معارك كر وفر في جبهات البيضاء تضاعف خسائر الحوثيين

مصادر حكومية: تحرير المحافظة سيقلب المعادلة ويقرّب إنهاء الانقلاب

مقاتلون من الجيش اليمني في إحدى جبهات مأرب (سبأ)
مقاتلون من الجيش اليمني في إحدى جبهات مأرب (سبأ)
TT

معارك كر وفر في جبهات البيضاء تضاعف خسائر الحوثيين

مقاتلون من الجيش اليمني في إحدى جبهات مأرب (سبأ)
مقاتلون من الجيش اليمني في إحدى جبهات مأرب (سبأ)

على الرغم من الحشود الكبيرة التي دفعت بها الميليشيات الحوثية من قوات النخبة التابعة لها (كتائب الحسين) خلال أسبوع للرد على العمليات التي أطلقتها المقاومة القبلية ووحدات الجيش اليمني في مديريات الزاهر والصومعة بمحافظة البيضاء، فإنها فشلت في حسم المواجهات التي تحولت في اليومين الأخيرين إلى معارك كر وفر كبدت الجماعة أكثر من 200 قتيل على الأقل، وفق تقديرات مصادر في الإعلام العسكري التابع للشرعية.
وفي حين أفادت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» بأن معركة تحرير البيضاء من قبضة الميليشيات الحوثية ستستمر، لما يمثله تحرير هذه المحافظة الاستراتيجية من نقطة تحول في مسار مواجهة الانقلاب الحوثي، تراهن الميليشيات الحوثية على حشد مزيد من العتاد والآليات والمجندين للزج بهم في المعركة، بالتوازي مع حملات ترهيب لقبائل المحافظة وقطع للاتصالات وبث للإشاعات.
وكانت قوات المقاومة الشعبية المتمثلة في قبائل آل حميقان ومن معها من قبائل يافع المجاورة، إضافة إلى وحدات من قوات ألوية العمالقة (حكومية)، أطلقت قبل نحو أسبوع، معركة سمّتها «النجم الثاقب» وتمكنت في غضون ساعات بإسناد جوي من طيران تحالف دعم الشرعية من انتزاع مركز مديرية الزاهر غرب مدينة البيضاء (مركز المحافظة)، إلى جانب استعادة مناطق واسعة في مديرية الصومعة، وصولاً إلى وضع المدينة بين فكي كماشة من جهتي الشرق والغرب، قبل أن تدفع الميليشيات الحوثية بنحو 3 آلاف عنصر على الأقل رفقة عتاد عسكري ثقيل وطائرات مسيرة لاستعادة ما خسرته.
استراتيجية الحوثيين
ومع الانتقادات التي سادت في أوساط معسكر الموالين للحكومة الشرعية لجهة التباطؤ في إسناد المقاومة القبلية والوحدات العسكرية، لجأت الميليشيات الحوثية إلى تبني خطابها المألوف للتغطية على خسارتها السريعة، إذ عد قادتها هذه العمليات العسكرية المباغتة رسالة أميركية، مع زعمهم أن هذه القوات هي لمقاتلين من «القاعدة» و«داعش»، في محاولة منهم لاستدرار عطف الأميركيين أنفسهم والمجتمع الغربي، وهذا ما كان واضحاً على الأقل في التغريدات التي دونها المتحدث باسم الجماعة محمد عبد السلام فليتة.
وإلى جانب هذا الخطاب الحوثي، لجأت الميليشيات إلى التعزيز بكتائبها الخاصة التي تطلق عليها «كتائب الحسين»، وهي من الوحدات العقائدية الأكثر تدريباً وتسليحاً، في محاولة لتحاشي هزيمة قاسية كان يمكن أن تنجم عن سقوط مدينة البيضاء في يد المقاومة القبلية، وهو ما سيعني انهياراً مدوياً بالنسبة لها، ربما لن يتوقف إلا على حدود محافظة ذمار المجاورة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن زعيم الميليشيات عبد الملك الحوثي حرص بشكل شخصي على متابعة حشد القوات إلى جانب تكليفه كبار قادته من صعدة للضغط على شيوخ القبائل في محافظة البيضاء، لتحذيرهم من مغبة مساندة المقاومة والقوات الموالية للشرعية مع وعود لهم بتقديم أموال وأسلحة، إذ أفادت المصادر بأن أغلب الأموال التي كانت في البنوك الحكومية في مدينة البيضاء قامت الجماعة بنهبها وتوزيعها على الموالين لها للمشاركة في التصدي لهجوم الشرعية.
الجماعة الانقلابية أيضاً استثمرت سيطرتها على قطاع الاتصالات، حيث قامت بقطعها عن مناطق واسعة في البيضاء لإرباك الموالين لقوات القبائل وألوية العمالقة، ومن ثم التحكم بالإشاعات حول طبيعة المعارك والمواجهات، وهو أسلوب دائماً ما تلجأ له الجماعة في معاركها، كما حدث من قبل عندما قمعت انتفاضة قبائل آل عواض في البيضاء نفسها، أو عند وأد انتفاضة قبائل حجور في محافظة حجة.
