هل يواجه طفلك صعوبة في التركيز؟... إليك 4 حلول مجربة

معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
TT

هل يواجه طفلك صعوبة في التركيز؟... إليك 4 حلول مجربة

معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)

يشكو كثير من الآباء والمعلمين من صعوبة جذب انتباه الأطفال أو الحفاظ على تركيزهم، وهي مشكلة أصبحت أكثر شيوعاً في ظل انتشار الشاشات الإلكترونية، وتسارع وتيرة الحياة، وتراجع الوقت الذي يقضيه الأطفال في اللعب الحر أو ممارسة الأنشطة الحركية. ورغم أن تشتت الانتباه بات سمة مألوفة لدى كثير من الأطفال، فإن الخبراء يؤكدون أن التركيز مهارة يمكن تنميتها وتدريب الدماغ عليها من خلال ممارسات بسيطة تُطبق في الحياة اليومية.

وفي هذا السياق، توضح كيرا ويلي، خبيرة التربية الواعية، أن أكثر شكوى تسمعها في ورش العمل، واجتماعات أولياء الأمور، والدورات التدريبية التي تقدمها للمعلمين، لا تتعلق بنوبات الغضب أو اضطرابات النوم أو صعوبة تناول الطعام، بل تتكرر عبارة واحدة باستمرار: «لا أستطيع جعل أطفالي ينتبهون».

وتؤكد ويلي أن هذا الأمر لا يثير استغرابها، لأن طفولة اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه في السابق. وتسترجع ذكرياتها قائلة إنها كانت تقضي مع شقيقها ساعات طويلة في التجول داخل الغابات، أو ممارسة ألعاب لوحية معقدة، أو حتى الشعور بالملل، وهي تجارب كانت تمنح الأطفال فرصة للتركيز والانغماس في نشاط واحد لفترات طويلة.

أما اليوم، فقد أصبحت هذه اللحظات التي يقضيها الأطفال في نشاط واحد بعيداً عن الشاشات نادرة، وهو ما أسهم في تراجع قدرتهم على التركيز، وذلك وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

لماذا أصبح الأطفال أكثر تشتتاً؟

لا يحصل الأطفال على القدر الكافي من الحركة

تشير ويلي إلى أن أدمغة الأطفال تطورت لتتعلم من خلال الحركة، إلا أن معظم الأطفال اليوم يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس، بينما لا يحصلون إلا على أقل من نصف مقدار النشاط البدني الذي يحتاجونه، وهو ما ينعكس سلباً على قدرتهم على التركيز والانتباه.

التكنولوجيا تشتت انتباه الأطفال

عند استخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية، ينتقل الطفل بين مهمة وأخرى كل 65 ثانية في المتوسط، ما يدرب الدماغ على انتظار محفز جديد باستمرار ويقلل قدرته على التركيز لفترات طويلة في مهمة واحدة.

الكبار أيضاً يرسخون التشتت

لا يقتصر الأمر على الأطفال، فحين يعتاد الآباء أو مقدمو الرعاية تفقد هواتفهم باستمرار، أو أداء عدة مهام في الوقت نفسه، أو الرد على أطفالهم بشرود ومن دون تواصل بصري، فإنهم يرسخون لديهم فكرة أن تشتت الانتباه سلوك طبيعي.

قلة النوم والراحة

تسهم الجداول اليومية المزدحمة، ومواعيد النوم غير المنتظمة، واستخدام الشاشات قبل النوم، في حرمان كثير من الأطفال من النوم العميق الذي يحتاج إليه الدماغ للنمو وتعزيز التركيز والانتباه.

طرق مجربة وفعالة لمساعدة طفلك على التركيز

ترى ويلي أن التخلص تماماً من جميع عوامل التشتيت في حياة الأطفال يكاد يكون مستحيلاً، لكن يمكن تدريب أدمغتهم على تنمية مهارات التركيز والانتباه واستخدامها بوعي من خلال عدد من الأساليب العملية:

1- استخدم اللمس اللطيف للتواصل

تقول ويلي إنها تعلمت هذه الطريقة من معلمة متميزة في إحدى رياض الأطفال.

فقد كانت المعلمة تلاحظ الطفل الذي يبدأ بالتململ أو إثارة الفوضى، لكنها لم تكن تلجأ إلى توبيخه أو مقاطعته. وبدلاً من ذلك، كانت تقترب منه بينما تواصل حديثها مع بقية الأطفال، ثم تضع يدها برفق على كتفه، في رسالة هادئة تقول له: «أنا أراك، وأنا هنا معك».

