الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار):  عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار): عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
TT

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار):  عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار): عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة، والذي سيصدر قريباً عن دار «رياض الريّس للكتب والنشر» في بيروت. الحلقة السابقة تناولت ثنائيّتي «العروبة والإسلام» و«القوميّة والاشتراكيّة». هنا الحلقة الأخيرة.

ما لا شكّ فيه أنّ التطوّرات التي شهدها الوعي الوطني المصري اختلفت عن مثيلتها في العراق وسوريّا، تبعاً لعاملين على الأقلّ. فمن جهة، انحسر مبكراً الأثر العثماني فالتركي عن مصر، وذلك مع الاحتلال الإنجليزي في 1882، وإن عبّرت الوطنيّة المصريّة المبكرة، لا سيّما مع «الحزب الوطنيّ» بقيادة مصطفى كامل ومحمد فريد، عن هوى عثماني أُريدَ استثماره في مواجهة البريطانيين. أمّا الآخر، فيطال تفاوت التجربتين فيما خصّ الأقلّيّات المسلمة غير العربيّة، بين مصر وكلّ من العراق وسوريّا. فمنذ حركة أحمد عرابي في 1881، والتي قامت جزئيّاً ضدّ نفوذ الضبّاط الشركس، لم يعد هؤلاء، وهم ذوو الوجود العسكري العريق الضارب في الحقبة المملوكيّة، يُعرّفون بصفتهم الجمعيّة هذه. لقد اندمجوا في نسيج مصر وسياساتها على النحو الذي يرمز إليه كون علي ماهر، أحد أبرز سياسييهم القوميين، وعزيز علي المصري، أبرز ضبّاطهم القوميين، هما نفسهما من ذوي أصل شركسيّ. أمّا في العراق وسوريّا، فيمكن رسم خطّ فاصل ونافر بين حقبة الضبّاط العثمانيين، غير العرب، والذين برز منهم قائدا الانقلابين الأوّلين في العراق وسوريّا، الكرديّان بكر صدقي وحسني الزعيم، وحقبة الضبّاط العرب ممن ولدوا في أواخر عهد السلطنة العثمانيّة أو بعده بقليل، وتخرّجوا من الكلّيّات الحربيّة في ظلّ الاستقلال العراقي الناقص والانتداب الفرنسي على سوريّا. وهذا، فضلاً عن النسيج المصري الأعلى انسجاماً من مثيليه العراقي والسوريّ؛ ما جعل اقتران الإسلام بالقوميّة، أكانت مصريّة في البداية أم عربيّة لاحقاً، أشدّ سلاسة منه في البلدين المشرقيين الآسيويين.
على أنّ القاسم المشترك هو أنّ هؤلاء جميعاً أطلّوا على الحياة العامّة قُبيل هزيمة النازيّة في الحرب العالميّة الثانية ومعها، وهو ما لبث أن فتح الباب للقطبية الأميركيّة - الروسيّة، ومعها الرأسماليّة/الديمقراطيّة - الشيوعيّة.
فجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات، أبرز نجوم العهد الجمهوري في مصر، ولدوا بين 1918 و1919، وتخرّجوا ضبّاطاً بين 1937 و1939. وأدوار هؤلاء جميعاً كانت من ثمار توسّع الجيوش الذي سبق الاستقلالات أو تلاها مباشرة، مستدعياً إليه أبناء البيئات الشعبيّة العميقة في المدن، وخصوصاً في الأرياف. وقد شهد الجيش في مصر، عشيّة الحرب العالميّة الثانية، توسّعاً صاروخيّاً رفع عدده أضعافاً مضاعفة، ما شكّله على هيئة أداة سلطة غير مسبوقة عربيّاً في قوّتها وحجمها، كما في عضويّة ارتباطها بمجتمعها الأهلي العميق. وفي المعنى هذا، انتمى كثيرون من «الضبّاط الأحرار» ممن دخلوا الكلّيّة الحربيّة في الثلاثينات، إلى الطبقة الوسطى على تعدّد شرائحها، دون أن يكون بينهم أي ضابط قبطيّ. وفيما خلا الوطنيّة، بمعنى المناهضة الحصريّة للإنجليز، كان هؤلاء انتقائيين آيديولوجيّاً، فيهم الإسلامي والبراغماتي على شيء من الليبراليّة، والشوفيني المصري على أنواعه.
