على مهاجمتهم»، وضمّت المظاهرة عشرات ألوف المواطنين (بحسب المنظمين أكثر من 100 ألف شخص، ووفق الشرطة 28 ألفاً، وقدّرتهم الصحافة العبرية بـ40 ألفاً)، بينهم نحو 7000 متظاهر يهودي، رأوا جميعاً أن حكومة بنيامين نتنياهو تتعمد إهمال هذا الموضوع، لدوافع عنصرية وسياسية.

متظاهرون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تحمل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (أ.ف.ب)

وجاءت مظاهرة تل أبيب بعد 4 ساعات فقط من سقوط قتيل جديد في مدينة اللد، ليصل عدد القتلى في المجتمع العربي إلى 27 شخصاً خلال شهر واحد، ما يمثل زيادة كبيرة؛ إذ تضاعفت معدلات الجرائم خلال السنوات العشر الماضية تحت قيادة بنيامين نتنياهو، بنسبة تجاوزت 400 في المائة.

تصاعد في الجرائم

ووقعت 58 جريمة قتل ضد العرب في إسرائيل خلال عام 2015، وتزايدت عام 2016 إلى 64 جريمة، وفي عام 2017 وقعت 67 جريمة، وفي عام 2018 قُتل 71 شخصاً، أما في عام 2019 فقد قُتل 89 شخصاً، ووقعت 96 جريمة قتل عام 2020، وبدأت دالة الجرائم بالتصاعد بوتيرة أسرع حتى عام 2021 حيث وقعت 126 جريمة قتل، وفي عام 2022 قُتل 116 شخصاً.

وقفزت معدلات الجريمة عام 2023 لأكثر من ضعف العام الذي سبقه، إذ وقعت 245 جريمة قتل، لتحافظ على هذه الأرقام المضاعفة لعامين متتالين، حيث وقعت 230 جريمة عام 2024، فيما حطّم عام 2025 كل الأرقام القياسية بـ252 جريمة قتل.

وإذا استمرت وتيرة القتل التي بدأت في شهر يناير الماضي؛ فإن المعدل السنوي سيرتفع مرة أخرى إلى نحو 324 قتيلاً، والغالبية الساحقة من هذه الجرائم وقعت على خلفية الابتزاز والإتاوات.

مواطن عربي في إسرائيل يحمل لافتة تطالب بوقف الجرائم ضد العرب خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (رويترز)

وفي الأيام العشرة الأخيرة، شهدت البلاد هبة شعبية واسعة من جراء تفاقم العنف، وذلك بمبادرة صاحب «سوبر ماركت» في مدينة سخنين، يدعى علي زبيدات، بعد حاول أفراد العصابات ابتزازه ومطالبته بدفع «إتاوة»، وأطلقوا 200 رصاصة على متجره، فخرج بحملة شعبية وجرف وراءه عشرات ألوف المواطنين.

وأقيمت مظاهرة ضخمة في سخنين، قبل أقل من أسبوعين شارك فيها 45 ألف مواطن على الأقل، ثم انطلقت عشرات المظاهرات في البلدات العربية.

الزحف نحو العصيان المدني

وبدأت عملية الزحف نحو العصيان المدني قبل أيام، إذ يطفئ العرب التيار الكهربائي لمدة ساعة في كل يوم، ويمتنعون عن الشراء ببطاقة الائتمان لمدة ساعة أيضاً في اليوم.

وقرّر منظمو المظاهرات تطوير تلك المظاهر إلى يوم كامل يمتنعون فيه عن الشراء بتاتاً، وهم يقصدون التذكير بأنهم يشكلون 20 في المائة من السكان ومن القوة الشرائية.

وبدعوة من «لجنة المتابعة العليا» و«اللجنة القطرية» وعدة حركات سلام يهودية، تم تنظيم مظاهرة في تل أبيب، السبت، تحت عنوان «مسيرة الرايات السوداء ضد الجريمة والعنف والخاوة (الإتاوة)».

وانطلقت المظاهرة من ساحة متحف تل أبيب، وصولاً إلى ميدان «هبيما» في المدينة حيث اختتمت بمهرجان خطابي تنديداً باستفحال الجريمة وانعدام الأمن والأمان في المجتمع العربي واحتجاجاً على تقاعس السلطات والشرطة الإسرائيلية وتواطؤها مع الجريمة المنظمة.

مواطنة عربية في إسرائيل تبكي على مقتل شاب بسبب الجرائم ضد المجتمع العربي خلال مظاهرة في تل أبيب مساء السبت (رويترز)

وردّد المتظاهرون خلال سيرهم في شوارع تل أبيب هتافات تتهم الشرطة بالتقصير، ورفعوا رايات سوداء ولافتات كُتبت عليها شعارات، من بينها «إلى متى الذُل؟»، «حاربوا الإجرام واجمعوا السلاح»، «أوقفوا حرب الجريمة»، «سجل أنا عربي ودم أولادي ليس مباحاً»، «الاحتلال أفسد إسرائيل وجعل الجريمة شيئاً عادياً»، «نتنياهو مسؤول عن الجريمة»، «سياسة الحكومة: العربي الجيد عربي ميت»، «معاً ننتصر على الكهانية»، «كفى للجريمة»، «نختار طريق النضال معاً، ضد الفاشية والجريمة ولأجل المساواة والديمقراطية»، «لا إله إلا الله – الطخيخ (يقصد من يتم استئجارهم لإطلاق الرصاص القاتل من عصابات المافيا) عدو الله».

