بن مبارك لـ«الشرق الأوسط»: اليمن على حافة الهاوية... والحوثيون حركة عنف واستيلاء

وزير الخارجية اليمني قال إن معضلة البلاد طوال العقود الماضية الاستئثار بالسلطة والثروة

د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
TT

بن مبارك لـ«الشرق الأوسط»: اليمن على حافة الهاوية... والحوثيون حركة عنف واستيلاء

د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)
د. أحمد بن مبارك وزير الخارجية اليمني (تصوير: سعد العنزي)

رغم إقرار وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني، الدكتور أحمد عوض بن مبارك، بأن اليمن يقف اليوم على قمة حافة الهاوية، فإنه أكد أن ثقافة التحكيم والتسويات في العقلية اليمنية لن تسمح بالذهاب إلى أبعد من ذلك.
ويذكر الوزير بأن جماعة الحوثي جاءت بتحالفات مشوهة، واستفادت من ضعف كل المكونات السياسية اليمنية، كما يرى أن معضلة اليمن طوال العقود الماضية تتمثل في الاستئثار بالسلطة والثروة، واستخدام السلاح في حسم الأمور.
وفي حوار موسع أجرته معه «الشرق الأوسط»، لم يفك الوزير غموض الوساطة العمانية التي ما زالت حتى اليوم مجهولة النتائج، إلا أنه عد أن لدى العمانيين معطياتهم، وربما حرصهم، لبذل مزيد من الجهود، وربما عدم تحقيق اختراق حقيقي حتى الآن.
ويرى الوزير أنه من غير المنصف الحديث عن فشل الشرعية في تقديم نموذج للحياة في المناطق المحررة، مبيناً أن شبوة وحضرموت ومأرب والمهرة نماذج ناجحة، رغم بعض التحديات، فيما فشلت في عدن بسبب إجبارها على المغادرة مرات عدة.
وتحدث بن مبارك الذي شغل منصب سفير بلاده في واشنطن نحو أربع سنوات، قبل أن يؤدي القسم نهاية العام الماضي، عما قيل عن وجود خطوط حمراء لتحرير صنعاء، وأن إنفاذ سلطة القانون والدستور على كامل التراب اليمني قضية دستورية شرعية، لافتاً إلى أن عودة الرئيس ونائبه لليمن مرتبطة بتوفر الظروف المناسبة... وفيما يلي تفاصيل الحوار:
> اليمن اليوم يبدو كالمركب التي تتقاذفها الأمواج... إلى أين تسير دفة البلاد؟
- لا شك أن البلاد تواجه تحديات كثيرة، وهناك معطيات قد تبعث على التشاؤم، لكن رغم كل ذلك أرى كثيراً من الفرص أمامنا؛ الأرضيات المتعلقة بالحلول متوافرة، خاصة إذا ما قارنا ملف اليمن بملفات أخرى في المنطقة، فلدينا توافقات تحدد كثيراً من الأسس للمرحلة المقبلة، وما نحتاج إليه هو مراجعة بعض تلك الأسس وتحديثها وفقاً للمستجدات التي أنتجتها الحرب، ولا أرى أن اليمن سيذهب بعيداً عن هذه الأرضيات. التحدي الرئيسي أمامنا هو إيقاف الحرب، ومن ثم سيتم مناقشة خيارات اليمن المقبلة، وفق الأسس التي تحدثنا عنها.
ومن وجهة نظري، فإن إشكالية اليمن طوال السنوات الماضية كانت مسألة الاستئثار بالسلطة والثروة، واستخدام السلاح في حسم الأمور، لكن لدينا كثيراً من المشتركات للجلوس بعضنا مع بعض. باختصار ومن دون تفاؤل مفرط: هناك تحديات صعبة، وفي الوقت نفسه هناك فرص كثيرة، إذا ما استغلت يمكننا العبور.
> لكن وفقاً للمعطيات الحالية، برأيك هل تتجه البلاد نحو سلام أم ما يشبه الصوملة والحرب الأهلية؟
- الحقيقة أننا نعيش خيار الصوملة، فواقع الحال أن هناك احتراباً داخلياً اليوم وصراعات كثيرة، ولأول مرة بدأنا نرى صراع هويات، وهو جديد على المجتمع اليمني. لكن أعتقد أن الإرادة الجمعية لليمنيين لا يمكن أن تسمح بذلك، فإرث اليمن وبُعدها الحضاري وما لديها من مخزون وبنية اجتماعية وقبلية ودينية تحمي هذا الأمر، ولا تسمح بالذهاب إلى آخر الطريق؛ نحن على قمة حافة الهاوية، لكن ثقافة التحكيم والتسويات في العقلية اليمنية لا تسمح لنا بالذهاب إلى أبعد من ذلك.
