الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان

الرئيس العراقي دعا نظيره السوري في رسائل سرية بينهما تنشرها «الشرق الأوسط» إلى تجاوز «ثقل الماضي»

الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
TT

الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان

الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)

تناولت حلقة أمس من الرسائل بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد بداية التواصل بينهما، بعد سنوات من الشكوك والخيبات والمؤامرات بين دمشق وبغداد. وتتناول حلقة اليوم بدء الأسد بإرسال «تحياته إلى أبي عدي» وخوض الجانبين في استئناف العلاقات وإعادة تشغيل أنبوب النفط بين البلدين، وجعل سوريا بوابة لتنفيذ اتفاق «النفط مقابل الغذاء» مع الأمم المتحدة بدلاً من الأردن، في منتصف عقد التسعينات.
«الشرق الأوسط» تكشف عن أبعاد جديدة في هذه الرسائل بعد حصولها على وثائق ومحاضر اجتماعات نقلها خدام معه إلى باريس عام 2005، وإجرائها مقابلات هاتفية ونصية مع القيسي للتحقق منها، إذ إن الرئيس العراقي عرض قمة عاجلة على الحدود في 1996 وتقديم الدعم لنظيره السوري في الحرب ضد إسرائيل في لبنان. ويقول القيسي إن صدام اتصل به في ربيع 1996 «في أثناء العدوان على لبنان، وأبلغني أن أبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم (العراقيون) يريدون إشارة في هذا المجال». كما اتصل به «قبل عطلة العيد، لمحاولة ترتيب اجتماع قمة (سرية)، يضم الرئيسين، خلال عطلة العيد». ويضيف: «إن العراقيين اعتقدوا أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع سوريا خلال أسبوع العيد، وكانوا جميعاً فرحين بهذه الأخبار، لمحبتهم لسوريا، وشعورهم بأن الاتفاق السوري - العراقي هو المخلّص لهم من الشقاء».
وفي ذلك العام من عقد التسعينات، تصاعد قلق صدام من سياسات العاهل الأردني الملك حسين، إذ كتب للأسد مرة جديدة في مارس (آذار) 1996: «التصريحات الأخيرة للملك حسين التي سبقت زيارته لواشنطن تؤكد المعلومات المتوافرة لدينا من أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة، ومن ورائها العدو الصهيوني، وإبرام اتفاق عسكري يقود إلى تشكيل حلف إقليمي جديد في المنطقة، تكون إسرائيل وتركيا العمود الفقري له، وهو بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا». وينقل مبعوث عربي قام بنقل «الرسائل» أن في بغداد «قناعة بأن (صهر صدام) حسين كامل عاد إلى بغداد ضمن خطة للملك حسين، لذلك تمت تصفيته».
وإذ كشف مانع رشيد، رئيس جهاز الأمن الخاص بصدام، عن اجتماعات أمنية سورية – عراقية سرّية وقتذاك، قال إن «الأردن وتركيا يريدان وضع سوريا والعراق بين فكي كماشة». وأكد نائب رئيس الوزراء العراقي، طارق عزيز، أن قيام تعاون بين البلدين «سيؤدي إلى تحسين مناخ العمل في المنطقة، ويُفشل التآمر الحالي، والتحالف التركي - الإسرائيلي والأردني - التركي».
وحرص صدام على إبلاغ الأسد بأنه «استغرب» اتهامات وزير الدفاع الراحل العماد مصطفى طلاس له باغتيال الرئيس الجزائري هواري بومدين، وأنه أصدر «توجيهاً» بعدم الرد «حرصاً على العلاقات مع سوريا»، حسب محاضر وأوراق خدام وحديث القيسي.
في 1 مارس 1996 استقبلتُ القيسي، وأبلغني الرسالة التالية: «تحيات الرئيس صدام لأخيه الرئيس حافظ ولكم. يعبر عن ارتياحه لما ورد في جواب الرئيس حافظ وما تضمنه من تطابق في وجهات النظر، سواء في السعي لفتح صفحة جديدة في الحياة العربية، بدءاً باستئناف العلاقات الأخوية، أو في تشخيص طبيعة المخطط الأميركي - الصهيوني الذي أصبح الأردن جزءاً منه. ويؤكد أن الأوضاع العربية الراهنة والتدهور الحاصل في مواقف بعض الدول العربية، والتي تشكل تفريطاً خطيراً بالمصالح العربية والأمن القومي العربي، تستدعي بذل جهد حقيقي من جانب العراق وسوريا للتعامل مع الأخطار الناجمة عن هذه الأوضاع، وذلك بالتصدّي لقضايانا وأزماتنا بنيّة صادقة وعقل مفتوح، مع الأخذ في الاعتبار عامل الزمن، أي لا بد من التحرك بشكل سريع لاحتواء كافة السلبيات والعقبات، بحيث لا يجعلنا ندور حولها أو نعلقها بدلاً من أن نبادر بوضعها على سكة الحل».
ويضيف المحضر أن «التصريحات الأخيرة للملك حسين التي سبقت زيارته لواشنطن تؤكد المعلومات المتوافرة لدينا من أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة، ومن ورائها العدو الصهيوني، لإبرام اتفاق عسكري يقود إلى تشكيل حلف إقليمي جديد في المنطقة، تكون إسرائيل وتركيا العمود الفقري له، وهو بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا. وعليه، فإننا نؤكد ما جاء باقتراحاتنا السابقة من أجل اتخاذ الخطوات العملية بين البلدين:
1- العراق سوف يعلن من جانبه استئناف العلاقات الدبلوماسية، ثم يأتي ترحيب سوريا بهذه المبادرة.
2- عقد مباحثات أمنية على مستوى رئيسَي الجهاز الأمني في كلا البلدين.
3- أصبح فتح الحدود بالنسبة للعراق أمراً مهماً ضمن ضوابط يتفق عليها الطرفان للمسؤولين والتجارة والنفط.
4- العراق سيتبنى بمباحثاته مع الأمم المتحدة اتخاذ سوريا منفذاً لتصدير نفطه في حالة الاتفاق معها، لتطبيق مبدأ النفط مقابل الغذاء والدواء».
وبعد أن أملى عليَّ السفير العراقي هذه النقاط، أجبته بما يلي: «الواقع أن ثمة ظروفاً أخّرت تحركنا... وحريصون على تحقيق اتصالات عربية حتى لا يزداد الوضع تعقيداً. ونرى أن الملك حسين جاد بتحركه، لذلك نحاول ألاّ يكون له غطاء عراقي، ولذلك نتصل بجميع العراقيين في الخارج الذين لنا معهم اتصالات أو يمكن التأثير عليهم، حتى لا يشكّلوا ورقة التوت».
وقد حرصت على إبلاغه موضوع الاتصال بالمعارضة العراقية، لاتفاقنا مع إيران على عقد مؤتمر للمعارضة العراقية، وذلك حرصاً على عدم تفسير تحركنا مع بغداد على أنها مناورة. وخلال الحديث مع السفير العراقي، فهمت منه أن خطة التحرُّك المضاد لهم، هي إما في الموصل وإما في البصرة وإما في كركوك، وأنهم اتخذوا جميع الإجراءات لسحق التحرك. وإذا كان (التحرك) خارجياً فسيجري استخدام أسلحة استراتيجية، وأنهم أعادوا تنشيط خلايا الإعدام لتطال أي متآمر، ولديهم قوة طوارئ كبيرة ومجهّزة، بالإضافة إلى الحرس الجمهوري. و«في رأيهم أن حسين كامل عاد إلى بغداد ضمن خطة الملك حسين، لذلك تمت تصفيته وصادروا جميع الأراضي والممتلكات التي كانت عائلته وضعت يدها عليها».

