حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات

«الحقيقة بيضاء»... مذكرات طاهر المصري توثق العلاقة الأردنية ـ الفلسطينية (1)

الملك حسين مستقبلاً حافظ الأسد... والمصري يصافح الضيف
الملك حسين مستقبلاً حافظ الأسد... والمصري يصافح الضيف
TT

حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات

الملك حسين مستقبلاً حافظ الأسد... والمصري يصافح الضيف
الملك حسين مستقبلاً حافظ الأسد... والمصري يصافح الضيف

تنشر «الشرق الأوسط» حلقات من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، التي اختار لها عنوان «الحقيقة بيضاء»، كاشفاً عن معلومات وحقائق لمحطات من تاريخ الأردن السياسي، بعد تعاقبه على مناصب مختلفة منذ عام 1973، واشتباكه مع مركز القرار في عمر مبكر، وعلى مدى سنوات طويلة.
المصري، وهو أردني من أصول فلسطينية، عُرف عنه تمسكه بهوية وطنية جامعة، وشكّل جسراً في العلاقة بين البلدين، واستثمر الراحل الملك حسين فيه منذ اختياره وزيراً في 1973، ثم سفيراً في عواصم القرار، ثم وزيراً للخارجية في عقد الثمانينات من القرن الماضي، ثم نائباً في البرلمان عام 1989. ثم رئيساً للوزراء في 1991. ورئيساً لمجلس النواب في 1993. مختتماً سلسلة رئاساته رئيساً لمجلس الأعيان في 2009.
ويستعرض المصري في كتابه سلسلة من فصول حياته الشخصية والسياسية، مفرداً مساحات واسعة لحقائق يكشف عنها للمرة الأولى، ضمن كواليس صناعة القرار في المملكة بين عهدي الراحل الملك حسين والملك عبد الله الثاني، وسط سجالات في الأوساط النخبوية، طالت المصري في أكثر من مناسبة، مجتهداً في الدفاع عن نفسه، وتوضيح مواقفه من قضايا وطنية كانت مثار جدل على الساحة المحلية.
واختارت «الشرق الأوسط» مقتطفات من كتاب «الحقيقة بيضاء» الذي تناول بشرح مفصل فرصة إعادة بناء العلاقة بين الراحل الملك حسين، ومنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات في 1984. ومساعي صياغة اتفاق أردني - فلسطيني، بدعم عربي، يمهد للدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام، إذ وضع المصري لتلك الفترة التي كان فيها وزيراً للخارجية، الإطار التاريخي للاتفاق، وفشله لأسباب ارتبطت بخلافات داخل المنظمة، وصولاً إلى القرار الأردني بفكّ الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، بعد قمة الجزائر في 1988، وهو القرار الذي عارضه المصري، محذراً من المساس بعمق الوحدة بين الشعبين الشقيقين.
في «الحقيقة بيضاء»، قدّم المصري عرضاً تفصيلياً للحظات اختياره رئيساً للحكومة التي استكملت مراحل التحول الديمقراطي عام 1989. لينجز ملفات شائكة في عمر حكومته القصير خلال 6 أشهر، قدّم بعدها استقالته، مؤثراً رحيل حكومته على خيار الراحل الملك حسين بحلّ مجلس النواب، بعد خلافات شهدتها المرحلة، على خلفية قرار المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام.
مذكرات المصري التي جاءت في جزأين، توضح مواقف التبست قراءتها على المراقبين والسياسيين، كاشفاً عن حكايا عاشها في أروقة القصر بين عهدي ملكين، مسترجعاً سلسلة محاضر لجلسات كان قد دوّنها بخط يده، معلناً موعد نشرها. وفيما يلي نص الحلقة الأولى...