الموقف الحكومي
مع اشتداد المعارك التي تحاول الميليشيات الحوثية أن تكسبها بعيداً عن حجم الخسائر التي تتعرض لها جراء ضربات المقاومة ووحدات قوات العمالقة وبسبب ضربات طيران تحالف دعم الشرعية، أكدت الحكومة اليمنية أنها مستمرة في دعم هذه العمليات لتحرير البيضاء، ورأت في التقدم السريع للمقاومة دلالة على هشاشة الميليشيات الانقلابية.
إلا أن منتقدي الشرعية يقولون إن غياب التنسيق كان واضحاً، حيث كان من المفترض أن يتم إسناد هذه القوات بتعزيزات إضافية، إلى جانب إطلاق المعارك في كل الجبهات، وبخاصة في جبهات مديرية ناطع حيث ترابط قوات محور بيحان، وفي مديرية لودر حيث يرابط كثير من الألوية الحكومية، وذلك لتشتيت القوات الحوثية وإرباكها.
من جهته، قال رئيس الأركان في الجيش اليمني الفريق صغير بن عزيز في وقت سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن انتصارات قوات العمالقة ورجال المقاومة «هي انتصارات لها دلالاتها السياسية والعسكرية بعد أن حاولت الميليشيات أن تلعب دور المتحكم بسير المعركة ورفضها المستمر لكل دعوات السلام وارتكاب مزيد من الجرائم بحق المواطنين الأبرياء».
وأضاف: «الجهود مستمرة في رفع وتعزيز جاهزية جميع الوحدات العسكرية في جميع الجبهات، وستكون المرحلة المقبلة حافلة بكثير من الانتصارات».
وفي حين لم يقدم بن عزيز أي توضيحات بخصوص ما يحمله الجيش في جعبته من مفاجآت ميدانية، شدد على توحيد الجهود بين مختلف الوحدات المقاومة للحوثيين، وقال: «من شروط انتصارنا في معركتنا ضد ميليشيات إيران الإرهابية وحدة الصف وتوحيد مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية، وجميعنا في خندق واحد والهدف واحد، واليمنيون يعرفون أن الحوثي استخدم ويستخدم سلاح تمزيق النسيج المجتمعي وسياسة (فرق تسد) بين مكونات الدولة».
وأضاف: «العمليات العسكرية في البيضاء دليل واضح على التحام كل القوى الوطنية التي تخوض اليوم المعركة جنباً إلى جنب وتلحق بالعدو خسائر كبيرة، واستطاعت في وقت قياسي أن تحرر مديريات بكاملها، بالإضافة إلى كثير من المواقع الاستراتيجية التي يتمركز فيها العدو».
في السياق نفسه، ظهر محافظ البيضاء المعين مع الحكومة الشرعية اللواء الركن ناصر السوادي بعد أيام من المعركة، في جبهة ثرة بين مديرية لودر ومكيراس جنوب البيضاء، مشدداً على «ضرورة رفع اليقظة والجاهزية القتالية وتأمين المناطق التي سيتم تحريرها».
وبينما انتقد مراقبون تأخر ظهور المحافظ الذي يفترض به أن يكون موجوداً مع أول طلقة رصاصة في العملية العسكرية، نقلت المصادر الرسمية عنه أنه «أكد أن عملية التحرير انطلقت، ولن تتوقف إلا بتحرير المحافظة بالكامل من الميليشيات الحوثية»، وأن «تحرير البيضاء أصبح ضرورة حتمية».
البعد الاستراتيجي
وفي الوقت الذي بعثت فيه المعارك في البيضاء الأمل في نفوس المناهضين للانقلاب الحوثي، وذلك بأن يؤدي تحريرها إلى الاستفادة القصوى من أهمية المحافظة الاستراتجية، يرجح المراقبون أن حدوث تحرير المحافظة لن يكون كما قبله، وهي النقطة التي يدركها الحوثيون جيداً، لذلك فهم يستميتون في عدم خسارتها.
هذه الأهمية الاستراتيجية للمحافظة تنبع من كونها تمتلك حدوداً إدارية مع ثماني محافظات، هي: أبين وشبوة ومأرب ولحج وإب وذمار وصنعاء والضالع، حيث يعني تحريرها تأمين محافظات شبوة وأبين ولحج واستكمال تحرير الضالع ومأرب، والإعداد لتحرير ذمار وإب وصولاً إلى صنعاء.
وإلى جانب هذا البعد الاستراتيجي الميداني للمحافظة، فإن سكانها أيضاً لا يشكلون حاضنة فعلية للميليشيات الحوثية، ما عدا بعض المديريات التي تحظى فيها الجماعة بإسناد قائم على الانتماء السلالي لزعيم الجماعة، وذلك يعني أن الكتلة السكانية في أغلبها ستتحول إلى حاضنة شعبية لإسناد القوات الشرعية، ما سيسهل أي تحركات عسكرية باتجاه ذمار المجاورة التي تعد واحدة من المناطق التي يعتمد عليها الحوثيون في استقطاب المجندين الجدد.

