الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان

الرئيس العراقي دعا نظيره السوري في رسائل سرية بينهما تنشرها «الشرق الأوسط» إلى تجاوز «ثقل الماضي»

الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
TT

الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان

الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)

تناولت حلقة أمس من الرسائل بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد بداية التواصل بينهما، بعد سنوات من الشكوك والخيبات والمؤامرات بين دمشق وبغداد. وتتناول حلقة اليوم بدء الأسد بإرسال «تحياته إلى أبي عدي» وخوض الجانبين في استئناف العلاقات وإعادة تشغيل أنبوب النفط بين البلدين، وجعل سوريا بوابة لتنفيذ اتفاق «النفط مقابل الغذاء» مع الأمم المتحدة بدلاً من الأردن، في منتصف عقد التسعينات.
«الشرق الأوسط» تكشف عن أبعاد جديدة في هذه الرسائل بعد حصولها على وثائق ومحاضر اجتماعات نقلها خدام معه إلى باريس عام 2005، وإجرائها مقابلات هاتفية ونصية مع القيسي للتحقق منها، إذ إن الرئيس العراقي عرض قمة عاجلة على الحدود في 1996 وتقديم الدعم لنظيره السوري في الحرب ضد إسرائيل في لبنان. ويقول القيسي إن صدام اتصل به في ربيع 1996 «في أثناء العدوان على لبنان، وأبلغني أن أبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم (العراقيون) يريدون إشارة في هذا المجال». كما اتصل به «قبل عطلة العيد، لمحاولة ترتيب اجتماع قمة (سرية)، يضم الرئيسين، خلال عطلة العيد». ويضيف: «إن العراقيين اعتقدوا أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع سوريا خلال أسبوع العيد، وكانوا جميعاً فرحين بهذه الأخبار، لمحبتهم لسوريا، وشعورهم بأن الاتفاق السوري - العراقي هو المخلّص لهم من الشقاء».
وفي ذلك العام من عقد التسعينات، تصاعد قلق صدام من سياسات العاهل الأردني الملك حسين، إذ كتب للأسد مرة جديدة في مارس (آذار) 1996: «التصريحات الأخيرة للملك حسين التي سبقت زيارته لواشنطن تؤكد المعلومات المتوافرة لدينا من أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة، ومن ورائها العدو الصهيوني، وإبرام اتفاق عسكري يقود إلى تشكيل حلف إقليمي جديد في المنطقة، تكون إسرائيل وتركيا العمود الفقري له، وهو بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا». وينقل مبعوث عربي قام بنقل «الرسائل» أن في بغداد «قناعة بأن (صهر صدام) حسين كامل عاد إلى بغداد ضمن خطة للملك حسين، لذلك تمت تصفيته».
وإذ كشف مانع رشيد، رئيس جهاز الأمن الخاص بصدام، عن اجتماعات أمنية سورية – عراقية سرّية وقتذاك، قال إن «الأردن وتركيا يريدان وضع سوريا والعراق بين فكي كماشة». وأكد نائب رئيس الوزراء العراقي، طارق عزيز، أن قيام تعاون بين البلدين «سيؤدي إلى تحسين مناخ العمل في المنطقة، ويُفشل التآمر الحالي، والتحالف التركي - الإسرائيلي والأردني - التركي».
وحرص صدام على إبلاغ الأسد بأنه «استغرب» اتهامات وزير الدفاع الراحل العماد مصطفى طلاس له باغتيال الرئيس الجزائري هواري بومدين، وأنه أصدر «توجيهاً» بعدم الرد «حرصاً على العلاقات مع سوريا»، حسب محاضر وأوراق خدام وحديث القيسي.