مظاهرة للعرب في إسرائيل مساء السبت في تل أبيب (رويترز)

وبالإضافة إلى جميع النواب العرب في الكنيست، شارك في المظاهرة رئيس حزب الديمقراطيين، يائير غولان، ونواب حزبه الأربعة وبعض نواب حزب يائير لبيد وعدة ألوف من المواطنين اليهود، الذين اعتبروا هذه المعركة مشتركة في الأهداف.

وبرز بين الخطباء والحضور، تمثيل لجميع شرائح المجتمع العربي، مسلمين ومسيحيين ودروزاً. وقال رئيس اللجنة القُطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية ورئيس بلدية سخنين، مازن غنايم، خلال المهرجان الخطابي للمظاهرة، إن «الشرطة متفقة مع عصابات الإجرام العربية على أن يمتنعوا عن ممارسة الإجرام ضد اليهود، وتسكت على جرائمهم في الوسط العربي».

وقالت ختام أبو فنة، والدة ضحية جريمة القتل، فراس أبو فنة، من كفر قرع، إن «ابني البكر فراس قتل، وهو في مصدر رزقه أثناء عمله... الجريمة خطفت ابني من حضني وترك طفلاً صغيراً كان يبلغ عدة شهر، والآن أنا أعمل حتى لا تبتلى أمهات أخريات مثلي».

وقد أثارت المظاهرة اهتماماً كبيراً وغير مسبوق في إسرائيل. فقد تم بثّ أخبارها في جميع القنوات الفضائية العبرية، وقام موقع «واي نت»، أكبر المواقع الإسرائيلية، الذي يتبع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ببثّ المظاهرة بثاً حياً حتى نهايتها.

وقام بتصوير محاولة عناصر من نشطاء اليمين الفاشي، وبينهم مردخاي دافيد، الذي اعتدى على رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك، بالتعرض إلى بعض المتظاهرين اليهود، بالقول: «يساريون خونة» و«مثليون مرضى».


إسرائيل تخشى اتفاقاً في الجنوب السوري شبيهاً بالاتفاق مع «قسد»

توغل عسكري إسرائيلي في ريف القنيطرة الجنوبي بسوريا يوم 7 نوفمبر 2025 (أرشيفية)
توغل عسكري إسرائيلي في ريف القنيطرة الجنوبي بسوريا يوم 7 نوفمبر 2025 (أرشيفية)
TT

إسرائيل تخشى اتفاقاً في الجنوب السوري شبيهاً بالاتفاق مع «قسد»

توغل عسكري إسرائيلي في ريف القنيطرة الجنوبي بسوريا يوم 7 نوفمبر 2025 (أرشيفية)
توغل عسكري إسرائيلي في ريف القنيطرة الجنوبي بسوريا يوم 7 نوفمبر 2025 (أرشيفية)

في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لتفعيل «لجنة الميكانيزم» السورية - الإسرائيلية ودعوتها إلى الاجتماع مرة أخرى قريباً، خلال الأسبوعين المقبلين، كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن حكومة بنيامين نتنياهو، التي عقدت جلستها الأسبوعية، يوم الأحد، في بلدة كريات شمونة، القريبة من الحدود مع سوريا ولبنان، توسع خلافها مع واشنطن حول دمشق، وتعتبر السياسة الأميركية في هذا الشأن «ساذجة ولا تفهم طبيعة الحارة الشرق أوسطية التي نعيش فيها».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء مؤتمر صحافي بفلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

وبحسب صحيفة اليمين الاستيطاني المتطرف «مكور ريشون»، فإن «إسرائيل مغتاظة من إصرار الإدارة الأميركية على دعم حكم الرئيس السوري أحمد الشرع ومنحه الثقة والدعم الكاملين، مع أنه لم يثبت بعد أنه تخلص من ماضيه في (هيئة تحرير الشام)».

وكتب الدكتور إيلي كلوتشتاين، الباحث في معهد الدراسات اليميني «مسغاف»، أن واشنطن تهتم بمصالحها الذاتية في سوريا وتضع مصالح إسرائيل الأمنية على الهامش. ودعا الكاتب الحكومة الإسرائيلية ألا تخشى الدخول في مواجهة مع واشنطن، بل الإصرار على مصالحها بأي ثمن.