وتؤكد ويلي أن هذا الأسلوب يمكن تطبيقه بسهولة في المنزل. فعندما يكون الطفل مشتتاً وتحتاج إلى جذب انتباهه، حاول أن تلمس كتفه برفق أو تمسك بيده أثناء الحديث معه. فهذا النوع من التواصل الجسدي يمنحه شعوراً بالأمان والطمأنينة، ويساعده على إعادة تركيزه والانتباه لما تقوله.

2- استخدم لغة إيجابية

تنصح ويلي بإخبار الأطفال بما ينبغي عليهم فعله، بدلاً من التركيز على ما يجب أن يتوقفوا عن فعله، لأن ذلك يمنحهم صورة أوضح عن السلوك المطلوب.

فالعقول الصغيرة تستجيب بصورة أفضل للتعليمات الواضحة والإيجابية، مثل قول: «امشِ بهدوء من فضلك»، بدلاً من: «توقف عن الجري».

وترى أن هذا التغيير البسيط في طريقة الحديث يخلق أجواء أكثر إيجابية، ويجعل الوالدين يؤديان دور المرشد الحازم والداعم، بدلاً من الظهور بمظهر المراقب الذي يكثر من التوبيخ.

3- استخدم عبارة «حان وقت...»

بدلاً من سؤال الطفل: «هل يمكنك ارتداء حذائك؟»، تقترح ويلي أن تقول له: «حان وقت ارتداء حذائك».

وبدلاً من: «هل نرتب ألعابك؟»، يمكن القول: «حان وقت ترتيب ألعابك الآن».

وتوضح أن الأطفال يشعرون بقدر أكبر من الأمان عندما يعرفون بوضوح ما هو متوقع منهم، لذلك ينبغي استخدام الأسئلة فقط عندما يكون لديهم خيار حقيقي، مثل: «هل تفضل ارتداء الحذاء الرياضي أم الحذاء الطويل اليوم؟».

فالأسئلة تمنح الطفل فرصة للاختيار، أما التعليمات فتناسب المواقف التي تتطلب تنفيذ أمر ضروري، وهو ما يساعد على تقليل الخلافات اليومية بصورة ملحوظة.

4- جرّبوا تحديات التوازن

تؤكد ويلي أن أنشطة التوازن تجذب الأطفال بطبيعتها إلى حالة من التركيز العميق، لأنها تجبرهم على الانتباه إلى حركة أجسادهم في اللحظة الراهنة.

فعندما يتخيل الطفل أنه يسير فوق حبل مشدود ويحاول ألا يسقط، فإنه لا يستطيع إلا أن يركز بكل انتباهه على حركاته.

ورغم أن الطفل قد يعتقد أنه يتدرب ليصبح لاعب سيرك في المستقبل، فإن ما يحدث في الواقع هو أنه يعزز قدرته على التركيز والتحكم في انتباهه أثناء الحركة، وهي مهارة تنعكس إيجاباً على جوانب أخرى من حياته اليومية.


مقالات ذات صلة

روبوتات الدردشة قد تتسبب في مشكلات نفسية للأطفال والمراهقين

صحتك استخدام الأطفال والمراهقين روبوتات الدردشة للحصول على الدعم العاطفي قد يصيبهم بالمشكلات النفسية (بيكسلز)

روبوتات الدردشة قد تتسبب في مشكلات نفسية للأطفال والمراهقين

كشفت دراسة حديثة عن ارتباط مقلق بين استخدام الأطفال والمراهقين لروبوتات الدردشة للحصول على الدعم العاطفي وارتفاع مستويات المشكلات النفسية لديهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مهاجرون يلعبون بالكرة على شاطئ ترمبولين في سبتة - إسبانيا يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

إسبانيا تعتزم نقل 500 طفل دون ذويهم من سبتة إلى البر الرئيسي

تعتزم إسبانيا نقل نحو 500 قاصر غير مصحوبين بذويهم من سبتة إلى البر الرئيسي، عقب وصول جماعي للمهاجرين نهاية يوليو (تموز) إلى الجيب الإسباني.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
آسيا أحد أفراد أمن «طالبان» يقف على طريق خلال احتفالات الذكرى السنوية الخامسة لعودتهم إلى السلطة في قندهار 15 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: إصابة 42 طفلاً على الأقل بانفجار قرب مدرسة في كابل