عندما تم تكليف أحمد عبيدات تشكيل الحكومة في شهر يناير (كانون الثاني) 1984، لتخلف حكومة مضر بدران، كانت رؤية الملك حسين المرنة سياسياً والبعيدة المدى، تتحين الفرص لتحسين وضع البلاد والتحضير للتحديات التي تفرضها الظروف الإقليمية.
وأشير هنا إلى أن رؤية الملك ترتكز على أن الأردن وفلسطين هما البلدان المعنيان بحل القضية الفلسطينية أكثر من غيرهما، وإذا ما تم التناغم أو التنسيق أو الاتفاق بينهما، فذلك سيسهل توحيد موقف عربي تجاه المفاوضات، عبر استقطاب دول كمصر والمغرب ودول الخليج، يهمّها وضع المنظمة وقوتها وعدم استثنائها، ما يشجعها على تحقيق الانسجام بين منظمة التحرير وياسر عرفات من جهة، والأردن من جهة ثانية.
في تلك الفترة، كان انعقاد مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في عمان خطوة أولى وتمهيدية لما سيجري فيما بعد، وأظن أن أحمد عبيدات (رئيس الوزراء) لم يرَ ذلك الجانب المهم من تلك الصورة.
فقد كان خروج منظمة التحرير من بيروت سنة 1982 ذا أهمية قصوى بالنسبة إلى الأردن، ولا سيما مع «تشرد» رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات بين العواصم العربية، وولّد عدم استقراره مرارة عند القيادة الفلسطينية، وأثّر على معنويات الفلسطينيين؛ خصوصاً أن الموقف السوري كان مع طرده من لبنان.
رأى الملك حسين أن الفرصة مناسبة في تلك المرحلة ليرمي خشبة النجاة من الغرق إلى ياسر عرفات الذي كان بحاجة ماسة إلى عقد المجلس الوطني الفلسطيني من أجل لملمة شؤون المنظمة، وتأكيد شرعيته ووجوده على الساحة السياسية والوطنية الفلسطينية مرة أخرى.
ولم يجد عرفات أي عاصمة عربية تقبل بعقد هذا المؤتمر على أراضيها، حتى إن دول الصمود والتصدي اعتذرت عن عدم استضافته. حينها تدخل الملك حسين عارضاً عليه استضافة الأردن اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في عمّان.
وافق عرفات من دون تردد، وبدأت الترتيبات لعقده، ما أغضب سوريا غضباً شديداً، وحاول حافظ الأسد منع انعقاده بالوعيد والتهديد تارة، وبالترغيب طوراً، لكن محاولاته لم تستطع ثني الملك أو عرفات عن هذا الأمر.
عُقد المؤتمر في عمان في الفترة الممتدة من 22 إلى 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1984، وحضر الملك جلسة الافتتاح.
بالتزامن، كانت سوريا تحشد قواتها البرية على الحدود الشمالية الأردنية، مهددة بعمل عسكري ضد الأردن.
إلا أن الأمور سارت بشكل طبيعي. وارتاح عرفات كثيراً، وانتخبت لجنة تنفيذية جديدة، وتم انتخاب فهد القواسمي الذي كان يشغل منصب رئيس بلدية الخليل، عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني، وأصبح مديراً لشؤون الأرض المحتلة، وهو محسوب على تيار الاعتدال وقريب من الأردن، وكان من الفريق السياسي الراغب في الانفتاح بين المنظمة وعمّان.
وبعد يوم من تعيينه، اغتيل أمام منزله في عمان يوم السبت، 29 ديسمبر (كانون الأول) 1984، أي في اليوم الذي انتهت فيه أعمال المجلس الوطني الفلسطيني في عمّان.
ولم يعارض أحمد عبيدات انعقاد المؤتمر ولم يوقفه، مع أنه لم يكن متحمساً له. وأظن أن السبب هو عدم رغبته بعودة منظمة التحرير إلى الأردن بأي شكل من الأشكال؛ خصوصاً بعد خروجها من لبنان، وفي ضوء الموقف السوري تجاهها، إذ لم يكن راغباً بإغضاب سوريا إلى هذا الحد.