آخر التطورات
وفيما يتعلق بآخر التطورات الميدانية، تشير المعلومات الواردة إلى وجود معارك كر وفر تواصلت أمس (السبت)، خصوصاً في مديريتي الزاهر والصومعة، إذ انسحبت قوات المقاومة القبلية والوحدات العسكرية من مركز مديرية الزاهر، لتخوض مواجهات على أطرافها الغربية، كما تواصلت المعارك في الأطراف الغربية من مديرية الصومعة التي باتت معظم نواحيها محررة.
في السياق نفسه، أكد المتحدث باسم مقاومة آل حميقان عامر الحميقاني في تغريدات على «تويتر» مقتل القيادي الحوثي أبو يحيى الحنمي، وهو قائد الحمله الحوثية وقائد التدخل السريع للجماعة مع العشرات من أتباعه. وأكد الحميقاني أن عناصر المقاومة في مواقعهم وأن المعارك على أشدها، حيث تمت استعادة عدة مواقع، ومنها منطقة لجردي التي كان الحوثيون سيطروا عليها ليل الجمعة.
وأضاف أن عناصر المقاومة «سطروا على مدى يومين وبكل شجاعة وبالإمكانات المحدودة أروع الملاحم البطولية ووقفوا بوجه ترسانة من الأسلحة، بينها دبابات وعربات وقوة بشرية تعد بأكثر من 1500 عنصر حوثي». وأشار متحدث المقاومة القبلية إلى أن عشرات الحوثيين قتلوا مع احتراق عرباتهم ومدرعاتهم مع استعادة بعض المواقع، وأن المعارك يسودها الكر والفر في مناطق «وادي ذي مريب وبطن امضي وقرض»، حيث يحاول الحوثي الاستيلاء على ما تم تحريره.
وأكد الحميقاني أن الميليشيات الحوثية هاجمت بعدة أنساق جبهة الحازمية الواقعة غرب مديرية الصومعة، غير أن قوات المقاومة تصدت لهذه الهجمات.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
TT

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)

مثلما كانت أسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وسائر مدن ومناطق سيطرة الحوثيين، شبه خالية من المتسوقين خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ظلت الحدائق والمتنزهات العامة والخاصة، على قلتها، خفيفة الزحام خلال أيام عيد الفطر، بعد أن عجز معظم السكان عن شراء الملابس ومستلزمات العيد، وقضوا أيام العيد في منازلهم.