قالت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان، الثلاثاء، إن 42 طفلاً على الأقل أُصيبوا نتيجة انفجار في مدرسة بالعاصمة كابل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك  قضاء بعض الوقت في استخدام الأجهزة الذكية حتى سن 16 عاماً في المتوسط يساعد في تنمية القدرات المعرفية للطفل (أرشيفية - رويترز)

دراسة: استخدام الأجهزة الذكية لبعض الوقت يعزز القدرات المعرفية للأطفال

كشفت دراسة فنلندية عن أن استخدام الأجهزة الذكية لبعض الوقت يساعد في تنمية القدرات المعرفية للأطفال خلال المرحلة العمرية حتى سن المراهقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أديلايد إليزابيث أنينا بروكسبانك ابنة الأميرة البريطانية يوجيني (الأميرة يوجيني)

الأميرة البريطانية يوجيني تكشف اسم مولودتها الثالثة

أعلنت الأميرة البريطانية يوجيني، حفيدة الملكة الراحلة إليزابيث الثانية وابنة الأمير أندرو، تسمية مولودتها الجديدة أديلايد إليزابيث أنينا بروكسبانك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟
TT

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

في عالم الصحافة والتاريخ، ثمة قصص لا تموت برحيل أبطالها، بل تحتمي بظلال الشك وتتغذى على غريزة البشر في تصديق الأساطير.

من بين أكثر القصص إثارة للجدل في القرن العشرين، تبرز حكاية عامل السكك الحديدية الفرنسي جان ماري لوريه، الذي عاش ومات وهو يحمل عبئاً نفسياً وتاريخياً ثقيلاً، مدعياً أنه ليس سوى الابن غير الشرعي للديكتاتور النازي أدولف هتلر.

واليوم، في عصر الطفرة الجينية الهائلة التي يشهدها عالمنا، إذ باتت فحوصات الحمض النووي المنزلي (DNA) تباع في مغلفات بريدية وتفك شفرات الأنساب كأنها ألعاب رقمية، تعود هذه القضية إلى الواجهة نموذجاً صارخاً للصراع الأزلي بين الحقيقة العلمية الصارمة وعاطفة الحكايات السردية.

تُعيد هذه القصة صياغة تساؤلات ملحة حول الهوية والوراثة، وتطرح معضلة أخلاقية وقانونية يواجهها المجتمع الدولي اليوم: هل يملك الأبناء والأحفاد الحق في نبش قبور التاريخ، وملاحقة الرفات البيولوجي بحثاً عن هوية قد تجلب اللعنة أكثر من الفخر؟

وكيف نجح المختبر العلمي في حسم ما عجزت عنه وثائق الاستخبارات ومذكرات الحروب؟

الديكتاتور الألماني أدولف هتلر (أ.ف.ب)

لقاء عابر في خنادق الحرب: ولادة الأسطورة

تبدأ السردية التاريخية لهذه الدراما الإنسانية في ذروة الحرب العالمية الأولى، تحديداً في صيف عام 1917 في بلدة «فورنيس إن فيب»، شمال فرنسا، كان العريف الألماني الشاب أدولف هتلر، الملحق بكتيبة المشاة البافارية الاحتياطية السادسة عشرة، يقضي فترة استراحة بعيداً عن خطوط المواجهة الأمامية.

وفقاً لرواية السيدة الفرنسية شارلوت لوبجوا، التي نقلتها لاحقاً لابنها، فإنها كانت تقطع العشب مع نساء آخرين عندما شاهدت جندياً ألمانياً على الجانب الآخر من الطريق يحمل لوحة ويرسم عليها.

شارلوت لوبجوا (ويكيبيديا)

كان ذلك الجندي هو هتلر. نشأت بينهما علاقة عابرة، أسفرت في مارس (آذار) من عام 1918 عن ولادة طفل غير شرعي أُطلق عليه اسم «جان ماري».

عاش الطفل طفولة قاسية، إذ كانت نظرة المجتمع الفرنسي المحيط به غاضبة تجاه طفل وُلد من «علاقة مع العدو المحتل».

قامت الجدة بتربيته بعد أن تخلت عنه أمه، وتبنته لاحقاً عائلة «لوريه» في عام 1934، ليحمل اسمهم ويشق طريقه عاملاً بسيطاً في السكك الحديدية الفرنسية، محاولاً نسيان أصوله الغامضة.