في نهاية اللقاء أبلغته أني سأعرض الرسالة على الرئيس حافظ. وفي الثالث من مارس 1996 استقبلتُ القيسي وأبلغته ما يلي: «تحيات الرئيس حافظ مع تحياتي للرئيس أبي عدي. لم تتح لنا فرصة إجراء الاتصالات للأسباب التي أشرت إليها في لقائنا أول من أمس: زيارة الملك حسين لدول عربية، وزيارة أمير الكويت إلى واشنطن، وزيارة نائب الرئيس الإيراني إلى دمشق، وزيارة رئيس السودان، ثم كان هناك مجيء العيد، ونُجري الاتصالات لتحديد مواعيد الزيارات لعدد من الدول العربية المعنية.
نعتقد أن الاتصالات واللقاءات المباشرة من شأنها أن تخلق فرص تحسين العلاقات العربية وتسهيل تحقيق تصوراتنا، سواءً فيما يتعلق بالوضع العربي العام أو بمواجهة المخطط الأميركي - الإسرائيلي... ونعتقد أن هذا الطريق هو الأقل ضرراً، لأننا لو فاجأناهم بأي خطوة مباشرة، بالإضافة إلى أنها ستؤدي إلى تعقيد الوضع، وسنجري اتصالاً معك لتحديد موعد اللقاء».
وقدم يحيى بكور، المدير العام لـ«المنظمة العربية للتنمية الزراعية»، لخدام تقريراً عن زيارته لبغداد بين 31 مايو (أيار) و4 يونيو (حزيران) 1996. وحسب المحضر، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فإن القيسي زار بكور في غرفته، وطرح «الأهمية التي يعلّقها العراق في هذه المرحلة على إعادة العلاقات مع سوريا، كردٍّ على الهجمة التي ترتبها أميركا وإسرائيل بالتعاون مع الأردن وتركيا، ضد كل من العراق وسوريا معاً».
هنا، يروي القيسي أن الرئيس صدام اتصل به إلى قطر «أثناء العدوان على لبنان، وأبلغه أن يبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم يريدون إشارة في هذا المجال. أيضاً اتصل به الرئيس صدام حسين إلى قطر قبل عطلة العيد، لمحاولة ترتيب اجتماع مع الرئيس حافظ، يضم الرئيسين، خلال عطلة العيد، وإن الرئيس صدام كان يأمل لو سمحت الظروف لعقد الاجتماع نظراً لأهميته في هذه المرحلة»، وأن صدام، حسب القيسي، كان «يثق بأن مجرد عقد الاجتماع سيؤدي إلى حل جميع القضايا العالقة، وأن العراقيين يعتقدون أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع سوريا في أسبوع العيد، وكانوا جميعاً فرحين بهذه الأخبار، لمحبتهم لسوريا، وشعورهم بأن الاتفاق السوري - العراقي هو المخلّص لهم من الشقاء».
القيادة العراقية أبلغت دمشق وقتذاك، حسب صبري، أنها «أخذت علماً» من الرئيس صدام بالاتصالات التي تمت والرسائل المتبادلة، والمبادرة التي تقدم بها العراق والرد الإيجابي من الرئيس حافظ، وموافقة سوريا على مرور النفط العراقي عبر سوريا، وقد كان «الارتياح كبيراً من جميع المخلصين»، والعراق يريد أن تتم خطوة مع سوريا لكي يخفض مستوى علاقاته مع الأردن، خصوصاً التجارية، وإنه يثق بأن ذلك سيكون في مصلحة البلدين السوري والعراقي.
ويقول القيسي إن صدام اتصل به في قطر لكي يستقصي ما يحاك وأسباب زيارة رئيس الأركان الأميركي للمنطقة. وأنه اطّلع على «رسالة واردة إليه بتوقيع الرئيس بيل كلينتون يقترح فيها عليه الموافقة على تشكيل مجلس أمن شرق أوسطي، يشمل تركيا والأردن وإسرائيل وقطر ومصر ودولاً أخرى، مهمته مكافحة الإرهاب وترتيب أمور المنطقة ومعاقبة الدول التي تدعم الإرهاب».