> ماذا عن الغموض الذي يكتنف الوساطة العمانية حتى اليوم؟
- قد باركنا الوساطة العمانية، كما باركنا وسنبارك أي جهد يدفع باتجاه تحقيق السلام؛ ما هو مطروح اليوم يدفع باتجاه وقف إطلاق النار، والعودة إلى الجلوس على طاولة الحوار، وهو بداية طريق طويل في عملية السلام، وأي جهد من أي جهة نرحب به، لا سيما الأشقاء في سلطنة عمان الذين يربطنا بهم الجوار والتاريخ.
> هل أبلغكم الجانب العماني بما توصلوا إليه مع الحوثيين؟
- لم نبلغ رسمياً بأي تفاصيل متعلقة بنتائج زيارتهم إلى صنعاء.
> لماذا برأيك؟ وهل هو مؤشر على رد سلبي من الحوثيين؟
- قراءتنا أنهم لم يأتوا بشيء يمكن البناء عليه، وكذلك حرص من قبل الأشقاء في السلطنة عمان على بذل مزيد من الجهود لإحداث اختراق حقيقي، لكننا نؤكد على مباركتنا لأي جهد من أي جهة في مسار السلام.
> هل تتفقون مع القول إن سبب قوة الحوثي حتى اليوم هو ضعف الشرعية؟
- أتفق تماماً، لكن ليس بضعف المؤسسة الشرعية، بل بضعف كل المكونات السياسية اليمنية حتى قبل دخول الحوثي صنعاء؛ الحوثي ما كان له أن يدخل صنعاء ويحقق ما حققه لولا أنه لعب على كثير من التناقضات والخلافات التي كانت موجودة بين القوى السياسية اليمنية التي تناهض المشروع الإيراني في المنطقة، كذلك بسبب فتح العاصمة والمعسكرات لهم من حلفاء رئيسين لهم آنذاك. الحوثي لم يأتِ بقوته، بل جاء بتحالفات مشوهة. واليوم، وكل هذه الأطراف أصحبت تعاني من الحوثي، وموجودة خارج صنعاء، آن الأوان لكل القوى السياسية لأن تتجاوز خلافات الماضي، وتنظر لطبيعة التحدي الرئيسي، وتتحد من أجل ثوابت جميعنا ندافع عنها.
> بعد 6 سنوات من الحرب وانهيار البلاد... لماذا لا تزال القوى السياسية اليمنية غير موحدة؟
- لاشك أن هناك تحديات أمامها، وهناك جهد صادق يبذل من كثير من القيادات السياسية، لكنها لم توفق، وكثير من هذه القوى صادرة أحكام إعدامات ضدها، ونهبت ممتلكاتهم، وهم موزعون على قارات العالم الخمس، ويواجهون تحدي في العمل من المناطق المحررة. ومع ذلك، أعتقد أن هناك إشكالية تتطلب تجاوز كل إرهاصات الماضي، وعلينا جميعاً أن نسمو فوق هذه القضايا ونتجاوزها. أتذكر في مؤتمر الحوار الوطني الشامل أنني وصفته بالمحطة الجديدة، ولم يعد هناك ستون وسبعون (في إشارة إلى ساحة الستين وساحة السعبين إبان ثورة فبراير/ شباط 2011)، وأصبحت لدينا محطة واحدة هي الحوار. واليوم، بعد 7 سنوات من الحرب، لدينا محطة أهم على الجميع التوحد فيها ونسيان كل الخلافات.
> هل تعتقد أن بعضهم ما زال يفكر بعقلية المحاصصة والحزبية؟
- ما زال اجترار الماضي يؤثر أحياناً على بعض المواقف، لكننا نسمع من كل الأطراف نية جادة لتجاوز هذا الأمر، ولكن هذه النية لم تحول بعد إلى خطوات عملية.
> سؤال يطرحه كثير من اليمنيين: لماذا لم تنجح الشرعية حتى اليوم في تقديم نموذج إيجابي للحياة في مناطقها؟
- دعني أعطيك مثالاً واضحاً: في ديسمبر (كانون الأول) من العام المنصرم، عادت الحكومة إلى عدن، وأعطى ذلك نموذجاً للمحافظات المحررة، فقد ارتفع منسوب الأمل في أوساط الناس، وحصل تحسن في كثير من القطاعات، أهمها الريال اليمني، وبدأت العجلة تسير، ثم صادفنا تحدياً حقيقياً في الميدان (المسألة الأمنية)، واضطرت الحكومة إلى أن تغادر؛ المسألة الأمنية هي نتيجة وليست سبباً؛ نحن في مرحلة قائمة على الشراكة، ويستلزم ذلك المسؤولية المشتركة.