إلا أن الملك حسين كان يخطط لتوظيف هذا الضعف الظاهر في وضع المنظمة، وفي وضع ياسر عرفات شخصياً، ليبدأ التحضير للمؤتمر الدولي الذي كان يدعو إليه لحل القضية الفلسطينية.
وكان يسعى إلى تأمين توافق عربي - فلسطيني برعاية دولية لتحقيق هدفه، إلا أن العقدة كانت في موقف المنظمة الرافض قرار مجلس الأمن 242، والعودة عن هذا الرفض كانت تشكل شرطاً لاعتراف الدول الغربية بمنظمة التحرير، بما فيها الولايات المتحدة. وكان الملك يدرك استحالة تجاهل الحضور السياسي والدولي لمنظمة التحرير، ووجد أن الطريق الوحيد لإنهاء الفيتو الأميركي - الإسرائيلي على منظمة التحرير لن يحصل إلا إذا اعترفت بالقرار 242.
وكان الملك مقتنعاً باستحالة تحقيق طلبات منظمة التحرير كاملة، وطلبات الولايات المتحدة وإسرائيل كاملة، فقرر إقناع الطرفين بأن يسير كل منهما خطوة إلى الأمام باتجاه الآخر، حتى يلتقيا في نقطة وسطى.
في تلك المرحلة، أعدت على مسامع المسؤولين الفلسطينيين وعلى الملك حسين، ما ذكره لي الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان خلال عملي سفيراً في باريس، وهو أن منظمة التحرير تظن حقاً أن قبولها بقرار 242 هو نهاية الطريق، بينما هو بدايتها في الحقيقة.
وبدأ الملك حسين باتخاذ خطوات جديدة باتجاه اتفاق أردني - فلسطيني، كان مقتنعاً بأنه حجر الأساس للوصول إلى المؤتمر الدولي، واعتمد في خطواته هذه على مشروع الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود الداعي إلى تسوية القضية الفلسطينية، والذي أعلن عنه خلال قمة فاس الثانية.
وحرص الملك حسين على وضع السعودية في ضوء خطواته المتعلقة بالاتفاق أول فأول. وكان مروان القاسم يتولى الاتصال مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، أي أن القصر تولى الأمور المتعلقة بهذا الاتفاق مباشرة، وكنت أعرف أن هذا الإجراء شأن ملكي يقوم به رئيس الديوان الملكي، وليس وزير الخارجية، وكانت لهذا الترتيب دلالات مهمة تتعلق بالحكومة.
كان هدف الملك حسين من وراء الحصول على الدعم السعودي الواضح والمعلن لهذا الاتفاق، تقوية الموقفين الأردني والفلسطيني على حد سواء، وليقوم الملك فهد بإقناع إدارة الرئيس رونالد ريغان بالاستراتيجية الأردنية الجديدة.
بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني ونجاح الملك حسين في هذه الخطوة المهمة، بدأت تتبلور ملامح الاتفاق الأردني - الفلسطيني الذي تخللته خلافات ومباحثات عدة للتوصل إلى شكله النهائي، ووقّعه عرفات بالأحرف الأولى في 11 فبراير (شباط) 1985. مدعياً أنه يريد أخذ رأي القيادة الفلسطينية فيه، ثم غادر إلى الكويت. ولم يعد إلى عمّان.
كان نص الاتفاق، قبل تعديله، يتضمن 5 بنود، وينص على أنه:
«انطلاقاً من روح قرارات قمة فاس المتفق عليها عربياً وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقضية فلسطين، وتماشياً مع الشرعية الدولية، وانطلاقاً من الفهم المشترك لبناء علاقة مميزة بين الشعبين الأردني والفلسطيني، اتفقت حكومة المملكة الأردنية الهاشمية ومنظمة التحرير الفلسطينية على السير معاً نحو تحقيق تسوية عادلة لقضية الشرق الأوسط ولإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة، بما فيها القدس، وفق الأسس والمبادئ الآتية...
