الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
TT

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)

يتناول حازم صاغية، في هذه الحلقة الثالثة من كتابه «رومنطيقيّو المشرق العربيّ»، ثنائيّتي «العروبة والإسلام» و«القوميّة والاشتراكيّة»، فيقول إن أتاتورك دمج مسألة الإسلام في القوميّة التركيّة، بينما اتّجه عبد الناصر إلى مزاوجة الاثنين عبر ثنائيّة «العروبة والإسلام». لكنه يضيف أن الزمن السوفياتي وفّر للزعيم المصري ثنائيّة أخرى بات مطلوباً التعامل معها، وهي القوميّة والاشتراكيّة التي تستطيع أن توفّر للنظام قاعدة لا تقلّ عرضاً عمّا توفّره الثنائيّة الأولى.
ويرى صاغية أيضاً أن سيرة الناصريّة، أهمّ سِيَر الزعامات في المشرق العربيّ، تشفّ عن ملمح أساسي في الوطنيّات المعهودة، هو «تعرّيها من كلّ آمر عقلانيّ؛ وهو ما يدعم فعليّاً تحرّرها من كلّ مساءلة ديمقراطيّة تحدّ من نزوعها إلى الاستبداد».

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيو المشرق العربي» لحازم صاغية الذي سيصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» في بيروت. الحلقة السابقة تناولت «صناعة الموت» ودورها التأسيسي.
ربما كانت سيرة المناضل الكاتب المصري فتحي رضوان الأدق تمثيلاً لثقافة النظام الناصري في تكامل أدوارها ووجوهها، وبالتالي لانطوائها على استمرارية وطنية تحاول أن تبرر تهافتها وانقطاعاتها، كما تبرر مصادرة الحقيقة والتمثيل الشعبي انطلاقاً من فشل سياسي جلي.
فرضوان، بحسب غيرشوني وجانكوفسكي اللذين درسا مصر الثلاثينات والأربعينات كان أحد أولئك المثقفين والدعويين الشبان الذين تفرعوا عن الأفندية الجدد، وكانوا يرسمون لمصر صورة تتعدى حدود الوطن المصري. وفي مباشرتهم بروزهم العام في الثلاثينيات، كانت لهم مساهمة أساسية في التشكل الفكري للمفاهيم الدمجية ضمن سياق مصري.
ولئن تقرب هو أيضاً من عزيز علي المصري، فقد شارك أحمد حسين في تأسيس «مصر الفتاة» عام 1933، وكانت له حينذاك آراء في التعليم والتربية لا تبتعد كثيراً عن آراء زميله العراقي سامي شوكة؛ ذاك أنه ينبغي استلهام التعليم في مصر من «روح قوية»، وجعل ذاك التعليم يدمج فيه «أخلاقاً قوية»، كأن تتحلى الشبيبة بـ«النظام والطاعة والسيطرة على النفس وتحمل الشدائد». وهو لم يكتم كرهه المبكر للنظام البرلماني الذي «يمنع العمل ويعيقه، ويحول الوطن إلى خشبة للخطابة والمسرحيات، فالناس يجوعون بينما النواب يتباهون بالبلاغة، والبلد مهدد بالخطر من الداخل والخارج، ومع هذا فإن محاضر جلسات المجلس لا تتضمن إلا الجدالات الفارغة». ولم تختلف كثيراً عن هذه الحجج حجج انقلاب 1952 في تعطيلها المؤسسات الدستورية وحلها الأحزاب.
على أن رضوان انشق عن «مصر الفتاة»، لينضم إلى «الحزب الوطني»، ثم انشق عنه أيضاً ليؤسس حزباً ضئيل الوزن والأهمية سماه «الحزب الوطني الجديد». ولئن اعتقلته القوات البريطانية غير مرة، كما اعتُقل بعد حريق القاهرة في 26 يناير (كانون الثاني) 1952، فقد أفرج عنه الانقلابيون، وحملوه معهم إلى الوزارة، علماً بأنه كان قد فشل مرتين في الحصول على مقعد نيابي. فهو بالتالي «لا يستطيع بجهوده أن يحصل على أصوات دائرة (انتخابية) واحدة. فكان سنده الوحيد هو ثقة الضباط في ولائه لهم، واشتراكه معهم في الكراهية العميقة للأحزاب البرلمانية القديمة»، وفقاً لشريف يونس. هكذا، شغل رضوان وزارة الإرشاد القومي التي يقول بلسانه هو نفسه إنه من أسسها. وفي الحالات جميعاً، كان المدني الوحيد الذي يتولاها لمدة طويلة، حتى بات أقرب ما يكون إلى جدانوف الناصرية، كما تولى وزارات ومسؤوليات أخرى في السلطة، منها العضوية في المجلس الأعلى لـ«هيئة التحرير».