في 1 مارس 1996 استقبلتُ القيسي، وأبلغني الرسالة التالية: «تحيات الرئيس صدام لأخيه الرئيس حافظ ولكم. يعبر عن ارتياحه لما ورد في جواب الرئيس حافظ وما تضمنه من تطابق في وجهات النظر، سواء في السعي لفتح صفحة جديدة في الحياة العربية، بدءاً باستئناف العلاقات الأخوية، أو في تشخيص طبيعة المخطط الأميركي - الصهيوني الذي أصبح الأردن جزءاً منه. ويؤكد أن الأوضاع العربية الراهنة والتدهور الحاصل في مواقف بعض الدول العربية، والتي تشكل تفريطاً خطيراً بالمصالح العربية والأمن القومي العربي، تستدعي بذل جهد حقيقي من جانب العراق وسوريا للتعامل مع الأخطار الناجمة عن هذه الأوضاع، وذلك بالتصدّي لقضايانا وأزماتنا بنيّة صادقة وعقل مفتوح، مع الأخذ في الاعتبار عامل الزمن، أي لا بد من التحرك بشكل سريع لاحتواء كافة السلبيات والعقبات، بحيث لا يجعلنا ندور حولها أو نعلقها بدلاً من أن نبادر بوضعها على سكة الحل».
ويضيف المحضر أن «التصريحات الأخيرة للملك حسين التي سبقت زيارته لواشنطن تؤكد المعلومات المتوافرة لدينا من أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة، ومن ورائها العدو الصهيوني، لإبرام اتفاق عسكري يقود إلى تشكيل حلف إقليمي جديد في المنطقة، تكون إسرائيل وتركيا العمود الفقري له، وهو بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا. وعليه، فإننا نؤكد ما جاء باقتراحاتنا السابقة من أجل اتخاذ الخطوات العملية بين البلدين:
1- العراق سوف يعلن من جانبه استئناف العلاقات الدبلوماسية، ثم يأتي ترحيب سوريا بهذه المبادرة.
2- عقد مباحثات أمنية على مستوى رئيسَي الجهاز الأمني في كلا البلدين.
3- أصبح فتح الحدود بالنسبة للعراق أمراً مهماً ضمن ضوابط يتفق عليها الطرفان للمسؤولين والتجارة والنفط.
4- العراق سيتبنى بمباحثاته مع الأمم المتحدة اتخاذ سوريا منفذاً لتصدير نفطه في حالة الاتفاق معها، لتطبيق مبدأ النفط مقابل الغذاء والدواء».
وبعد أن أملى عليَّ السفير العراقي هذه النقاط، أجبته بما يلي: «الواقع أن ثمة ظروفاً أخّرت تحركنا... وحريصون على تحقيق اتصالات عربية حتى لا يزداد الوضع تعقيداً. ونرى أن الملك حسين جاد بتحركه، لذلك نحاول ألاّ يكون له غطاء عراقي، ولذلك نتصل بجميع العراقيين في الخارج الذين لنا معهم اتصالات أو يمكن التأثير عليهم، حتى لا يشكّلوا ورقة التوت».
وقد حرصت على إبلاغه موضوع الاتصال بالمعارضة العراقية، لاتفاقنا مع إيران على عقد مؤتمر للمعارضة العراقية، وذلك حرصاً على عدم تفسير تحركنا مع بغداد على أنها مناورة. وخلال الحديث مع السفير العراقي، فهمت منه أن خطة التحرُّك المضاد لهم، هي إما في الموصل وإما في البصرة وإما في كركوك، وأنهم اتخذوا جميع الإجراءات لسحق التحرك. وإذا كان (التحرك) خارجياً فسيجري استخدام أسلحة استراتيجية، وأنهم أعادوا تنشيط خلايا الإعدام لتطال أي متآمر، ولديهم قوة طوارئ كبيرة ومجهّزة، بالإضافة إلى الحرس الجمهوري. و«في رأيهم أن حسين كامل عاد إلى بغداد ضمن خطة الملك حسين، لذلك تمت تصفيته وصادروا جميع الأراضي والممتلكات التي كانت عائلته وضعت يدها عليها».

في نهاية اللقاء أبلغته أني سأعرض الرسالة على الرئيس حافظ. وفي الثالث من مارس 1996 استقبلتُ القيسي وأبلغته ما يلي: «تحيات الرئيس حافظ مع تحياتي للرئيس أبي عدي. لم تتح لنا فرصة إجراء الاتصالات للأسباب التي أشرت إليها في لقائنا أول من أمس: زيارة الملك حسين لدول عربية، وزيارة أمير الكويت إلى واشنطن، وزيارة نائب الرئيس الإيراني إلى دمشق، وزيارة رئيس السودان، ثم كان هناك مجيء العيد، ونُجري الاتصالات لتحديد مواعيد الزيارات لعدد من الدول العربية المعنية.