وكما سبق أن رأينا في حالة العراق، شهدت الثلاثينات، وبتأثير واضح من الحركات الفاشيّة الأوروبيّة، نزوعاً حادّاً إلى تجمّعات وتيّارات قوميّة ووطنيّة مشابهة في المشرق العربيّ، يقف على رأسها زعماء يقلّدون هتلر وموسوليني. وربّما كان الأبرز، فضلاً عن العراقي سامي شوكة، المصري أحمد حسين، مؤسّس «مصر الفتاة»، واللبناني أنطون سعادة الذي أسّس في 1932 «الحزب السوري القوميّ» وذهب بعيداً في انتفاخه الأنويّ، مانحاً نفسه لقب «الزعيم» مدى الحياة، ومتجاوزاً في علمويّته وخطابيّته الرومنطيقيّة سائر نظرائه.
غير أنّ الفرصة التي أتيحت للجيش المصريّ، كمصنع للزعاميّة الجديدة، لا سيّما بعد انقلاب يوليو (تموز) 1952، لم تُتح للبيئات السياسيّة والحزبيّة والعسكريّة الأخرى. ففضلاً عن موقع مصر المركزي في العالم العربيّ، والذي زاده الاحتلال البريطاني مركزيّة وأهميّة، وعمّا أشير إليه من توسّعٍ عرفه جيشها الوطنيّ، ضُغطت في التجربة المصريّة المرحلتان العثمانيّة - الألمانيّة والسوفياتيّة على نحو لم تعرفه التجارب الأخرى، في حين شكّل عام 1956 جسر الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية تحت تسمية «الاشتراكيّة الديمقراطيّة التعاونيّة» التي تغيّرت لاحقاً. ذلك أنّ هزيمة النازيّة الألمانيّة حوّلت الشيوعيّة السوفياتيّة، المندفعة باتّجاه الشرق الأوسط بعد رحيل جوزيف ستالين، مصدراً متقدّماً في استلهام النظام الجديد، والطوبى التي تراءى أنّ إراديّة الذات وتصميمها يستطيعان استحضارها إلى الواقع.

- إنّها أفعال الأجانب
فجمال عبد الناصر هو «أتاتورك مصر»، كما أسماه محمد نجيب نفسه، وهذا إنّما يصف محوريّة القائد ومصادرته الحراك الاجتماعي والسياسي في بلده. ومن دون أن يلغي تشابُهُهما الفوارقَ الكثيرة التي ينبع معظمها من اختلاف الأوضاع والقوى الدوليّة المؤثّرة؛ مما سنتطرّق لاحقاً إليه، يحضر التكوين الذاتي والرومنطيقي بقوّة في الزعيمين.
