معارك كر وفر في جبهات البيضاء تضاعف خسائر الحوثيين

مصادر حكومية: تحرير المحافظة سيقلب المعادلة ويقرّب إنهاء الانقلاب

مقاتلون من الجيش اليمني في إحدى جبهات مأرب (سبأ)
مقاتلون من الجيش اليمني في إحدى جبهات مأرب (سبأ)
TT

معارك كر وفر في جبهات البيضاء تضاعف خسائر الحوثيين

مقاتلون من الجيش اليمني في إحدى جبهات مأرب (سبأ)
مقاتلون من الجيش اليمني في إحدى جبهات مأرب (سبأ)

على الرغم من الحشود الكبيرة التي دفعت بها الميليشيات الحوثية من قوات النخبة التابعة لها (كتائب الحسين) خلال أسبوع للرد على العمليات التي أطلقتها المقاومة القبلية ووحدات الجيش اليمني في مديريات الزاهر والصومعة بمحافظة البيضاء، فإنها فشلت في حسم المواجهات التي تحولت في اليومين الأخيرين إلى معارك كر وفر كبدت الجماعة أكثر من 200 قتيل على الأقل، وفق تقديرات مصادر في الإعلام العسكري التابع للشرعية.
وفي حين أفادت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» بأن معركة تحرير البيضاء من قبضة الميليشيات الحوثية ستستمر، لما يمثله تحرير هذه المحافظة الاستراتيجية من نقطة تحول في مسار مواجهة الانقلاب الحوثي، تراهن الميليشيات الحوثية على حشد مزيد من العتاد والآليات والمجندين للزج بهم في المعركة، بالتوازي مع حملات ترهيب لقبائل المحافظة وقطع للاتصالات وبث للإشاعات.
وكانت قوات المقاومة الشعبية المتمثلة في قبائل آل حميقان ومن معها من قبائل يافع المجاورة، إضافة إلى وحدات من قوات ألوية العمالقة (حكومية)، أطلقت قبل نحو أسبوع، معركة سمّتها «النجم الثاقب» وتمكنت في غضون ساعات بإسناد جوي من طيران تحالف دعم الشرعية من انتزاع مركز مديرية الزاهر غرب مدينة البيضاء (مركز المحافظة)، إلى جانب استعادة مناطق واسعة في مديرية الصومعة، وصولاً إلى وضع المدينة بين فكي كماشة من جهتي الشرق والغرب، قبل أن تدفع الميليشيات الحوثية بنحو 3 آلاف عنصر على الأقل رفقة عتاد عسكري ثقيل وطائرات مسيرة لاستعادة ما خسرته.
استراتيجية الحوثيين
ومع الانتقادات التي سادت في أوساط معسكر الموالين للحكومة الشرعية لجهة التباطؤ في إسناد المقاومة القبلية والوحدات العسكرية، لجأت الميليشيات الحوثية إلى تبني خطابها المألوف للتغطية على خسارتها السريعة، إذ عد قادتها هذه العمليات العسكرية المباغتة رسالة أميركية، مع زعمهم أن هذه القوات هي لمقاتلين من «القاعدة» و«داعش»، في محاولة منهم لاستدرار عطف الأميركيين أنفسهم والمجتمع الغربي، وهذا ما كان واضحاً على الأقل في التغريدات التي دونها المتحدث باسم الجماعة محمد عبد السلام فليتة.
وإلى جانب هذا الخطاب الحوثي، لجأت الميليشيات إلى التعزيز بكتائبها الخاصة التي تطلق عليها «كتائب الحسين»، وهي من الوحدات العقائدية الأكثر تدريباً وتسليحاً، في محاولة لتحاشي هزيمة قاسية كان يمكن أن تنجم عن سقوط مدينة البيضاء في يد المقاومة القبلية، وهو ما سيعني انهياراً مدوياً بالنسبة لها، ربما لن يتوقف إلا على حدود محافظة ذمار المجاورة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن زعيم الميليشيات عبد الملك الحوثي حرص بشكل شخصي على متابعة حشد القوات إلى جانب تكليفه كبار قادته من صعدة للضغط على شيوخ القبائل في محافظة البيضاء، لتحذيرهم من مغبة مساندة المقاومة والقوات الموالية للشرعية مع وعود لهم بتقديم أموال وأسلحة، إذ أفادت المصادر بأن أغلب الأموال التي كانت في البنوك الحكومية في مدينة البيضاء قامت الجماعة بنهبها وتوزيعها على الموالين لها للمشاركة في التصدي لهجوم الشرعية.
الجماعة الانقلابية أيضاً استثمرت سيطرتها على قطاع الاتصالات، حيث قامت بقطعها عن مناطق واسعة في البيضاء لإرباك الموالين لقوات القبائل وألوية العمالقة، ومن ثم التحكم بالإشاعات حول طبيعة المعارك والمواجهات، وهو أسلوب دائماً ما تلجأ له الجماعة في معاركها، كما حدث من قبل عندما قمعت انتفاضة قبائل آل عواض في البيضاء نفسها، أو عند وأد انتفاضة قبائل حجور في محافظة حجة.