وحسب تقرير بكور، «في اليوم الثاني (السبت) تضمن البرنامج عقد اجتماعات مع السيد وزير الزراعة، وأعلمني وكيل الوزارة أن الأستاذ طارق عزيز بانتظاري. وعُقد الاجتماع في مكتبه بحضور السيد أنور صبري عبد الرزاق فقط. وقد بدأ الحديث متذكراً الأيام الحلوة التي قضاها في سوريا، وصلاته الحميمة مع (وزير الإعلام) المرحوم أحمد إسكندر أحمد، وسأل عن أحوالكم وصحتكم وصحة الأستاذ فاروق الشرع، وبيّن حبه لدمشق وأهلها.
وتحدث (عزيز) عن اللقاءين اللذين تمّا بمبادرة من السوفيات في موسكو بينه وبينكم، وبينه وبين الشرع بعد تسليمه منصب وزير الخارجية، وبيّن أن هذه اللقاءات لم تجدِ نفعاً لأنها كانت بدافع من الغير وبناء على ضغوط السوفيات، وأوضح أن المؤامرة كبيرة على المنطقة، وهي متشعبة ولا تستهدف العراق وحده، بل تستهدف سوريا وكذلك إيران، وسوف تستفرد أميركا بالدول العربية كلٍّ على حدة، وكل من يدعم حركات التحرر من الهيمنة. وقال إن الرئيس صدام كان مخلصاً عندما طرح المبادرة للتعاون مع سوريا وإزالة أسباب الفرقة، والعراق يثق بأن ذلك في خدمة سوريا كما هو في خدمة العراق، الذي لا يريد أن تكون نافذته على العالم هي عمان، نظراً لأن الأردن أصبح مركز تجسس عالمياً لجميع وكالات الاستخبارات، وإن الروس نصحوا العراق بألاّ يستعمل طريق الأردن في تحركاته، لذلك فهم يستعملون طريق طهران كلما أمكن ذلك، ويتمنون أن تكون طريق دمشق مفتوحة لهم، لأن ذلك يساعدهم جداً».
وأضاف عزيز، حسب المحضر: «إن العراق حاول مد الجسور مع الإيرانيين وتصفية العلاقات معهم، وساروا خطوات جيدة في مجال فتح الحدود وتطوير العلاقات التجارية القائمة على تبادل السلع الإيرانية بمشتقات نفطية وسلع عراقية، وقد كان ذلك في مصلحة البلدين. وزاد أن المشكلة مع الإيرانيين أن قيادتهم غير موحدة الرأي، وذلك ينعكس على تصرفاتهم وآرائهم في كل اجتماع، وأن القيادة العراقية قابلت بارتياح الردود الإيجابية من القيادة السورية على مبادرة الرئيس صدام لإعادة العلاقات بين القُطرين، وإن العراق ينطلق في ذلك من حرصه على عمل مشترك، ومن الأهمية التي يحتلها القُطران لإعادة التضامن العربي».
وقال عزيز إنه «إذا كان الإخوان في سوريا جاهزين لمرور النفط عن طريق سوريا فإنهم ينتظرون إشارة لإرسال وفد لبحث تشغيل الخط وبيان المتطلبات، ولتقديم طلب بذلك إلى الأمم المتحدة مرفقاً بالاتفاق. وأبلغتُ طارق عزيز بأنه سبق أن أُبلغ الأستاذ أنور صبري بموافقة سوريا على مرور النفط وتشغيل الأنبوب، ولم يتم إعطاء أي معلومات عن الاتفاق بعد ذلك، الأمر الذي خلق انطباعاً بعدم موافقة الأمم المتحدة على مرور النفط عبر سوريا».
ويواصل بكور في تقريره: «يرى عزيز بأن قيام تعاون بين العراق وسوريا سيؤدي إلى تحسين مناخ العمل في المنطقة، ويبعث الأمل في نفوس الجماهير العربية، ويفشل التآمر الحالي الذي يستهدف سوريا والعراق وإيران معاً، خصوصاً بعد التحالف التركي - الإسرائيلي، والأردني - التركي، والذي يريد إحكام الطوق على سوريا والعراق معاً، وقال إن التآمر التركي أصبح مكشوفاً، خصوصاً بعد أن تقدمت تركيا بعرض أن تتولى القيام بالاستكشاف الجوي على شمال العراق بدلاً من القوات الأميركية والبريطانية، وهم (أي العراق) ينظرون إلى ذلك بمنتهى الخطورة، خصوصاً بعد الاتفاق العسكري التركي - الإسرائيلي، وذلك لأن المعلومات المجموعة عن العراق وسوريا ستكون في متناول السلطات الإسرائيلية».
