بن مبارك لـ«الشرق الأوسط»: اليمن على حافة الهاوية... والحوثيون حركة عنف واستيلاء

وزير الخارجية اليمني قال إن معضلة البلاد طوال العقود الماضية الاستئثار بالسلطة والثروة

د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
TT

بن مبارك لـ«الشرق الأوسط»: اليمن على حافة الهاوية... والحوثيون حركة عنف واستيلاء

د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)

رغم إقرار وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني، الدكتور أحمد عوض بن مبارك، بأن اليمن يقف اليوم على قمة حافة الهاوية، فإنه أكد أن ثقافة التحكيم والتسويات في العقلية اليمنية لن تسمح بالذهاب إلى أبعد من ذلك.
ويذكر الوزير بأن جماعة الحوثي جاءت بتحالفات مشوهة، واستفادت من ضعف كل المكونات السياسية اليمنية، كما يرى أن معضلة اليمن طوال العقود الماضية تتمثل في الاستئثار بالسلطة والثروة، واستخدام السلاح في حسم الأمور.
وفي حوار موسع أجرته معه «الشرق الأوسط»، لم يفك الوزير غموض الوساطة العمانية التي ما زالت حتى اليوم مجهولة النتائج، إلا أنه عد أن لدى العمانيين معطياتهم، وربما حرصهم، لبذل مزيد من الجهود، وربما عدم تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن.
ويرى الوزير أنه من غير المنصف الحديث عن فشل الشرعية في تقديم نموذج للحياة في المناطق المحررة، مبيناً أن شبوة وحضرموت ومأرب والمهرة نماذج ناجحة، رغم بعض التحديات، فيما فشلت في عدن بسبب إجبارها على المغادرة مرات عدة.
وتحدث بن مبارك الذي شغل منصب سفير بلاده في واشنطن نحو أربع سنوات، قبل أن يؤدي القسم نهاية العام الماضي، عما قيل عن وجود خطوط حمراء لتحرير صنعاء، وأن إنفاذ سلطة القانون والدستور على كامل التراب اليمني قضية دستورية شرعية، لافتاً إلى أن عودة الرئيس ونائبه لليمن مرتبطة بتوفر الظروف المناسبة... وفيما يلي تفاصيل الحوار:
> اليمن اليوم يبدو كالمركب التي تتقاذفها الأمواج... إلى أين تسير دفة البلاد؟
- لا شك أن البلاد تواجه تحديات كثيرة، وهناك معطيات قد تبعث على التشاؤم، لكن رغم كل ذلك أرى كثيراً من الفرص أمامنا؛ الأرضيات المتعلقة بالحلول متوافرة، خاصة إذا ما قارنا ملف اليمن بملفات أخرى في المنطقة، فلدينا توافقات تحدد كثيراً من الأسس للمرحلة المقبلة، وما نحتاج إليه هو مراجعة بعض تلك الأسس وتحديثها وفقاً للمستجدات التي أنتجتها الحرب، ولا أرى أن اليمن سيذهب بعيداً عن هذه الأرضيات. التحدي الرئيسي أمامنا هو إيقاف الحرب، ومن ثم سيتم مناقشة خيارات اليمن المقبلة، وفق الأسس التي تحدثنا عنها.
ومن وجهة نظري، فإن إشكالية اليمن طوال السنوات الماضية كانت مسألة الاستئثار بالسلطة والثروة، واستخدام السلاح في حسم الأمور، لكن لدينا كثيراً من المشتركات للجلوس بعضنا مع بعض. باختصار ومن دون تفاؤل مفرط: هناك تحديات صعبة، وفي الوقت نفسه هناك فرص كثيرة، إذا ما استغلت يمكننا العبور.
> لكن وفقاً للمعطيات الحالية، برأيك هل تتجه البلاد نحو سلام أم ما يشبه الصوملة والحرب الأهلية؟
- الحقيقة أننا نعيش خيار الصوملة، فواقع الحال أن هناك احتراباً داخلياً اليوم وصراعات كثيرة، ولأول مرة بدأنا نرى صراع هويات، وهو جديد على المجتمع اليمني. لكن أعتقد أن الإرادة الجمعية لليمنيين لا يمكن أن تسمح بذلك، فإرث اليمن وبُعدها الحضاري وما لديها من مخزون وبنية اجتماعية وقبلية ودينية تحمي هذا الأمر، ولا تسمح بالذهاب إلى آخر الطريق؛ نحن على قمة حافة الهاوية، لكن ثقافة التحكيم والتسويات في العقلية اليمنية لا تسمح لنا بالذهاب إلى أبعد من ذلك.