الموقف الحكومي
مع اشتداد المعارك التي تحاول الميليشيات الحوثية أن تكسبها بعيداً عن حجم الخسائر التي تتعرض لها جراء ضربات المقاومة ووحدات قوات العمالقة وبسبب ضربات طيران تحالف دعم الشرعية، أكدت الحكومة اليمنية أنها مستمرة في دعم هذه العمليات لتحرير البيضاء، ورأت في التقدم السريع للمقاومة دلالة على هشاشة الميليشيات الانقلابية.
إلا أن منتقدي الشرعية يقولون إن غياب التنسيق كان واضحاً، حيث كان من المفترض أن يتم إسناد هذه القوات بتعزيزات إضافية، إلى جانب إطلاق المعارك في كل الجبهات، وبخاصة في جبهات مديرية ناطع حيث ترابط قوات محور بيحان، وفي مديرية لودر حيث يرابط كثير من الألوية الحكومية، وذلك لتشتيت القوات الحوثية وإرباكها.
من جهته، قال رئيس الأركان في الجيش اليمني الفريق صغير بن عزيز في وقت سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن انتصارات قوات العمالقة ورجال المقاومة «هي انتصارات لها دلالاتها السياسية والعسكرية بعد أن حاولت الميليشيات أن تلعب دور المتحكم بسير المعركة ورفضها المستمر لكل دعوات السلام وارتكاب مزيد من الجرائم بحق المواطنين الأبرياء».
وأضاف: «الجهود مستمرة في رفع وتعزيز جاهزية جميع الوحدات العسكرية في جميع الجبهات، وستكون المرحلة المقبلة حافلة بكثير من الانتصارات».
وفي حين لم يقدم بن عزيز أي توضيحات بخصوص ما يحمله الجيش في جعبته من مفاجآت ميدانية، شدد على توحيد الجهود بين مختلف الوحدات المقاومة للحوثيين، وقال: «من شروط انتصارنا في معركتنا ضد ميليشيات إيران الإرهابية وحدة الصف وتوحيد مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية، وجميعنا في خندق واحد والهدف واحد، واليمنيون يعرفون أن الحوثي استخدم ويستخدم سلاح تمزيق النسيج المجتمعي وسياسة (فرق تسد) بين مكونات الدولة».
وأضاف: «العمليات العسكرية في البيضاء دليل واضح على التحام كل القوى الوطنية التي تخوض اليوم المعركة جنباً إلى جنب وتلحق بالعدو خسائر كبيرة، واستطاعت في وقت قياسي أن تحرر مديريات بكاملها، بالإضافة إلى كثير من المواقع الاستراتيجية التي يتمركز فيها العدو».
في السياق نفسه، ظهر محافظ البيضاء المعين مع الحكومة الشرعية اللواء الركن ناصر السوادي بعد أيام من المعركة، في جبهة ثرة بين مديرية لودر ومكيراس جنوب البيضاء، مشدداً على «ضرورة رفع اليقظة والجاهزية القتالية وتأمين المناطق التي سيتم تحريرها».
وبينما انتقد مراقبون تأخر ظهور المحافظ الذي يفترض به أن يكون موجوداً مع أول طلقة رصاصة في العملية العسكرية، نقلت المصادر الرسمية عنه أنه «أكد أن عملية التحرير انطلقت، ولن تتوقف إلا بتحرير المحافظة بالكامل من الميليشيات الحوثية»، وأن «تحرير البيضاء أصبح ضرورة حتمية».
البعد الاستراتيجي
وفي الوقت الذي بعثت فيه المعارك في البيضاء الأمل في نفوس المناهضين للانقلاب الحوثي، وذلك بأن يؤدي تحريرها إلى الاستفادة القصوى من أهمية المحافظة الاستراتجية، يرجح المراقبون أن حدوث تحرير المحافظة لن يكون كما قبله، وهي النقطة التي يدركها الحوثيون جيداً، لذلك فهم يستميتون في عدم خسارتها.
هذه الأهمية الاستراتيجية للمحافظة تنبع من كونها تمتلك حدوداً إدارية مع ثماني محافظات، هي: أبين وشبوة ومأرب ولحج وإب وذمار وصنعاء والضالع، حيث يعني تحريرها تأمين محافظات شبوة وأبين ولحج واستكمال تحرير الضالع ومأرب، والإعداد لتحرير ذمار وإب وصولاً إلى صنعاء.
وإلى جانب هذا البعد الاستراتيجي الميداني للمحافظة، فإن سكانها أيضاً لا يشكلون حاضنة فعلية للميليشيات الحوثية، ما عدا بعض المديريات التي تحظى فيها الجماعة بإسناد قائم على الانتماء السلالي لزعيم الجماعة، وذلك يعني أن الكتلة السكانية في أغلبها ستتحول إلى حاضنة شعبية لإسناد القوات الشرعية، ما سيسهل أي تحركات عسكرية باتجاه ذمار المجاورة التي تعد واحدة من المناطق التي يعتمد عليها الحوثيون في استقطاب المجندين الجدد.