وفي دراسة يونس عن الحياة الثقافية والفكرية في مصر الناصرية، يتوقف عند رضوان بصفته «شخصية فاعلة رئيسية» في الخمسينيات. فالسياسات التدخلية التي أرساها في أثناء توليه وزارة الإرشاد القومي استمرت بعده، وكان من تلك النظريات التي كافحت السياسة التدخلية لإحلالها ما قاله في أواخر 1955 عن ضرورة «حماية عقل الشعب وروحه»، أو في أواسط 1956 من أن «الثورة لها أهداف روحية تتطلب توجيه الثقافة القومية وتخليصها من الشوائب التي بثها الاستعمار (في الثقافة)». وبالطبع، كما يضيف الكاتب، كان فتحي رضوان «من الرواد في اتهام المثقفين السابقين على عهده»، فلم ينج طه حسين وأحمد لطفي السيد وعباس محمود العقاد من وصمة «خدمة الاحتلال لتحصيل القوت». وهو، إلى هذا، كان من رموز التيار المسمى «شخصيتنا» القومية والدينية في الحياة الثقافية، حتى أنه رفض تصوير فيلم سينمائي عن خالد بن الوليد لأنه «يتعرض لفترة ما قبل إسلامه وسلوكه في أثنائها». بلغة أخرى، وبالتوازي مع الحكم الانقلابي، بدأ «الإرشاد القومي» يستهدف التأسيس من الصفر، جرياً على إرادية رومنطيقية تجمع بين تطهير التاريخ وتطهير الواقع وقواه الحية.
وفي غضون ذلك، لم يتورع رضوان عن تشبيه العاملين في الحقل الفني والثقافي، ممن تشرف وزارته على عملهم، بـ«حشرات المنازل»، وعن نشر بعض التصورات اللاسامية في أكثر أشكالها بدائية وفظاظة، حيث إن «دُهاة السياسة العالمية الذين هم، في الأغلب الأعم، يهود ذوو أنياب زرقاء يحسنون الدس والوقيعة والتآمر الدولي». وقد توج رضوان حياته السياسية بالتطوع محامياً للدفاع عن أيمن الظواهري، نائب أسامة بن لادن وخليفته.
موضوع الشرعية وثقافتها
تشف سيرة الناصرية، أهم سِيَر الزعامات في المشرق العربي، عن ملمح أساسي في الوطنيات المعهودة، هو تعريها، على ما سبقت الإشارة إليه، من كل آمر عقلاني. وهو ما يدعم فعلياً تحررها من كل مساءلة ديمقراطية تحد من نزوعها إلى الاستبداد. وفي خضم عملية كهذه تحتل رومنطيقية التغلب على الأقدار، بقيادة زعيم مصطفى، موقعها ودورها في صوغ شرعية النظام الذي يُفترض أنه كامل الجدة.
ذاك أن إحدى أبرز وظائف الرومنطيقية في نموذج الزعماء القوميين والاستقلاليين لبلدان «العالم الثالث» في النصف الثاني من القرن العشرين تتصل بموضوع الشرعية وثقافتها. فالزعامات التقليدية، من بورجوازيين وملاكي أراضٍ، ورثوا خليطاً من الأدبيات والإملاءات السياسية للبلدان الاستعمارية والديمقراطية، وعملوا على تطبيقها بقدر من الالتواء والفساد. أما الحكام الجدد، فكان عليهم أن يطوروا نظرية مستمدة انتقائياً من نظريات عدة، تمتد من الفاشية إلى الديمقراطية، قبل أن تتدخل الحاجة الجديدة إلى العلاقة بالاتحاد السوفياتي في ضبط المقادير والنسب لصالح تعظيم حصة «الفلاح» و«العامل» في «الشعب»، وإعادة النظر بالقومية على نحو أشد تصالحاً مع التأويل الطبقي، وأكثر تصادماً مع الإمبرياليات الغربية.
على أنه في هذا الخلط عديم التجانس، راح الحكام الجدد يطبقون النسبية الثقافية قبل عقود على صعودها في الجامعات ومراكز البحث الغربية، تحت عنوان «ما بعد الحداثة». ولئن قاد زعماء المرحلة الأسبق، كأتاتورك ومقلديه العرب، إلى ممانعة مبكرة للعقل والعقلاني أريد تمويهها بإثارة التعبئة الدائمة، فهذا ما تعاظم مع الزعماء الجدد، باستدخالهم هذا القدر أو ذاك من الاشتراكية السوفياتية، فضلاً عن الذهاب -هم أيضاً- خطوات بعيدة في المشهديات البصرية الحادة، وما يرافقها من تعويل على الخطابة بصفتها أداة لممارسة الزعيم سحره على الجماهير.