«اسم والدك كان هتلر»: لحظة الحقيقة والمواجهة النفسية

عاش جان ماري لوريه عقوداً طويلة من الزمن حياة هادئة وبسيطة، وانخرط في صفوف الجيش الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية ليقاتل ببسالة ضد القوات النازية، دون أن يخطر بباله للحظة واحدة أنه ربما كان يوجه سلاحه نحو جيش يأتمر بأمر والده البيولوجي.

جان ماري لوريه (ويكيبيديا)

ولم تتكشف فصول هذه الدراما النفسية المعقدة إلا في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، عندما شعرت والدته شارلوت بدنو أجلها، وقررت أن تبوح له بالسر الذي ظل يؤرقها طويلاً، لتفاجئه بالعبارة الصادمة التي غيرت مجرى حياته وهزت كيانه إلى الأبد قائلة إن والده الحقيقي هو الديكتاتور الألماني أدولف هتلر.

أحدث هذا الاعتراف زلزالاً نفسياً مدمراً في وجدان لوريه، الذي وجد نفسه فجأة ممزقاً بين مشاعر الذهول والإنكار والخوف من حمل دماء أكثر الشخصيات كراهية في التاريخ الحديث.

وقد وصف لوريه تلك المرحلة المظلمة من حياته بدقة في كتاب سيرته الذاتية الشهير الصادر عام 1981 بعنوان «اسم والدك كان هتلر»، إذ اعترف بأنه كاد يصاب بالاكتئاب الحاد، ولم يجد سبيلاً للهروب من هذا العبء النفسي الثقيل سوى الانغماس التام في العمل الشاق ودون انقطاع لعشرين عاماً متواصلة، مدفوعاً بأسئلة وجودية حائرة حول ما إذا كان يتوجب عليه تغيير اسمه، أو إخبار العالم بحقيقته، أو الانكفاء على نفسه واللوذ بالصمت المطلق.

كتاب سيرة جان ماري لوريه الذاتية الصادر عام 1981 بعنوان «اسم والدك كان هتلر»

أمضى عامل السكك الحديدية الفرنسي أكثر من عشرين عاماً من عمره في محاولة مستميتة لجمع أي أدلة ملموسة يمكن أن تدعم الرواية الشفهية لوالدته الراحلة وتمنحها صكاً من الشرعية التاريخية.

واستعان لوريه في سبيل ذلك بمؤرخين وخبراء أنثروبولوجيا، مرتكزاً على دراسات طبية وبصرية أولية أظهرت تشابهاً لافتاً في ملامح الوجه وتقاطيع الجسد بينه وبين الزعيم النازي، بالإضافة إلى تحليلات متخصصة لخط اليد، وتطابق في فصيلة الدم التي تبين لاحقاً أنها قاسم مشترك بين ملايين البشر ولا تصلح دليلاً قاطعاً، فضلاً عن عثوره في منزله على لوحات زيتية قديمة تحمل توقيع هتلر وتصور امرأة تشبه أمه في سن الشباب تماماً.

لغة المختبرات لا تكذب: كيف حسم الـDNA المعركة؟

رغم أن المؤرخين المعتمدين لسيرة هتلر، على رأسهم البريطاني السير إيان كيرشو، رفضوا الرواية واعتبروها «مستحيلة تاريخياً» بناءً على سجلات تحركات الجيش الألماني وغياب أي دليل ملموس، فإن القضية لم تمت إلا عندما تدخل العلم الحديث بصرامته المعهودة.

المؤرخ البريطاني السير إيان كيرشو (ويكيبيديا)

في عام 2008، قاد الصحافي البلجيكي جان بول مولدرز تحقيقاً استقصائياً علمياً حاسماً نشره على مجلة «ناك» (Knack) الفلمنكية. نجح مولدرز في الحصول على عينات من الحمض النووي (DNA) من أحفاد عائلة هتلر المقيمين في منطقة والدفيرتل بالنمسا، بالإضافة إلى عينات من أقارب آخرين للديكتاتور يعيشون تحت أسماء مستعارة في نيويورك بالولايات المتحدة.

بمقارنة هذه الشفرات الجينية المرجعية الصارمة مع عينات بيولوجية مأخوذة من مسودات وأوراق تخص جان ماري لوريه، جاءت النتيجة قاطعة وبنسبة حسم لا تقبل الشك: لا توجد أي صلة قرابة وراثية بين لوريه وعائلة أدولف هتلر.