1 - الأرض مقابل السلام، كما ورد في قرارات الأمم المتحدة، بما فيها قرارات مجلس الأمن.
2 - حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني؛ يمارس الفلسطينيون حقهم الثابت في تقرير المصير، عندما يتمكن الأردنيون والفلسطينيون من تحقيق ذلك ضمن إطار الاتحاد الكونفدرالي العربي المنوي إنشاؤه بين دولتي الأردن وفلسطين.
3 - حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بحسب قرارات الأمم المتحدة.
4 - حل القضية الفلسطينية من جميع جوانبها.
5 - وعلى هذا الأساس، تجرى مفاوضات السلام في ظل مؤتمر دولي، تحضره الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وسائر أطراف النزاع، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ضمن وفد مشترك (أردني - فلسطيني)».
تم التوافق في ذلك اليوم (11 فبراير 1985) على النص والمحتوى، وتم الاتصال بالأمير سعود الفيصل وإعلامه بما تم التوافق عليه. واستأذن أبو عمار الملك برغبته إطلاع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير على الاتفاق والحصول على موافقتهم تجنباً لأي اعتراضات رافضة له.
وتسربت أنباء عن خلافات داخل القيادة الفلسطينية حول بعض الكلمات الواردة في النص. فقد كان ياسر عرفات ومحمود عباس (أبو مازن) مع الاتفاق، في حين كان فاروق القدومي ضده. وبعد توقيعه بأسابيع قليلة، أعلنت قيادات فلسطينية مؤثرة رفضها للاتفاق وللملك حسين، وطلب المعترضون عدم الموافقة على الاتفاق.
لذلك، أرسل عرفات 3 أشخاص من القيادة، هم صلاح خلف (أبو إياد)، ومحمود عباس، وعبد الرزاق اليحيى الذي كان ممثلاً للمنظمة في عمان، لمناقشة الاتفاق معنا، وتم تعديل بندين فيه.
وافق الملك على التعديل، وكان يقيم آنذاك في قصر الندوة، وذهبت أنا ومروان القاسم وعدنان أبو عودة إلى مكتب أحدهما في الديوان الملكي المجاور للقصر لاستكمال الأمر، وأضفنا كلمتين أو 3 كلمات على بنود الاتفاق لطمأنة المعارضين في منظمة التحرير.
كانت اعتراضات المنظمة وتساؤلاتها تتمحور حول طلبها تفسيرات على ما ورد في البندين الثاني والخامس في الاتفاق، وتم تسجيل التعديل كملحق بالاتفاق، وأرسل الملك حسين رسالة إلى ياسر عرفات، جاء فيها...
«أبعث لأخي بأطيب التحيات وصادق التمنيات، وأشير إلى كتابكم المؤرخ في 14 فبراير 1985، وبعد، فقد سعدت بعد ظهر هذا اليوم باستقبال الإخوة أبو إياد وأبو مازن وعبد الرزاق اليحيى؛ حيث أوضحوا لنا دوافع رسالتكم المشار إليها، وتمنوا علينا باسمكم أن يتم تفسير ما جاء في البندين الثاني والخامس من اتفاق 11 فبراير 1985 لورقة العمل الأردني - الفلسطيني المشترك، وبعد التداول في الأمر مع الإخوة، توصلنا إلى التفسيرين المرفقين للبندين المذكورين، ونثبت فيما يلي نص هذين التفسيرين، ضارعاً إلى الله تعالى أن يوفقنا في تحرير القدس الشريف وفلسطين العزيزة وإنقاذ أهلنا في الأرض المحتلة من براثن الاحتلال، والله يحفظكم ويرعاكم».