وفي مصر تحديداً، وبعدما حمل انقلاب 1952 بذور نزعة رومنطيقية صريحة (الزعيم، الذاتية، عفوية المبادرة...)، شهدت حقبة أواسط الخمسينيات نقلة أخرى بدأها «الانتصار» القومي على «العدوان الثلاثي» في 1956 الذي بالغت الرواية الناصرية في تضخيمه وتعميمه، علماً بأنه يملك بذاته مواصفات نموذجية للرواية المضخمة ملحمياً: التغلب على ثلاث دول، اثنتان منها إمبراطوريتان عظميان، فيما الثالثة، وهي «دولة عصابات»، سبق أن تمكنت في أزمنة الانحطاط والغفلة من إلحاق الهزيمة بسبعة أنظمة عربية «فاسدة».
وقبل شهر واحد على تأميم قناة السويس، في يوليو (تموز) من ذاك العام، أجرى النظام الجمهوري استفتاءه الأول حول رئاسة عبد الناصر ودستوره، فنال 99.99 في المائة لرئاسته، و99.98 في المائة لدستوره، مؤكداً صلاحه لقيادة الأمة نحو مغادرة ما قبل التاريخ.
لكن، لئن وجد أتاتورك نفسه مواجَهاً بمسألة الإسلام الذي دمجه في القومية التركية، ثم اتجه عبد الناصر إلى مزاوجة الاثنين عبر ثنائية «العروبة والإسلام»، فإن الزمن السوفياتي وفر للزعيم المصري ثنائية أخرى بات مطلوباً التعامل معها، وهي القومية والاشتراكية التي تستطيع أن توفر للنظام قاعدة لا تقل عرضاً عما توفره الثنائية الأولى. وبدوره، كان الظرف السياسي ملائماً لرفع الثنائية الثانية إلى موقع متصدر، وإشراكها مع الثنائية الأولى في صياغة الشرعية الجديدة وتمتينها. ذاك أن جماعة الإخوان المسلمين كانت قد تلقت الضربة القاضية بعد الأخرى، وبدا أن التأميم القومي الناصري للإسلام قد أنجز غرضه، فيما كانت المصالحة الناصرية - السوفياتيّة، بعد خلاف 1959 - 1963، قد استتبعت حل التنظيمات الشيوعية المصرية واستيعابها داخل «الاتحاد الاشتراكي العربي».
وإلى ذلك، فإن هزيمة 1948 أمام إسرائيل أفقدت الجيل الوطني الأسبق وزنه وجاذبيته، لا سيما أنه لم يكن قد طور أي موقف إصلاحي واجتماعي يُعتد به في مواجهة الأنظمة والأوضاع القائمة. فتركيزه شبه الأحادي على العناصر الخارجية (الاستعمار، الأجانب، اليهود...)، وفق وعي قومي أولي مبسط، وصِلته العضوية بالملوك والحكام «الرجعيين» (رؤساء حكومات العراق، وعزيز علي المصري، وساطع الحصري)، فضلاً عن عدم فهمه العلاقات الدولية الجديدة لما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار عالمه الضمني بانهيار النازية الألمانية؛ كل هذا جعله يبدو شريكاً في التسبب بهزيمة 1948، والانتساب -بهذه النسبة أو تلك- إلى ما قبل التاريخ.
وهذا ما أوكل إلى حاملي الثنائية الجديدة (قومية واشتراكية) مهمة إنقاذ أسوأ المراتبيات والسلطويات التي عرفها النظام القديم، بعد إحداث بعض التغيير في تركيبها الطبقي لمصلحة الطبقة الوسطى بسائر شرائحها، على حساب الأعيان التقليديين على اختلافهم. أما البدايات البرلمانية التي دشنها النظام القديم، بعدما أسستها ديمقراطية الانتدابات الأوروبية، فهي أكثر ما عرضه حاملو الثنائية الجديدة للسحق والاستئصال.