آخر التطورات
وفيما يتعلق بآخر التطورات الميدانية، تشير المعلومات الواردة إلى وجود معارك كر وفر تواصلت أمس (السبت)، خصوصاً في مديريتي الزاهر والصومعة، إذ انسحبت قوات المقاومة القبلية والوحدات العسكرية من مركز مديرية الزاهر، لتخوض مواجهات على أطرافها الغربية، كما تواصلت المعارك في الأطراف الغربية من مديرية الصومعة التي باتت معظم نواحيها محررة.
في السياق نفسه، أكد المتحدث باسم مقاومة آل حميقان عامر الحميقاني في تغريدات على «تويتر» مقتل القيادي الحوثي أبو يحيى الحنمي، وهو قائد الحمله الحوثية وقائد التدخل السريع للجماعة مع العشرات من أتباعه. وأكد الحميقاني أن عناصر المقاومة في مواقعهم وأن المعارك على أشدها، حيث تمت استعادة عدة مواقع، ومنها منطقة لجردي التي كان الحوثيون سيطروا عليها ليل الجمعة.
وأضاف أن عناصر المقاومة «سطروا على مدى يومين وبكل شجاعة وبالإمكانات المحدودة أروع الملاحم البطولية ووقفوا بوجه ترسانة من الأسلحة، بينها دبابات وعربات وقوة بشرية تعد بأكثر من 1500 عنصر حوثي». وأشار متحدث المقاومة القبلية إلى أن عشرات الحوثيين قتلوا مع احتراق عرباتهم ومدرعاتهم مع استعادة بعض المواقع، وأن المعارك يسودها الكر والفر في مناطق «وادي ذي مريب وبطن امضي وقرض»، حيث يحاول الحوثي الاستيلاء على ما تم تحريره.
وأكد الحميقاني أن الميليشيات الحوثية هاجمت بعدة أنساق جبهة الحازمية الواقعة غرب مديرية الصومعة، غير أن قوات المقاومة تصدت لهذه الهجمات.


مقالات ذات صلة

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

المشرق العربي المشروع ينفذ في 3 مديريات ويخدم أكثر من 360 ألف مستفيد (الشرق الأوسط)

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

يستهدف مشروع الأمن المائي والطاقة تعزيز مصادر المياه وتحسين كفاءة تشغيلها واستدامتها، من خلال حفر وإعادة تأهيل 11 بئراً مزودة بأنظمة طاقة شمسية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

خاص الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)

توقيع أكبر اتفاق لتبادل أسرى في الأزمة اليمنية


اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
TT

توقيع أكبر اتفاق لتبادل أسرى في الأزمة اليمنية


اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)

أعلن «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، أمس (الخميس)، توقيع أكبر اتفاق لإطلاق سراح 1750 أسيراً ومحتجزاً من جميع الأطراف اليمنية، ويشمل 27 من «التحالف»، بينهم 7 سعوديين.