ويضيف تقرير بكور: «في صباح يوم الأحد، أبلغني أنور صبري أن محمد سعيد الصحاف، وزير الخارجية، يريد اللقاء معي أيضاً مساءً، وتم عقد اجتماعات عمل مهنية مع نائب رئيس الجمهورية طه ياسين رمضان. وقال سعيد الصحاف إن الظروف الحالية بالنسبة للعراق هي الآن أفضل مما كانت عليه سابقاً، نظراً لتحسن الوضع الدولي بالنسبة للعراق، وبدأ الأصدقاء القدامى بالاتصال بهم لخطب الود، والظفر بعقود للمرحلة القادمة، وإن العراق كان صادقاً بما عرضه على سوريا عبر رحلات أنور صبري إلى دمشق، وتمنى أن يأتيه الرد الإيجابي، وكان ذلك مقدّراً من الرئيس صدام حسين، الذي تمنى أن تُتخذ خطوات إيجابية لبعث الأمل في النفوس العربية. وقال (الصحاف): نريد أن يثق الإخوة في سوريا بأن العراق صادق في مبادرته، وأن كل ما يؤثر على أمن سوريا يعد طعنة في صميم الأمن العراقي.
لقد كان واضحاً حماس الصحاف لتحسين العلاقات ورغبته في اتخاذ إجراءات في سبيل ذلك، وحرصه على تسهيل الأمور وعدم وضع أي عراقيل. كما أعلمني بأن أنور صبري سيكون جاهزاً للسفر إلى دمشق عند أول إشارة، وسيحمل معه، إذا أردتم، صيغة البيان الذي سيعلنه العراق بعودة العلاقات مع سوريا، لكي يُطلع عليه الأشقاء، ويبيّنوا رأيهم به، وطرح أي تعديلات يرون».
ويواصل بكور في تقريره: «بعد الانتهاء من مقابلة وزير الخارجية، أبلغني أنور صبري أن المستشار الأمني للرئيس صدام يريد لقائي بوصفه مطلعاً على كل الأمور، وهو يرأس جهاز الأمن الخاص بالرئيس، واسمه مانع رشيد (أبو أنس). ويرى (أبو أنس) أن الظروف الحالية مواتية جداً لإعلان عودة العلاقات، وأن المناخ مهيأ لعمل مشترك لوقف تعريض الأمن القومي للخطر الذي يتهدد سوريا والعراق معاً، وبيّن أن الرئيس صدام حسين يقدّر كثيراً موقف الرئيس حافظ الأسد الجاد، وإن الإشارات التي تصل من المعارضة في الخارج تدل على أن الموقف السوري أفشل عمليات التخريب التي ينوي الملك حسين ممارستها في العراق أولاً، وقد تمتد إلى سوريا فيما بعد».
وحسب التقرير ذاته، تم عقد اجتماعات أمنية في نطاق لجان الحدود، ولاحظنا أن موقف مدير فرع المخابرات العسكرية في الحسكة وقتذاك، محمد منصورة، كان جيداً، و«استشعرنا أن لديه توجيهات جديدة تتفق مع الأجواء الجديدة بين البلدين، وجميع تحركات الأردن بين العشائر أو بين الضباط المتقاعدين معروفة لدينا، وهي لن تشكل مشكلة لنا. وإننا نتطلع إلى عقد اجتماعات بين المسؤولين الأمنيين لتبادل المعلومات والرأي حول القضايا الأمنية، وإننا نثق بأن ذلك سيكون في مصلحة القُطرين، وسوف يساعد ذلك على فتح الحدود تدريجياً، وإن الأردن وتركيا يريدان وضع سوريا والعراق بين فكّي كماشة بدعم من إسرائيل، ولا بد من تفويت الفرصة عليهم».
ويضيف التقرير: «عند الساعة العاشرة من صباح الاثنين، في 3 يونيو 1996، أبلغني أنور صبري أن الصحاف سيكون برفقتي للقاء صدام. وبعد الوصول إلى مقر إقامة الرئيس دخلنا مباشرة إلى القاعة الرئيسية، حيث كان يقف الرئيس في ثلثها الأخير، فسلّم ورحّب وجلس متذكراً اللقاء معه ضمن وفود عربية ثلاث مرات سابقة... تحدث الرئيس صدام مقدّماً التحية للرئيس حافظ وخدام، وقال: إننا مطلعون على كل الاتصالات التي تمت سابقاً وعلى تفاصيلها، وهي إيجابية وتؤكد الحرص على مواجهة الظروف الصعبة والتآمر على القُطرين. إن توجيهاتنا بأن تستمر الاجتماعات، وأن تجتمعوا كلما اقتضى الأمر، حتى تنضج العمليات التي يراها الأشقاء في دمشق. نحن نرغب في قيام علاقة بين سوريا والعراق على أسس جديدة تختلف عن العلاقات السابقة، وتقوم على الثقة. هذا النهج الذي نسير عليه مع سوريا نتبعه مع الدول الأخرى أيضاً، وتحكم علاقاتنا مع أي قُطر عربي الإيجابية والأهمية، ولا توجد علاقة تَفوق في الأهمية علاقة العراق مع سوريا».