> ماذا عن الغموض الذي يكتنف الوساطة العمانية حتى اليوم؟
- قد باركنا الوساطة العمانية، كما باركنا وسنبارك أي جهد يدفع باتجاه تحقيق السلام؛ ما هو مطروح اليوم يدفع باتجاه وقف إطلاق النار، والعودة إلى الجلوس على طاولة الحوار، وهو بداية طريق طويل في عملية السلام، وأي جهد من أي جهة نرحب به، لا سيما الأشقاء في سلطنة عمان الذين يربطنا بهم الجوار والتاريخ.
> هل أبلغكم الجانب العماني بما توصلوا إليه مع الحوثيين؟
- لم نبلغ رسمياً بأي تفاصيل متعلقة بنتائج زيارتهم إلى صنعاء.
> لماذا برأيك؟ وهل هو مؤشر على رد سلبي من الحوثيين؟
- قراءتنا أنهم لم يأتوا بشيء يمكن البناء عليه، وكذلك حرص من قبل الأشقاء في السلطنة عمان على بذل مزيد من الجهود لإحداث اختراق حقيقي، لكننا نؤكد على مباركتنا لأي جهد من أي جهة في مسار السلام.
> هل تتفقون مع القول إن سبب قوة الحوثي حتى اليوم هو ضعف الشرعية؟
- أتفق تماماً، لكن ليس بضعف المؤسسة الشرعية، بل بضعف كل المكونات السياسية اليمنية حتى قبل دخول الحوثي صنعاء؛ الحوثي ما كان له أن يدخل صنعاء ويحقق ما حققه لولا أنه لعب على كثير من التناقضات والخلافات التي كانت موجودة بين القوى السياسية اليمنية التي تناهض المشروع الإيراني في المنطقة، كذلك بسبب فتح العاصمة والمعسكرات لهم من حلفاء رئيسين لهم آنذاك. الحوثي لم يأتِ بقوته، بل جاء بتحالفات مشوهة. واليوم، وكل هذه الأطراف أصحبت تعاني من الحوثي، وموجودة خارج صنعاء، آن الأوان لكل القوى السياسية لأن تتجاوز خلافات الماضي، وتنظر لطبيعة التحدي الرئيسي، وتتحد من أجل ثوابت جميعنا ندافع عنها.
> بعد 6 سنوات من الحرب وانهيار البلاد... لماذا لا تزال القوى السياسية اليمنية غير موحدة؟
- لاشك أن هناك تحديات أمامها، وهناك جهد صادق يبذل من كثير من القيادات السياسية، لكنها لم توفق، وكثير من هذه القوى صادرة أحكام إعدامات ضدها، ونهبت ممتلكاتهم، وهم موزعون على قارات العالم الخمس، ويواجهون تحدي في العمل من المناطق المحررة. ومع ذلك، أعتقد أن هناك إشكالية تتطلب تجاوز كل إرهاصات الماضي، وعلينا جميعاً أن نسمو فوق هذه القضايا ونتجاوزها. أتذكر في مؤتمر الحوار الوطني الشامل أنني وصفته بالمحطة الجديدة، ولم يعد هناك ستون وسبعون (في إشارة إلى ساحة الستين وساحة السعبين إبان ثورة فبراير/ شباط 2011)، وأصبحت لدينا محطة واحدة هي الحوار. واليوم، بعد 7 سنوات من الحرب، لدينا محطة أهم على الجميع التوحد فيها ونسيان كل الخلافات.
> هل تعتقد أن بعضهم ما زال يفكر بعقلية المحاصصة والحزبية؟
- ما زال اجترار الماضي يؤثر أحياناً على بعض المواقف، لكننا نسمع من كل الأطراف نية جادة لتجاوز هذا الأمر، ولكن هذه النية لم تحول بعد إلى خطوات عملية.
