هل يتجه النظام الدولي إلى عصر «ما بعد الغرب»؟

مفكر هندي «يبشر» بنظام عالمي جديد ما بعد «كورونا»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

هل يتجه النظام الدولي إلى عصر «ما بعد الغرب»؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يسعى الباحث الهندي المتخصص في العلاقات الدكتور سيتاكانتا ميشرا إلى تحديد الملامح الرئيسية للنظام العالمي الجديد ما بعد «كوفيد – 19»، والذي ربما سيكون، حسب رأيه، غير واضح بالكامل خلال العامين المقبلين. ويقول في كتابه «النظام العالمي ما بعد الجائحة»، إنه إذا استمر غياب القوى الأميركية والأوروبية عن تشكيل وحدة عالمية كما هو معتاد، فربما تغتنم الصين والهند هذه الفرصة للبدء في وضع قواعد جديدة والشروع في اتخاذ إجراءات تتوافق ورؤية كل منهما للحوكمة العالمية، ويرى الكاتب في مؤلفه الذي صدرت نسخته العربية حديثاً عن مكتبة الإسكندرية وترجمتها المصرية ريهام صالح خفاجي، أن النظام العالمي الجديد وشيك التشكل، ويجب أن تتطلع الهند إلى ما هو أبعد من النظام الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، من خلال منافستها الصين تارة والتعاون معها تارة أخرى؛ وذلك من أجل توجيه النظام العالمي لصالحهما في صورة «نظام عالمي صيني - هندي».
الكتاب يأتي ضمن برنامج المكتبة لنشر الدراسات المهمة التي ترصد تداعيات جائحة كورونا، وهو ترجمة لبحث صدر بالإنجليزية بالعنوان نفسه، ونشرته مؤسسة «إندراسترا جلوبال» لـ«ميشرا» الذي يتولى بجانب دوره الأكاديمي رئاسة تحرير دورية الدراسات الحرة الصادرة عن جامعته بانديت ديندايال في مدينة غانديناغار، بولاية غوجارات بالهند، ويقدم الكتاب تسعة مؤشرات لما يمكن أن يكون عليه عالم ما بعد الجائحة، انطلاقاً من جملة تساؤلات يفرضها الظرف التاريخي غير المسبوق، ويدور محورها حول محصلة استغراق الولايات المتحدة في التصدي للأزمة، والذي بدأ متأخراً نسبيّاً في ظل ولاية الرئيس ترمب، فضلاً عن أداء الدول الأوروبية الذي شابه التخبط لدى العديد من حكوماتها في التعامل مع الوباء.
ويقول العالم الهندي، رغم أنه من السابق لأوانه الاستدلال على الملامح الدقيقة للنظام العالمي ما بعد «كوفيد - 19»، فإنه بالنظر إلى سياسة القوة التي بدأت تتجلى للعيان، خاصة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، ودول فاعلة أخرى مثل روسيا وإيران وبعض الدول الأوروبية، يبدو أن شكل التسلسل الهرمي الحالي للسلطة العالمية لن يدوم طويلاً بعد ما أدرك الجميع عدم وجود دولة قوية بما يكفي لتقدم نموذجاً للقيادة وقت الأزمات على المستوى العالمي حالياً.

فترة عصيبة على المحك

ويقول ميشرا، إن شرعية النظام العالمي الحالي صارت على محك الاختبار، وقد أظهرت النتائج أن النظام العالمي الحالي متعثر على الصعد كافة.
ويذكر ميشرا، أن الفكرة الشائعة التي تقول إن الحوكمة الديمقراطية هي أفضل الطرق لمواجهة الأزمات، صارت فكرة خاوية، وأن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو دحض الاعتقاد بأن القوة العظمى حاضرة في كل ركن من أركان العالم، ولديها الرغبة في السيطرة على النتائج العالمية، لكن الجائحة تحدت هذا الاعتقاد، وفشلت أمامها كل القوى العظمى المعروفة في عصرنا الحالي، ففي الوقت الذي وصفت فيه الولايات المتحدة الأميركية الجائحة بالفيروس الصيني، وتقدمت شركة أميركية بدعوى قضائية قيمتها عشرون تريليون دولار أميركي ضد الحكومة الصينية؛ بدعوى تخليقها فيروس كورونا المستجد وإطلاقه كسلاح بيولوجي، جاء قرار الصين التي تخطط للربط بين جميع أجزاء العالم من خلال مبادرة الحزام والطريق بإغلاق حدودها أمام غالبية الأجانب لوقف استشراء الموجة الثانية من الفيروس؛ وهو ما جعل العالم المتشابك المترابط مغلقاً من أجل وقف انتشار الفيروس. وقد رأى كثيرون هذه السياسات بداية لتراجع العولمة أو توجهاً معاكساً للترابط العالمي يعززه اتجاه الولايات المتحدة وبعض الدول في أوروبا لأن تنأى بنفسها عن التكامل الإقليمي، وقد قامت بعزل حدودها تباعا لمنع حركات الهجرة واسعة النطاق حتى قبل انتشار الجائحة، وهو ما يشير إلى أن هيكل الحوكمة العالمية المتمركز حول الأمم المتحدة ونظام «بريتون وودز» يقع اليوم تحت ضغط شديد، ويخضع للتلاعب حتى من قِبل مناصريه أنفسهم، فصار بسبب من ذلك عديم الكفاءة، ويحتاج إلى إصلاح شامل.