وكما هو معروف، فإن إسرائيل تخشى من نجاح تثبيت النظام في سوريا، ولا تطيق رؤية سوريا موحدة الصفوف، واغتاظت بشكل خاص من نجاح دمشق في إبرام اتفاق مع «قسد»، في الشمال، يضمن وحدة الأراضي السورية. وقد عبرت عن ذلك منذ بدأت المحادثات بشأنه قبل عدة شهور. ولكنها اليوم «تخشى التوصل إلى اتفاق شبيه في الجنوب مع الدروز في محافظة السويداء»، علماً بأن غالبية القيادات الدرزية في الجنوب معنية بوحدة سوريا، ومستعدة لاتفاق على ذلك إذا حصلت على ضمانات الدولة بعدم تكرار الاعتداءات، وتؤكد أن معارضي النظام هم أقلية سترضخ في النهاية إذا رأت جدية في منح الضمانات الحكومية.

مظاهرة في ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء السبت طالبت بالاستقلال وحق تقرير المصير (متداولة - مواقع تواصل)

وبحسب وسائل الإعلام العبرية، فإن هذا ليس اتفاقاً بين طرفين متكافئين، بل وصفته بأنه «رضوخ كردي للشرع حصل بعدما تمكن مؤيدو الحكومة من تفكيك (قسد) من الداخل، وسحب عدة شرائح منها وتقريبها من النظام».

وكانت مصادر أميركية قد قالت في تصريحات إعلامية إنه «في حين أبلغت تركيا الإدارة الأميركية تأييدها أن تكون هناك دولة مركزية في سوريا، وأنها لا تقبل ببقاء أي جيب للأكراد في منطقة شمال شرقي البلاد، فإن إسرائيل أبلغت الإدارة الأميركية رسالة معاكسة تماماً، مفادها أنها تطمح إلى رؤية سوريا دولة فيدرالية».

ونقلت عن مصادر مطّلعة على مواقف الحكومة الإسرائيلية وسفارتها في واشنطن، أن «حكومة نتنياهو غاضبة جداً مما حدث في شمال شرقي سوريا». وهاجمت مبعوث الرئيس ترمب، السفير توم برّاك، بشكل شخصي، على دوره في الاتفاق مع «قسد».

مواطن من الشدادي في جنوب الحسكة يلوّح مرحّباً بالجيش السوري بعد سيطرته على المدينة (أ.ف.ب)

وقال مصدر في الحكومة الإسرائيلية إن تل أبيب تعتبر الاتفاق خسارة إسرائيلية أمام تركيا في سوريا، ولكنها تؤكد أنها تملك أوراقاً كثيرة للرد. وأوضحت للأميركيين مرة أخرى أنها لن تقبل بوجود أي جندي تركي على الأراضي السورية، ولن تتخلّى عن حماية الدروز في سوريا، خصوصاً دروز الجنوب القريبين منها.

الرد الإسرائيلي على الأرض إزاء هذا الاتفاق أُعلن عنه، الجمعة، عندما توغلت قوات إسرائيلية في موقعين بالجنوب السوري، هما قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي، وقرية الصمدانية الغربية في ريف القنيطرة الشمالي.

وتألفت القوات الإسرائيلية من سبع سيارات عسكرية، ونصبت حاجزاً غرب قرية صيدا في منطقة الحانوت، قبل انسحابها من المنطقة.

وفي أعقاب ذلك قررت الولايات المتحدة دعوة «لجنة الميكانيزم» السورية - الإسرائيلية إلى الاجتماع مرة أخرى قريباً، في عمّان، خلال الأسبوعين المقبلين للتسريع في وضع آلية تمنع التعديات الإسرائيلية، وربما العودة لاستئناف المحادثات الرسمية المباشرة بين البلدين من أجل التوصل إلى تفاهمات أمنية.

والمعروف أن ما يمنع اتفاقاً كهذا حتى الآن هو التعنت الإسرائيلي بعدم الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد انهيار نظام بشار الأسد، والبالغة مساحتها 450 كيلومتراً مربعاً، وإزالة المواقع العسكرية التسعة التي بنتها في المكان، والانسحاب من قمم جبل الشيخ.

عناصر من وحدة «جبال الألب» التابعة للجيش الإسرائيلي خلال تدريبات في جبل الشيخ بسوريا (الجيش)

وعندما طلبت الإدارة الأميركية من تل أبيب جدولاً زمنياً للانسحاب، ردت إسرائيل بأن احتلالها هذا ضرورة أمنية لا غنى عنها، «ولو للمرحلة الانتقالية المؤقتة».

وكما جاء في تصريحات رئيس مجلس الأمن القومي السابق في الحكومة الإسرائيلية، تساحي هنغبي، فإن إسرائيل تطالب باتخاذ إجراءات لبناء الثقة ومنع انتشار عناصر مسلحة، حتى لا يكون هناك أي مجال للتفكير بشن هجوم على المستوطنات الإسرائيلية في الجولان (المحتل منذ 1967)، على نمط هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على بلدات غلاف غزة.