> سؤال يطرحه كثير من اليمنيين: لماذا لم تنجح الشرعية حتى اليوم في تقديم نموذج إيجابي للحياة في مناطقها؟
- دعني أعطيك مثالاً واضحاً: في ديسمبر (كانون الأول) من العام المنصرم، عادت الحكومة إلى عدن، وأعطى ذلك نموذجاً للمحافظات المحررة، فقد ارتفع منسوب الأمل في أوساط الناس، وحصل تحسن في كثير من القطاعات، أهمها الريال اليمني، وبدأت العجلة تسير، ثم صادفنا تحدياً حقيقياً في الميدان (المسألة الأمنية)، واضطرت الحكومة إلى أن تغادر؛ المسألة الأمنية هي نتيجة وليست سبباً؛ نحن في مرحلة قائمة على الشراكة، ويستلزم ذلك المسؤولية المشتركة.
وليس من الإنصاف القول إن كل المحافظات المحررة ليست نموذجاً، فشبوة نموذج اليوم على الاستقرار والتنمية، إذ إن هناك تحسناً في ملفي التنمية ومكافحة الإرهاب، وقد قطعنا شوطاً في مسألة الأمن والتنمية. كذلك حضرموت، حيث إن الدولة هي الحاضرة. وفي المهرة، الخدمات اليوم أفضل من مستوى ما قبل الحرب، كذلك مأرب تقدم نموذجاً لولا الهجوم الحوثي منذ فبراير (شباط) الماضي، فحجم التنمية والخدمات والاستقرار الذي شهدته مأرب، والزيادة السكانية، أفضل منه قبل 10 سنوات، وهناك جامعة ومطارات تبنى، وتزود المحافظة كل اليمن بالغاز، بما في ذلك مناطق الحوثيين.
وبالتالي، فالحديث بشكل إجمالي عن أن الوضع سيئ غير منصف، ففي المناطق التي توفر للحكومة القدرة على السيطرة يحل الأمن والاستقرار. وفي عدن لم نستطع تقديم هذا النموذج لأن الحكومة كانت تأتي 3 - 4 أشهر ثم تجبر على المغادرة. أما الكهرباء التي يشتكي منها الناس، فإن قدراً كبيراً من دخل الدولة يذهب في المشتقات النفطية التي تغذي العاصمة عدن، والرواتب للقطاع المدني في كل المحافظات المحررة منتظمة بفضل الحكومة، وكل المشاريع عبر البنك الدولي والمؤسسات الدولية الطرف الرئيسي فيها الحكومة حتى في مناطق تحت سيطرة الحوثيين، وعليه فمن الإجحاف الحديث عن عدم وجود شيء.
> ماذا عن الوضع الحالي في مأرب؟ وهل هناك مخاوف من سقوطها؟
- لدينا قناعة كاملة مطلقة بأن مأرب لن تسقط، فهي التي أسقطت رهانات الحوثي عندما سقطت كل الدولة في فترة لم يكن فيها جيش وطني، ولا حشد وتنظيم، ولا التحالف العربي، وهي التي أوقفت التمدد الحوثي في فترة صعبة، فما بالك اليوم ومأرب فيها سلطة محلية مشهود لها بالكفاءة، وهناك جيش وطني وقبائل أبية، وتحالف عربي يدرك أهمية مأرب الجيواستراتجية ودورها في تغيير الصراع.
مأرب كما أسقطت الرهانات السابقة ستسقط وهم الانتصار العسكري الذي يراهن عليه الحوثيون، علماً بأن الحوثيين إذا وصلوا مأرب لن يتوقفوا عندها، فأطماعهم لا تقف عند حدود اليمن، بل ينظرون للجزيرة العربية كلها، وهم مستمرون في الحشد والهجوم على مأرب، ويتلقون الدعم سواء من إيران أو أداوتها، وقد سمعنا حسن نصر الله يصور معركة مأرب بكربلاء جديدة، لكن صمودنا في مأرب أسقط رهاناتهم جميعاً.
> هنا يطرح سؤال: لماذا لا تفتح جبهات أخرى لتخفيف الضغط على مأرب؟
- نحن اليوم حريصون على مأرب، وحجم خسائر الحوثيين فيها كبير جداً لا يمكن وصفه، وتركيز الجهد وإضعاف الحوثي في هذه المعركة يتطلب كسره فيها.