نعتقد أن الاتصالات واللقاءات المباشرة من شأنها أن تخلق فرص تحسين العلاقات العربية وتسهيل تحقيق تصوراتنا، سواءً فيما يتعلق بالوضع العربي العام أو بمواجهة المخطط الأميركي - الإسرائيلي... ونعتقد أن هذا الطريق هو الأقل ضرراً، لأننا لو فاجأناهم بأي خطوة مباشرة، بالإضافة إلى أنها ستؤدي إلى تعقيد الوضع، وسنجري اتصالاً معك لتحديد موعد اللقاء».
وقدم يحيى بكور، المدير العام لـ«المنظمة العربية للتنمية الزراعية»، لخدام تقريراً عن زيارته لبغداد بين 31 مايو (أيار) و4 يونيو (حزيران) 1996. وحسب المحضر، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فإن القيسي زار بكور في غرفته، وطرح «الأهمية التي يعلّقها العراق في هذه المرحلة على إعادة العلاقات مع سوريا، كردٍّ على الهجمة التي ترتبها أميركا وإسرائيل بالتعاون مع الأردن وتركيا، ضد كل من العراق وسوريا معاً».
هنا، يروي القيسي أن الرئيس صدام اتصل به إلى قطر «أثناء العدوان على لبنان، وأبلغه أن يبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم يريدون إشارة في هذا المجال. أيضاً اتصل به الرئيس صدام حسين إلى قطر قبل عطلة العيد، لمحاولة ترتيب اجتماع مع الرئيس حافظ، يضم الرئيسين، خلال عطلة العيد، وإن الرئيس صدام كان يأمل لو سمحت الظروف لعقد الاجتماع نظراً لأهميته في هذه المرحلة»، وأن صدام، حسب القيسي، كان «يثق بأن مجرد عقد الاجتماع سيؤدي إلى حل جميع القضايا العالقة، وأن العراقيين يعتقدون أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع سوريا في أسبوع العيد، وكانوا جميعاً فرحين بهذه الأخبار، لمحبتهم لسوريا، وشعورهم بأن الاتفاق السوري - العراقي هو المخلّص لهم من الشقاء».
القيادة العراقية أبلغت دمشق وقتذاك، حسب صبري، أنها «أخذت علماً» من الرئيس صدام بالاتصالات التي تمت والرسائل المتبادلة، والمبادرة التي تقدم بها العراق والرد الإيجابي من الرئيس حافظ، وموافقة سوريا على مرور النفط العراقي عبر سوريا، وقد كان «الارتياح كبيراً من جميع المخلصين»، والعراق يريد أن تتم خطوة مع سوريا لكي يخفض مستوى علاقاته مع الأردن، خصوصاً التجارية، وإنه يثق بأن ذلك سيكون في مصلحة البلدين السوري والعراقي.
ويقول القيسي إن صدام اتصل به في قطر لكي يستقصي ما يحاك وأسباب زيارة رئيس الأركان الأميركي للمنطقة. وأنه اطّلع على «رسالة واردة إليه بتوقيع الرئيس بيل كلينتون يقترح فيها عليه الموافقة على تشكيل مجلس أمن شرق أوسطي، يشمل تركيا والأردن وإسرائيل وقطر ومصر ودولاً أخرى، مهمته مكافحة الإرهاب وترتيب أمور المنطقة ومعاقبة الدول التي تدعم الإرهاب».
وحسب تقرير بكور، «في اليوم الثاني (السبت) تضمن البرنامج عقد اجتماعات مع السيد وزير الزراعة، وأعلمني وكيل الوزارة أن الأستاذ طارق عزيز بانتظاري. وعُقد الاجتماع في مكتبه بحضور السيد أنور صبري عبد الرزاق فقط. وقد بدأ الحديث متذكراً الأيام الحلوة التي قضاها في سوريا، وصلاته الحميمة مع (وزير الإعلام) المرحوم أحمد إسكندر أحمد، وسأل عن أحوالكم وصحتكم وصحة الأستاذ فاروق الشرع، وبيّن حبه لدمشق وأهلها.