وتابع صدام: «أوضحنا للإخوان في سوريا أن إمكانية إقامة علاقات جيدة بين الدولتين متوفرة ومرغوبة من العراق، وقدّمنا مبادرة بنقاط محددة، وتلقينا إشارات إيجابية ومشجّعة، وبقي أن نترك الأمر لسوريا وحسب ظروفها وما تراه في هذا الشأن. إن إطّلاع الآخرين على ما سيتم بين سوريا والعراق حالة إيجابية وضرورية، وليست حالة سلبية، وإطلاع إيران عمل إيجابي، رغم كونها دولة أجنبية، وهي تتعرض لضغوط والتنسيق معها مفيد، رغم أن نظرتهم للأمور نظرة قاصرة، لأنهم يريدون تحقيق (كل شيء أو لا شيء)، وحاولنا معهم كثيراً وحققنا بعض النجاح في إقامة علاقات، ولو بسيطة. وقلنا للإيرانيين: نحن جيران، أخطأتم التقدير والتصرف في كذا موضوع، ونحن أخطأنا أيضاً في موضوعات أخرى، ونرغب حالياً في إقامة علاقة طيبة، ونترك للزمن تطويرها باتجاه أفضل. لم يحلّوا مشكلة الأسرى، ولم يعيدوا الطائرات رغم محاولاتنا، وتلقينا بعض الإشارات الإيجابية، ثم السلبية، وهكذا. والملك حسين مخطئ جداً لارتباطه بالأجنبي، وقلت للملك حسين أن يكون حراً في علاقاته ويتصرف وفق ما يسعد بلاده، ولا يؤذي العراق، ولكنه اختار العكس. لفت انتباهي رسالة الاعتذار من الملك حسين إلى الرئيس الأسد، وهي رسالة عجيبة، لأنها تدل على أنه أخطأ عن عمد، وأنه من الحكام الذين لا يخجلون مما يفعلون. أرجو أن يطمئن الرئيس حافظ أن ظروفنا صعبة، لكننا صبرنا، ونجم عن الصبر فاعلية في العمل الجاد، وتصميم على تجاوز الظروف، ويتحمل كل مواطن دوره، وأثبت المواطن مواطنيته».
وقال صدام إن موضوع مرور النفط عبر سوريا «قضية استراتيجية بالنسبة لنا، ولا نحسبها بالربح والخسارة أو غير ذلك من الأمور. المهم أن يمر النفط ويُشغَّل الخط ولو بألف برميل، تحسباً للمستقبل، ونتوقع أن يستمر تدفق النفط بكميات متزايدة». ثم قال: «أرجو إبلاغ الأشقاء بأننا مستعدون للتعاون في هذا المجال، ولإرسال وفد لإنجاز الإجراءات الشكلية اللازمة، وكذلك لدراسة الأمور الفنية والمتطلبات اللازمة لتجهيز الخط، ونأمل أن نتلقى الإجابة سريعاً».
في تلك الليلة، أبلغ القيسي بكور بأن الصحاف يريد لقاءه قبل المغادرة لدمشق «لنصف ساعة فقط». وتم اللقاء في مكتبه، حيث «أعلمني بأن الرئيس صدام اطّلع على مقابلة (وزير الدفاع الراحل) العماد مصطفى طلاس مع مجلة (الشروق) التي يروي فيها تفاصيل اغتيال الرئيس هواري بومدين، واتهامه للرئيس صدام بذلك. واستغرب الرئيس صدام من هذا التصريح الذي صدر في 3 أبريل (نيسان) 1996، عندما كانت الاتصالات الإيجابية والمشجّعة بين البلدين، وقد كان توجيه الرئيس صدام بألا تردّ الصحافة على الموضوع، حرصاً على العلاقات مع سوريا. لذلك فإن الرئيس لم يشأ طرح الموضوع في أثناء اللقاء البارحة، وطلب إعطائي صورة عن المقال لإطلاع الإخوة في دمشق ومعالجة الأمر وفق ما يرتأون».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل
 