وجاء في ورقة التفسيرين المرفقة برسالة الملك، ما يلي: «توضيحاً للمادتين الثانية والخامسة من الاتفاق، وتفسيرنا لهما كالآتي؛ البند الثاني؛ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية متحدة كونفدرالياً مع المملكة الأردنية الهاشمية.
البند الخامس، وعلى هذا الأساس تجري مفاوضات السلام في إطار مؤتمر دولي تحضره الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وسائر أطراف النزاع، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتشارك في هذا المؤتمر الأطراف العربية المعنية، ويكون من بينها وفد أردني - فلسطيني مشترك، يضم بالتساوي ممثلين عن حكومة المملكة الأردنية الهاشمية ومنظمة التحرير الفلسطينية». وحملت رسالة الملك إلى ياسر عرفات بتاريخ 4 مارس (آذار) 1985.
وتجدر الإشارة إلى أن زيارة «أبو إياد» إلى عمان كانت بغاية الأهمية بالنسبة إلينا، فهو الرجل الثاني في منظمة التحرير بعد ياسر عرفات، ويمسك بيده خيوطاً أمنية كثيرة ومتعددة، فضلاً عن كونه منافساً قوياً لعرفات، ولم يكن مشاركاً في مباحثات الاتفاق الأردني - الفلسطيني، وحضوره إلى عمان اكتسب قيمة استثنائية عكست حجم الخلاف الكبير داخل منظمة التحرير حول بنود الاتفاق.
ربما يكون عرفات «المراوغ» قد استثمر موقف بعض القيادات الفلسطينية ليخفف من عبء هذا الاتفاق عليه. ففي تقديري أنه قَبِل بإرسال الوفد، مراهناً على إبرامه نهائياً إذا تمت الموافقة على صيغة أو تعديل جديد، وإن لم تتم، وعاد الوفد خالي الوفاض، فيقرّ حينها بفشل الاتفاق.
كانت سوريا ضد الاتفاق في إطار موقف ما كان يسمى آنذاك «دول الصمود والتصدي»، وهاجمته بقوة وبشدة، وكانت تعتقد أنه ينقل «الورقة» الفلسطينية من اليد السورية إلى اليد الأردنية، وأن الأردن يريد «خطف» منظمة التحرير لتصبح مؤيدة لسياساته، وتسعى إلى إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتبتعد نهائياً عن دمشق، وربما يؤدي إلى إضعاف الموقف التفاوضي لسوريا إذا انفرد الأردن بالمنظمة.
كان إبراهيم عزّ الدين، السفير الأردني في واشنطن، وكان عبد الإله الخطيب الملحق في السفارة. وأظهر (وزير الخارجية الأميركي جورج) شولتز حفاوة كبيرة بي، وكان يريد مني الخروج بتصريحات أمام الصحافة الأميركية، مفادها أن الأردن يرفض الإرهاب، وكان يستهدف بذلك منظمة التحرير الفلسطينية.
ولم أتجاوب مع طلب شولتز في الإدلاء بأي تصريح يتضمن إدانة للإرهاب الذي تحدث عنه وقصده، لأني جئت إلى واشنطن لتسويق المنظمة وتحويلها إلى شريك، ولأن الأردن كان يتحدث عن إنهاء الاحتلال، لذا لم يكن من الوارد قبول مشروع جورج شولتز وإسحاق شامير القائم على منح الفلسطينيين في الضفة الغربية الحكم الذاتي الواسع الصلاحيات.
شرحت لجورج شولتز هدفنا من الاتفاق الأردني - الفلسطيني، وغايتنا منه إدراج منظمة التحرير والحكومة الأميركية شركاء في الوصول إلى عقد المؤتمر الدولي.
أثناء لقاءاتي في وزارة الخارجية الأميركية، تساءل بعض المسؤولين الأميركيين، ومنهم ريتشارد ميرفي، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، عن دواعي دعمهم الاتفاق وإشاعة أنه يلقى تأييداً واسعاً في الأردن، فيما هم يعلمون أن مسؤولين أردنيين في مناصب عليا يعارضونه ويتكلمون ضده.