ولاقى إعلان الجماعة الحوثية جاهزية 66 حديقة في صنعاء لاستقبال المتنزهين خلال عيد الفطر، تهكماً واستنكاراً واسعَين، فإلى جانب المبالغة في عدد الحدائق، كشف العديد من السكان عن عدم مقدرتهم على دخولها؛ بسبب الرسوم الكبيرة، بينما تعاني غالبيتها من الإهمال ورداءة الخدمات.

واستغرب سكان تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» من مزاعم الجماعة حول عدد الحدائق رغم أن صنعاء لم تشهد نشوء أي حديقة فيها خلال سنوات سيطرة الجماعة الحوثية، مشيرين إلى أن الجماعة تسمي المجسمات والمساحات التي تستحدثها للدعاية لمشروعها «حدائق عامة» أو «متنزهات».

وتمَّ استحداث غالبية هذه المجسمات والمساحات في الشوارع العامة وتقاطعاتها، ولا توجد مساحات في محيطها للتنزه، كما لا يمكن إنشاء مرافق ترفيهية أو خدمية تابعة لها.

الجماعة الحوثية صنَّفت المجسمات التي تمثل مشروعها ضمن الحدائق ومتنزهات الترفيه (إعلام حوثي)

ولا يوجد في صنعاء سوى 9 حدائق عامة فقط، منها 3 حدائق كبيرة، واحدة منها حديقة حيوانات في جنوب المدينة، بينما تقع الثانية في وسطها وتسمى «حديقة السبعين»، غير أنه جرى خصخصة مرافقها الترفيهية منذ سنوات، ولم يعد الدخول إليها متاحاً لذوي الدخل المحدود، ويقول السكان إن أسعارها باتت مرتفعة جداً.

وتقع الحديقة الثالثة في شمال المدينة، وتسمى «حديقة الثورة»، ورغم مساحتها الكبيرة، فإن شكاوى كثيرة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة من أن الإهمال الذي طالها وتسبب في تردي خدماتها واندثار الأشجار والنباتات وخلوها من المساحات الخضراء، في حين يفرض الحوثيون رسوماً كبيرة على الدخول إليها والاستمتاع بمنشآتها، دون إجراء أي أعمال صيانة وتنظيف لها.

مصادرة الترفيه

أنشأت الحكومات اليمنية السابقة 6 حدائق أخرى صغيرة المساحة في صنعاء، إلا أنها تعرَّضت للإهمال تحت سيطرة الحوثيين، وتكاد تخلو حالياً من المرافق الترفيهية، وتعرَّضت مثل غيرها للإهمال وفرض رسوم كبيرة على خدماتها؛ ما تسبب في عزوف السكان عن الدخول إليها.

شارع الرياض حيث أشهر سوق شعبية في صنعاء يبدو خالياً من المتسوقين (فيسبوك)

وبحسب المصادر، شهدت السنوات الأخيرة نشوء مناطق ألعاب للأطفال ومتنزهات صغيرة المساحة، وغالبيتها استثمارات خاصة، إلا أن أسعار دخولها ليست في متناول جميع سكان صنعاء، خصوصاً بعد سنوات طويلة من انقطاع الرواتب وتردي المعيشة وانتشار البطالة.

ويلجأ ملاك هذه المساحات والمتنزهات إلى رفع أسعار خدماتها؛ بسبب الجبايات التي تفرضها الجماعة الحوثية، أو يضطرون لإغلاقها؛ نتيجة قلة الإقبال عليها.

وطبقاً للمصادر، تزيد الجماعة الحوثية من فرض جباياتها على هذه المنشآت خلال أيام الأعياد والإجازات والإجازة الدراسية، بحجة زيادة مداخيلها خلال هذه الفترات.

واشتكى تجار في العاصمة المختطفة من تراجع حركة البيع خلال رمضان، ورغم أنهم علقوا آمالهم على الأيام الأخيرة من هذا الشهر، فإن العيد وصل ولم تشهد محلاتهم سوى إقبال متدنٍ على الشراء، في حين بدت الشوارع والأسواق في تلك الأيام شبه خالية كأنها في أيام العيد.