وليس من الإنصاف القول إن كل المحافظات المحررة ليست نموذجاً، فشبوة نموذج اليوم على الاستقرار والتنمية، إذ إن هناك تحسناً في ملفي التنمية ومكافحة الإرهاب، وقد قطعنا شوطاً في مسألة الأمن والتنمية. كذلك حضرموت، حيث إن الدولة هي الحاضرة. وفي المهرة، الخدمات اليوم أفضل من مستوى ما قبل الحرب، كذلك مأرب تقدم نموذجاً لولا الهجوم الحوثي منذ فبراير (شباط) الماضي، فحجم التنمية والخدمات والاستقرار الذي شهدته مأرب، والزيادة السكانية، أفضل منه قبل 10 سنوات، وهناك جامعة ومطارات تبنى، وتزود المحافظة كل اليمن بالغاز، بما في ذلك مناطق الحوثيين.
وبالتالي، فالحديث بشكل إجمالي عن أن الوضع سيئ غير منصف، ففي المناطق التي توفر للحكومة القدرة على السيطرة يحل الأمن والاستقرار. وفي عدن لم نستطع تقديم هذا النموذج لأن الحكومة كانت تأتي 3 - 4 أشهر ثم تجبر على المغادرة. أما الكهرباء التي يشتكي منها الناس، فإن قدراً كبيراً من دخل الدولة يذهب في المشتقات النفطية التي تغذي العاصمة عدن، والرواتب للقطاع المدني في كل المحافظات المحررة منتظمة بفضل الحكومة، وكل المشاريع عبر البنك الدولي والمؤسسات الدولية الطرف الرئيسي فيها الحكومة حتى في مناطق تحت سيطرة الحوثيين، وعليه فمن الإجحاف الحديث عن عدم وجود شيء.
> ماذا عن الوضع الحالي في مأرب؟ وهل هناك مخاوف من سقوطها؟
- لدينا قناعة كاملة مطلقة بأن مأرب لن تسقط، فهي التي أسقطت رهانات الحوثي عندما سقطت كل الدولة في فترة لم يكن فيها جيش وطني، ولا حشد وتنظيم، ولا التحالف العربي، وهي التي أوقفت التمدد الحوثي في فترة صعبة، فما بالك اليوم ومأرب فيها سلطة محلية مشهود لها بالكفاءة، وهناك جيش وطني وقبائل أبية، وتحالف عربي يدرك أهمية مأرب الجيواستراتجية ودورها في تغيير الصراع.
مأرب كما أسقطت الرهانات السابقة ستسقط وهم الانتصار العسكري الذي يراهن عليه الحوثيون، علماً بأن الحوثيين إذا وصلوا مأرب لن يتوقفوا عندها، فأطماعهم لا تقف عند حدود اليمن، بل ينظرون للجزيرة العربية كلها، وهم مستمرون في الحشد والهجوم على مأرب، ويتلقون الدعم سواء من إيران أو أداوتها، وقد سمعنا حسن نصر الله يصور معركة مأرب بكربلاء جديدة، لكن صمودنا في مأرب أسقط رهاناتهم جميعاً.
> هنا يطرح سؤال: لماذا لا تفتح جبهات أخرى لتخفيف الضغط على مأرب؟
- نحن اليوم حريصون على مأرب، وحجم خسائر الحوثيين فيها كبير جداً لا يمكن وصفه، وتركيز الجهد وإضعاف الحوثي في هذه المعركة يتطلب كسره فيها.
> هل هناك خط أحمر يمنع تحرير صنعاء... كما تحدث بذلك مسؤولين في الشرعية نفسها؟
- إنفاذ سلطة القانون والدستور على كامل التراب اليمني قضية دستورية شرعية لا خطوط حمراء فيها، فالقوانين الإنسانية والدستور اليمني والقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن جميعها تتحدث عن الدولة اليمنية المعترف بها، ووحدتها وأمنها واستقرارها وسيادتها على أراضيها؛ بالتأكيد نحن حريصون على أرواح المدنيين، وتجنيب المدن المكتظة بالسكان ويلات الحرب، ولذلك نمد أيدينا للسلام في أي فرصة. وفي الحديدة، كنا قاب قوسين من تحرير المدينة، ثم تعالت الأصوات واستجبنا، والاتجاه العام لدينا أن كل ذرة تراب في اليمن هي حق.
> هل أنتم نادمون على إيقاف عملية تحرير الحديدة؟
- أعتقد لسنا نحن فقط، بل المجتمع الدولي كله يراجع ما حدث في الحديدة. فبعد ثلاث سنوات من اتفاق استوكهولم، يبدو الوضع في الحديدة أسوأ إنسانياً وأمنياً وعسكرياً، وهي اليوم مركز لتصنيع القوارب المفخخة التي تهدد الملاحة الدولية. وطوال ثلاث سنوات، لم يسمح الحوثيون لأي مواكب إنسانية بالدخول لإعانة الحديدة، وأصبحت المدينة مقسمة لأشلاء عبر الأنفاق والخنادق والسواتر الترابية، وبعثة الأمم المتحدة منذ عامين غير قادرة على عقد اجتماع واحد، وقد استأجرت باخرة بملايين الدولارات لعقد اجتماعاتها في البحر.