تبيّن أن الخصائص الجينية الفريدة لكروموسوم «Y» الخاص بعائلة هتلر غائبة تماماً عن السلالة الفرنسية، مما وضع حداً علمياً لأسطورة «الابن السري».

من الأب إلى الابن: هوس السلالة يطارد الأحفاد

مع ذلك، فإن الطبيعة البشرية تميل إلى التمسك بالقصص المثيرة حتى لو كذّبها المختبر. ففي عام 2012، أعادت مجلة «لوبوان» الفرنسية إحياء القضية بنشر مستندات تُظهر أن الجيش الألماني كان يرسل مبالغ نقديّة للسيدة شارلوت خلال فترة احتلال فرنسا في الحرب العالمية الثانية، مما أعاد فتح الجدل الشعبي.

هذا الهوس انتقل وراثياً إلى الجيل الثالث، ففي عام 2018، ظهر فيليب لوريه (ابن جان ماري، الذي يعمل سباكاً في فرنسا) على شاشات التلفزيون الروسي ليعلن تمسكه برواية والده.

وقام بتقديم عينات من لعابه إلى السلطات في موسكو لمطابقتها مع بقايا عظام الفك والجمجمة المنسوبة لهتلر والمحفوظة في خزائن الاستخبارات الروسية (FSB) منذ عام 1945.

ورغم أن الفحوصات الروسية لم تسفر عن تغيير الحقيقة العلمية القائمة، فإنها أثبتت كيف يمكن لعقدة النسب أن تطارد أجيالاً تعيش في القرن الحادي والعشرين.

انتصار العلم على شائعات الحروب

تظل قصة جان ماري لوريه درساً بليغاً في كيفية تشكّل الأساطير التاريخية في فترات الفوضى والحروب. إذ تكشف عن الجانب الإنساني الهش لأفراد قضوا حياتهم في ملاحقة «شبح وراثي» خوفاً أو طمعاً في هوية استثنائية.

وفي العصر الحالي، يوجه هذا الملف رسالة واضحة: لقد انتهى زمن «الأبناء السريين» والمدعين الذين يظهرون في عواصم العالم لادعاء نسب ملوك أو طغاة غابوا عن المشهد.

ففي عالم تحكمه الجينات وتتحكم به تكنولوجيا الـDNA، تلاشت تماماً المساحات الرمادية التي كانت تتحرك فيها الشائعات، لتنتصر في النهاية لغة الأرقام والمختبرات على الخيال السردي لقصص الحروب القديمة.


العزوبية ليست وحدة… دراسة تكشف عن فوائدها لاكتشاف الذات

العزوبية أحياناً تكون فرصة لاكتشاف الذات والاهتمامات الشخصية (بيكسلز)
العزوبية أحياناً تكون فرصة لاكتشاف الذات والاهتمامات الشخصية (بيكسلز)
TT

العزوبية ليست وحدة… دراسة تكشف عن فوائدها لاكتشاف الذات

العزوبية أحياناً تكون فرصة لاكتشاف الذات والاهتمامات الشخصية (بيكسلز)
العزوبية أحياناً تكون فرصة لاكتشاف الذات والاهتمامات الشخصية (بيكسلز)

حظي الزواج بدراسات واسعة ربطته بفوائد معينة للصحة النفسية والجسدية، لكن دراسة جديدة تشير إلى أن العزوبية قد توفر بدورها فرصاً للنمو الشخصي واكتشاف الذات.

وفي سلسلة من ثلاث دراسات، شملت اثنتين باستخدام اليوميات وأخرى تجريبية، بحث العلماء ما أطلقوا عليه «إمكانات توسيع الذات أثناء العزوبية»، أي اعتقاد الشخص بأن العزوبية تتيح له فرصاً لتوسيع مفهومه عن ذاته من خلال خوض تجارب جديدة، والتعرف إلى وجهات نظر مختلفة، وبناء علاقات جديدة، وهي أمور ارتبطت سابقاً بوجود شريك عاطفي، وفق ما أفادت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

وقالت يوثيكا غيرمي، الأستاذة المشاركة في جامعة سايمون فريزر والمؤلفة المشاركة في الدراسة التي نُشرت في أغسطس (آب) 2026 في دورية «شخصية وعلم النفس الاجتماعي»: «افترضت نظرية اكتشاف الذات أن ذلك يحدث في سياق العلاقات الوثيقة. وبينما هذا صحيح، فإن نتائجنا تسلط الضوء أيضاً على الفوائد المحتملة للنمو والتوسع الشخصي خلال الأنشطة الفردية».