«حديقة الثورة» في صنعاء تعاني من الإهمال وانعدام الصيانة (فيسبوك)

يقول غازي، وهو طالب جامعي عمل سابقاً بائعاً متجولاً، إنه شعر بالاكتئاب عند زيارته شارع الرياض، غرب صنعاء، قبيل عيد الفطر بأيام، إذ كانت غالبية المحلات التجارية مقفلة، والمطاعم والمقاهي خالية، والحركة هادئة، وهو ما لم يكن يحدث سابقاً إلا في أيام العيد فقط.

أسواق تندثر

أجبر الحوثيون الباعة المتجولين على مغادرة الأسواق الرئيسية، ومنها أسواق شارع الرياض، بعد أن فرضوا عليهم جبايات باهظة، دون منحهم مساحات بديلة لمزاولة أنشطتهم، وفرضوا جبايات أكثر تكلفة على ملاك المحلات.

يتذكر غازي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه عُرض عليه، عندما كان بائعاً متجولاً، قبل سنوات طويلة، التنازل عن المساحة التي كان يستخدمها لبيع بضاعته على رصيف الشارع، مقابل مبلغ كبير يوازي 3 آلاف دولار حينها، أما الآن فالتجار يغلقون محلاتهم في الشارع نهائياً.

ويشتهر شارع الرياض ومحيطه، بكونه إحدى أكبر الأسواق الشعبية في صنعاء وأكثرها ازدحاماً؛ نظراً لانتشار البضائع الرخيصة ذات الجودة المقبولة فيه.

سوق شعبية للملابس في صنعاء التي يعاني سكانها من انفجار أسعار كبير (الشرق الأوسط)

واضطر أحد تجار الملابس، إلى إغلاق محله في وسط العاصمة صنعاء، مكتفياً بالبيع عبر الإنترنت لتصريف ما أمكنه من ملابس استوردها من الهند والصين، وفشل في بيعها بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويبيِّن التاجر، الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته، أن إغلاق محلاته جاء بعد أن وجد نفسه لا يحقق أرباحاً، فأقدم على ذلك للتخفف من دفع الإيجار ورواتب العمال لديه.

ويضطر كثير من الميسورين إلى إخفاء مظاهر فرحتهم بالعيد مراعاة لمشاعر غالبية السكان، أو تجنباً لتشبيههم بالمنتمين للجماعة الحوثية التي استحوذت على الثروات والأموال لصالح قادتها وأفرادها بالفساد والنهب والجبايات، والذين لا يترددون في التباهي بثرائهم.

ويبيِّن مهيب علوان، وهو معلم كيمياء يعمل في مدرسة أهلية ويقدِّم دروساً خصوصية، أنه إذا استطاع شراء ملابس وألعاب لأطفاله، فإنه يعاني كثيراً لإقناعهم بعدم الخروج بها أمام جيرانهم ومعارفهم حرصاً على مشاعر أطفالهم الذين لم يرتدوا ملابس جديدة منذ فترة طويلة.


تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ظل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى مع ذراعيها اللبناني والعراقي، يواصل الحوثيون في اليمن تصعيدهم الكلامي، مؤكدين أنهم «لن يقفوا مكتوفي الأيدي»، لكن من دون الانتقال حتى الآن إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر إلى جانب طهران.

وحتى 22 مارس (آذار) الحالي، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع منذ بداية الحرب، اكتفت الجماعة، التي ينظر إليها على أنها صنيعة إيرانية، بإصدار بيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التأكيد على «الجاهزية» لأي تطورات، في وقت تتقاطع فيه هذه المواقف مع تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق التوتر إلى ممرات بحرية استراتيجية، من بينها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

أحدث هذه المواقف الحوثية جاء في بيان منسوب لوزارة خارجيتهم في حكومتهم الانقلابية، حيث عبرت الجماعة عن رفضها لأي تحركات دولية مرتبطة بمضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة «تدفع المنطقة نحو مأزق استراتيجي» عبر سياساتها.

وحذّر البيان الحوثي من انخراط دول إقليمية في أي تصعيد، منتقداً ما وصفه بـ«الارتهان» للسياسات الأميركية، مع الزعم بأن أي تدخل خارجي سيؤدي إلى تداعيات سلبية واسعة على المنطقة.