وتحدث (عزيز) عن اللقاءين اللذين تمّا بمبادرة من السوفيات في موسكو بينه وبينكم، وبينه وبين الشرع بعد تسليمه منصب وزير الخارجية، وبيّن أن هذه اللقاءات لم تجدِ نفعاً لأنها كانت بدافع من الغير وبناء على ضغوط السوفيات، وأوضح أن المؤامرة كبيرة على المنطقة، وهي متشعبة ولا تستهدف العراق وحده، بل تستهدف سوريا وكذلك إيران، وسوف تستفرد أميركا بالدول العربية كلٍّ على حدة، وكل من يدعم حركات التحرر من الهيمنة. وقال إن الرئيس صدام كان مخلصاً عندما طرح المبادرة للتعاون مع سوريا وإزالة أسباب الفرقة، والعراق يثق بأن ذلك في خدمة سوريا كما هو في خدمة العراق، الذي لا يريد أن تكون نافذته على العالم هي عمان، نظراً لأن الأردن أصبح مركز تجسس عالمياً لجميع وكالات الاستخبارات، وإن الروس نصحوا العراق بألاّ يستعمل طريق الأردن في تحركاته، لذلك فهم يستعملون طريق طهران كلما أمكن ذلك، ويتمنون أن تكون طريق دمشق مفتوحة لهم، لأن ذلك يساعدهم جداً».
وأضاف عزيز، حسب المحضر: «إن العراق حاول مد الجسور مع الإيرانيين وتصفية العلاقات معهم، وساروا خطوات جيدة في مجال فتح الحدود وتطوير العلاقات التجارية القائمة على تبادل السلع الإيرانية بمشتقات نفطية وسلع عراقية، وقد كان ذلك في مصلحة البلدين. وزاد أن المشكلة مع الإيرانيين أن قيادتهم غير موحدة الرأي، وذلك ينعكس على تصرفاتهم وآرائهم في كل اجتماع، وأن القيادة العراقية قابلت بارتياح الردود الإيجابية من القيادة السورية على مبادرة الرئيس صدام لإعادة العلاقات بين القُطرين، وإن العراق ينطلق في ذلك من حرصه على عمل مشترك، ومن الأهمية التي يحتلها القُطران لإعادة التضامن العربي».
وقال عزيز إنه «إذا كان الإخوان في سوريا جاهزين لمرور النفط عن طريق سوريا فإنهم ينتظرون إشارة لإرسال وفد لبحث تشغيل الخط وبيان المتطلبات، ولتقديم طلب بذلك إلى الأمم المتحدة مرفقاً بالاتفاق. وأبلغتُ طارق عزيز بأنه سبق أن أُبلغ الأستاذ أنور صبري بموافقة سوريا على مرور النفط وتشغيل الأنبوب، ولم يتم إعطاء أي معلومات عن الاتفاق بعد ذلك، الأمر الذي خلق انطباعاً بعدم موافقة الأمم المتحدة على مرور النفط عبر سوريا».
ويواصل بكور في تقريره: «يرى عزيز بأن قيام تعاون بين العراق وسوريا سيؤدي إلى تحسين مناخ العمل في المنطقة، ويبعث الأمل في نفوس الجماهير العربية، ويفشل التآمر الحالي الذي يستهدف سوريا والعراق وإيران معاً، خصوصاً بعد التحالف التركي - الإسرائيلي، والأردني - التركي، والذي يريد إحكام الطوق على سوريا والعراق معاً، وقال إن التآمر التركي أصبح مكشوفاً، خصوصاً بعد أن تقدمت تركيا بعرض أن تتولى القيام بالاستكشاف الجوي على شمال العراق بدلاً من القوات الأميركية والبريطانية، وهم (أي العراق) ينظرون إلى ذلك بمنتهى الخطورة، خصوصاً بعد الاتفاق العسكري التركي - الإسرائيلي، وذلك لأن المعلومات المجموعة عن العراق وسوريا ستكون في متناول السلطات الإسرائيلية».
ويضيف تقرير بكور: «في صباح يوم الأحد، أبلغني أنور صبري أن محمد سعيد الصحاف، وزير الخارجية، يريد اللقاء معي أيضاً مساءً، وتم عقد اجتماعات عمل مهنية مع نائب رئيس الجمهورية طه ياسين رمضان. وقال سعيد الصحاف إن الظروف الحالية بالنسبة للعراق هي الآن أفضل مما كانت عليه سابقاً، نظراً لتحسن الوضع الدولي بالنسبة للعراق، وبدأ الأصدقاء القدامى بالاتصال بهم لخطب الود، والظفر بعقود للمرحلة القادمة، وإن العراق كان صادقاً بما عرضه على سوريا عبر رحلات أنور صبري إلى دمشق، وتمنى أن يأتيه الرد الإيجابي، وكان ذلك مقدّراً من الرئيس صدام حسين، الذي تمنى أن تُتخذ خطوات إيجابية لبعث الأمل في النفوس العربية. وقال (الصحاف): نريد أن يثق الإخوة في سوريا بأن العراق صادق في مبادرته، وأن كل ما يؤثر على أمن سوريا يعد طعنة في صميم الأمن العراقي.
لقد كان واضحاً حماس الصحاف لتحسين العلاقات ورغبته في اتخاذ إجراءات في سبيل ذلك، وحرصه على تسهيل الأمور وعدم وضع أي عراقيل. كما أعلمني بأن أنور صبري سيكون جاهزاً للسفر إلى دمشق عند أول إشارة، وسيحمل معه، إذا أردتم، صيغة البيان الذي سيعلنه العراق بعودة العلاقات مع سوريا، لكي يُطلع عليه الأشقاء، ويبيّنوا رأيهم به، وطرح أي تعديلات يرون».
ويواصل بكور في تقريره: «بعد الانتهاء من مقابلة وزير الخارجية، أبلغني أنور صبري أن المستشار الأمني للرئيس صدام يريد لقائي بوصفه مطلعاً على كل الأمور، وهو يرأس جهاز الأمن الخاص بالرئيس، واسمه مانع رشيد (أبو أنس). ويرى (أبو أنس) أن الظروف الحالية مواتية جداً لإعلان عودة العلاقات، وأن المناخ مهيأ لعمل مشترك لوقف تعريض الأمن القومي للخطر الذي يتهدد سوريا والعراق معاً، وبيّن أن الرئيس صدام حسين يقدّر كثيراً موقف الرئيس حافظ الأسد الجاد، وإن الإشارات التي تصل من المعارضة في الخارج تدل على أن الموقف السوري أفشل عمليات التخريب التي ينوي الملك حسين ممارستها في العراق أولاً، وقد تمتد إلى سوريا فيما بعد».
وحسب التقرير ذاته، تم عقد اجتماعات أمنية في نطاق لجان الحدود، ولاحظنا أن موقف مدير فرع المخابرات العسكرية في الحسكة وقتذاك، محمد منصورة، كان جيداً، و«استشعرنا أن لديه توجيهات جديدة تتفق مع الأجواء الجديدة بين البلدين، وجميع تحركات الأردن بين العشائر أو بين الضباط المتقاعدين معروفة لدينا، وهي لن تشكل مشكلة لنا. وإننا نتطلع إلى عقد اجتماعات بين المسؤولين الأمنيين لتبادل المعلومات والرأي حول القضايا الأمنية، وإننا نثق بأن ذلك سيكون في مصلحة القُطرين، وسوف يساعد ذلك على فتح الحدود تدريجياً، وإن الأردن وتركيا يريدان وضع سوريا والعراق بين فكّي كماشة بدعم من إسرائيل، ولا بد من تفويت الفرصة عليهم».
ويضيف التقرير: «عند الساعة العاشرة من صباح الاثنين، في 3 يونيو 1996، أبلغني أنور صبري أن الصحاف سيكون برفقتي للقاء صدام. وبعد الوصول إلى مقر إقامة الرئيس دخلنا مباشرة إلى القاعة الرئيسية، حيث كان يقف الرئيس في ثلثها الأخير، فسلّم ورحّب وجلس متذكراً اللقاء معه ضمن وفود عربية ثلاث مرات سابقة... تحدث الرئيس صدام مقدّماً التحية للرئيس حافظ وخدام، وقال: إننا مطلعون على كل الاتصالات التي تمت سابقاً وعلى تفاصيلها، وهي إيجابية وتؤكد الحرص على مواجهة الظروف الصعبة والتآمر على القُطرين. إن توجيهاتنا بأن تستمر الاجتماعات، وأن تجتمعوا كلما اقتضى الأمر، حتى تنضج العمليات التي يراها الأشقاء في دمشق. نحن نرغب في قيام علاقة بين سوريا والعراق على أسس جديدة تختلف عن العلاقات السابقة، وتقوم على الثقة. هذا النهج الذي نسير عليه مع سوريا نتبعه مع الدول الأخرى أيضاً، وتحكم علاقاتنا مع أي قُطر عربي الإيجابية والأهمية، ولا توجد علاقة تَفوق في الأهمية علاقة العراق مع سوريا».
وتابع صدام: «أوضحنا للإخوان في سوريا أن إمكانية إقامة علاقات جيدة بين الدولتين متوفرة ومرغوبة من العراق، وقدّمنا مبادرة بنقاط محددة، وتلقينا إشارات إيجابية ومشجّعة، وبقي أن نترك الأمر لسوريا وحسب ظروفها وما تراه في هذا الشأن. إن إطّلاع الآخرين على ما سيتم بين سوريا والعراق حالة إيجابية وضرورية، وليست حالة سلبية، وإطلاع إيران عمل إيجابي، رغم كونها دولة أجنبية، وهي تتعرض لضغوط والتنسيق معها مفيد، رغم أن نظرتهم للأمور نظرة قاصرة، لأنهم يريدون تحقيق (كل شيء أو لا شيء)، وحاولنا معهم كثيراً وحققنا بعض النجاح في إقامة علاقات، ولو بسيطة. وقلنا للإيرانيين: نحن جيران، أخطأتم التقدير والتصرف في كذا موضوع، ونحن أخطأنا أيضاً في موضوعات أخرى، ونرغب حالياً في إقامة علاقة طيبة، ونترك للزمن تطويرها باتجاه أفضل. لم يحلّوا مشكلة الأسرى، ولم يعيدوا الطائرات رغم محاولاتنا، وتلقينا بعض الإشارات الإيجابية، ثم السلبية، وهكذا. والملك حسين مخطئ جداً لارتباطه بالأجنبي، وقلت للملك حسين أن يكون حراً في علاقاته ويتصرف وفق ما يسعد بلاده، ولا يؤذي العراق، ولكنه اختار العكس. لفت انتباهي رسالة الاعتذار من الملك حسين إلى الرئيس الأسد، وهي رسالة عجيبة، لأنها تدل على أنه أخطأ عن عمد، وأنه من الحكام الذين لا يخجلون مما يفعلون. أرجو أن يطمئن الرئيس حافظ أن ظروفنا صعبة، لكننا صبرنا، ونجم عن الصبر فاعلية في العمل الجاد، وتصميم على تجاوز الظروف، ويتحمل كل مواطن دوره، وأثبت المواطن مواطنيته».
وقال صدام إن موضوع مرور النفط عبر سوريا «قضية استراتيجية بالنسبة لنا، ولا نحسبها بالربح والخسارة أو غير ذلك من الأمور. المهم أن يمر النفط ويُشغَّل الخط ولو بألف برميل، تحسباً للمستقبل، ونتوقع أن يستمر تدفق النفط بكميات متزايدة». ثم قال: «أرجو إبلاغ الأشقاء بأننا مستعدون للتعاون في هذا المجال، ولإرسال وفد لإنجاز الإجراءات الشكلية اللازمة، وكذلك لدراسة الأمور الفنية والمتطلبات اللازمة لتجهيز الخط، ونأمل أن نتلقى الإجابة سريعاً».
في تلك الليلة، أبلغ القيسي بكور بأن الصحاف يريد لقاءه قبل المغادرة لدمشق «لنصف ساعة فقط». وتم اللقاء في مكتبه، حيث «أعلمني بأن الرئيس صدام اطّلع على مقابلة (وزير الدفاع الراحل) العماد مصطفى طلاس مع مجلة (الشروق) التي يروي فيها تفاصيل اغتيال الرئيس هواري بومدين، واتهامه للرئيس صدام بذلك. واستغرب الرئيس صدام من هذا التصريح الذي صدر في 3 أبريل (نيسان) 1996، عندما كانت الاتصالات الإيجابية والمشجّعة بين البلدين، وقد كان توجيه الرئيس صدام بألا تردّ الصحافة على الموضوع، حرصاً على العلاقات مع سوريا. لذلك فإن الرئيس لم يشأ طرح الموضوع في أثناء اللقاء البارحة، وطلب إعطائي صورة عن المقال لإطلاع الإخوة في دمشق ومعالجة الأمر وفق ما يرتأون».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل
 



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.