كان ميرفي يقصد بكلامه أحمد عبيدات، وإلى حدّ أقل نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية سليمان عرار، وأجبته بأن هذه المعلومات غير دقيقة، وأشرت إلى محاولات تحسين الاتفاق، وشدّدت على أن الملك حسين هو صاحب القرار الأول والأخير، وكلنا متفقون على أهمية الاتفاق.
فهمت من ملاحظة ريتشارد ميرفي أنه يريد إضعاف مفهوم الاتفاق، مدعياً وجود معارضة أردنية له من قبل مسؤولين كبار في الدولة.
عدت إلى عمان بتاريخ 24 مارس 1985، وكان مقرراً أن أرافق الملك حسين والملكة نور في اليوم التالي، في زيارة رسمية إلى إسبانيا. في الطائرة، تحدثنا عن نتائج زيارتي إلى واشنطن، وأثنى الملك على جهودي، ولأن الظرف على متن الطائرة لا يسمح بذلك، لم أشرح له كل التفاصيل والانطباعات. وبعد وصولنا إلى مدريد، انفرد الملك بي في جناحه الخاص، وطلب مني عرضاً كاملاً لزيارتي، فوضعته في صورة كل ما حدث، وذكرت له أن مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية شككوا في دعم كل الأردنيين للاتفاق، ونقلوا معارضة مسؤولين أردنيين كبار له. انزعج الملك من هذه الملاحظة الأميركية، وبالتأكيد كان يعرف من المقصود بذلك.
من جهتي، شعرت حينذاك أني أصبحت جزءاً من صناعة السياسة الخارجية الأردنية، وبدأت العلاقة الحقيقية بيني وبين الملك حسين. لم تكن واضحة لي ماهية تحفظات عبيدات على الاتفاق في حينه، وأقدر أنه كان يريد إنهاء التشابك بين الوضعين الأردني والفلسطيني، وأن يعطي لكل منهما طريقاً مستقلاً، كما أنه لم يكن يريد للأردن أن ينهمك في مسائل منظمة التحرير ومشكلاتها وصراعاتها الداخلية المختلفة والمعقدة. وأظن أن ذكريات سبتمبر (أيلول) 1970 (الاشتباكات بين المنظمة والجيش الأردني) كانت لا تزال حاضرة في ذهنه، فضلاً عن عدم اتعاظ قادة المنظمة مما حلّ بهم في الأردن عام 1970. وفي لبنان عام 1982.
وأظن أن عبيدات لم يكن يريد توسيع دائرة العلاقات بين المنظمة والأردن بشكل يعود فيه التنافس أو التناحر الأردني - الفلسطيني مجدداً؛ خصوصاً داخل المجتمع الأردني. فقد كانت فصائل فلسطينية مدعومة أو ممولة من دول عربية مجاورة، تعمل سراً في الأردن، كما كان كثير من سكان مخيمات اللاجئين في الأردن يوالون بعض الفصائل الفلسطينية في الخارج، وصولاً إلى منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، وياسر عرفات بشخصه، بالإضافة إلى دول عربية أخرى.
على الصعيد الدولي، كان الاتحاد السوفياتي هو الآخر معارضاً لهذا الاتفاق. وكانت موسكو تظن أن الأردن يقوم باستغلال الظروف الفلسطينية الصعبة التي تلت خروج المنظمة من بيروت سنة 1982 وتداعياتها، لتشجيع ياسر عرفات على نقل البندقية من كتف الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية إلى الكتف الأميركية.
تحليل موسكو دفعها إلى إعلان الحرب على الاتفاق، فنقلت المعركة إلى داخل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي شهدت خلافات عاصفة بين مؤيدي الاتفاق وبين رافضيه والمعترضين عليه، ودفع فهد القواسمي حياته ثمناً لذلك.