الحوثيون رفعوا في شوارع صنعاء صوراً ضخمة لخامنئي بعد مقتله (إ.ب.أ)

وفي حين ركز البيان على المخاطر المحتملة لتوسيع رقعة المواجهة، لافتاً إلى أن ذلك قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة، هددت الجماعة الحوثية بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، في إشارة إلى إمكانية انخراطها في الحرب.

هذا الموقف يتقاطع مع تصريحات إيرانية حديثة، حيث لوّحت طهران باستخدام الورقة الحوثية لزعزعة أمن البحر الأحمر وباب المندب في حال تعرضت جزيرة خارك لأي هجوم أميركي، وهددت بأن ذلك يدخل ضمن ما سمته «خيارات محور المقاومة».

تأجيل الانخراط

كان زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي حافظ من بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، على نهج يجمع بين إعلان الدعم السياسي والآيديولوجي لإيران، وتجنب إعلان تدخل عسكري مباشر.

وأكد الحوثي وقوف جماعته إلى جانب طهران، واصفاً الصراع بأنه «حرب على الإسلام»، مع التشديد على الاستعداد لكافة السيناريوهات، ودعوة جماعته للتظاهر في سياق التأييد لطهران.

وفي حين لم يقدم الحوثيون حتى الآن على أي خطوات ميدانية مرتبطة مباشرة بالحرب على إيران، يعكس هذا التردد، وفق تقديرات باحثين تحدثوا سابقاً لـ«الشرق الأوسط»، جملة من الحسابات المعقدة، في مقدمها الخشية من استدراج ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية واسعة، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية لممرات البحر الأحمر وباب المندب للتجارة العالمية.

كما أن الجماعة، التي خاضت خلال العامين الماضيين تصعيداً واسعاً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن وكذلك عبر مهاجمة إسرائيل، قد تفضل الاحتفاظ بورقة التصعيد كورقة ضغط مؤجلة، بدلاً من استنزافها في توقيت غير محسوب.

ويمنح هذا النهج الحوثيين هامشاً أكبر للمناورة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، داخل ما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.

المواجهة السابقة

يأتي هذا الموقف في سياق تصعيدي بدأ منذ أواخر عام 2023، عندما شرع الحوثيون في تنفيذ هجمات على سفن في البحر الأحمر، تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة. وخلال نحو عامين، تبنت الجماعة مئات الهجمات باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة، ما أدى إلى إغراق سفن وإلحاق أضرار بعشرات أخرى.

جانب من مقبرة أنشأها الحوثيون في صنعاء لقتلاهم (إ.ب.أ)

وقد أسفرت هذه العمليات عن تداعيات أمنية واقتصادية واسعة، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ حملة عسكرية ضد مواقع الحوثيين، شملت مئات الضربات الجوية والبحرية، قبل أن تتوقف لاحقاً بوساطة إقليمية.

كما نفذت إسرائيل -رداّ على الهجمات- ضربات استهدفت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، بينها موانٍ ومحطات كهرباء ومصانع أسمنت، فضلاً عن مطار صنعاء، كما استهدفت كبار قادة الجماعة وقتلت رئيس أركانها ورئيس حكومتها مع تسعة من وزرائه.


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

مع دخول الحرب على إيران مرحلة جديدة، بإعلان 22 دولة استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة جديدة لقوات «درع الوطن»، وأشاد بجاهزية القوات المسلحة في مختلف المناطق، في وقت كثّفت فيه القيادات العسكرية لقاءاتها وزياراتها الميدانية للقوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين.

جاء ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة الحوثية، المختطِفة للعاصمة اليمنية صنعاء، حشد مقاتليها إلى خطوط المواجهة مع القوات الحكومية، وبالذات في جنوب محافظتي مأرب والحديدة، مع نقل منصات إطلاق الصواريخ إلى محافظات الجوف وصعدة والحديدة وحجة، في تحركات يُعتقد أنها تأتي استعداداً للانخراط في القتال إلى جانب إيران واستهداف حركة الملاحة في مضيق باب المندب.

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً بتعيين العميد بسام محضار قائداً لقوات «درع الوطن»، وترقيته إلى رتبة لواء. كما عيّن العميد عبد الرحمن اللحجي رئيساً لأركان هذه القوات، إضافة إلى عمله قائداً للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.