لقد كان الهدف من اتفاق استوكهولم معالجة وضع مدينة وميناء الحديدة، وتنفيذها لليوم صفري، ورفع الحصار عن تعز كذلك صفر؛ الملف الوحيد كان تبادل الأسرى، وهو ملف نوقش قبل استكهولم، وأتُي به بصفته فاكهة جاهزة للقطف، ومع هذا تعنت الحوثيون بشأن هذا الملف في لقاءات الأردن الأخيرة.
على العالم مراجعة ما تم في استكهولم، وأن نضمن ألا يتكرر في أي اتفاق لاحق؛ علينا التركيز على النتائج وليس العمليات، المهم أن نرى نتائج مستدامة قابلة للتطبيق بوجود ضمانات.
> لماذا لا يعود الرئيس ونائبه إلى المناطق المحررة؟
- لا يمنع عودتهما سوى توفر الظروف المناسبة؛ تخيل لو كان الرئيس معنا في مطار عدن في ظل التفجير الإرهابي الذي حدث، وهو عمود الخيمة وشرعيتنا الدستورية التي نحرص على المحافظة عليها لأنها المشروعية التي تعبر عن الشرعية والدولة! ليس هناك ما يمنع سوى توفر الظروف الطبيعية، وقد كان هذا الهدف من عودة الحكومة وتطبيع الأوضاع، ثم بعد ذلك عودة الرئيس وكل مؤسسات الدولة، من الرئاسة والبرلمان.
> بحكم معرفتك بالحوثيين، بعضهم يتحدث عن جناحين في الحركة، سياسي وآخر عسكري، يوجد صراع بينهما، ما مدى دقة ذلك؟
- اليوم، هناك ما يعرف بالحوثيين والمتحوثنين، فالحوثيون عندما تحولوا لسلطة أمر واقع تحوث كثيرون للاستفادة، سواء ترهيباً أو ترغيباً؛ لا شك أنها ليست مجموعة متماسكة، لكن الحركة نفسها هي حركة عنف واستيلاء تسلطية، تعتقد أنها صاحبة الحق ورؤيتها حتمية نهائية كونية إلهية، ويجب أن تفرض ذلك على الآخرين، وهذا يجعلها عصية على القبول بالحلول؛ عندما يواجهون أي إخفاق يعدون ذلك اختباراً إلهياً يجب اجتيازه، وعندما يحققون تقدماً في تبة واحدة يعدون ذلك نصراً إلهياً.
طوال السنوات الماضية، يوجد جناح في الحركة لا يمكننا تسميته (معتدل)، ويجب علينا الحذر في إطلاق مثل هذه العبارات على حركة عنيفة مثل الحوثيين، لكن يمكننا تسميته جناح من تمرس السياسة. ويدرك هؤلاء أن هناك مجالات سياسية يمكن الخوض فيها، لكنهم دائماً يصطدمون بالمجموعة التي لا ترى الأمور سوى أبيض أو أسود، وهي صاحبة القرار.
ولا يمكننا كذلك إغفال أن كثيراً من القيادات الحوثية اليوم أصبحت مستفيدة بشكل كبير من استمرار الحرب، وليس من مصلحتها إيقافها، ويعلمون أن عودة الدولة يعني إيقاف كل هذه الممارسات.
> كيف تنظرون للدور الإيراني في اليمن، ووصول رئيس جديد يوصف بأنه الأكثر تشدداً في تاريخ رؤساء إيران؟
- في إيران، تغيير الرئيس لا يغير شيئاً. فمنذ عام 1979، كان المرشد الأعلى هو الحاكم الفعلي لإيران، وهناك فقرة في الدستور تتحدث عن دولة بطابع طائفي، وأمر أخطر، وهو تصدير الثورة. وبالتالي، فمهما تعاقبت الحكومات، مرة بوجه إصلاحي ومرة محافظ، فإن ما لمسناه منذ ذلك الوقت مع تغير الوجوه دائماً يظل الإشكال: إيران دولة كبيرة ودولة جوار، وليس لدينا معها -الحضارة والشعب والجغرافيا- أي مشكلة؛ مشكلتنا الرئيسية في هذا النهج الذي يعتقد أنه صاحب حق في تصدير ثورته ورؤيته إلى دول الجوار، ونحن في اليمن أكثر ما نعاني منه هو «الحرس الثوري» المرتبط بالمرشد.
> يتداول اليوم توجه لإصدار قرار جديد من مجلس الأمن بحجة أن (2216) أصبح غير صالح للمرحلة الحالية... هل أنتم مستعدون لمناقشة أي تسوية تستبعد هذا القرار؟
- أعتقد أن قرار (2216) يوفر أساساً قانونياً يتسق مع القانون الدولي، وكل قرارات الأمم المتحدة، وأي حديث خارج هذا الإطار يشكل سابقة دولية لا يمكن للمجتمع الدولي أن يجابه نتائجها، ليس فقط في اليمن بل على مستوى العالم؛ القرارات الدولية عادة تستند إلى منظومة من الأسس والقوانين، و(2216) يصف واقع الأمر كما هو، ويتحدث عن آليات التحول الديمقراطي واحترام قوانين الدول وسيادتها والانتخابات والدستور، وهل يجب مكافأة جماعة آيديولوجية تأتي بالسلاح وتحتل العاصمة؟ هل المجتمع الدولي يمكن أن يغير هذه المفاهيم التي تنظم طبيعة العلاقات الدولية؟ أعتقد هذا حديث خارج السطر.