وقالت إلينا مورينو، المؤلفة الرئيسية للدراسة، التي أجرت البحث بصفتها طالبة جامعية متدربة في مجال علم النفس الاجتماعي والشخصية بجامعة سايمون فريزر، وهي حالياً طالبة دراسات عليا في جامعة تورنتو: «كنا نأمل من خلال هذا البحث أن نحيد عن السردية الاجتماعية السائدة التي ترى العلاقات العاطفية مفتاحاً لحياة مرضية وللنمو الشخصي، وأن نعترف بالعزوبية نفسها بوصفها فرصة لاكتشاف الذات».

قيمة اكتشاف الذات أثناء العزوبية

درس علماء النفس مفهوم اكتشاف الذات على نطاق واسع، وهو فكرة أن الناس لديهم ميل فطري إلى تطوير وجهات نظر وقدرات وهويات جديدة طوال حياتهم. وركز كثير من الأبحاث السابقة على العلاقات العاطفية، وأظهرت نتائجها أن الشريك يمكن أن يعرّف الشخص على أشخاص واهتمامات وأفكار جديدة.

وسعى الباحثون إلى معرفة كيفية انطباق هذا المفهوم على الأشخاص العازبين تحديداً. وقالت مورينو: «تجارب الأشخاص العازبين في الحياة اليومية لم تحظَ بالدراسة الكافية، رغم تزايد أعداد الأشخاص الذين يؤجلون العلاقات العاطفية ويختارون البقاء عازبين».

وعبر الدراسات الثلاث، قاس الباحثون مدى قوة اعتقاد المشاركين العازبين بأن حالتهم العاطفية تتيح لهم فرصاً لاكتشاف ذواتهم، ودرسوا كيفية تأثير هذه المعتقدات في تجاربهم وصحتهم العاطفية.

وكانت هذه أبرز النتائج: الأشخاص الذين كانت لديهم معتقدات أقوى بشأن إمكانات العزوبية للنمو، شاركوا في مزيد من الأنشطة التي توسع الذات، بدءاً من المشي لمسافات طويلة وتجربة مطاعم جديدة، وصولاً إلى تعلم مهارات وممارسة الرياضة. كما ارتبطت هذه المعتقدات بزيادة الرضا عن العزوبية وعن الحياة بشكل عام، وانخفاض الخوف من العزوبية، وزيادة الشعور بالاستقلالية والكفاءة والتواصل مع الآخرين.

لكن الأشخاص العازبين لم يكونوا دائماً يمارسون هذه التجارب الغنية بمفردهم. فقد استعان ما يصل إلى 82 في المائة منهم بالأصدقاء والعائلة لمشاركتهم هذه اللحظات التي توسع الذات، من دون الحاجة إلى وجود علاقة عاطفية.

لماذا تؤثر طريقة التفكير؟

بشكل عام، يمكن للطريقة التي تنظر بها إلى موقف ما أن تؤثر في كيفية استجابتك له. وقالت مورينو: «يتأثر جزء كبير مما نختبره وندركه في حياتنا اليومية بطريقة تفكيرنا». لكن هناك بعض التفاصيل الدقيقة عندما يتعلق الأمر بنتائج هذه الدراسة.

فالأشخاص الذين كانوا يتمتعون أصلاً بتقدير أعلى للذات ويشعرون بسعادة أكبر تجاه عزوبيتهم، كانوا أكثر ميلاً إلى النظر إلى العزوبية بوصفها فرصة لإثبات الذات. وبالمثل، كان الأشخاص الذين يشعرون بقلق أكبر بشأن استمرار عزوبيتهم أو يرون أن العلاقة العاطفية ضرورية لسعادتهم، أقل ميلاً إلى رؤية هذه الإمكانات.

وتشير أبحاث أخرى عن العزوبية إلى اتجاه مماثل. فقد وجدت إحدى الدراسات التي تناولت أشخاصاً عاشوا عزاباً طوال حياتهم أن الذين اختاروا البقاء عازبين نظروا إلى حالتهم العاطفية بصفتها مصدراً للاستقلالية وتحقيق الذات، في حين عبّر الذين شعروا بأنهم أُجبروا على هذا الاختيار عن قدر أكبر من الندم.

ووجدت دراسة أخرى عن الشباب أن الذين عزوا عزوبيتهم إلى دوافع تعزز الذات أو إلى عدم اهتمامهم بالعلاقات، أبلغوا عن مستوى أعلى من الرفاه مقارنة بمن أرجعوا عزوبيتهم إلى أسباب «تضر بالذات».