> هل هناك خط أحمر يمنع تحرير صنعاء... كما تحدث بذلك مسؤولين في الشرعية نفسها؟
- إنفاذ سلطة القانون والدستور على كامل التراب اليمني قضية دستورية شرعية لا خطوط حمراء فيها، فالقوانين الإنسانية والدستور اليمني والقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن جميعها تتحدث عن الدولة اليمنية المعترف بها، ووحدتها وأمنها واستقرارها وسيادتها على أراضيها؛ بالتأكيد نحن حريصون على أرواح المدنيين، وتجنيب المدن المكتظة بالسكان ويلات الحرب، ولذلك نمد أيدينا للسلام في أي فرصة. وفي الحديدة، كنا قاب قوسين من تحرير المدينة، ثم تعالت الأصوات واستجبنا، والاتجاه العام لدينا أن كل ذرة تراب في اليمن هي حق.
> هل أنتم نادمون على إيقاف عملية تحرير الحديدة؟
- أعتقد لسنا نحن فقط، بل المجتمع الدولي كله يراجع ما حدث في الحديدة. فبعد ثلاث سنوات من اتفاق استوكهولم، يبدو الوضع في الحديدة أسوأ إنسانياً وأمنياً وعسكرياً، وهي اليوم مركز لتصنيع القوارب المفخخة التي تهدد الملاحة الدولية. وطوال ثلاث سنوات، لم يسمح الحوثيون لأي مواكب إنسانية بالدخول لإعانة الحديدة، وأصبحت المدينة مقسمة لأشلاء عبر الأنفاق والخنادق والسواتر الترابية، وبعثة الأمم المتحدة منذ عامين غير قادرة على عقد اجتماع واحد، وقد استأجرت باخرة بملايين الدولارات لعقد اجتماعاتها في البحر.
لقد كان الهدف من اتفاق استوكهولم معالجة وضع مدينة وميناء الحديدة، وتنفيذها لليوم صفري، ورفع الحصار عن تعز كذلك صفر؛ الملف الوحيد كان تبادل الأسرى، وهو ملف نوقش قبل استكهولم، وأتُي به بصفته فاكهة جاهزة للقطف، ومع هذا تعنت الحوثيون بشأن هذا الملف في لقاءات الأردن الأخيرة.
على العالم مراجعة ما تم في استكهولم، وأن نضمن ألا يتكرر في أي اتفاق لاحق؛ علينا التركيز على النتائج وليس العمليات، المهم أن نرى نتائج مستدامة قابلة للتطبيق بوجود ضمانات.
> لماذا لا يعود الرئيس ونائبه إلى المناطق المحررة؟
- لا يمنع عودتهما سوى توفر الظروف المناسبة؛ تخيل لو كان الرئيس معنا في مطار عدن في ظل التفجير الإرهابي الذي حدث، وهو عمود الخيمة وشرعيتنا الدستورية التي نحرص على المحافظة عليها لأنها المشروعية التي تعبر عن الشرعية والدولة! ليس هناك ما يمنع سوى توفر الظروف الطبيعية، وقد كان هذا الهدف من عودة الحكومة وتطبيع الأوضاع، ثم بعد ذلك عودة الرئيس وكل مؤسسات الدولة، من الرئاسة والبرلمان.
> بحكم معرفتك بالحوثيين، بعضهم يتحدث عن جناحين في الحركة، سياسي وآخر عسكري، يوجد صراع بينهما، ما مدى دقة ذلك؟
- اليوم، هناك ما يعرف بالحوثيين والمتحوثنين، فالحوثيون عندما تحولوا لسلطة أمر واقع تحوث كثيرون للاستفادة، سواء ترهيباً أو ترغيباً؛ لا شك أنها ليست مجموعة متماسكة، لكن الحركة نفسها هي حركة عنف واستيلاء تسلطية، تعتقد أنها صاحبة الحق ورؤيتها حتمية نهائية كونية إلهية، ويجب أن تفرض ذلك على الآخرين، وهذا يجعلها عصية على القبول بالحلول؛ عندما يواجهون أي إخفاق يعدون ذلك اختباراً إلهياً يجب اجتيازه، وعندما يحققون تقدماً في تبة واحدة يعدون ذلك نصراً إلهياً.