وأوضح المتحدث باسم «التحالف»، اللواء الركن تركي المالكي، أن توقيع الاتفاق تمّ في العاصمة الأردنية عمَّان، بحضور لجنة التفاوض بالقوات المشتركة للتحالف، وبمشاركة الأطراف اليمنية، وبرعاية مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ.

وأكد اللواء المالكي في بيان، أن ملف الأسرى والمحتجزين إنساني، ويحظى باهتمام مباشر من قيادة قوات التحالف حتى عودتهم جميعاً.

ورحبت الأمم المتحدة بالاتفاق، وعدّته خطوة مهمة لبناء الثقة وتحريك العملية السياسية، فيما قالت الحكومة اليمنية إن الاتفاق «تحول حقيقي» في الملف الإنساني، بينما وصفه الحوثيون بأنه «إنجاز تاريخي».

ويأمل الوسطاء الدوليون في أن يسهم تنفيذ الاتفاق في خلق أجواء أكثر إيجابية لدفع جهود السلام المتعثرة في البلاد.


تحركات دولية لتفكيك الأزمة السياسية في الصومال و«السيناريوهات محدودة»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تحركات دولية لتفكيك الأزمة السياسية في الصومال و«السيناريوهات محدودة»

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

دخلت واشنطن ولندن على خط الأزمة السياسية الصومالية بتسهيل حوار بين الحكومة والمعارضة، وسط تأزم الموقف المحيط بتمديد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود عاماً آخر بعد تعديل دستوري تم التصديق عليه مؤخراً.

ذلك الحوار، الذي يركز على مسار الانتخابات المباشرة التي ترفضها قوى معارضة رئيسية، قد يقود تحت ضغوط دولية إلى تهدئة وتفاهم بشأن تمديد فترة ولاية شيخ محمود، بدلاً من انقضائها، غداً الجمعة، وذلك «لقيادة البلاد نحو انتخابات متفق عليها»، بحسب خبراء في الشؤون الصومالية والأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

غير أنهم لفتوا إلى أن هذا سيكون بمثابة «احتواء مؤقت وليس تسوية مستدامة».

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع المعارض البارز شريف شيخ أحمد (وكالة الأنباء الصومالية)

وأفادت وسائل إعلام صومالية، الخميس، بأن حواراً تواصل لليوم الثاني بين الحكومة الفيدرالية وسياسيين من المعارضة، لم يتمكن في يومه الأول من التوصل إلى اتفاق بشأن النقاط الرئيسية المتعلقة بالعملية الانتخابية في البلاد.

وشارك في الاجتماع من جانب الحكومة، رئيس البلاد شيخ محمود ونائب رئيس الوزراء صالح أحمد جامع، بينما قاد المعارضة رئيس بونتلاند سعيد عبد الله ديني والرئيس الصومالي السابق شريف شيخ أحمد، بحسب ما ذكره الموقع الإخباري «الصومال الجديد».

وحضر أعضاء من السفارتين الأميركية والبريطانية في بداية الاجتماع، «ولعبوا دوراً في افتتاح المحادثات، ثم غادروا لاحقاً ليتمكن القادة الصوماليون من مواصلة المناقشات مباشرة»، وفقاً لما نشره الموقع الإخباري.

وتمسك كل من الطرفين بموقفه، حيث طالبت المعارضة بمناقشة القضايا الانتخابية، بينما أصرت الحكومة الفيدرالية على انتخابات «صوت واحد لكل شخص» التي بدأتها في بعض المناطق. واتفق الجانبان في النهاية على مواصلة المحادثات والاجتماع الخميس.

القضيتان المطروحتان

صرَّح مصدر مطلع على تفاصيل الحوار لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، بأن جلسة الأربعاء «لم تتوصل إلى أي تفاهمات بين الجانبين، وتم الاجتماع مجدداً الساعة العاشرة صباح الخميس، وكان الخلاف سيد الموقف».

وتابع قائلاً إنه على طاولة الحوار المدعوم دولياً «لا يوجد سوى قضيتين مطروحتين؛ الأولى نوع الانتخابات التي ستُجرى في البلاد، حيث يرغب الرئيس في أن يُدلي الشعب بصوته بنفسه، بينما تُطالب المعارضة بأن يختار شيوخ العشائر والحكومات الإقليمية أعضاء مجلس الشعب؛ والثانية التعديلات الدستورية التي تُطالب المعارضة بإلغائها بالكامل والعودة إلى الدستور القانوني الذي أُقرّ عام 2012».