وقالت ماندولين مودي، المعالجة المساعدة في «غيتواي تو سولوشنز» بمدينة نيويورك، والتي لم تشارك في هذا البحث، إن هذا التمييز مهم. فقد تتيح العزوبية مساحة لاستكشاف الاهتمامات والهويات بشكل مستقل، لكن هذا لا يعني أن الجميع يعيشونها بصورة إيجابية، خصوصاً عندما لا يكون البقاء عازباً هو ما يرغبون فيه.


دببة جائعة تغزو المنازل والمتاجر في غرب أميركا

الجوع يمحو المسافة بين المخلب والباب (رويترز)
الجوع يمحو المسافة بين المخلب والباب (رويترز)
TT

دببة جائعة تغزو المنازل والمتاجر في غرب أميركا

الجوع يمحو المسافة بين المخلب والباب (رويترز)
الجوع يمحو المسافة بين المخلب والباب (رويترز)

كان مات إيريكو في المرحاض عندما سمع أصواتاً داخل منزله في ولاية كولورادو.

وخرج عامل بناء الأسقف ليجد دبّين صغيرين بحجم كلاب «الغولدن ريتريفر» تقريباً يقفان في ممر منزله. وبعد لحظات من التحديق المتبادل، هرعا إلى الخارج عبر الباب الأمامي.

وسبق أن دخلت دببة إلى حاوية قمامته من قبل، لكن اقتحام المنزل في وقت سابق من الشهر الماضي كان سابقة هي الأولى من نوعها بالنسبة إليه.

المدينة تكتشف جارها البريّ (رويترز)

ونقلت «رويترز» عن إيريكو قوله عن حوادث مواجهة الدببة في بلدته الجبلية الصغيرة جرانبي، الواقعة على بُعد نحو 92 كيلومتراً شمال غربي دنفر: «بالتأكيد لم أسمع من قبل عن وجود دببة داخل منزل أحد، أعني صغاراً داخل منزل أحد».

وهذه الدببة السوداء، التي شوهدت أيضاً داخل متجر لبيع السجائر الإلكترونية في جرانبي، من بين آلاف الدببة التي تتجه إلى البلدات والمدن في غرب الولايات المتحدة بأعداد غير مسبوقة.

وأظهرت مقاطع مصوَّرة دببة قرب مدرسة في سانتا في بولاية نيومكسيكو، وتسلَّق أحدها شجرة قرب سوق للمزارعين في دنفر، كما فاجأت البشر بطرق أخرى في أنحاء البلاد، بعدما أدّى أكثر فصول الشتاء جفافاً في الذاكرة إلى القضاء على النباتات، والأعشاب، والتوت، والمكسرات التي تشكّل نحو 90 في المائة من غذائها، وفق خبراء في شؤون الدببة، وهيئات الحياة البرّية الحكومية.

على العتبات... يتغيَّر قانون البرّية (رويترز)

وذكرت هيئات الحياة البرّية أنّ حاسة الشم الفائقة لدى هذه الحيوانات تستطيع تحديد روائح طعام البشر، ممّا يؤدّي إلى نفوق أعداد غير مسبوقة من الدببة في بعض الولايات، إذ يُقتَل المئات منها رحمةً، أو دهساً بالمركبات، أو بإطلاق النار عليها، أو حتى بصعقها بالكهرباء خلال احتكاكها بالبشر.

اختبار الدببة

مع توقُّع استمرار الجفاف في غرب الولايات المتحدة، يخشى الخبراء أن تعتاد الدببة على طعام البشر، بل وربما تتوقّف عن السبات الشتوي إذا أصبحت فصول الشتاء أكثر دفئاً، وندر الغذاء البرّي.

وقال الخبير في الدببة السوداء، جون بيكمان: «الأمر أشبه باختبار للدببة بطريقة لم تواجهها من قبل، واختبار للبشر أيضاً».

وأدّى التوسع العمراني إلى انتقال البشر إلى مناطق كانت الدببة تبحث فيها عن الطعام سابقاً. وفي الوقت نفسه، تعافت أعداد الدببة في ولايات مثل نيفادا، حيث كانت قد تراجعت إلى حد كبير قبل أكثر من قرن.