طوال السنوات الماضية، يوجد جناح في الحركة لا يمكننا تسميته (معتدل)، ويجب علينا الحذر في إطلاق مثل هذه العبارات على حركة عنيفة مثل الحوثيين، لكن يمكننا تسميته جناح من تمرس السياسة. ويدرك هؤلاء أن هناك مجالات سياسية يمكن الخوض فيها، لكنهم دائماً يصطدمون بالمجموعة التي لا ترى الأمور سوى أبيض أو أسود، وهي صاحبة القرار.
ولا يمكننا كذلك إغفال أن كثيراً من القيادات الحوثية اليوم أصبحت مستفيدة بشكل كبير من استمرار الحرب، وليس من مصلحتها إيقافها، ويعلمون أن عودة الدولة يعني إيقاف كل هذه الممارسات.
> كيف تنظرون للدور الإيراني في اليمن، ووصول رئيس جديد يوصف بأنه الأكثر تشدداً في تاريخ رؤساء إيران؟
- في إيران، تغيير الرئيس لا يغير شيئاً. فمنذ عام 1979، كان المرشد الأعلى هو الحاكم الفعلي لإيران، وهناك فقرة في الدستور تتحدث عن دولة بطابع طائفي، وأمر أخطر، وهو تصدير الثورة. وبالتالي، فمهما تعاقبت الحكومات، مرة بوجه إصلاحي ومرة محافظ، فإن ما لمسناه منذ ذلك الوقت مع تغير الوجوه دائماً يظل الإشكال: إيران دولة كبيرة ودولة جوار، وليس لدينا معها -الحضارة والشعب والجغرافيا- أي مشكلة؛ مشكلتنا الرئيسية في هذا النهج الذي يعتقد أنه صاحب حق في تصدير ثورته ورؤيته إلى دول الجوار، ونحن في اليمن أكثر ما نعاني منه هو «الحرس الثوري» المرتبط بالمرشد.
> يتداول اليوم توجه لإصدار قرار جديد من مجلس الأمن بحجة أن (2216) أصبح غير صالح للمرحلة الحالية... هل أنتم مستعدون لمناقشة أي تسوية تستبعد هذا القرار؟
- أعتقد أن قرار (2216) يوفر أساساً قانونياً يتسق مع القانون الدولي، وكل قرارات الأمم المتحدة، وأي حديث خارج هذا الإطار يشكل سابقة دولية لا يمكن للمجتمع الدولي أن يجابه نتائجها، ليس فقط في اليمن بل على مستوى العالم؛ القرارات الدولية عادة تستند إلى منظومة من الأسس والقوانين، و(2216) يصف واقع الأمر كما هو، ويتحدث عن آليات التحول الديمقراطي واحترام قوانين الدول وسيادتها والانتخابات والدستور، وهل يجب مكافأة جماعة آيديولوجية تأتي بالسلاح وتحتل العاصمة؟ هل المجتمع الدولي يمكن أن يغير هذه المفاهيم التي تنظم طبيعة العلاقات الدولية؟ أعتقد هذا حديث خارج السطر.
كذلك الحديث عن أن (2216) يشكل عائقاً حديث عجيب، ففي الكويت ناقشنا تفصيلاً حلول متعلقة بالمستقبل والشراكة، وقبول الحوثي بصفتهم جماعة، وترتيبات أمنية وعسكرية وسياسية، ولم يكن القرار هو العائق، بل كانت إرادة الحوثيين نحو السلام، وإرادة إيران بالدفع نحو هذا التوجه؛ الحديث في هذا الموضوع يتجاوز أساس المشكلة. واليوم، هناك مقترح عملي بسيط يأخذ بكل شواغل الحوثيين، ويجمع عليه كل العالم، وهو مطروح، ومن يرفضه هم الحوثيون، ولا علاقة لقرار (2216) بالأمر.