هكذا، دُمجت الثنائيتان معاً على نحو زاد الآيديولوجيا الناصرية تشوشاً، كما أمعن في تآكل انسجامها الضئيل، بعد أن ضُرب الممثلون الأصليون لمكوناتها أو دُجنوا. فهناك إسلام محرر من الإخوان المسلمين القابعين في السجون، واشتراكية محررة من الشيوعيين الذين ذاقوا السجون قبل أن يتوبوا بتشجيع سوفياتي، وقومية عربية لم يعد يمثلها القوميون العرب الأوائل المشوبون برواسب العهد القديم. وعلى العموم، فمثلما وُصف إسلام الثنائية الأولى بـ«العربي» (وهو ما جُعل نعتاً إيجابياً، بعدما كان في القاموس الكمالي نقيصة استبعادية)، وُصفت الاشتراكية بـ«العربية» في الثنائية الثانية، بحيث بدت القومية (=العروبة) المصب الذي ينتهي عنده رافدا الإسلام والاشتراكية، من دون أن يُغني ذلك عن زيجات فرعية أخرى، كاعتبار الإسلام اشتراكياً، واعتبار الاشتراكية من تعاليم الإسلام.
وفي خلط ما قد يبدو عصياً على الخلط، أنشئ في مصر «المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية» عام 1960؛ أي إبان الوحدة مع سوريا، للتعريف بالإسلام وإحياء تراثه، وصدر المرسوم رقم 57 الذي ضم المساجد الأهلية إلى وزارة الأوقاف. وفي 1961، سنة صدور القوانين الاشتراكية، صدر القانون الذي أسفر عن إلحاق الأزهر برئاسة الجمهورية، وتعيين وزير لإدارة شؤونه، بعدما كان قد جُرد في 1957 من استقلاله المالي بتأميم الأوقاف الخيرية. ثم كان دستور 1964، في ذروة العروبية والاشتراكية، فأُعلن للمرة الأولى أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وتعاظم بالتالي التركيز على بناء المساجد، وإنشاء المحطات الإذاعية الدينية، والتوسع في نشر التراث الديني، وصدر القانون رقم 89 عاهداً إلى الحكومة تعيين الأئمة والعاملين في المساجد الأهلية، فضلاً عن كتابة وزارة الأوقاف خطبَ الجمعة وتوزيعها على خطباء المساجد. وغدت برامج التعليم الديني أكثر تسييساً وتبعية للرؤية العامة التي تحملها الناصرية للمسائل المطروحة.
السلطة حين تقضم الواقع
هنا، لا بد من استبعاد أي تقسيم خطي بسيط يرسم العلاقة بين القومية والدين، خصوصاً في التاريخ العربي الحديث، بصفتها علاقة نفي وتناحر. فهذا ما أنكره، قبل الناصرية، أبرز رموز الدين المسيس الذين عدوا القومية جزءاً من مهمتهم، كما أنكره أبرز الرموز القوميين ممن وسعوا مساحات التقاطع بين العروبة والإسلام. ذاك أن القومية والدين، إذا نظرنا إليهما نظرة جذرية في تأويلها مجردة عن السياق العربي المحدد، يشتركان في تسبيق الفكرة على الواقع، كما يُسبقان الماضي على الحاضر، و«الكرامة» على المصلحة. إنهما، بعبارة أخرى، خطابان ثقافيان قبل أن يكونا أي شيء آخر. وهما، منظوراً إليهما على ضوء تلك المعاني، ينطويان على استعداد رومنطيقي حاد ثقيل سبق تناوله في الفصل الأول. وهذا، بطبيعة الحال، لا يلغي الصراعات الحادة بينهما التي عرف عرب المشرق كثيراً منها، لا سيما منها النزاع الناصري والبعثي مع الإخوان المسلمين، إلا أنه يُدرج تلك الصراعات في خانة لا تبعد كثيراً عن خانة النزاع على السلطة فيما بين القوميين أنفسهم (الناصرية والبعث، والاثنان وحركة «فتح» الفلسطينية)، أو خانة النزاع فيما بين الإسلاميين (الإخوان والسلفيين مثلاً، كي لا نذكر الإسلاميتين السنية والشيعية).
ومع هذا، فإن المطابقة بين الدين والقومية تسيء، فضلاً عما تنطوي عليه من خطأ معرفي، إلى الاثنين، إذ تمعن في تسييس الأول، بما يستبعد مئات الملايين من المسلمين غير العرب، إمعانها في تديين الثانية، بما يستبعد بضعة ملايين من العرب غير المسلمين، جاعلاً طردهم إلى خارج السياسة ممكناً. وكنا قد لاحظنا في وقت لاحق، في التسعينيات، وبذريعة إنشاء جبهات مناهضة للإمبريالية، كيف ازدادت هذه الثنائية انحطاطاً من خلال المقولة البائسة عن «الأمة العربية الإسلامية» التي تُعمي عن كل معرفة وكل واقع.