لقد تولى الملك حسين ورجال القصر التعامل مع منظمة التحرير للوصول إلى الاتفاق الأردني - الفلسطيني، وكنت في تلك الأثناء مشاركاً في هذا الملف أكثر من أحمد عبيدات، إلا أني كنت أطلعه على التطورات، كوني الوحيد المشارك من مجلس الوزراء في مباحثات هذا الاتفاق.
بعد استقالة حكومة عبيدات، استكملنا واجبنا مع حكومة زيد الرفاعي في الترويج للاتفاق الأردني - الفلسطيني. وذهبنا بوفد أردني - فلسطيني مشترك إلى الجزائر، ثم روما، فباريس ولندن.
وكان الوفد الأردني في كل هذه العواصم مؤلفاً من عبد الوهاب المجالي رئيساً للوفد، كونه نائباً لرئيس الوزراء، وأنا كوني وزيراً للخارجية، بينما كان الوفد الفلسطيني يتراوح بين وليد الخالدي، وعبد الرزاق اليحيى، والمطران إيليا خوري، وجويد الغصين.
كانت الجزائر الوجهة الأولى للوفد. وكان الوفد يضم كلاً من عدنان أبو عودة وزير البلاط، وعبد الرزاق اليحيى، وجويد الغصين. والتقينا بالرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، وأذكر أنني عند عودتي نبّهت زيد الرفاعي إلى أن هذا الوفد سيُعتبر وفداً فلسطينياً، كوني أنا وعدنان أبو عودة من مواليد نابلس، فقرر زيد الرفاعي تغيير تشكيلة الوفد واستبدال أبو عودة بعبد الوهاب المجالي.
كان سبب اختيار الجزائر محطة أولى للوفد الأردني - الفلسطيني أنها إحدى دول ما كان يسمى آنذاك بـ«جبهة الصمود والتصدي»، إلى جانب سوريا ودول عربية أخرى. وكانت هذه الجبهة تعارض معارضة شديدة الاتفاق الأردني - الفلسطيني. وكما حصل في أوقات لاحقة عندما زرنا عواصم أخرى، فقد كان الهدف هو التأكيد لهذه العواصم على أن هذا الاتفاق لا يستهدف إضعاف منظمة التحرير أو إلغاء الهوية الفلسطينية، حتى التدخل في شؤون الفلسطينيين الداخلية، بقدر ما كان الهدف هو التمهيد لانعقاد المؤتمر الدولي للسلام ضمن الإطار الذي يدعو إليه الأردن ودول عربية أخرى، وكنا نريد أن تسير الولايات المتحدة خطوة واحدة باتجاه منظمة التحرير، فقد كانت واشنطن حتى ذلك الوقت لا تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
أما السبب الذي دفعنا إلى القيام بزيارة إيطاليا، وبعدها زيارة الفاتيكان، فهو للقاء الزعيم الإيطالي الاشتراكي بيتينو كراكسي الذي يتمتع بعلاقات جيدة ومؤثرة مع دول المغرب العربي ومع الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية ودول «محور الصمود والتصدي» العربية، وكان في ذلك الوقت مؤمناً جداً بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، على رغم العمليات التي كانت تنفذها بعض المنظمات الفلسطينية في أوروبا من اغتيالات وهجمات على المطارات. وقد وضعت السلطات الإيطالية حولنا حراسة مشددة خوفاً من تعرضنا لهجمات من بعض تلك المنظمات.
لقد حملتُ رسائل ملكية حول أهداف الاتفاق الأردني - الفلسطيني إلى دول الخليج العربي، وطلبتُ منهم دعمه وتفهم أسبابه، فذهبتُ إلى قطر والبحرين وعمان، واليمنين الجنوبي والشمالي، ودولة الإمارات.

الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية (الحلقة الثانية)
المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية (الثالثة والأخيرة)



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.