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أنه «من السابق لأوانه الحديث عن فشل المحادثات»، مضيفاً: «ليس أمام المجتمعين في النهاية سوى التوصل إلى اتفاق داخلياً، أو أن يفرض ضغط المجتمع الدولي اتفاقاً».

ويعتقد الخبير في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن انخراط مسؤولين دوليين، خصوصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا، في الحوار السياسي بالصومال يعكس قلقاً دولياً متزايداً من أن يهدد أي فراغ سياسي أو أمني الاستقرار الهش في البلاد، خاصة مع تعقّد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة.

وهو يرى أنه يمكن للتحركات الدولية أن تُحدث تأثيراً مهماً، خاصة أنها تمتلك أدوات ضغط متعددة، منها الدعم المالي والأمني للحكومة الصومالية، ورعاية التفاهمات وتقديم الضمانات.

مأزق «المدة»

عقب إقرار التعديل الدستوري في مارس (آذار) الماضي، قال رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، إن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه شيخ محمود، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع سنوات يُفترض أن تنتهي قبل منتصف الشهر الحالي.

بينما قال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان، إن ولاية الرئيس تنتهي في 15 مايو (أيار) 2026، وإنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ونهاية أبريل (نيسان) الماضي، هدد رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، بتصعيدٍ حال تم تجاوز المدة.

ونبه إبراهيم، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا»، إلى أن مدة الولاية قبل التعديل الدستوري تنتهي الجمعة، وبالتالي لن تعتبر المعارضة شيخ محمود رئيساً للبلاد، بل ستطلق عليه لقب «الرئيس السابق»، ومن الضروري إيجاد حل نهائي بشأن العملية الانتخابية والدستور المعدل بهذه الجلسات.

تقريب المسافات

وعلى مدى أكثر من عام ترفض المعارضة مسار الانتخابات المباشرة الذي ينهي عقوداً من النظام القبلي.

ويوم الأحد الماضي، توجهت 13 مديرية في ولاية جنوب غربي الصومال للإدلاء بأصواتها واختيار الحكومات المحلية ومجالس المديريات وممثلي الولايات بنظام الاقتراع المباشر، بينما اتجهت المعارضة لتنظيم مظاهرة دون استجابة لدعوة رئاسية للحوار في 10 مايو الحالي، وفق ما ذكرته وسائل إعلام صومالية.

ووقتها، دعا الرئيس السياسيين الطامحين إلى قيادة البلاد إلى طرح رؤى يمكن أن تحظى بقبول المواطنين، محذراً إياهم من «إثارة الحساسيات والعواطف بين أبناء الشعب»، بحسب وكالة الأنباء الصومالية.

ووسط هذه الخلافات، يرجح إبراهيم «التوصل إلى حل سياسي يرضي الطرفين، على أن تُمدد فترة ولاية الرئيس شيخ محمود لمدة عام لقيادة البلاد نحو انتخابات متفق عليها».

لكن التجربة الصومالية، بحسب جامع بري، «تُظهر أن أي اتفاق لا يحظى بقبول داخلي واسع غالباً ما يكون هشاً أو مؤقتاً. لذلك فالدور الدولي قد ينجح في تقريب المسافات وفتح قنوات الحوار، لكنه لا يستطيع فرض تسوية دائمة إذا استمرت حالة انعدام الثقة بين القوى السياسية».


توافق يمني لأضخم صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين

اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
TT

توافق يمني لأضخم صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين

اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)
اتفاق بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية أممية لتبادل دفعة كبيرة من الأسرى والمحتجزين (الأمم المتحدة)

أعادت جولة المفاوضات الأخيرة بشأن ملف المحتجزين في اليمن إحياء الآمال بإمكانية تحقيق اختراقات إنسانية في مسار الأزمة المستمرة منذ أكثر من عقد، بعد الإعلان، الخميس، عن التوصل إلى اتفاق بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية يقضي بالإفراج عن أكثر من 1600 شخص، وفق ما أفاد به بيان أممي.