الهلع من إسرائيل يغيّب قادة الحوثيين عن فعاليات «التعبئة»

مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
TT

الهلع من إسرائيل يغيّب قادة الحوثيين عن فعاليات «التعبئة»

مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)
مقتل أهم قادة الجناح العسكري للحوثيين أثار الذعر في صفوف الجماعة (إعلام محلي)

كشفت الفعاليات التي تنظمها الجماعة الحوثية في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية مدن سيطرتها عن غياب لافت وغير مسبوق لكبار قادة الصف الأول، في مؤشر عدّه مراقبون انعكاساً مباشراً لحالة القلق الأمني والاستنفار الشديد التي تعيشها الجماعة منذ فترة، في أعقاب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت سابقاً قيادات بارزة في الجماعة المتحالفة مع إيران.

وعلى الرغم من محاولات الجماعة إظهار تلك الفعاليات كأنها تسير بشكل اعتيادي، سواء عبر التغطية الإعلامية أو الخطاب التعبوي المعتاد، فإن الواقع الميداني عكس صورة مغايرة؛ حيث اختفى قادة الصف الأول تماماً عن المشهد، وجرى الاكتفاء بمشرفين صغار وخطباء محليين، في خطوة فسّرها متابعون بأنها إجراء وقائي لتقليل المخاطر، في ظل تصاعد المخاوف من استهدافات دقيقة قد تطول شخصيات قيادية بارزة.

وأوضحت مصادر مقربة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الحضور في معظم الفعاليات الأخيرة اقتصر على قيادات من الصفين الثاني والثالث، إلى جانب مشرفين محليين وشخصيات اجتماعية ودينية موالية، في حين غاب قادة اعتادوا الظهور العلني في مثل هذه المناسبات التي تستخدمها الجماعة تقليدياً لتعبئة الأتباع وترسيخ خطابها السياسي والعقائدي.

الحوثيون أقروا بمقتل رئيس أركانهم محمد الغماري ويتكتمون على مصير قادة آخرين (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن التوجيهات الصادرة من الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة شددت على تقليص الظهور العلني للقيادات البارزة، وعدم إظهار أي مؤشرات قد تكشف عن أماكن تجمعهم أو تحركاتهم، الأمر الذي انعكس على طبيعة الفعاليات التي بدت أقل تنظيماً وحضوراً مقارنة بالسنوات الماضية.

مخاوف غير مسبوقة

وذكرت المصادر أن الإجراءات الأمنية المشددة، وحالة التخفي التي فُرضت على كبار القادة الحوثيين، جاءت نتيجة مخاوف حقيقية من تعرضهم لاستهدافات محتملة، خصوصاً مع اتساع نطاق الضربات التي طالت في فترات سابقة مواقع وقيادات مرتبطة بإيران في عدد من دول المنطقة.

ويؤكد سكان في صنعاء أن الفعاليات التي أُقيمت هذا العام بدت باهتة ومفككة، سواء من حيث الحشد الجماهيري أو مستوى الخطاب، مشيرين إلى تراجع واضح في أعداد المشاركين، رغم استمرار استخدام وسائل الترهيب والإجبار الوظيفي، وتشديد نقاط التفتيش، وانتشار مسلحين بزي مدني حول مواقع الفعاليات.

ويقول «أبو عبد الله»، أحد سكان حي الحصبة بشمال صنعاء، إن فعالية أُقيمت مؤخراً في منطقته خلت من أي قيادي حوثي معروف. وأضاف: «في السنوات الماضية كنا نشاهد قيادات كبيرة على المنصة، أما هذه المرة فلم يظهر أحد، حتى مشرف الحي كان متخفياً، وكان الارتباك واضحاً، وعدد المسلحين يفوق عدد الحاضرين».

قيادات حوثية بارزة خلال فعالية سابقة في صنعاء (الشرق الأوسط)

أما «خالد»، وهو موظف حكومي في ريف صنعاء أُجبر على الحضور، فأشار إلى صدور تعليمات صارمة تمنع تصوير الفعاليات أو تداول أي مقاطع فيديو أو صور قد تكشف عن الموقع أو هوية المشاركين. وقال: «مُنعنا من التصوير، ومن ذكر أسماء القيادات الحاضرة، رغم أنها ليست من الصف الأول، وهذا يعكس حالة هلع غير مسبوقة».

غياب الصف الأول ودلالاته

ومقارنة مع الأعوام السابقة، رصدت المصادر غياباً لافتاً لعدد من أبرز قادة الصف الأول في الجماعة ممن اعتادوا الظهور العلني أو الإشراف المباشر على الفعاليات ذات الطابع الطائفي.