ووفق السلطات المحلّية، تُعدّ الدببة السوداء حالياً الأكثر تمتّعاً بالصحة بين الأنواع الثمانية للدببة في العالم، إذ يتراوح عددها بين 17 و20 ألفاً في ولاية كولورادو وحدها.

وتتحمّل هذه الولاية النصيب الأكبر من المواجهات بين البشر والدببة، بعدما زاد عدد سكانها بأكثر من الضعف خلال الـ50 عاماً الماضية، مما دفع بالمنازل إلى الامتداد داخل موائل الدببة حول مدن مثل كولورادو، وسبرينجز، وفيل.

ووفق هيئة الحياة البرّية في كولورادو، سُجل أكثر من 7 آلاف رصد للدببة في الولاية خلال 2026، متجاوزاً الرقم القياسي السنوي السابق المُسجَّل في 2019، علماً بأن كولورادو لا تضم سوى الدببة السوداء. وشهدت الولاية ما لا يقلّ عن 6 هجمات للدببة.

الجوع يعلّم الحيوانات عناوين البشر (رويترز)

وقال المتحدث باسم إدارة المتنزهات والحياة البرية في كولورادو، جوناثان ليفينجستون، إنّ ما بين 1.5 و2 في المائة من حالات الرصد تنتهي بقتل الدببة قتلاً رحيماً. وعادة ما تُقتل الدببة عندما تُعتبر خطرة، مثل مهاجمتها البشر، أو اقتحامها المنازل.

وقالت جماعات معنية بالحفاظ على البيئة، مثل تحالف كولورادو للدببة، إنّ هذه الحيوانات كثيراً ما تدفع حياتها ثمناً لإهمال البشر، وعلى هيئات الحياة البرّية بذل مزيد من الجهد لمنع الصراعات.

وأضاف أنّ السلطات تستطيع في العادة تجنُّب قتل الدببة إذا أبلغ الناس عنها مبكراً، وذلك من خلال إبعادها، وإخافتها.

ووفق هيئة الحياة البرية في نيومكسيكو، قتل المسؤولون وأصحاب الأراضي 187 دباً هذا العام، وهو أعلى عدد منذ عام 2011، بينما نُقِل 35 دباً بالغاً و16 صغيراً إلى مناطق أخرى.

وذكرت الشرطة أنّ دباً قتل رجلاً في نيومكسيكو الأسبوع الماضي، في أول هجوم من نوعه بالولاية منذ 25 عاماً.

وقالت سلطات ولاية يوتا إنها قتلت 39 حيواناً قتلاً رحيماً في 2026، وهو بالفعل رقم غير مسبوق لأي عام كامل.

من جهتها، قالت هيئة الحياة البرّية في مونتانا إنّ مشاهدات الدببة كثيرة إلى درجة يصعب حصرها، مع انتقال الدببة الرمادية إلى مناطق لم تصل إليها منذ عقود.

وأضافت أنّ 24 دباً رمادياً نفقت هذا العام، معظمها بعد مهاجمة ماشية، أو أشخاص، أو نتيجة اصطدامها بمركبات، من دون تقديم بيانات تاريخية للمقارنة.

وفي مايو (أيار)، قُتِل دب رمادي رجلاً في متنزه جلاسيير الوطني بولاية مونتانا. ولا تزال الهجمات المميتة للدببة نادرة في غرب الولايات المتحدة، إذ لا يُسجَّل سوى عدد محدود منها كل عام.

الطبيعة الجائعة لا تبقى في مكانها (رويترز)

النهاية؟

تدعو السلطات السكان إلى استخدام صناديق قمامة مقاومة للدببة، وعدم ترك حاويات القمامة في الشارع لأيام، وعدم وضع طعام الحيوانات الأليفة أو بذور الطيور في متناول هذه الحيوانات.

وقال ليفينجستون إنّ الاحتكاكات غالباً ما تبدأ عندما يفتش الدبّ حاويات القمامة، ويمكن أن تنتهي بمواجهة دبّ أسود يزن ما بين 91 و181 كيلوغراماً، وله مخالب حادة يبلغ طولها ما بين 8 و10 سنتيمترات، مع شخص ما في مطبخه.

وتأمل خبيرة الدببة في نيفادا هيذر رايش أن تجد الحيوانات أن العيش بالقرب من البشر أمر مرهق جداً، وأن تعود إلى البرّية في حال خفَّت حدّة الجفاف. ومع بدء الدببة في اكتساب الوزن استعداداً للسبات، تخشى رايش أن تزداد حوادث المواجهة.