وجاء الإعلان عن الاتفاق بعد مفاوضات مكثفة استمرت نحو 14 أسبوعاً برعاية الأمم المتحدة في العاصمة الأردنية عمّان، واستندت إلى تفاهمات سابقة بدأت من مسقط أواخر العام الماضي، وشملت لاحقاً جولات تفاوض غير مباشرة في الرياض، قبل أن تُستكمل في الأردن بتوقيع الكشوف وآلية التنفيذ.

وقال المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إن الاتفاق يمثل «لحظة ارتياح كبير لآلاف اليمنيين الذين طال انتظارهم المؤلم لعودة ذويهم»، مؤكداً أن المفاوضات الجادة أثبتت قدرة الأطراف على تحقيق تقدم في الملفات الإنسانية عندما تتوفر الإرادة السياسية.

رئيس وفد الحكومة اليمنية يصافح رئيس وفد الحوثيين بعد اتفاق تبادل الأسرى في عَمَّان (رويترز)

وأضاف غروندبرغ أن الاتفاق يعكس ما يمكن أن تحققه المفاوضات المستمرة، مشيداً بما وصفه بانخراط الأطراف «بحسن نية» رغم التعقيدات الإقليمية التي رافقت الأشهر الماضية، وداعياً إلى البناء على هذا الإنجاز من خلال تنفيذ عمليات إفراج إضافية، بما في ذلك الإفراجات الأحادية.

وأكد المبعوث تضامن الأمم المتحدة مع جميع المحتجزين تعسفياً وعائلاتهم، بمن فيهم موظفو المنظمة الدولية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية المحتجزون لدى الحوثيين، مشدداً على أن المنظمة ستواصل الضغط «بعزم لا يلين» من أجل الإفراج عنهم.

كما عبّر غروندبرغ عن تقديره للدور الذي اضطلعت به الأردن في استضافة جولة المفاوضات وتقديم التسهيلات اللازمة لإنجاحها، مشيداً بدعم عمّان المستمر لجهود السلام في اليمن. ووجّه الشكر كذلك إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر على شراكتها في رئاسة اللجنة الإشرافية المعنية بتنفيذ اتفاق إطلاق سراح المحتجزين، ودورها في تسهيل المسار الإنساني بين الأطراف.

وحسب البيانات الصادرة عن الأطراف، فإن الاتفاق يشمل الإفراج عن مئات المحتجزين من الجانبين، بينهم 7 سعوديون و20 سودانياً، إضافة إلى محتجزين مرتبطين بالنزاع في جبهات مختلفة.

اختراق كبير

أوضح وفد الحكومة اليمنية المفاوض في ملف المحتجزين، أن الاتفاق ينص على الإفراج عن نحو 1750 محتجزاً، بينهم 27 من قوات التحالف العربي، في خطوة وصفها بأنها «تحول حقيقي» في هذا الملف الإنساني المعقد.

وأكد الوفد الحكومي أن المسار التفاوضي بدأ في العاصمة العُمانية مسقط في ديسمبر (كانون الأول) 2025 وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، قبل أن تنتقل المشاورات إلى الرياض لمدة شهر كامل لإرساء الترتيبات الفنية والإجرائية المتعلقة بتبادل الكشوف، وصولاً إلى جولة عمّان التي استمرت نحو 90 يوماً.

وأشار البيان الحكومي إلى أن المفاوضات واجهت «تعقيدات وعقبات كبيرة»، إلا أن الوفد تعامل معها «بروح وطنية وإنسانية» لإنجاح المسار وإعادة المحتجزين إلى أسرهم، مؤكداً أن التوقيع على الكشوف وآلية التنفيذ يمثل انفراجاً ملموساً في أحد أكثر الملفات حساسية.

كما ثمّن الوفد الحكومي الدور السعودي في دعم الملف، مشيداً بجهود الأردن والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر في تيسير المفاوضات وإنجاحها.

ومن أبرز النقاط التي كشف عنها الجانب الحكومي ما يتعلق بالقيادي السياسي اليمني محمد قحطان، الذي تتهم الحكومة الحوثيين بإخفائه منذ سنوات.

وذكرت المصادر الحكومية أن الاتفاق نص على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين، بمشاركة أسرة قحطان، للتوجه إلى صنعاء والتحقق من مصيره واتخاذ الإجراءات اللازمة، بحضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصفة وسيط محايد، وذلك قبل تنفيذ عملية إطلاق سراح المحتجزين.