كذلك الحديث عن أن (2216) يشكل عائقاً حديث عجيب، ففي الكويت ناقشنا تفصيلاً حلول متعلقة بالمستقبل والشراكة، وقبول الحوثي بصفتهم جماعة، وترتيبات أمنية وعسكرية وسياسية، ولم يكن القرار هو العائق، بل كانت إرادة الحوثيين نحو السلام، وإرادة إيران بالدفع نحو هذا التوجه؛ الحديث في هذا الموضوع يتجاوز أساس المشكلة. واليوم، هناك مقترح عملي بسيط يأخذ بكل شواغل الحوثيين، ويجمع عليه كل العالم، وهو مطروح، ومن يرفضه هم الحوثيون، ولا علاقة لقرار (2216) بالأمر.
> انتقل لاتفاق الرياض والجهود السعودية الأخيرة لتجاوز الخلافات مع المجلس الانتقالي الجنوبي: أين وصلتكم؟ وهل هناك عودة قريبة للحكومة إلى عدن؟
- بداية، الحكومة عادت إلى عدن، بحسب اتفاق الرياض، على أساس تنفيذ كل بنوده المعلنة. وأصدر الرئيس قراراً بتعيين محافظ ومدير أمن، ولم يمُّكن مدير الأمن المعين من قبلنا، وتم تغييره، وقبلنا وذهبنا لتوفير أرضية مشتركة للعمل، وأمضينا أشهر في عدن، وقدمنا تشكيل الحكومة على الجانب العسكري والأمني خلافاً للاتفاق حرصاً منا على التنفيذ، كما عدنا من دون أي ترتيبات أمنية من قبلنا، وتعاملنا مع الأمر بكل أريحية، واتسم عمل الحكومة بمستوى عالٍ من الإيجابية، لكن واجهنا التحدي الأمني وتصعيد الخطاب الإعلامي، وتطور الأمر لحادثة اقتحام قصر معاشيق، لذلك غادرت الحكومة مجبرة، ولم تخرج كاملة، فهناك عدد كبير من الوزراء في عدن من كل الأحزاب، لكن كان لا بد من معالجة هذا الإشكال، خاصة الجانب الأمني والعسكري.
واليوم، هناك جهود كبيرة تبذل، وأجواء إيجابية على مستوى النقاش لم تنعكس بعد على مستوى التنفيذ، ويمكنني القول إن أفكاراً إيجابية تناقش بمستوى عالٍ من المسؤولية، لكنها لم تصل إلى تفاهمات نهائية بعد، ثم الانتقال إلى مستوى التطبيق، ونحن نثق ونراهن على دور أشقائنا في السعودية، بصفتهم راعياً لهذا الاتفاق، وعلى حرص كل مكونات الشرعية، بما فيها الانتقالي الذي أصبح جزءاً أصيلاً من الشرعية، على ذلك، وسنبذل كل الجهود المطلوبة لبناء الثقة، والمضي قدماً في استكمال تنفيذ الاتفاق.
> معالي الوزير، هل يمكنكم توضيح ما أثير مؤخراً بشأن الجزر اليمنية وقضية السيادة، لا سيما سقطرى وميون؟
- بداية، استكمال تنفيذ اتفاق الرياض وفقاً للصيغة المتفق عليها التي تضمن وجود مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية سيعالج كل هذه القضايا، بما فيها الوضع في سقطرى، والثابت لدينا هو سيادة اليمن على كل مدنه وجزره وأجوائه وبحاره، وسبق أن أكدت عدم وجود أي اتفاقية عقدت بين الجمهورية اليمنية وأي طرف آخر في مسألة الجزر أو المعسكرات؛ هذا أمر لم يتم. وإذا تم يجب أن يكون من خلال المؤسسات الدستورية، ممثلة بمجلس النواب، لكن بالتأكيد هناك تعاون كبير جداً ضمن التحالف العربي وعمليات عسكرية مشتركة، ومعارك قائمة تستلزم بعض الترتيبات، ونؤكد أن اليمن حريص على سيادته على كامل أراضيه ووحدته الترابية، لكن هناك شراكة وتنسيقاً في معركة قائمة قد تتطلب جملة من التنسيقات ليس المجال لذكرها.
> إلى أي حد يؤثر ملف الفساد في الحكومة على أدائها وتعامل الخارج معها؟