ويقدّم كتيّب «فلسفة الثورة»، الذي شاع أنّ عبد الناصر أملاه على الصحافي محمد حسنين هيكل، بعض الإحاطة بمخيّلته ووعيه إبّان استيلائه على السلطة وبُعيده. فـ«لقد كنت أتصوّر قبل 12 يوليو (تموز) أنّ الأمّة كلّها متحفّزة متأهّبة، وأنّها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور، فتندفع الأمّة وراءها صفوفاً متراصّة منتظمة تزحف زحفاً مقدّساً إلى الهدف الكبير». ولئن تكرّرت صورة «الصفوف المتراصّة» التي أتى على ذكرها سامي شوكة وأنطون سعادة وسواهما بعبارات مختلفة، فإنّ الجنديّة هي ما يجعل «للجيش واجباً واحداً هو أن يموت على حدود وطنه». أمّا مشاكل مصر، «البلد الطيّب الوديع»، فلا تظهر عند عبد الناصر إلا بوصفها نتاج أفعال الأجانب. ذاك أنّ الشعب «شاءت له الظروف أن يعاني الذلّ تحت سنابك خيول الطغاة القادمين من المغول والشركس. كانوا يجيئون إلى مصر عبيداً فيفتكون بأمرائهم ويصبحون هم الأمراء. وكانوا يساقون إليها مماليك فلا تمضي عليهم فترة في البلد الطيّب الوديع حتّى يصبحوا ملوكاً (...) وكانت أرواحنا وثرواتنا وأراضينا هي الغنيمة». وهنا أيضاً يكرّر عبد الناصر التهم التي كان قد وجّه مثلَها قومي عربي آخر، هو السوري ميشيل عفلق، الذي أسّس «حزب البعث العربيّ» في الأربعينات، إلى الأتراك والفرس. ومثل الأجانب والأغراب، هناك التعدّد الذي يفتك بالوحدة الأصليّة للشعب، ويستوطن المدينة الكوزموبوليتيّة غالباً، حاضاً الوطنيين على صهره وتذويبه. فعبد الناصر الشابّ إذ ينظر «إلى أسرة مصريّة عاديّة من آلاف الأُسر التي تعيش في العاصمة»، يجد أنّ «الأب مثلاً معمم من صميم الريف، والأمّ منحدرة من أصل تركيّ، وأبناء الأسرة في مدارس على النظام الإنجليزيّ، وفتياتها في مدارس على النظام الفرنسيّ، كلّ هذا بين روح القرن الثالث عشر ومظاهر القرن العشرين». وإذ يفهم حينذاك «الحيرة التي نقاسيها والتخبّط الذي يفترسنا»، يقول لنفسه «سوف يتبلور هذا المجتمع وسوف يتماسك، وسوف يكون وحدة قويّة متجانسة».
وعمليّة كهذه، مقرونة بتوسّع الإدارة والجيش والاقتصاد البضاعي الصغير، في مقابل تفاقم الأزمة الزراعيّة في الريف، تتطلّب الزعيم بالضرورة، حيث يُلحّ البحث عمّن يقود هذه المجتمعات المختلطة والمشوّشة وحديثة النشأة فيما هي تباشر الخروج من كنف الاستعمار إلى أفق الصيرورة التاريخيّة المرتجاة. فزعيم كاريزمي كهذا هو من يسدّ النقص الكامن في خلائط التكوين الآيديولوجي البسيط والمتناقض ذاتيّاً، والذي حين يتحوّل، بعد إحراز السلطة، إلى آيديولوجيا رسميّة، كالقوميّة العربيّة في مصر الناصريّة أو البعثيّة في العراق وسوريّا، تتفاقم أزمته من غير أن تتنامى جاذبيّته الشعبيّة.
وكان أحد القواسم المشتركة بين أتاتورك وعبد الناصر (والذي يطيب للمحلّلين الماركسيين إسباغه على جميع القادة «البورجوازيين الصغار» تبعاً لتمثيلهم مصالح طبقيّة متنافرة بعيداً عن الأبعاد الأخرى التاريخيّة والثقافيّة والشخصيّة) هو ملء هذا الفراغ بخليط من الانتهازيّة والضجيج الخطابي اللذين يعزّزان التعويض الزعامي المطلوب.
فمنذ أشاع جمال عبد الناصر تلك العبارة التي وردت في «فلسفة الثورة»، عن «دور هائم على وجهه يبحث عن بطل»، والطلب على «البطل» يعادل إعلان التمرّد على حقائق الواقع الموضوعيّ، بالسلبي منها والإيجابيّ. وهذا «البطل» الذي استعيد معه رونق البطولة كاملاً بعدما شوّهته الخيبة بأتاتورك، هو من سيقود «عائلته» على طريق «تحدّي القدر». فهو، بالتالي وبالضرورة، «الأب» القوي والمحبوب في آن معاً، والذي على رغم تشدّقه بثوريّة تطيح الكثير من القيم السائدة، إنّما يرسّخ إحدى أكثر القيم التقليديّة، بل الرجعيّة، صلابة بإسباغه المنطق المحافظ المستَمدّ من حياة العائلة الأبويّة على الحياة السياسيّة والعامّة. وهذا ما رأيناه لاحقاً على نحو أشدّ توسّعاً وشدّة في حالة زعماء كصدّام حسين وحافظ الأسد في العراق وسوريّا. غير أنّه في الحالات جميعاً، وخصوصاً في استهدافه الأطفال وتلامذة المدارس، أو البالغين بوصفهم «أبناء»، إنّما يلبّي ذاك الحنين الرومنطيقي إلى العائلة الأبويّة المنسجمة التي شرعت الحداثة تتهدّدها وتقضم أطرافها.