> انتقل لاتفاق الرياض والجهود السعودية الأخيرة لتجاوز الخلافات مع المجلس الانتقالي الجنوبي: أين وصلتكم؟ وهل هناك عودة قريبة للحكومة إلى عدن؟
- بداية، الحكومة عادت إلى عدن، بحسب اتفاق الرياض، على أساس تنفيذ كل بنوده المعلنة. وأصدر الرئيس قراراً بتعيين محافظ ومدير أمن، ولم يمُّكن مدير الأمن المعين من قبلنا، وتم تغييره، وقبلنا وذهبنا لتوفير أرضية مشتركة للعمل، وأمضينا أشهر في عدن، وقدمنا تشكيل الحكومة على الجانب العسكري والأمني خلافاً للاتفاق حرصاً منا على التنفيذ، كما عدنا من دون أي ترتيبات أمنية من قبلنا، وتعاملنا مع الأمر بكل أريحية، واتسم عمل الحكومة بمستوى عالٍ من الإيجابية، لكن واجهنا التحدي الأمني وتصعيد الخطاب الإعلامي، وتطور الأمر لحادثة اقتحام قصر معاشيق، لذلك غادرت الحكومة مجبرة، ولم تخرج كاملة، فهناك عدد كبير من الوزراء في عدن من كل الأحزاب، لكن كان لا بد من معالجة هذا الإشكال، خاصة الجانب الأمني والعسكري.
واليوم، هناك جهود كبيرة تبذل، وأجواء إيجابية على مستوى النقاش لم تنعكس بعد على مستوى التنفيذ، ويمكنني القول إن أفكاراً إيجابية تناقش بمستوى عالٍ من المسؤولية، لكنها لم تصل إلى تفاهمات نهائية بعد، ثم الانتقال إلى مستوى التطبيق، ونحن نثق ونراهن على دور أشقائنا في السعودية، بصفتهم راعياً لهذا الاتفاق، وعلى حرص كل مكونات الشرعية، بما فيها الانتقالي الذي أصبح جزءاً أصيلاً من الشرعية، على ذلك، وسنبذل كل الجهود المطلوبة لبناء الثقة، والمضي قدماً في استكمال تنفيذ الاتفاق.
> معالي الوزير، هل يمكنكم توضيح ما أثير مؤخراً بشأن الجزر اليمنية وقضية السيادة، لا سيما سقطرى وميون؟
- بداية، استكمال تنفيذ اتفاق الرياض وفقاً للصيغة المتفق عليها التي تضمن وجود مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية سيعالج كل هذه القضايا، بما فيها الوضع في سقطرى، والثابت لدينا هو سيادة اليمن على كل مدنه وجزره وأجوائه وبحاره، وسبق أن أكدت عدم وجود أي اتفاقية عقدت بين الجمهورية اليمنية وأي طرف آخر في مسألة الجزر أو المعسكرات؛ هذا أمر لم يتم. وإذا تم يجب أن يكون من خلال المؤسسات الدستورية، ممثلة بمجلس النواب، لكن بالتأكيد هناك تعاون كبير جداً ضمن التحالف العربي وعمليات عسكرية مشتركة، ومعارك قائمة تستلزم بعض الترتيبات، ونؤكد أن اليمن حريص على سيادته على كامل أراضيه ووحدته الترابية، لكن هناك شراكة وتنسيقاً في معركة قائمة قد تتطلب جملة من التنسيقات ليس المجال لذكرها.
> إلى أي حد يؤثر ملف الفساد في الحكومة على أدائها وتعامل الخارج معها؟
- علينا الإقرار بأن الدولة اليمنية تعاني تاريخياً من إشكالات هيكلية حتى قبل ثورة 2011. فقد كان هناك ضعف في البنية الرقابية، فما بالك بعد سقوط الدولة إثر الانقلاب، إذ عانت الدولة من تهتك مؤسساتها وأجهزتها الرقابية. نعم، هناك خلل في هذه المنظومة، ونحن في حكومة الكفاءات السياسية كان أحد أهم المبادئ تقوية الأداء الرقابي لمؤسسات الدولة ومكافحة الفساد، لكن في المقابل هناك مبالغة كبيرة في هذا الأمر. وكما تعلمون، فإن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أصدر تقريراً، وبنى قراراته على كثير مما يدار في الصحف وبعض الوشايات، ثم بمسؤولية تواصلنا معه وزودناه بكل المعطيات، ولأول مرة، في سابقة على مستوى الأمم المتحدة، سحب الجزء المتعلق بكل الاتهامات السابقة.