- علينا الإقرار بأن الدولة اليمنية تعاني تاريخياً من إشكالات هيكلية حتى قبل ثورة 2011. فقد كان هناك ضعف في البنية الرقابية، فما بالك بعد سقوط الدولة إثر الانقلاب، إذ عانت الدولة من تهتك مؤسساتها وأجهزتها الرقابية. نعم، هناك خلل في هذه المنظومة، ونحن في حكومة الكفاءات السياسية كان أحد أهم المبادئ تقوية الأداء الرقابي لمؤسسات الدولة ومكافحة الفساد، لكن في المقابل هناك مبالغة كبيرة في هذا الأمر. وكما تعلمون، فإن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أصدر تقريراً، وبنى قراراته على كثير مما يدار في الصحف وبعض الوشايات، ثم بمسؤولية تواصلنا معه وزودناه بكل المعطيات، ولأول مرة، في سابقة على مستوى الأمم المتحدة، سحب الجزء المتعلق بكل الاتهامات السابقة.
كذلك فإن كل مليارات المساعدات التي تأتي لليمن لا تمر عبر الجهاز الحكومي ليكون هناك شبهة فساد، كلها تنفذ عبر هيئات أممية ودولية ومشاريع وصناديق، حتى ما ينفذ عبر الأشقاء يتم عبر إجراءات حوكمة ورقابة كاملة.
ويبقى حجم ما هو تحت يد الحكومة الشيء اليسير جداً؛ حجم تصديرنا النفطي لا يذكر. ومع ذلك، نعتقد أن مكافحة الفساد مسألة مهمة يجب معالجتها بشكل جذري، وأن نظهر مجموعة من السياسيات للتعاطي الجاد مع هذه المسألة، لنقدم نموذجاً لشعبنا ثم للهيئات الدولية التي تتعامل معنا. لكن في المقابل، أعتقد أن هناك مبالغة كبيرة فيما يتم تداوله حول هذا الموضوع.
> ماذا عن ملف السلك الدبلوماسي الذي تعرض هو الآخر لكثير من التدخلات؟ هل لديكم برنامج واضح لإصلاحه؟
- نعم، هناك برنامج تقييم كامل للأداء الدبلوماسي ومراجعات كبيرة، خاصة تقليل الأعداد والتركيز على الكفاءة، ومعالجة أي اختلالات حدثت خلال الفترة الماضية. ومنذ عام 2015، خفضنا الأعداد بأكثر من 45 في المائة، إذ كان هناك تضخم في السلك الدبلوماسي، ونحن نحاول الحصول على فرق أكثر كفاءة في البعثات، وتطوير للاستراتيجيات، والمقاربات السياسية التي يجب أن ننتهجها في كل قارة وكيفية التحرك. وسأكون في ألمانيا نهاية الشهر الحالي، وسيكون لي لقاء مع سفرائنا في أوروبا لمناقشة آلية تفعيل الدبلوماسية اليمنية هناك.
وأعتقد أنه كانت هناك موجة اغتيال للمؤسسات الدبلوماسية اليمنية، وهجوم كان جزء كبير منه برأيي غير مبرر. ومن دون مبالغة، أقول إنني أفخر بكادرنا الدبلوماسي، فخلال 6 سنوات من الحرب استطاعت هذه المؤسسة المحافظة على وحدتها، ولم يخرج صوت دبلوماسي واحد في أي عاصمة عن الشرعية، رغم أنهم يعملون في ظروف أقل ما يقال عنها إنها صعبة! هل تعلم أنه منذ 10 أشهر، لم يتسلم الدبلوماسيون رواتبهم، ومع ذلك يعملون بصمت؟! نحن نعمل بموازنات لا تشكل 10 في المائة من الموازنات التشغيلية التي كانت سائدة قبل الحرب، وأغلب دبلوماسيينا من دون تأمين صحي؛ هناك صورة نمطية خاطئة عن الدبلوماسيين في الخارج.
> ماذا عن تعيين السفراء في الدول التي ما زالت شاغرة؟
- هناك نقاش وخطوات في هذا المجال، وجهود مرتبطة بترشيحات وقبول الدول التي سيعمل فيها السفراء، ونتوقع إنجاز ذلك خلال أشهر قليلة.
> ماذا عن القراءة واهتماماتك الثقافية والأدبية؟
- في حياتي الدراسية، كنت أقرأ كثيراً، ليس فقط في تخصصي بل في مجالات كثيرة. وفي كل صيف، كنت أختار موضوعاً معيناً للتركيز عليه. ومع الأسف، فقدت جزءاً كبيراً من مكتبتي مرتين: الأولى في بغداد إبان دراستي الدكتوراه هناك، حيث تركتها على أمل إرسالها لليمن، لكنها ذهبت أدراج الرياح بعد الحرب هناك، والمرة الثانية بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء ونهبهم المكتبة. لكن في فترة وجودي في أميركا بدأت برنامج قراءة مختلف، يركز على السياسة الخارجية والعلاقات الدولية نظراً لطبيعة عملي. وفي الأشهر الأخيرة، أصبح وقت القراءة بسيطاً، ربما في أثناء السفر فقط عبر الهاتف المحمول.