وهنا يحضر «الحب» الذي كان عبد الناصر أوّل من نقله، في المشرق العربيّ، «من مجال العلاقات الشخصيّة إلى مجال الدولة والسياسة، و(يحضر) توقّعُ أن يكون الرئيس محبوباً كأنّما هو أب أو حبيب، والمثابرة دونما كلل على إشهار ذلك عبر وسائل الإعلام العامّة». فعبد الناصر، وفق الكاتب السوري ياسين الحاج صالح، كان «حبيب الشعب، حبيب الملايين وأمل الملايين، يُغنَّى له في الإذاعات، ويُهتَف باسمه في المسيرات، وتتكرّس إذاعات وصحف لا منافس لها لتعظيمه والإشادة به وبحكمه»، علماً بأنّ الخلط «عظيم الضرر»، كما ينبّه الحاج صالح، بين الحبّ الذي يُزاوَل في الدوائر الخاصّة والشخصيّة، والسياسة، حيث ينبغي في السياسي أن يكون موثوقاً، لا محبوباً. فإذا كان ماكيافيللي قد فضّل في توصيته الشهيرة إخافة الحاكم على محبوبيّته، فإنّنا هنا حيال الإخافة والمحبوبيّة معاً. ولربّما كان من أبرز نتائج تغليب هذا الحبّ في السياسات العسكريّة المصريّة وأشدّها أذى علاقة عبد الناصر بـ«صديق حياته» و«حبيب قلبه» عبد الحكيم عامر، التي لعبت دورها الذي بات معروفاً في هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967.
بيد أنّ إعلاء الحبّ بالمعنى المشار إليه لا يكتفي باستبعاد الاختلاف كشرط للسياسة، بل يخوّنه أيضاً، كما يخوّن حامليه ويجيز إنزال أقصى العقاب بهم. وبهذا الخليط من سحر الحبّ كآيديولوجيا مهيمنة والخوف من التبعات الأمنيّة التي ترتّبها خيانة الحبيب، يتعطّل النقد وتتعطّل الحياة العامّة، التي لا تعود تتّسع إلا للخضوع.
وهكذا، فالموثوقيّة التي يقترحها الحاج صالح بديلاً من الحبّ، هي ما يغيب عن سلوك الزعيم، بل هي بالضبط ما تلافتْه محاولاته النظريّة والفكريّة. فعلى رغم تشديد الناصريّة على «التنظيم» وإقامتها ثلاثة «تنظيمات» (هيئة التحرير، والاتّحاد القوميّ، والاتّحاد الاشتراكي العربيّ)، ففي «الباب الأوّل» من «الميثاق» الذي أُقرّ عام 1962، نقرأ الاعتداد التالي بـ«الإرادة» المنفلتة من كلّ قيد: «إن قوّة الإرادة الثوريّة لدى الشعب المصريّ، تظهر في أبعادها الحقيقيّة الهائلة إذا ما ذكرنا أنّ هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة. كذلك، فإنّ هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرة كاملة للتغيير الثوريّ». وهذا الإكبار للعفويّة التي تنتجها بطولة الشعب والزحف الثوري «من غير تنظيم»، هو ما حرّر، منذ البداية، مواقف