كذلك فإن كل مليارات المساعدات التي تأتي لليمن لا تمر عبر الجهاز الحكومي ليكون هناك شبهة فساد، كلها تنفذ عبر هيئات أممية ودولية ومشاريع وصناديق، حتى ما ينفذ عبر الأشقاء يتم عبر إجراءات حوكمة ورقابة كاملة.
ويبقى حجم ما هو تحت يد الحكومة الشيء اليسير جداً؛ حجم تصديرنا النفطي لا يذكر. ومع ذلك، نعتقد أن مكافحة الفساد مسألة مهمة يجب معالجتها بشكل جذري، وأن نظهر مجموعة من السياسيات للتعاطي الجاد مع هذه المسألة، لنقدم نموذجاً لشعبنا ثم للهيئات الدولية التي تتعامل معنا. لكن في المقابل، أعتقد أن هناك مبالغة كبيرة فيما يتم تداوله حول هذا الموضوع.
> ماذا عن ملف السلك الدبلوماسي الذي تعرض هو الآخر لكثير من التدخلات؟ هل لديكم برنامج واضح لإصلاحه؟
- نعم، هناك برنامج تقييم كامل للأداء الدبلوماسي ومراجعات كبيرة، خاصة تقليل الأعداد والتركيز على الكفاءة، ومعالجة أي اختلالات حدثت خلال الفترة الماضية. ومنذ عام 2015، خفضنا الأعداد بأكثر من 45 في المائة، إذ كان هناك تضخم في السلك الدبلوماسي، ونحن نحاول الحصول على فرق أكثر كفاءة في البعثات، وتطوير للاستراتيجيات، والمقاربات السياسية التي يجب أن ننتهجها في كل قارة وكيفية التحرك. وسأكون في ألمانيا نهاية الشهر الحالي، وسيكون لي لقاء مع سفرائنا في أوروبا لمناقشة آلية تفعيل الدبلوماسية اليمنية هناك.
وأعتقد أنه كانت هناك موجة اغتيال للمؤسسات الدبلوماسية اليمنية، وهجوم كان جزء كبير منه برأيي غير مبرر. ومن دون مبالغة، أقول إنني أفخر بكادرنا الدبلوماسي، فخلال 6 سنوات من الحرب استطاعت هذه المؤسسة المحافظة على وحدتها، ولم يخرج صوت دبلوماسي واحد في أي عاصمة عن الشرعية، رغم أنهم يعملون في ظروف أقل ما يقال عنها إنها صعبة! هل تعلم أنه منذ 10 أشهر، لم يتسلم الدبلوماسيون رواتبهم، ومع ذلك يعملون بصمت؟! نحن نعمل بموازنات لا تشكل 10 في المائة من الموازنات التشغيلية التي كانت سائدة قبل الحرب، وأغلب دبلوماسيينا من دون تأمين صحي؛ هناك صورة نمطية خاطئة عن الدبلوماسيين في الخارج.
> ماذا عن تعيين السفراء في الدول التي ما زالت شاغرة؟
- هناك نقاش وخطوات في هذا المجال، وجهود مرتبطة بترشيحات وقبول الدول التي سيعمل فيها السفراء، ونتوقع إنجاز ذلك خلال أشهر قليلة.
> ماذا عن القراءة واهتماماتك الثقافية والأدبية؟
- في حياتي الدراسية، كنت أقرأ كثيراً، ليس فقط في تخصصي بل في مجالات كثيرة. وفي كل صيف، كنت أختار موضوعاً معيناً للتركيز عليه. ومع الأسف، فقدت جزءاً كبيراً من مكتبتي مرتين: الأولى في بغداد إبان دراستي الدكتوراه هناك، حيث تركتها على أمل إرسالها لليمن، لكنها ذهبت أدراج الرياح بعد الحرب هناك، والمرة الثانية بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء ونهبهم المكتبة. لكن في فترة وجودي في أميركا بدأت برنامج قراءة مختلف، يركز على السياسة الخارجية والعلاقات الدولية نظراً لطبيعة عملي. وفي الأشهر الأخيرة، أصبح وقت القراءة بسيطاً، ربما في أثناء السفر فقط عبر الهاتف المحمول.


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.