مقالات ذات صلة

المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

خاص اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

أكدت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية، القاضية إشراق المقطري، أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ) p-circle

تحليل إخباري خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

يعتقد خبراء عسكريون أنَّ توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهِّد لمعركة واسعة ضد الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي الدكتور رشاد محمد العليمي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني (سبأنت)

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

أعرب مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه اليوم برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن اعتزازه بأداء القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

رغم تصعيد الجماعة الحوثية في مختلف جبهات القتال، وتداعيات الحرب الاقتصادية، والمالية، قررت الحكومة اليمنية المضي في تنفيذ خطة واسعة لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة، في مسعى لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته، وتحسين قدرته على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات للسكان.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الدولة اليمنية ضغوطاً متراكمة فرضتها سنوات الحرب، بما في ذلك الاختلالات الإدارية، والمالية، وتضخم الهياكل التنظيمية، وتداخل الاختصاصات، إلى جانب تحديات التشريعات، والموارد البشرية، وآليات اتخاذ القرار.

وعقدت اللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي اجتماعها الأول في العاصمة المؤقتة عدن برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، وناقشت خطة عملها، وآليات الانتقال إلى التنفيذ، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً للبدء بالإصلاحات، وعدم انتظار تحسن الظروف العامة في البلاد.

الإصلاحات الحكومية في اليمن تحظى بدعم دولي واسع (إعلام حكومي)

وأكد الزنداني أن الإصلاح المؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة فاعلية الدولة، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة مواردها بكفاءة، وتحسين مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن سنوات الحرب راكمت اختلالات في الهياكل، والتشريعات، والموارد البشرية، والمالية، وآليات اتخاذ القرار.

وتستهدف الخطة في مرحلتها الأولى، طبقاً للمصادر الرسمية، عدداً من الوزارات، والمؤسسات الحكومية التي ستُختار وفق معايير واضحة، لتكون نماذج عملية يمكن تقييم نتائجها، والاستفادة منها قبل توسيع نطاق الإصلاح ليشمل بقية مؤسسات الدولة.

وتشمل عملية الإصلاح مراجعة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات، ومنع التداخل، والازدواجية، إلى جانب تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، واللوائح، والتحول الرقمي، وربط الإصلاح المؤسسي بالإصلاحين المالي، والإداري.

تحديات التنفيذ

تكتسب الخطوة أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة اليمنية في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الإصلاحات المؤسسية، وفق الرؤية الحكومية، أمراً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، أو تحسن الوضع الاقتصادي.

وتراهن الحكومة على أن تحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الرقابة والشفافية يمكن أن يساعد في التعامل مع جانب من التحديات الاقتصادية، والمالية، ويتيح للدولة استخدام مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.

وقال رئيس الوزراء إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الاختلالات إلى إصلاح جذورها، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية، وعلى أساس تقييم واقعي لأوضاع الوزارات، والمؤسسات.

تحديث منظومة التشريعات اليمنية سيتطلب انتظام عمل البرلمان (إعلام حكومي)

ولا تخفي الحكومة أن تنفيذ الخطة يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحديث عدد من القوانين، واللوائح، وهي إجراءات يتطلب بعضها موافقة مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه جلسات المجلس غير منتظمة.

لكن هذا التحدي لا يبدو عائقاً أمام بدء العملية، إذ يمكن للحكومة المضي في الجوانب التنفيذية التي تدخل ضمن صلاحياتها، وبالتوازي مع استكمال مشاريع القوانين والتشريعات اللازمة، وطرحها أمام السلطة التشريعية عند انعقاد جلساتها.

إعادة بناء الدولة

تنظر الحكومة اليمنية إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين قدرتها على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

وستعمل اللجنة الوزارية على الانتقال سريعاً من مرحلة التشخيص وإعداد التصورات إلى التنفيذ الفعلي، مع وضع مؤشرات لقياس النتائج، ورفع تقارير دورية بشأن مستوى الإنجاز، والتحديات، والمعالجات المطلوبة.

ومن شأن نجاح المرحلة الأولى أن يمنح الحكومة نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، وتوسيع الإصلاح تدريجياً إلى بقية مؤسسات الدولة.

وبذلك لا تقدم الحكومة اليمنية خطة الإصلاح باعتبارها مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، وإنما كجزء من الاستجابة للظروف الحالية، ومحاولة استعادة فاعلية مؤسسات الدولة من داخل الأزمة نفسها.

وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وأضعفت موارده، قد يمثل البدء بإصلاح الجهاز الحكومي، رغم صعوبة الظروف، خطوة باتجاه بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحويل الإصلاح من شعار مؤجل إلى مسار عملي يبدأ بما هو ممكن اليوم، ويتوسع تدريجياً في المستقبل.

وكانت آخر عملية للإصلاح المؤسسي نفذت في بداية الألفية الجديدة، ومن خلالها تمت إعادة توصيف الوظائف العامة، وإعادة هيكلة جزء منها، وترافقت مع إجراءات رفع الدعم الحكومي عن كثير من المواد الغذائية، والوقود.

وسبق للحكومات اليمنية المتعاقبة أن اتخذت إجراءات اقتصادية قاسية، منها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة، كما خفضت النفقات العامة، وأبرمت اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي التزمت من خلاله برفع الدعم عن قطاع الكهرباء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام.

كما تم دمج عدد من الوزارات، لكنها لم تستكمل إعادة الهيكلة، سواء للوزارات القائمة التي تعاني من تضخم هيكلي، أو الوزارات التي تم دمجها قبل أن تبدأ الحكومة الحالية هذه العملية.


الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وسّعت الجماعة الحوثية عمليات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس في محافظة عمران، شمال صنعاء، عبر إجراءات جديدة شملت توزيع استمارات ذات طابع عسكري على الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، في خطوة تعكس مساعيها لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، وفق مصادر تربوية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» و«هيئة التعبئة العامة» التابعتين للجماعة، وبالتنسيق مع مكتب التعليم الخاضع لسيطرتها في المحافظة، شرعتا منذ أيام في تسجيل الطلاب ضمن قوائم تحمل اسم «قوات التعبئة والاستنفار»؛ تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج تعبئة، قبل الدفع ببعضهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت المصادر أن مشرفين حوثيين كثَّفوا جولاتهم الميدانية إلى مدارس مدينة عمران، عاصمة المحافظة، وعدد من المديريات التابعة لها، حيث وزَّعوا استمارات على الطلاب لجمع بياناتهم وفتح قنوات مباشرة لاستقطابهم وإلحاقهم بأنشطة ودورات عسكرية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجماعة تحديات متزايدة في توفير القوى البشرية، بالتزامن مع استمرار الخسائر التي تلحق بعناصرها المشاركين في العمليات العسكرية؛ وهو ما يدفعها، حسب المصادر، إلى توسيع عمليات الاستقطاب لتشمل فئات عمرية أصغر.

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

وأثارت عملية إدخال الطلاب في مسارات التعبئة والاستقطاب مخاوف تربوية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة والتجنيد، وتعريض الأطفال والمراهقين لضغوط قد تدفعهم إلى الانخراط في أنشطة عسكرية أو مرتبطة بها.

ويرى تربويون أن إدخال إجراءات الاستقطاب والتجنيد إلى المدارس في عمران ومدن يمنية أخرى يمثل انتهاكاً لوظيفة المؤسسات التعليمية، ويعرّض الأطفال والقاصرين لخطر الاستغلال العسكري والفكري، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على مستقبلهم الدراسي والنفسي والاجتماعي.

وحذَّرت المصادر التربوية من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول المدارس بيئةً مفتوحة للتعبئة والاستقطاب، ويضع الطلاب تحت ضغوط تؤثر في مسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية، بدلاً من أن توفر لهم المؤسسات التعليمية بيئة آمنة للتعلم والنمو.

دعوة للحماية

في مواجهة هذه الممارسات، دعت نقابة المعلمين اليمنيين في عمران، العاملين في القطاع التربوي إلى التصدي لأي محاولات لاستغلال المدارس والمنابر التعليمية في نشر الأفكار الطائفية أو الترويج للتعبئة القتالية واستقطاب الطلاب.

وشددت النقابة، في بيان، على ضرورة الحفاظ على حيادية المؤسسات التعليمية وحماية حقوق الأطفال في الحصول على بيئة تعليمية آمنة، ومنع جرّهم إلى النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه وحماية مستقبل اليمن.

الحوثيون يلزمون المدارس في مناطق سيطرتهم ببرامج تعبوية والحشد للقتال (إكس)

وأكدت النقابة أهمية توفير بيئة تعليمية مستقلة وآمنة للطلاب، وتجنيب المؤسسات التعليمية في المحافظة مختلف أشكال التعبئة والاستقطاب العسكري، داعية المعلمين والتربويين في المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التمسك بالرسالة التعليمية القائمة على قيم التسامح والمواطنة.

كما دعت إلى حماية المدارس من التأثيرات التي تلحق الضرر بالعملية التعليمية، في ظل ما تصفه مصادر تربوية بتزايد محاولات الجماعة توظيف المؤسسات التعليمية في عمليات التعبئة الفكرية والعسكرية.

تجنيد واسع

كان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أشار في تقرير سابق إلى أن محافظة عمران تُعدّ من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلاً لحالات تجنيد الأطفال ومقتل المجندين منهم في صفوف الحوثيين.

ووفق التقرير، سُجلت نحو 2688 حالة تجنيد وقتل لأطفال في المحافظة خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) 2014 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021، مع الإشارة إلى استمرار الجماعة منذ ذلك الحين في تجنيد مزيد من الأطفال في مناطق نفوذها، واستخدام المدارس في عمليات التعبئة والاستقطاب.

الحوثيون مُستمرون في استقطاب الطلبة وتحويل المدارس مراكز للتدريب (إكس)

وفي السياق ذاته، وثَّقت «منظمة ميون لحقوق الإنسان» في وقت سابق استخدام وزارتي الدفاع والتعليم في حكومة الجماعة غير المعترف بها دولياً أكثر من 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكز لتجنيد الأطفال وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأكدت المنظمة أن الجماعة مستمرة في تجنيد الأطفال بصورة ممنهجة، وحرمانهم من حقهم في الحياة والتعليم، وتعريضهم لخطر الموت والإصابة، بما يهدّد مستقبلهم وينتهك، حسب المنظمة، القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.


لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