الزعيم وسلوكياته من كلّ قيد قد يندرج في المبدئي والموثوق. فوفقاً للمؤرّخ المصري طارق البشري وآخرين، «كانت لعبد الناصر سابقة اتّصال سياسي بالحركات الحزبيّة. اتّصل بـ(مصر الفتاة) تلميذاً في الثلاثينات، ثم اتّصل بالإخوان المسلمين في بداية الأربعينات، ثم اتّصل بالحركة الشيوعيّة في منتصف الأربعينات». وإذا كنّا سنتناول لاحقاً علاقة عبد الناصر بالإخوان، وهي كما يبدو تتعدّى منتصف الأربعينات، يكفي هنا استرجاع ما يذكره أحد كبار «الضبّاط الأحرار»، عبد اللطيف البغدادي، عن تجربة انضمام بعض أولئك الضبّاط إلى التنظيم الإسلامي المذكور: «كنّا نحضر حديث الثلاثاء (الإخوانيّ) كلّ أسبوع، واتّبعنا نظام الأُسَر (الذي يعتمده الإخوان تنظيميّاً)، كلّ أسرة من خمسة». بل إنّ موعد الانقلاب نفسه أُجّل من 22 إلى 23 يوليو (تموز) كي يُتاح «استطلاع رأي قيادة الإخوان المسلمين في الموافقة على قيام حركة الجيش». ووفقاً للكاتب المصري شريف يونس، كان الضبّاط «يستعملون خطاباً إسلاميّاً كجانب من محاولتهم بناء شرعيّتهم»، وقد جاء قَسَم «هيئة التحرير»، أي التنظيم السياسي الأوّل الذي أنشأه الانقلابيّون، متأثّراً باللغة الإخوانيّة والدينيّة. فحين شرح جمال عبد الناصر الانقلاب في خطبة له، رأى أنّها «كانت غضبة لله، وصدى للشعور الشعبي المكبوت، ومن هنا تولّتها العناية الإلهيّة»، كما أكّد «أنّنا نحقّق ما ينادي به القرآن».
وترافقت هذه اللغة البسيطة، المتحرّرة من كلّ إلزام، مع إرساء الأسس لتعطيل النقاش، حيث بلغة البغدادي، «لم نكن نشأ الدخول في تفصيلات هذه الأهداف العامّة خشية اختلاف الرأي بيننا، وحتّى لا يتسبب عنه فرقة وانقسام». وبدوره، اكتفى يوسف صدّيق، أحد «الضبّاط الأحرار» البارزين، «بأن يذكر لجنوده أنّهم سيقومون بعمل خطير لصالح الوطن، ولم يدركوا من ذلك بطبيعة الحال أنّهم يقومون بانقلاب عسكريّ، وأنّه يستهدف السلطة وخلع الملك». ثمّ جاءت البيانات التي صدرت في الأيّام الأولى للانقلاب تناشد «الجماهير أن تخلد إلى الهدوء والسكينة والنظام دون دعوة للتحرّك، ودون طرح أهداف سياسيّة محدّدة يمكن أن تساهم الجماهير في صنعها مع القيادة». ويمضي البشري: «وقد جاء في البيان الذي أذيع ويحمل نبأ تنازل الملك عن العرش في 26 يوليو 1952، «إن نجاحنا للآن في قضية البلاد يعود أوّلاً وأخيراً إلى تضافركم معنا بقلوبكم، وتنفيذكم لتعليماتنا، وإخلادكم إلى الهدوء والسكينة».