ويُعدّ ملف قحطان من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في مسار مفاوضات الأسرى، حيث ظل اسمه مطروحاً في جميع الجولات السابقة بصفته أحد أبرز المشمولين بمبدأ «الكل مقابل الكل» الذي نص عليه اتفاق استوكهولم أواخر عام 2018.

كما نص الاتفاق الجديد على تنفيذ زيارات متبادلة للسجون وأماكن الاحتجاز في المرحلة التالية بعد تنفيذ عملية الإفراج، في خطوة يُنظر إليها بصفتها محاولة لتعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الأطراف.

ترحيب حوثي

في المقابل، أعلن رئيس لجنة شؤون الأسرى التابعة للجماعة الحوثية، عبد القادر المرتضى، استكمال جولة المفاوضات بالتوقيع على قوائم الأسرى والمعتقلين.

وقال المرتضى إن الاتفاق يشمل الإفراج عن 1100 أسير ومعتقل من أتباع الجماعة، مقابل 580 من المحسوبين على الحكومة اليمنية، بينهم سبعة أسرى سعوديين و20 سودانياً، موضحاً أن التنفيذ سيتم بعد استكمال إجراءات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وفي صنعاء المختطفة من قِبل الجماعة الحوثية، بارك رئيس المجلس الانقلابي مهدي المشاط الاتفاق، مدعياً أن الجماعة قدمت «كل التسهيلات» لإنجاز الملف الإنساني والإفراج عن الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل».

وزعم المشاط – وفق إعلام الجماعة- أن ملف الأسرى ظل في صدارة أولويات الجماعة، متعهداً بمواصلة العمل لإطلاق جميع المحتجزين بكل الوسائل الممكنة، في حين وصف المرتضى الاتفاق بأنه «إنجاز تاريخي» للأسرى وعائلاتهم.

ويرى مراقبون أن الاتفاق يمثل اختباراً جديداً لقدرة الأطراف اليمنية على ترجمة التفاهمات الإنسانية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، خصوصاً بعد تعثر جولات سابقة بسبب الخلافات المتعلقة بالأسماء وآليات التنفيذ.

ويستند الاتفاق الحالي إلى اللجنة الإشرافية الخاصة بتنفيذ اتفاق إطلاق سراح المحتجزين المنبثقة عن اتفاق اتفاق استوكهولم، الذي تعهدت بموجبه الأطراف بالإفراج عن جميع المحتجزين وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، إلا أن التنفيذ ظل جزئياً ومحدوداً خلال السنوات الماضية.

ويأمل الوسطاء الدوليون أن يسهم النجاح في تنفيذ الاتفاق الجديد في خلق مناخ أكثر إيجابية لدفع العملية السياسية المتعثرة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات العسكرية والاقتصادية التي تُلقي بثقلها على الوضع الإنساني في اليمن.

ونجحت جولات التفاوض السابقة برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في إطلاق دفعتين من الأسرى والمعتقلين لدى أطراف النزاع اليمني، حيث بلغ عدد المفرج عنهم في الدفعة الأولى أكثر من 1000 شخص، في حين بلغ عدد المفرج عنهم في الدفعة الثانية نحو 900 معتقل وأسير.

هانس غروندبرغ يتحدث جالساً بجوار كريستين سيبولا من اللجنة الدولية للصليب الأحمر (رويترز)

وتقول الحكومة اليمنية إنها تسعى إلى إطلاق كل المعتقلين وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، وتتهم الحوثيين بأنهم كل مرة يحاولون إجهاض النقاشات، من خلال الانتقائية في الأسماء أو المطالبة بأسماء معتقلين غير موجودين لدى القوات الحكومية.

وخلال عمليتي الإفراج السابقتين، أطلقت الجماعة الحوثية 3 من 4 من المشمولين بقرار مجلس الأمن الدولي 2216، وهم شقيق الرئيس السابق، ناصر منصور، ووزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي (عضو مجلس القيادة الرئاسي الحالي)، والقائد العسكري فيصل رجب.

ووسط حالة من الغموض، لا تزال الجماعة الحوثية ترفض إطلاق سراح الشخصية الرابعة، وهو السياسي محمد قحطان القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، كما ترفض إعطاء معلومات عن وضعه الصحي، أو السماح لعائلته بالتواصل معه، وسط تضارب التسريبات حول حياته.