ومن بين الغائبين مهدي المشاط، رئيس مجلس حكم الجماعة الانقلابي، ومحمد علي الحوثي، إضافة إلى أحمد حامد، من أكثر الشخصيات نفوذاً داخل الدائرة الأمنية للجماعة، وكذا كبار القادة العسكريين والأمنيين؛ حيث لم يُسجل لهم أي حضور ميداني أو ظهور إعلامي متزامن مع هذه الفعاليات.

ابن عم زعيم الحوثيين لدى حضوره فعالية تعبوية سابقة في صنعاء (إكس)

ووفقاً للمصادر، لم يقتصر الغياب على عدم الحضور الميداني فحسب، بل شمل أيضاً توقفاً شبه كامل عن الظهور الإعلامي المباشر، والاكتفاء ببيانات مكتوبة أو خطابات مسجلة، وهو ما عدّه مراقبون مؤشراً واضحاً على تصاعد القلق داخل أروقة الجماعة.

ويرى محللون سياسيون في صنعاء أن هذا الغياب يحمل دلالات تتجاوز البُعد الأمني، ويعكس حالة ارتباك داخل بنية الجماعة التي اعتادت استعراض قياداتها في المناسبات الكبرى لإظهار التماسك والسيطرة.

ويشير هؤلاء إلى أن استمرار اختفاء القيادات عن الواجهة قد يُضعف قدرة الحوثيين على استخدام المناسبات الطائفية بوصفها أداة للتعبئة والتحشيد، في وقت يواجهون فيه ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة، وتحديات أمنية غير مسبوقة تُهدد صورتهم أمام أنصارهم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ألغام الحوثيين تحاصر حياة المدنيين في الحديدة

مختص من الجيش اليمني يزيل أحد الألغام الحوثية في محافظة شبوة (أ.ف.ب)
مختص من الجيش اليمني يزيل أحد الألغام الحوثية في محافظة شبوة (أ.ف.ب)
TT

ألغام الحوثيين تحاصر حياة المدنيين في الحديدة

مختص من الجيش اليمني يزيل أحد الألغام الحوثية في محافظة شبوة (أ.ف.ب)
مختص من الجيش اليمني يزيل أحد الألغام الحوثية في محافظة شبوة (أ.ف.ب)

لا يزال سكان محافظة الحديدة اليمنية يحسبون خطواتهم فوق الأرض التي يعرفونها جيداً، محاولين تجنب الألغام التي لم تتوقف عن حصد الأرواح على الرغم من توقف المواجهات العسكرية، في وقت توثّق فيه تقارير أممية الخسائر البشرية المستمرة، وتكشف الجهود الميدانية عن حجم التلوث الواسع بالألغام، مقابل رواية إعلامية حوثية تحاول نفي المسؤولية وتشويش الحقائق.

ويسلط هذا التباين بين التوثيق الأممي، والعمل الميداني، والخطاب السياسي الحوثي، الضوء على واحدٍ من أكثر الملفات المفتوحة مأساوية وكارثية على غالبية السكان، حيث لم يعد المزارعون يثقون بأراضيهم، وتخشى النساء آبار المياه، والبيوت لا توفر الأمان لساكنيها، بينما يغفل الأطفال عن تلك المخاطر، ليشكلوا غالبية الضحايا.

وأظهر تقرير أممي حديث أن الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة تسببت خلال العام الماضي في سقوط عشرات الضحايا من المدنيين في الحديدة بين قتلى وجرحى، في حوادث متفرقة طالت مناطق سكنية وزراعية وطرقاً يستخدمها المدنيون بشكل يومي.

وما يزال اليمن وفقاً للأمم المتحدة ضمن قائمة الدول الخمس الأولى عالمياً الأكثر تضرراً من الألغام الأرضية والمخلّفات الحربية، وتعدّ الحديدة المحافظة الأكثر تضرراً على مستوى البلاد خلال العام نفسه.

ووفق التقرير الصادر عن بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها)، فقد شكّل الأطفال والنساء نسبة مقلقة من الضحايا، ما يعكس الطبيعة العشوائية لزراعة الألغام واستمرار خطرها حتى بعد توقف المعارك، مؤكدة أن غياب الخرائط وامتناع الجهة التي زرعت الألغام عن التعاون يعرقلان جهود الحماية ويضاعفان الخسائر الإنسانية.

ضحايا وتطهير

وتقول البعثة الأممية إنها سجّلت 24 حادثة متعلقة بالألغام والمخلّفات الحربية في الحديدة خلال العام الماضي، مشيرة إلى أن 38 في المائة من الضحايا كانوا من النساء والأطفال، وجاءت مديريات حيس والتحيتا والدريهمي (جنوب مركز المحافظة) في مقدمة المناطق الأكثر تضرراً، مع انخفاض عدد الحوادث والضحايا إلى أكثر من النصف مقارنة بعام 2024.