لكنّ «التضافر بالقلوب» و«تنفيذ التعليمات»، أي الحبّ والخضوع، كانا مطلوبين لنشر الضباب حول مجريات الواقع الفعلي والأدوات المطروحة لتغييره. هكذا يروي «ضابط حرّ» بارز آخر هو أحمد حمروش، أنّه في اجتماع عُقد في 17 يوليو (تموز)، «تأرجحت الآراء (بين الضبّاط) وظهرت فكرة الاغتيالات الجماعيّة لقادة الأحزاب ورجال السراي وبعض كبار الساسة الآخرين. وشاعت الفكرة بين عدد من المجموعات، وتشكّلت فعلاً مجموعة للقيام بذلك. ثمّ تراجعت هذه الفكرة بعد أن جدّ ما استدعى التعجيل بالحركة إلى 22 يوليو، ووضّح صعوبة ضمان تنفيذ الاغتيالات بصورتها الجماعيّة واحتمال قيام حملة اعتقالات واسعة بعد تنفيذها». ويرى البشري أنّ مذكّرات عبد اللطيف البغدادي «تكشف عن مادّة ثريّة في موضوع الاغتيالات، الذي لم يُعدَل عنه نهائيّا إلا في 17 يوليو 1952. ويشير من قبل ذلك إلى الاتّصال بعبد العزيز علي والتفكير في إعداد تنظيم فدائي وصنع القنابل وإعداد الأسلحة، مع مغامرة عزيز علي المصري التي ساهم فيها بعض الضبّاط للاتّصال بالألمان، ومع اقتراح إنشاء خلايا سرّيّة لقتل من يعتبرونهم ساسة منحرفين بعد حادث 4 فبراير (شباط) 1942، وعرضهم على رئيس الديوان الملكي وقتها قتل مصطفى النحاس احتجاجاً على ذلك الحادث».
ما هو أبعد من ذلك وأوسع دلالة، أنّ عدد «الضبّاط الأحرار» الذين أسهموا في انقلاب 1952 لم يزد على تسعين ضابطاً، «وكان ثلثاهم، وفقاً للإحصاء الفعليّ، من الضبّاط الأصغر من رتبتي النقيب والملازم. وهذه النسبة لا تزيد على 4 في المائة من مجموع ضبّاط الجيش... كما أنّ الوحدات التي اشتركت لم تكن تشكّل إلا نسبة صغيرة من أسلحة الجيش وتشكيلاته ووحداته المنتشرة في مختلف المناطق العسكريّة». وهكذا تغدو إرادة 4 في المائة من مجموع ضبّاط الجيش هي، وفق أدبيّات الانقلاب، إرادة الله والشعب التي لا تُردّ.
ويذهب شريف يونس خطوة أبعد، فيخفض نسبة تمثيل «الضبّاط الأحرار» إلى 3 في المائة من مجموع الضبّاط، لكنّ الأهمّ تدليله على ضعف مجمل القوى الراديكاليّة، المتقاطعة يومذاك على نحو أو آخر مع «الضبّاط الأحرار». ذاك أنّ «الإخوان لم يسبق لهم رغم قوّتهم أن حصلوا على مقعد في البرلمان، وكذلك الشيوعيّون. وحصلت (مصر الفتاة) على مقعد واحد بعصبيّة إبراهيم شكري العائليّة».
وبالاستناد إلى مصادرة التمثيل هذه، تمنح القيادة العليا نفسها، هي التي لا تملك حتّى تلك اللحظة أي تاريخ، تفويضاً شاملاً ومنزّهاً، فتُصدر بياناً في 31 يوليو (تموز)، أي بعد أسبوع فقط على الانقلاب، «يرفع شعار التطهير لكلّ المؤسسات، ويدعو الأحزاب إلى تطهير نفسها والإعلان عن برامجها».
وهذا الاعتباط الذي تُمليه إرادة شخص واحد، أو بضعة أشخاص من المتآمرين، إنّما ولد مع تفرّد عبد الناصر «منذ البداية (...) بقرارات وإجراءات لم يُعلِم بها زملاءه، كإدخال أنور السادات تنظيم الضبّاط الأحرار وتسميته أحد أعضاء هيئته التأسيسية أو انفراده بتخطيط وتنفيذ محاولة اغتيال اللواء حسين سري عامر، مدير سلاح الحدود، يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1952».
وهو ما كان له مقابله المكمّل في العلاقات الخارجيّة. فقبل طوره السوفياتي البادئ في أواسط الخمسينات، عرف عبد الناصر طوراً أميركيّاً لم يحل قصره الزمني دون عمقه وتشعّبه، وذلك بالاستناد إلى أنّ الولايات المتّحدة لم تكن «استعماراً قديماً» كبريطانيا، بل تناقضت مع هذا الاستعمار وسعت إلى إزاحته والحلول محلّه.