نظام عالمي بديل

وطبقاً لهذا التصور تتشكل وجهة نظر ميشرا في كتابه. إن النظام الدولي كما يرى يمضي نحو عصر ما بعد الغرب، وأن المحور الجيواستراتيجي لحقبة ما بعد الحرب الباردة بدأ يتحول تدريجياً من أوروبا إلى آسيا، وبالتحديد صوب منطقة المحيطين الهندي والهادي، حيث تعكف الصين على صياغة نظام عالمي جديد، وهو نظام حوكمة عالمي موازٍ لا يسمح للولايات المتحدة الأميركية باحتكار صياغة قواعد النظام الدولي، ويؤدي إلى تهميشها في مجالات أخرى كثيرة، وسوف تعمل الصين في المقام الأول على التركيز في ثلاث سمات تواصل من خلالها عزل أراضيها عن التدخل الخارجي، وتسعى في الوقت نفسه إلى ضمان عدم فرض أي قوة أخرى لهيمنتها على المناطق الأخرى في العالم، وسوف تعمل على تعزيز قوتها بالوصول إلى كل ركن من أركان العالم وفي أي وقت، لتصبح طرفاً فاعلاً في القضايا الناشئة كافة، وقد بدأت الصين بالفعل في تنفيذ استراتيجية النفوذ الاستراتيجي من خلال إنشاء جزر صناعية ووصلات للموانئ البحرية، وإقامة تحالفات، وشرعت في إنشاء مؤسسات متعددة الأطراف؛ مثل منظمة شانغهاي للتعاون، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، ومجموعة البريكس وبنك التنمية الجديد؛ وذلك بهدف تقديم منصات انطلاق بديلة للحوكمة العالمية ولإعادة صياغة قواعد اللعبة.

السلطوية في زمن «كورونا»

يلفت ميشرا إلى أن هناك ملمحاً خطيراً سوف يصاحب النظام العالمي ما بعد الجائحة، وقد بدأت عناصره تتجلى للعيان في أشكال العنصرية التي تفشت وتركزت حول كراهية الأجانب والرُهاب الصيني، وقد أدى فيروس كورونا الفتاك والغامض إلى تفاقم العنصرية والكراهية، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي امتلأت بالكراهية للشعب الصيني، وقد صار الصينيون في آسيا والآسيويون في أرجاء العالم يُعامَلون بنوع من الشك والريبة منذ أن تصدرت أخبار الفيروس عناوين الصحافة الدولية، وأصبحت الجالية الصينية محل استهداف للافتراءات والنعرات العنصرية والكراهية، في أستراليا ونيويورك وفي مناطق كثيرة في الهند، وباتوا يُنادون بـ«كورونا» ويتعرضون للاعتداء الجسدي، مع تنامي توجه واضح لنبذهم اجتماعياً.
ويشير إلى أن النظام العالمي ما بعد «كورونا» سوف يكون متسماً بتراجع للديمقراطية، وسوف تحظى النظم السياسية السلطوية التي تكتسب شرعية تحت اسم سرعة التنفيذ واحتواء الجائحة بنوع من الاستحسان، هذا بعد أن أظهرت الديمقراطيات عدم كفاءتها في التعامل مع الأزمات، مقارنة بالأنظمة السلطوية. ونجحت الصين في التصدي للجائحة لتعطي مبرراً قويّاً للحكم السلطوي في مناطق أخرى من العالم، حيث يستخدم الحكام المستبدون فيروس كورونا لتعزيز قبضتهم على السلطة، واستخدامه كفرصة سانحة للقمع، أما الحكومات الديمقراطية في العالم فسوف تستخلص دروساً من التعامل والتصدي الناجح الذي حققته الأنظمة السلطوية، وقد تغرس قليلاً من مبادئ الاستبداد الخيّر في هياكل الحوكمة الخاصة بها، ما يمكّنها بسهولة من فرض القيود على الحريات المدنية والمثل الديمقراطية تحت اسم حالات الطوارئ الوطنية.

التفوق الثقافي للشرق

ويرى ميشرا، أن النظام العالمي ما بعد الجائحة سوف يؤسس وينشر التفوق الثقافي للشرق على الغرب، وأن الآثار الإيجابية للجائحة سوف تبرز كثيراً من الممارسات الحياتية مثل استبدال مصافحة اليدين بتحية «الناماستي»، وتبني نظام غذائي نباتي بعيداً عن تفضيلات الأطعمة البرية والغريبة، وستتم الإشادة بكثير من أساليب الحياة الهندية ووصفاتها الثقافية لعيش حياة صحية، كما ستنال الممارسات الهندية، مثل اليوجا والأيورفيدا والديَّا وغيرها، قبولاً أوسع في العالم.
وعلى جانب آخر لم يغفل ميشرا في كتابه الإشارة إلى تراجع العولمة المفرطة في عالم ما بعد «كورونا»، وتطلع المواطنين إلى الحكومات الوطنية لأجل حمايتهم، كما يشير إلى ظهور نوع من النمو لحضارة افتراضية بسبب تقلص حركة التنقل المادي للأشخاص، بالإضافة لبزوغ تحالفات ناتجة من الأزمة والمساعدات التي قُدمت وقتها، حيث ستعمل روح التعاطف والتعاون في وقت الجائحة على تشكيل تحالفات غير مألوفة في أماكن عديدة.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً