الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان

الرئيس العراقي دعا نظيره السوري في رسائل سرية بينهما تنشرها «الشرق الأوسط» إلى تجاوز «ثقل الماضي»

الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
TT

الحلقة (2): صدام عرض على الأسد «قمة سرية» في 1996... ومواجهة «عدوان إسرائيل» على لبنان

الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)
الرئيس العراقي أحمد حسن البكر يتوسط نائبه صدام حسين والرئيس السوري حافظ الأسد في بغداد في 5 نوفمبر 1978 (غيتي)

تناولت حلقة أمس من الرسائل بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد بداية التواصل بينهما، بعد سنوات من الشكوك والخيبات والمؤامرات بين دمشق وبغداد. وتتناول حلقة اليوم بدء الأسد بإرسال «تحياته إلى أبي عدي» وخوض الجانبين في استئناف العلاقات وإعادة تشغيل أنبوب النفط بين البلدين، وجعل سوريا بوابة لتنفيذ اتفاق «النفط مقابل الغذاء» مع الأمم المتحدة بدلاً من الأردن، في منتصف عقد التسعينات.
«الشرق الأوسط» تكشف عن أبعاد جديدة في هذه الرسائل بعد حصولها على وثائق ومحاضر اجتماعات نقلها خدام معه إلى باريس عام 2005، وإجرائها مقابلات هاتفية ونصية مع القيسي للتحقق منها، إذ إن الرئيس العراقي عرض قمة عاجلة على الحدود في 1996 وتقديم الدعم لنظيره السوري في الحرب ضد إسرائيل في لبنان. ويقول القيسي إن صدام اتصل به في ربيع 1996 «في أثناء العدوان على لبنان، وأبلغني أن أبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم (العراقيون) يريدون إشارة في هذا المجال». كما اتصل به «قبل عطلة العيد، لمحاولة ترتيب اجتماع قمة (سرية)، يضم الرئيسين، خلال عطلة العيد». ويضيف: «إن العراقيين اعتقدوا أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع سوريا خلال أسبوع العيد، وكانوا جميعاً فرحين بهذه الأخبار، لمحبتهم لسوريا، وشعورهم بأن الاتفاق السوري - العراقي هو المخلّص لهم من الشقاء».
وفي ذلك العام من عقد التسعينات، تصاعد قلق صدام من سياسات العاهل الأردني الملك حسين، إذ كتب للأسد مرة جديدة في مارس (آذار) 1996: «التصريحات الأخيرة للملك حسين التي سبقت زيارته لواشنطن تؤكد المعلومات المتوافرة لدينا من أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة، ومن ورائها العدو الصهيوني، وإبرام اتفاق عسكري يقود إلى تشكيل حلف إقليمي جديد في المنطقة، تكون إسرائيل وتركيا العمود الفقري له، وهو بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا». وينقل مبعوث عربي قام بنقل «الرسائل» أن في بغداد «قناعة بأن (صهر صدام) حسين كامل عاد إلى بغداد ضمن خطة للملك حسين، لذلك تمت تصفيته».
وإذ كشف مانع رشيد، رئيس جهاز الأمن الخاص بصدام، عن اجتماعات أمنية سورية – عراقية سرّية وقتذاك، قال إن «الأردن وتركيا يريدان وضع سوريا والعراق بين فكي كماشة». وأكد نائب رئيس الوزراء العراقي، طارق عزيز، أن قيام تعاون بين البلدين «سيؤدي إلى تحسين مناخ العمل في المنطقة، ويُفشل التآمر الحالي، والتحالف التركي - الإسرائيلي والأردني - التركي».
وحرص صدام على إبلاغ الأسد بأنه «استغرب» اتهامات وزير الدفاع الراحل العماد مصطفى طلاس له باغتيال الرئيس الجزائري هواري بومدين، وأنه أصدر «توجيهاً» بعدم الرد «حرصاً على العلاقات مع سوريا»، حسب محاضر وأوراق خدام وحديث القيسي.
في 1 مارس 1996 استقبلتُ القيسي، وأبلغني الرسالة التالية: «تحيات الرئيس صدام لأخيه الرئيس حافظ ولكم. يعبر عن ارتياحه لما ورد في جواب الرئيس حافظ وما تضمنه من تطابق في وجهات النظر، سواء في السعي لفتح صفحة جديدة في الحياة العربية، بدءاً باستئناف العلاقات الأخوية، أو في تشخيص طبيعة المخطط الأميركي - الصهيوني الذي أصبح الأردن جزءاً منه. ويؤكد أن الأوضاع العربية الراهنة والتدهور الحاصل في مواقف بعض الدول العربية، والتي تشكل تفريطاً خطيراً بالمصالح العربية والأمن القومي العربي، تستدعي بذل جهد حقيقي من جانب العراق وسوريا للتعامل مع الأخطار الناجمة عن هذه الأوضاع، وذلك بالتصدّي لقضايانا وأزماتنا بنيّة صادقة وعقل مفتوح، مع الأخذ في الاعتبار عامل الزمن، أي لا بد من التحرك بشكل سريع لاحتواء كافة السلبيات والعقبات، بحيث لا يجعلنا ندور حولها أو نعلقها بدلاً من أن نبادر بوضعها على سكة الحل».
ويضيف المحضر أن «التصريحات الأخيرة للملك حسين التي سبقت زيارته لواشنطن تؤكد المعلومات المتوافرة لدينا من أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة، ومن ورائها العدو الصهيوني، لإبرام اتفاق عسكري يقود إلى تشكيل حلف إقليمي جديد في المنطقة، تكون إسرائيل وتركيا العمود الفقري له، وهو بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا. وعليه، فإننا نؤكد ما جاء باقتراحاتنا السابقة من أجل اتخاذ الخطوات العملية بين البلدين:
1- العراق سوف يعلن من جانبه استئناف العلاقات الدبلوماسية، ثم يأتي ترحيب سوريا بهذه المبادرة.
2- عقد مباحثات أمنية على مستوى رئيسَي الجهاز الأمني في كلا البلدين.
3- أصبح فتح الحدود بالنسبة للعراق أمراً مهماً ضمن ضوابط يتفق عليها الطرفان للمسؤولين والتجارة والنفط.
4- العراق سيتبنى بمباحثاته مع الأمم المتحدة اتخاذ سوريا منفذاً لتصدير نفطه في حالة الاتفاق معها، لتطبيق مبدأ النفط مقابل الغذاء والدواء».
وبعد أن أملى عليَّ السفير العراقي هذه النقاط، أجبته بما يلي: «الواقع أن ثمة ظروفاً أخّرت تحركنا... وحريصون على تحقيق اتصالات عربية حتى لا يزداد الوضع تعقيداً. ونرى أن الملك حسين جاد بتحركه، لذلك نحاول ألاّ يكون له غطاء عراقي، ولذلك نتصل بجميع العراقيين في الخارج الذين لنا معهم اتصالات أو يمكن التأثير عليهم، حتى لا يشكّلوا ورقة التوت».
وقد حرصت على إبلاغه موضوع الاتصال بالمعارضة العراقية، لاتفاقنا مع إيران على عقد مؤتمر للمعارضة العراقية، وذلك حرصاً على عدم تفسير تحركنا مع بغداد على أنها مناورة. وخلال الحديث مع السفير العراقي، فهمت منه أن خطة التحرُّك المضاد لهم، هي إما في الموصل وإما في البصرة وإما في كركوك، وأنهم اتخذوا جميع الإجراءات لسحق التحرك. وإذا كان (التحرك) خارجياً فسيجري استخدام أسلحة استراتيجية، وأنهم أعادوا تنشيط خلايا الإعدام لتطال أي متآمر، ولديهم قوة طوارئ كبيرة ومجهّزة، بالإضافة إلى الحرس الجمهوري. و«في رأيهم أن حسين كامل عاد إلى بغداد ضمن خطة الملك حسين، لذلك تمت تصفيته وصادروا جميع الأراضي والممتلكات التي كانت عائلته وضعت يدها عليها».

في نهاية اللقاء أبلغته أني سأعرض الرسالة على الرئيس حافظ. وفي الثالث من مارس 1996 استقبلتُ القيسي وأبلغته ما يلي: «تحيات الرئيس حافظ مع تحياتي للرئيس أبي عدي. لم تتح لنا فرصة إجراء الاتصالات للأسباب التي أشرت إليها في لقائنا أول من أمس: زيارة الملك حسين لدول عربية، وزيارة أمير الكويت إلى واشنطن، وزيارة نائب الرئيس الإيراني إلى دمشق، وزيارة رئيس السودان، ثم كان هناك مجيء العيد، ونُجري الاتصالات لتحديد مواعيد الزيارات لعدد من الدول العربية المعنية.
نعتقد أن الاتصالات واللقاءات المباشرة من شأنها أن تخلق فرص تحسين العلاقات العربية وتسهيل تحقيق تصوراتنا، سواءً فيما يتعلق بالوضع العربي العام أو بمواجهة المخطط الأميركي - الإسرائيلي... ونعتقد أن هذا الطريق هو الأقل ضرراً، لأننا لو فاجأناهم بأي خطوة مباشرة، بالإضافة إلى أنها ستؤدي إلى تعقيد الوضع، وسنجري اتصالاً معك لتحديد موعد اللقاء».
وقدم يحيى بكور، المدير العام لـ«المنظمة العربية للتنمية الزراعية»، لخدام تقريراً عن زيارته لبغداد بين 31 مايو (أيار) و4 يونيو (حزيران) 1996. وحسب المحضر، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فإن القيسي زار بكور في غرفته، وطرح «الأهمية التي يعلّقها العراق في هذه المرحلة على إعادة العلاقات مع سوريا، كردٍّ على الهجمة التي ترتبها أميركا وإسرائيل بالتعاون مع الأردن وتركيا، ضد كل من العراق وسوريا معاً».
هنا، يروي القيسي أن الرئيس صدام اتصل به إلى قطر «أثناء العدوان على لبنان، وأبلغه أن يبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم يريدون إشارة في هذا المجال. أيضاً اتصل به الرئيس صدام حسين إلى قطر قبل عطلة العيد، لمحاولة ترتيب اجتماع مع الرئيس حافظ، يضم الرئيسين، خلال عطلة العيد، وإن الرئيس صدام كان يأمل لو سمحت الظروف لعقد الاجتماع نظراً لأهميته في هذه المرحلة»، وأن صدام، حسب القيسي، كان «يثق بأن مجرد عقد الاجتماع سيؤدي إلى حل جميع القضايا العالقة، وأن العراقيين يعتقدون أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع سوريا في أسبوع العيد، وكانوا جميعاً فرحين بهذه الأخبار، لمحبتهم لسوريا، وشعورهم بأن الاتفاق السوري - العراقي هو المخلّص لهم من الشقاء».
القيادة العراقية أبلغت دمشق وقتذاك، حسب صبري، أنها «أخذت علماً» من الرئيس صدام بالاتصالات التي تمت والرسائل المتبادلة، والمبادرة التي تقدم بها العراق والرد الإيجابي من الرئيس حافظ، وموافقة سوريا على مرور النفط العراقي عبر سوريا، وقد كان «الارتياح كبيراً من جميع المخلصين»، والعراق يريد أن تتم خطوة مع سوريا لكي يخفض مستوى علاقاته مع الأردن، خصوصاً التجارية، وإنه يثق بأن ذلك سيكون في مصلحة البلدين السوري والعراقي.
ويقول القيسي إن صدام اتصل به في قطر لكي يستقصي ما يحاك وأسباب زيارة رئيس الأركان الأميركي للمنطقة. وأنه اطّلع على «رسالة واردة إليه بتوقيع الرئيس بيل كلينتون يقترح فيها عليه الموافقة على تشكيل مجلس أمن شرق أوسطي، يشمل تركيا والأردن وإسرائيل وقطر ومصر ودولاً أخرى، مهمته مكافحة الإرهاب وترتيب أمور المنطقة ومعاقبة الدول التي تدعم الإرهاب».
وحسب تقرير بكور، «في اليوم الثاني (السبت) تضمن البرنامج عقد اجتماعات مع السيد وزير الزراعة، وأعلمني وكيل الوزارة أن الأستاذ طارق عزيز بانتظاري. وعُقد الاجتماع في مكتبه بحضور السيد أنور صبري عبد الرزاق فقط. وقد بدأ الحديث متذكراً الأيام الحلوة التي قضاها في سوريا، وصلاته الحميمة مع (وزير الإعلام) المرحوم أحمد إسكندر أحمد، وسأل عن أحوالكم وصحتكم وصحة الأستاذ فاروق الشرع، وبيّن حبه لدمشق وأهلها.
وتحدث (عزيز) عن اللقاءين اللذين تمّا بمبادرة من السوفيات في موسكو بينه وبينكم، وبينه وبين الشرع بعد تسليمه منصب وزير الخارجية، وبيّن أن هذه اللقاءات لم تجدِ نفعاً لأنها كانت بدافع من الغير وبناء على ضغوط السوفيات، وأوضح أن المؤامرة كبيرة على المنطقة، وهي متشعبة ولا تستهدف العراق وحده، بل تستهدف سوريا وكذلك إيران، وسوف تستفرد أميركا بالدول العربية كلٍّ على حدة، وكل من يدعم حركات التحرر من الهيمنة. وقال إن الرئيس صدام كان مخلصاً عندما طرح المبادرة للتعاون مع سوريا وإزالة أسباب الفرقة، والعراق يثق بأن ذلك في خدمة سوريا كما هو في خدمة العراق، الذي لا يريد أن تكون نافذته على العالم هي عمان، نظراً لأن الأردن أصبح مركز تجسس عالمياً لجميع وكالات الاستخبارات، وإن الروس نصحوا العراق بألاّ يستعمل طريق الأردن في تحركاته، لذلك فهم يستعملون طريق طهران كلما أمكن ذلك، ويتمنون أن تكون طريق دمشق مفتوحة لهم، لأن ذلك يساعدهم جداً».
وأضاف عزيز، حسب المحضر: «إن العراق حاول مد الجسور مع الإيرانيين وتصفية العلاقات معهم، وساروا خطوات جيدة في مجال فتح الحدود وتطوير العلاقات التجارية القائمة على تبادل السلع الإيرانية بمشتقات نفطية وسلع عراقية، وقد كان ذلك في مصلحة البلدين. وزاد أن المشكلة مع الإيرانيين أن قيادتهم غير موحدة الرأي، وذلك ينعكس على تصرفاتهم وآرائهم في كل اجتماع، وأن القيادة العراقية قابلت بارتياح الردود الإيجابية من القيادة السورية على مبادرة الرئيس صدام لإعادة العلاقات بين القُطرين، وإن العراق ينطلق في ذلك من حرصه على عمل مشترك، ومن الأهمية التي يحتلها القُطران لإعادة التضامن العربي».
وقال عزيز إنه «إذا كان الإخوان في سوريا جاهزين لمرور النفط عن طريق سوريا فإنهم ينتظرون إشارة لإرسال وفد لبحث تشغيل الخط وبيان المتطلبات، ولتقديم طلب بذلك إلى الأمم المتحدة مرفقاً بالاتفاق. وأبلغتُ طارق عزيز بأنه سبق أن أُبلغ الأستاذ أنور صبري بموافقة سوريا على مرور النفط وتشغيل الأنبوب، ولم يتم إعطاء أي معلومات عن الاتفاق بعد ذلك، الأمر الذي خلق انطباعاً بعدم موافقة الأمم المتحدة على مرور النفط عبر سوريا».
ويواصل بكور في تقريره: «يرى عزيز بأن قيام تعاون بين العراق وسوريا سيؤدي إلى تحسين مناخ العمل في المنطقة، ويبعث الأمل في نفوس الجماهير العربية، ويفشل التآمر الحالي الذي يستهدف سوريا والعراق وإيران معاً، خصوصاً بعد التحالف التركي - الإسرائيلي، والأردني - التركي، والذي يريد إحكام الطوق على سوريا والعراق معاً، وقال إن التآمر التركي أصبح مكشوفاً، خصوصاً بعد أن تقدمت تركيا بعرض أن تتولى القيام بالاستكشاف الجوي على شمال العراق بدلاً من القوات الأميركية والبريطانية، وهم (أي العراق) ينظرون إلى ذلك بمنتهى الخطورة، خصوصاً بعد الاتفاق العسكري التركي - الإسرائيلي، وذلك لأن المعلومات المجموعة عن العراق وسوريا ستكون في متناول السلطات الإسرائيلية».
ويضيف تقرير بكور: «في صباح يوم الأحد، أبلغني أنور صبري أن محمد سعيد الصحاف، وزير الخارجية، يريد اللقاء معي أيضاً مساءً، وتم عقد اجتماعات عمل مهنية مع نائب رئيس الجمهورية طه ياسين رمضان. وقال سعيد الصحاف إن الظروف الحالية بالنسبة للعراق هي الآن أفضل مما كانت عليه سابقاً، نظراً لتحسن الوضع الدولي بالنسبة للعراق، وبدأ الأصدقاء القدامى بالاتصال بهم لخطب الود، والظفر بعقود للمرحلة القادمة، وإن العراق كان صادقاً بما عرضه على سوريا عبر رحلات أنور صبري إلى دمشق، وتمنى أن يأتيه الرد الإيجابي، وكان ذلك مقدّراً من الرئيس صدام حسين، الذي تمنى أن تُتخذ خطوات إيجابية لبعث الأمل في النفوس العربية. وقال (الصحاف): نريد أن يثق الإخوة في سوريا بأن العراق صادق في مبادرته، وأن كل ما يؤثر على أمن سوريا يعد طعنة في صميم الأمن العراقي.
لقد كان واضحاً حماس الصحاف لتحسين العلاقات ورغبته في اتخاذ إجراءات في سبيل ذلك، وحرصه على تسهيل الأمور وعدم وضع أي عراقيل. كما أعلمني بأن أنور صبري سيكون جاهزاً للسفر إلى دمشق عند أول إشارة، وسيحمل معه، إذا أردتم، صيغة البيان الذي سيعلنه العراق بعودة العلاقات مع سوريا، لكي يُطلع عليه الأشقاء، ويبيّنوا رأيهم به، وطرح أي تعديلات يرون».
ويواصل بكور في تقريره: «بعد الانتهاء من مقابلة وزير الخارجية، أبلغني أنور صبري أن المستشار الأمني للرئيس صدام يريد لقائي بوصفه مطلعاً على كل الأمور، وهو يرأس جهاز الأمن الخاص بالرئيس، واسمه مانع رشيد (أبو أنس). ويرى (أبو أنس) أن الظروف الحالية مواتية جداً لإعلان عودة العلاقات، وأن المناخ مهيأ لعمل مشترك لوقف تعريض الأمن القومي للخطر الذي يتهدد سوريا والعراق معاً، وبيّن أن الرئيس صدام حسين يقدّر كثيراً موقف الرئيس حافظ الأسد الجاد، وإن الإشارات التي تصل من المعارضة في الخارج تدل على أن الموقف السوري أفشل عمليات التخريب التي ينوي الملك حسين ممارستها في العراق أولاً، وقد تمتد إلى سوريا فيما بعد».
وحسب التقرير ذاته، تم عقد اجتماعات أمنية في نطاق لجان الحدود، ولاحظنا أن موقف مدير فرع المخابرات العسكرية في الحسكة وقتذاك، محمد منصورة، كان جيداً، و«استشعرنا أن لديه توجيهات جديدة تتفق مع الأجواء الجديدة بين البلدين، وجميع تحركات الأردن بين العشائر أو بين الضباط المتقاعدين معروفة لدينا، وهي لن تشكل مشكلة لنا. وإننا نتطلع إلى عقد اجتماعات بين المسؤولين الأمنيين لتبادل المعلومات والرأي حول القضايا الأمنية، وإننا نثق بأن ذلك سيكون في مصلحة القُطرين، وسوف يساعد ذلك على فتح الحدود تدريجياً، وإن الأردن وتركيا يريدان وضع سوريا والعراق بين فكّي كماشة بدعم من إسرائيل، ولا بد من تفويت الفرصة عليهم».
ويضيف التقرير: «عند الساعة العاشرة من صباح الاثنين، في 3 يونيو 1996، أبلغني أنور صبري أن الصحاف سيكون برفقتي للقاء صدام. وبعد الوصول إلى مقر إقامة الرئيس دخلنا مباشرة إلى القاعة الرئيسية، حيث كان يقف الرئيس في ثلثها الأخير، فسلّم ورحّب وجلس متذكراً اللقاء معه ضمن وفود عربية ثلاث مرات سابقة... تحدث الرئيس صدام مقدّماً التحية للرئيس حافظ وخدام، وقال: إننا مطلعون على كل الاتصالات التي تمت سابقاً وعلى تفاصيلها، وهي إيجابية وتؤكد الحرص على مواجهة الظروف الصعبة والتآمر على القُطرين. إن توجيهاتنا بأن تستمر الاجتماعات، وأن تجتمعوا كلما اقتضى الأمر، حتى تنضج العمليات التي يراها الأشقاء في دمشق. نحن نرغب في قيام علاقة بين سوريا والعراق على أسس جديدة تختلف عن العلاقات السابقة، وتقوم على الثقة. هذا النهج الذي نسير عليه مع سوريا نتبعه مع الدول الأخرى أيضاً، وتحكم علاقاتنا مع أي قُطر عربي الإيجابية والأهمية، ولا توجد علاقة تَفوق في الأهمية علاقة العراق مع سوريا».
وتابع صدام: «أوضحنا للإخوان في سوريا أن إمكانية إقامة علاقات جيدة بين الدولتين متوفرة ومرغوبة من العراق، وقدّمنا مبادرة بنقاط محددة، وتلقينا إشارات إيجابية ومشجّعة، وبقي أن نترك الأمر لسوريا وحسب ظروفها وما تراه في هذا الشأن. إن إطّلاع الآخرين على ما سيتم بين سوريا والعراق حالة إيجابية وضرورية، وليست حالة سلبية، وإطلاع إيران عمل إيجابي، رغم كونها دولة أجنبية، وهي تتعرض لضغوط والتنسيق معها مفيد، رغم أن نظرتهم للأمور نظرة قاصرة، لأنهم يريدون تحقيق (كل شيء أو لا شيء)، وحاولنا معهم كثيراً وحققنا بعض النجاح في إقامة علاقات، ولو بسيطة. وقلنا للإيرانيين: نحن جيران، أخطأتم التقدير والتصرف في كذا موضوع، ونحن أخطأنا أيضاً في موضوعات أخرى، ونرغب حالياً في إقامة علاقة طيبة، ونترك للزمن تطويرها باتجاه أفضل. لم يحلّوا مشكلة الأسرى، ولم يعيدوا الطائرات رغم محاولاتنا، وتلقينا بعض الإشارات الإيجابية، ثم السلبية، وهكذا. والملك حسين مخطئ جداً لارتباطه بالأجنبي، وقلت للملك حسين أن يكون حراً في علاقاته ويتصرف وفق ما يسعد بلاده، ولا يؤذي العراق، ولكنه اختار العكس. لفت انتباهي رسالة الاعتذار من الملك حسين إلى الرئيس الأسد، وهي رسالة عجيبة، لأنها تدل على أنه أخطأ عن عمد، وأنه من الحكام الذين لا يخجلون مما يفعلون. أرجو أن يطمئن الرئيس حافظ أن ظروفنا صعبة، لكننا صبرنا، ونجم عن الصبر فاعلية في العمل الجاد، وتصميم على تجاوز الظروف، ويتحمل كل مواطن دوره، وأثبت المواطن مواطنيته».
وقال صدام إن موضوع مرور النفط عبر سوريا «قضية استراتيجية بالنسبة لنا، ولا نحسبها بالربح والخسارة أو غير ذلك من الأمور. المهم أن يمر النفط ويُشغَّل الخط ولو بألف برميل، تحسباً للمستقبل، ونتوقع أن يستمر تدفق النفط بكميات متزايدة». ثم قال: «أرجو إبلاغ الأشقاء بأننا مستعدون للتعاون في هذا المجال، ولإرسال وفد لإنجاز الإجراءات الشكلية اللازمة، وكذلك لدراسة الأمور الفنية والمتطلبات اللازمة لتجهيز الخط، ونأمل أن نتلقى الإجابة سريعاً».
في تلك الليلة، أبلغ القيسي بكور بأن الصحاف يريد لقاءه قبل المغادرة لدمشق «لنصف ساعة فقط». وتم اللقاء في مكتبه، حيث «أعلمني بأن الرئيس صدام اطّلع على مقابلة (وزير الدفاع الراحل) العماد مصطفى طلاس مع مجلة (الشروق) التي يروي فيها تفاصيل اغتيال الرئيس هواري بومدين، واتهامه للرئيس صدام بذلك. واستغرب الرئيس صدام من هذا التصريح الذي صدر في 3 أبريل (نيسان) 1996، عندما كانت الاتصالات الإيجابية والمشجّعة بين البلدين، وقد كان توجيه الرئيس صدام بألا تردّ الصحافة على الموضوع، حرصاً على العلاقات مع سوريا. لذلك فإن الرئيس لم يشأ طرح الموضوع في أثناء اللقاء البارحة، وطلب إعطائي صورة عن المقال لإطلاع الإخوة في دمشق ومعالجة الأمر وفق ما يرتأون».

الحلقة (1): حافظ الأسد تلقى بحذر أول رسالة من صدام حسين... واختبره قبل الرد

تحالفات ومؤامرات خيّمت على «رسائل الغزل» بين الأسد وصدام
الحلقة (3): شيراك عرض على الأسد نزع سلاح «حزب الله» مقابل البقاء في لبنان
الحلقة (4): الأسد فتح الحدود مع العراق ونصح صدام بـ«إسقاط الذرائع» لتجنب ضربة أميركية
الحلقة الخامسة والأخيرة: كلينتون حاول «تحييد» الأسد إزاء قصف العراق باستئناف المفاوضات مع إسرائيل
 



اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.


تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
TT

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

يتصاعد القلق الدولي من تداخل المسارين العسكري والإنساني في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انخراط الجماعة الحوثية في الحرب الدائرة إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات أممية من تدهور غير مسبوق في مستويات الأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة.

وتُجمِع التقديرات على أن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجبهات، بل سيمتدّ إلى حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون، بالفعل، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

يأتي ذلك في وقتٍ تشير فيه تقارير حديثة إلى أن توقيت انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية لا يزال مرتبطاً بحسابات استراتيجية أوسع تقودها طهران، وسط مخاوف من أن يتحول اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد الغذائي والاقتصاد الهش.

في السياقين السياسي والعسكري، تعززت المؤشرات على أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لا يزال مؤجَّلاً بانتظار توقيت مناسب تُحدده القيادة الإيرانية، وتحديداً دوائر صنع القرار المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحوثيين عسكرياً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وتؤكد تصريحات قيادات في الجماعة أن الجاهزية العسكرية قائمة، لكن تفاصيل التحرك تبقى رهناً بما وصفوه بـ«عنصر المفاجأة»، وهو ما يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي قد تؤديه الجماعة، ضِمن شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

وتذهب تحليلات دولية إلى أن هذا التأجيل لا يعكس حياداً بقدر ما يمثل جزءاً من استراتيجية إدارة التصعيد، حيث يجري الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط يمكن تفعيلها في مراحل لاحقة من الصراع. ويُنظَر إلى هذا التكتيك على أنه يهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الخصوم، دون استنزاف مبكر للأدوات الإقليمية.

أزمة تتجه نحو الأسوأ

بالتوازي مع هذه التطورات، حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للتفاقم، خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، وهي فترة الذروة السنوية لاحتياجات المساعدات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 16 مليون يمني قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية خلال هذه الفترة، في ظل استمرار تدهور سُبل العيش وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب التراجع الحاد لفرص العمل والدخل.

كما أن معظم مناطق اليمن، وفق هذه البيانات، ستظل ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي أو أسوأ، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان تُواجه أزمة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ثلاث محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

ويُعزى هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، وفي مقدمتها استمرار النزاع، والانهيار الاقتصادي، وتقلبات المناخ، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات. كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر يزيد من صعوبة حصول الأُسر على الغذاء، خصوصاً في ظل تآكل القدرة الشرائية.

وتُظهر البيانات أن حدة الأزمة تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن ثلاث محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين هي الحديدة، وحجة، وتعز ( الأخيرة خاضعة جزئياً)، مرشحة للوصول إلى مستوى الطوارئ في انعدام الأمن الغذائي، وهو من أخطر المراحل التي تسبق المجاعة.

ولا تبدو المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً بمنأى عن الأزمة، حيث يُتوقع أن تواجه بعض الأُسر في محافظات مثل لحج والضالع وأبين وشبوة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الأزمة، بشكل أكبر، بسبب تعليق المساعدات الغذائية في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، ما أثّر على أكثر من تسعة ملايين شخص كانوا يعتمدون عليها بشكل أساسي.

في المقابل، يخطط برنامج الغذاء العالمي للوصول إلى نحو 1.6 مليون مستفيد في مناطق الحكومة الشرعية، خلال العام الحالي، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، مقارنة بحجم الاحتياجات.

مؤشرات مُقلقة

تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في اليمن لا يزال عند مستويات مُقلقة، حيث لم تتمكن 64 في المائة من الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية مع نهاية عام 2025، في حين يعاني 37 في المائة من السكان الحرمان الغذائي الحاد.

كما تضطر الأسر إلى إنفاق نحو 72 في المائة من دخلها على الغذاء، ما يترك هامشاً ضيقاً للغاية لتغطية بقية الاحتياجات مثل الصحة والتعليم. ولجأت نحو 59 في المائة من الأسر إلى استراتيجيات تكيُّف قاسية، من بينها تقليص الوجبات أو التسول، مع تسجيل نسب أعلى في مناطق سيطرة الحوثيين.

غلاء الأسعار يشكل قيوداً كبيرة على حصول الأُسر اليمنية على الغذاء (الأمم المتحدة)

وتبرز مشكلة سوء التغذية كأحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يعاني نحو 2.5 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم نصف مليون في حالة حرجة، إضافة إلى تأثر 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع. وترتبط هذه الأرقام بانتشار الأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، وفقدان مصادر الدخل.

كما سجلت تقارير الرصد ارتفاعاً في مؤشرات الإنذار المرتبطة بواردات الغذاء والوقود، حيث تجاوزت الأسعار المستويات العالمية بشكل كبير، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويحدّ من قدرة السكان على التكيف.


مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج للتعثر الذي يتواصل منذ إعلان المرحلة الثانية من الاتفاق منتصف يناير (كانون الثاني) دون تقدم.

تلك المشاورات تعول «حماس» أن تحقق اختراقاً في مشهد التعثر الحالي للاتفاق لأسباب بينها استمرار حرب إيران، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد اتفاق غزة لطريقه ووقف الخروقات وبحث حلول للأزمات اليومية في القطاع جراء الحصار الإسرائيلي.

مشيِّعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا خلال ضربة إسرائيلية استهدفت منزلاً بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

وأجرت «حماس» سلسلة لقاءات مع مسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية، إضافة إلى اجتماع مع المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف، جرى خلالها استعراض مجمل التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بملف غزة، وفق تقارير نقلتها وسائل إعلام بالبلدين الوسيطين مصر وقطر.

وقف الخروقات ودمج عناصر «حماس»

وقال مصدران مقربان من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، إن وفداً للحركة برئاسة نزار عوض الله، وضم أيضاً القيادي غازي حمد، التقى مسؤولين أمنيين بمصر وكذلك مبعوثين لمجلس السلام، وناقشوا ملفات عديدة بينها خروقات إسرائيل لاتفاق غزة، ودمج موظفي «حماس» بالشرطة، وتشغيل معبر رفح، وعمل لجنة إدارة غزة التي يفترض أن تتسلم مهامها من الحركة بالقطاع.

وتحدث أحد المصدرين عن أن موضوع نزع سلاح «حماس» كان مطروحاً في أحد المناقشات، ولكن حسمه مؤجل لحين نشر الشرطة الفلسطينية ونشر قوات الاستقرار الدولية، لافتاً إلى أن «حماس» تنتظر دفعاً أميركياً لاتفاق غزة ووقف إسرائيل لخروقاتها.

في سياق متصل، أكد مصدر من لجنة إدارة قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن اللجنة لم تلتق وفد «حماس»، متحفظاً على تقديم أسباب.

وكانت ثلاثة مصادر تحدثت إلى «رويترز»، الاثنين، وأفادت بأن مبعوثين من «مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التقوا مطلع الأسبوع ‌بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، متوقعين عقد اجتماعات إضافية هذا الأسبوع، دون تحديد موعدها.

وعقب الاجتماع، أعلنت إسرائيل، في بيان، الأحد، أنها ستعيد قريباً فتح معبر رفح بين غزة ومصر، والمغلق منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.

ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر قوله إنه يعتقد أن ما أعلنته إسرائيل كان نتيجة مباشرة للاجتماع بين «حماس» و«مجلس السلام»، المكلف بالإشراف على قطاع غزة بعد توقف القتال فيه.

وكشفت إذاعة «مونت كارلو» الدولية، الثلاثاء، أن حركة «حماس» تستعد لبدء جولة محادثات جديدة في القاهرة، رغم التوتر الأمني في المنطقة، لبحث سبل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي توقفت منذ اندلاع الحرب مع إيران مطلع الشهر الجاري.

أسرة فلسطينية فوق مبنى مدمر جراء القصف العسكري الإسرائيلي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور أحمد فؤاد أنور، إن زيارة وفد «حماس» تأتي في توقيت مهم وتتواكب مع تصعيد إسرائيلي بالمنطقة، لافتاً إلى أن مباحثات الحركة بالقاهرة التي شهدت أكثر من مستوى، سواء مع مجلس السلام أو الجانب المصري، تعطي تطمينات بأن الاتفاق لا يزال قائماً وتبحث خروقات إسرائيل، وبالوقت ذاته تبحث عن صياغة للمستقبل القريب، خاصة القضايا المرتبطة بعمل لجنة إدارة القطاع وملف نزع السلاح وغيرهما.

إبقاء الملف في دائرة الضوء

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن مشاورات «حماس» في القاهرة تقول إن ثمة زخماً جديداً بشأن «اتفاق غزة»، ومحاولة مصرية لإبقاء الملف في دائرة الضوء وعدم توقفه، متوقعاً أن يستمر هذا الزخم لإعادة فك تجميد الاتفاق المتعثر حالياً.

ومنتصف يناير الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

غير أن «هيئة البث الإسرائيلية»، تحدثت السبت، بأن القوة الدولية سيبدأ نشرها في قطاع غزة اعتباراً من مايو (أيار) المقبل.

والاثنين، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت التهدئة»، وفق بيان للخارجية المصرية.

ويرى أنور أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد «اتفاق غزة» لطريقه في ظل الاضطرابات العالمية جراء حرب إيران، متوقعاً استمرار مثل هذه اللقاءات واستمرار الموقف المصري الداعم لوقف إطلاق النار وإعمار القطاع.

ويتوقع الرقب استمرار زخم دفع اتفاق غزة للأمام بحراك مصري على أمل أن يحدث اختراق أو انفراجة في المشهد المتعثر منذ أسابيع.