غالبية ضحايا الألغام الحوثية في اليمن من الأطفال (أ.ف.ب)

ودعت البعثة إلى تكثيف جهود مكافحة الألغام لحماية المجتمعات المتضررة والحد من سقوط المزيد من الضحايا.

وتأسست «أونمها» بقرار مجلس الأمن رقم (2452) عقب توقيع اتفاق استوكهولم أواخر عام 2018 بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية، الذي نصّ على وقف إطلاق النار في محافظة الحديدة.

في سياق متصل، أظهرت إحصائيات المشروع السعودي لنزع الألغام في اليمن «مسام» اتساع مساحة التلوث بالألغام من جهة، وحجم الجهد المطلوب لمعالجته من جهة أخرى، بعد إعلانه نزع 2754 لغماً وعبوة وذخيرة غير منفجرة، خلال 16 يوماً من هذا العام.

رغم استمرار تطهير الأراضي اليمنية من الألغام ما تزال الكثير من المساحات خطرة على السكان (مسام)

وبين البرنامج التابع لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، أن ما جرى نزعه يتوزع بين 2515 ذخيرة غير منفجرة، و224 لغماً مضاداً للدبابات، و9 ألغام مضادة للأفراد، إضافة إلى 6 عبوات ناسفة، في عدد من المناطق المتأثرة بالألغام.

وخلال الأسبوع الماضي وحده تمكن المشروع من نزع 837 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة، 729 ذخيرة غير منفجرة، و104 ألغام مضادة للدبابات، و3 عبوات ناسفة، إلى جانب لغم واحد مضاد للدبابات خلال الأسبوع الثالث من الشهر الحالي.

وبحسب المشروع، فإن المساحة التي طهرها من الألغام منذ بدء مهامه وصلت إلى 76.565.997 متراً مربعاً من الأراضي المزروعة بالألغام والأجسام المتفجرة.

تضليل حوثي

من جهتها تكرر الجماعة الحوثية محاولاتها لتضليل الرأي العام، بإعلانها إتلاف أعداد محدودة من الألغام ونسب زراعتها إلى خصومها رغم مسؤوليتها عن تلويث الأراضي اليمنية بالألغام وبصورة تتعمد فيها استهداف حياة المدنيين.

اتهامات حقوقية للجماعة الحوثية بالتضليل وإنكار مسؤوليتها عن زراعة الألغام (إ.ب.أ)

وادعى ما يُسمى «المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام» التابع للجماعة، منذ أيام، إتلاف 140 لغماً مضاداً للآليات في مدينة الحديدة ذاتها، بعد أن كان أعلن عن نزع 300 منها نهاية العام الماضي. وتطلق الجماعة على الألغام اسم «مخلفات العدوان» في سعي منها للإيحاء بمسؤولية الجيش اليمني وتحالف دعم الشرعية عنها.

وتثير ادعاءات الجماعة سخرية المراقبين المحليين، حيث تتناقض مع نفسها في اختيار التسمية التي تناسبها لما تزعم نزعه، بين الألغام و«مخلفات العدوان»، إلى جانب أن الأرقام التي تعلن عنها باستمرار تثير الشك، لكونها قليلة من جهة، مقابل ما يجري الإعلان عنه من أطراف أخرى، وكانت آخر الأرقام التي أعلنت عنها الجماعة هي 250، 260، 300، 140 على التوالي.

وشهدت مدينة الحديدة خلال صيف عام 2018 نشاطاً حوثياً مكثفاً في حفر الخنادق وزراعة الألغام تحسباً لتقدم القوات الموالية للحكومة اليمنية باتجاهها، وسيطرتها على الضواحي الشرقية والجنوبية لها، قبل أن تتوقف المعارك بضغوط أممية ودولية أسفرت عن مفاوضات في استوكهولم نتج عنها اتفاق على وقف إطلاق النار.

صورة نشرتها الجماعة الحوثية لما زعمت أنه إتلاف 140 لغماً في الحديدة (إعلام حوثي)

وبحسب مزاعم المركز التابع للجماعة الحوثية، فإن عملية نزع وإتلاف الألغام تمت في مديرية الحالي التي تمتد على غالبية مساحة مدينة الحديدة التي ظلت تحت سيطرة الحوثيين ولم تصل القوات الموالية للحكومة إلا إلى أطرافها.

وتمثل الحديدة إحدى أكثر المحافظات اليمنية تلوثاً بالألغام الأرضية والبحرية والذخائر غير المنفجرة، نتيجة استخدام الجماعة لها كسلاح للسيطرة وعرقلة عودة الحياة الطبيعية.

وتسبب التساهل مع الجماعة الحوثية في ملف الألغام في تفاقم الكارثة، حيث ترفض الجماعة الكشف عن الخرائط وتقديم معلومات عن المناطق الملوثة.

وتتجنب التقارير الأممية والدولية الإشارة المباشرة إلى مسؤولية الجماعة عن زراعة الألغام، ورفض التعاون في الكشف عن مواقعها، لتظل «حرباً مؤجلة» تحصد أرواح المدنيين وتتسبب بإصابات خطرة لهم دون عقوبات أو مساءلة.


اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».