فلم يعد سرّاً، أقلّه منذ صدور كتاب «لعبة الأمم» لضابط «سي آي إيه» مايلز كوبلاند، الذي عُرف بعلاقاته الوثيقة مع الزعيم المصريّ، حصول تعاون واسع بين الأخير ووكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة (سي آي إيه) يعود إلى ما قبل انقلاب يوليو، وكان صلة الوصل حسن التهامي، أحد «الضبّاط الأحرار» المقرّبين من عبد الناصر، ولاحقاً من أنور السادات (حيث رافقه في رحلته الشهيرة، عام 1977، إلى تلّ أبيب) في تحوّل لا يقلّ عن تحوّلات السادات نفسه.
وقد شملت الاتّصالات بين عبد الناصر والأميركيين كيرميت روزفلت، مدير الـ«سي آي إيه»، الذي سافر إلى القاهرة، علماً بأنه هو نفسه ما لبث أن أشرف على إطاحة محمد مصدّق في إيران، الذي يُفترض، تبعاً للأدبيّات النضاليّة، أنّه حليف موضوعي لعبد الناصر في مواجهة الإمبرياليّة. وعلى العموم، خُلّد اسم روزفلت سلباً بوصفه أحد أكبر «المتآمرين» على الشعوب وحركات تحرّرها. أمّا موضوع الاتّصالات الثنائيّة المصريّة - الأميركيّة، فدار حول إقناع الأميركيين حلفاءهم البريطانيين بالابتعاد عن مصر مقابل ضمانة من عبد الناصر بتحديث الاقتصاد وقمع الشيوعيين. وأمّا الشخص المكلّف استئناف هذه الاتّصالات مع مساعد الملحق العسكري الأميركي ديفيد إيفانس فلم يكن سوى علي صبري، الذي بات لاحقاً «رجل السوفيات»، في تبدّل للأدوار الوظيفيّة يعاكس التبدّل الذي طرأ على أدوار التهامي. وفي مطلق الأحوال، سارع الرئيس الأميركي هاري ترومان إلى الترحيب بانقلاب 1952 المصري محذّراً البريطانيين من التدخّل، في حين كان السفير الأميركي في القاهرة يسمّي «الضبّاط الأحرار» «صُبياني» (my boys). وقد ذكر لاحقاً خالد محيي الدين، وهو بدوره من قادة «الضبّاط الأحرار»، أنّ الأميركيين ضغطوا على القاهرة للإسراع في إنجاز الإصلاح الزراعيّ، لقناعتهم بأنّ الثورتين البلشفيّة والصينيّة اعتمدتا على الفلاّحين المحرومين من الأرض. وكان جون فوستر دالاس، وزير الخارجيّة، أوّل رسمي أميركي كبير يزور الجمهوريّة الجديدة، بحيث احتجّ رئيس حكومة بريطانيا ونستون تشرشل، في رسالة إلى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، على العلاقة الأميركيّة الجديدة مع عبد الناصر.
وكانت «سي آي إيه» قد طوّعت بعض رجال الـ«إس إس» والـ«غستابو» السابقين لمساعدة النظام المصري الجديد، جرياً على السياسة التي اتّبعتها واشنطن في الاستفادة من خبرات النازيين، وقد هُزموا وشُرّدوا، ضدّ السوفيات في الحرب الباردة. وبالفعل، وصل إلى القاهرة وفد كبير من الضبّاط والخبراء النازيين، كان في عدادهم ألواس أنطون برونّر، مساعد أدولف أيخمان الذي انتقل لاحقاً إلى دمشق وبقي ومات فيها.
وقد لا يكون عديم الدلالة، في الطور السوفياتيّ، أن تتولّى ألمانيا الشرقيّة وجهازها الأمني الشهير «شتازي»، دوراً مميّزاً في العلاقة بمصر الناصريّة، ولاحقاً بالعراق وسوريّا البعثيين؛ ما يوحي باحتمال استمراريّة ألمانيّة، ولو رمزيّة، مُسيطَر عليها هذه المرّة، وفّرتها العلاقة مع واشنطن ثمّ مع موسكو.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة
الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

 


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.