إشادة رئاسية بأداء الجيش اليمني في إفشال مخططات الحوثيين (إعلام حكومي)

جاءت هذه التعيينات متزامنة مع إشادة العليمي بجاهزية وحدات الجيش في مختلف الجبهات وتضحياتها، خلال اتصالين أجراهما مع وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث أشاد بما وصفه بـ«الصمود البطولي والملاحم الوطنية» التي يسطرها منتسبو هذه القوات في مواجهة الحوثيين، مؤكداً أن تضحياتهم تمثل حجر الأساس في ردع المشروع «التخريبي الإيراني» وإفشال مخططاته التوسعية.

واستمع العليمي، طبقاً للمصادر الرسمية، إلى مستجدات الأوضاع الميدانية ووضع المقاتلين في مختلف مسارح العمليات، مثنياً على ما يتحلون به من يقظة عالية وانضباط وروح وطنية مسؤولة في أداء واجبهم. كما أشاد بدور السعودية ودعمها المستمر للشعب اليمني وقيادته الشرعية ومؤسساته الوطنية، بما يعزز تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والسلام.

تحركات في الساحل الغربي

في سياق هذه التحركات، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح لقاءً لقيادة وضباط من مختلف المستويات في محوري الحديدة والبرح القتاليين في الساحل الغربي، كُرّس لمناقشة مستوى الجاهزية الميدانية وتقييم سير الأداء في مناطق الانتشار، بما يعزز كفاءة الوحدات ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات.

وبعد يوم من تصدي القوات الحكومية لهجوم نفذه الحوثيون في جبهة جنوب الحديدة، أكد صالح أهمية الحفاظ على الانضباط العسكري، ومواصلة برامج التأهيل والتدريب، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يسهم في تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية.

ونبّه عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى ضرورة مضاعفة الجهود خلال هذه الفترة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتعزيز الحضور الميداني بما يضمن حماية المواطنين والتصدي للممارسات «الإرهابية» التي تقوم بها الجماعة الحوثية.

تنسيق في حضرموت ومأرب

في الاتجاه نفسه، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مع قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» اللواء فهد بامؤمن مستجدات الأوضاع العسكرية والأمنية في وادي وصحراء حضرموت.

واستعرض المحرّمي، وفق المصادر الرسمية، جملة من التطورات الميدانية والجهود المبذولة لرفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تثبيت الأمن والاستقرار والتعامل مع التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة التهريب والتصدي للشبكات التي تعبث بأمن الوادي والصحراء.

تعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت (إعلام حكومي)

وأكد عضو مجلس الحكم اليمني أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء العسكري والأمني لحماية الأرض والإنسان في وادي وصحراء حضرموت، وصون أمن واستقرار المحافظة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين مختلف القوات، بما يضمن مواجهة أي تهديدات أو اختراقات.

بدوره، زار رئيس لجنة الحصر في المنطقة العسكرية الثانية بساحل حضرموت، العميد أحمد البيتي، لواء النخبة الحضرمي؛ بهدف تقييم الجاهزية وتعزيز الحضور القيادي في الوحدات العسكرية، والاطلاع على مستوى التأهب العملياتي والانضباط العسكري وجاهزية الأفراد لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وأشاد المسؤول العسكري بما لمسه من كفاءة عالية وروح قتالية وانضباط يعكس مستوى التدريب والالتزام، كما استمع إلى عرض حول سير الأداء الميداني وأبرز التحديات، موجهاً بضرورة رفع وتيرة الجاهزية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وفي المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، اطّلع قائد المنطقة اللواء الركن منصور ثوابه على أوضاع القوات في الجبهات الجنوبية للمحافظة، وتنقّل بين عدد من المواقع في خطوط التماس مع الحوثيين، مشيداً بصمودهم وتضحياتهم، ومؤكداً ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية واليقظة القتالية، والاستمرار في تنفيذ المهام بكفاءة واقتدار.

من جهتها، أكدت المنطقة العسكرية الخامسة المرابطة في محافظة حجة، شمال غربي اليمن، جاهزية المحاور كافة لخوض المعركة الوطنية ضد الحوثيين إلى جانب مختلف تشكيلات القوات المسلحة في عموم اليمن، واستعادة الدولة.