أما الثنائية الأخرى، وإن لم يقتصر الأخذ بها على التجربة الناصرية وشقيقاتها العربية، على ما سوف نعود لاحقاً إليه، فتنطوي على تناقض أفدح مصدره توهم التغلب الإرادي على خلاف فلسفي بالغ العمق بين القومية بصفتها نظرية للجمع والتوحيد قفزاً فوق تباينات الواقع، والاشتراكية بصفتها نظرية للتفريق و«الصراع» استناداً إلى مقدمات طبقية. وهذا فضلاً عن صعوبة ربط القومية بمقدمات تنويرية مقابل السهولة النسبية لربط الاشتراكية بها.
على أن هاتين الثنائيتين المدمجتين للقومية والإسلام، والقومية والاشتراكية، وإن وفرتا لصاحبهما نوعاً من الاطمئنان السعيد، وتوهم السيطرة على الدنيا، ضاعفتا تمكين الوعي الرومنطيقي، ليس فقط بتوسيعهما المسافة الفاصلة عن الواقع، بل أيضاً بتأسيسهما استحالة فعلية في رؤية الواقع. أما فهم الاستحالة هذه فينبع من وضع الواقع في موضع النقيض للأولوية المطلقة الجديدة الحاجبة له: اكتساب شروط الحد الأقصى لبلوغ السلطة، والبقاء فيها أطول مدة ممكنة، والتخلص تالياً من الخصوم والخصوم المحتملين؛ أي إزالة مَن لا تكتمل من دونهم حقيقة الواقع الذي يغدو، والحال هذه، مطابقاً مساوياً لزعامة الزعيم.
على أي حال، بقي العنصر الرومنطيقي حاداً في الخطاب الناصري على تقلباته، وإن ازداد حدة منذ 1956، خصوصاً منذ الوحدة مع سوريا في 1958، أتعلقَ ذلك بثنائية «العروبة والإسلام» أو بثنائية «القومية والاشتراكية».
والمشكلة، وفقاً ليونس، أن النظام الذي أقامه انقلاب يوليو (تموز) «يملك النوايا، ولكن لا يملك الوجهة أو الخطة». ويستخدم يونس في وصف العملية هذه ما يعين بالضبط العفوية الرومنطيقية للانقلاب والانقلابيين. ذاك أن الضباط أتوا بصفتهم «أنبياء أرسلهم (اسم الشعب) ليقيموا في ساحة المعبد التي أخلوها على شرفه (مجتمع المؤمنين)... لكنهم لم يتلقوا كتاباً، بل سمعوا نداء فحسب تحركوا بموجبه».
لكن عبد الناصر والمقربين منه أنفسهم لم يتفوهوا بما هو أقل رومنطيقية. فمع قيام «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958، رأى الصحافي أحمد بهاء الدين، المقرب من الزعيم المصري، أنها دعوة، وليست مجرد دولة، فيما عبد الناصر، في خطاب له في مجلس الأمة عامذاك، تجاوز كل حد في انتهاك المعاني والحقائق، معتبراً أن الوحدة مع سوريا تدخل «ضمن محاولات الوحدة في المنطقة (التي) لم تتوقف منذ أربعة آلاف سنة طلباً للقوة»، وبالمعنى نفسه: «دُبرت المؤامرات ضد القومية العربية من أجل تفتيتها منذ مئات السنين». وحينما استقبل الزعيم المصري استقبالاً جماهيرياً كبيراً في سوريا، تأكد للصحافي محمد حسنين هيكل «أن هذه الأمة كانت تبحث عن (بطل). فلما عثرت عليه... تفجرت المشاعر المكبوتة في أعماقها منذ قرون طويلة... لقد أحسستُ في دمشق أن كل سجل جمال عبد الناصر من الأعمال لم يكن... انتصارات وطنية فحسب، وإنما كانت هذه كلها في مشاعر الأمة العربية (إشارات). إشارات معناها أن اليوم قد جاء، وأن (البطل) قد ظهر».
لكن بعد عامين، ومن اللاذقية، خاطب عبد الناصر السوريين المنفعلين بأن «قوتكم أيها الإخوة المواطنون إنما تظهر من انفعالكم الدائم».
وفي 1959 و1960، ساد الكلام الرسمي عن «اشتراكية القرية» و«ديمقراطية المصطبة»، فيما «الشعب»، وفقاً لأحد قادة انقلاب يوليو (تموز)، كمال الدين حسين، هم «رفقاء المصطبة والدوار ورواد المندرة»، و«الديمقراطية الحقيقية هي التقاء أبناء الشعب نفسه على المصاطب أو مضايف القرية أو أندية المدينة، كما يلتقي كل ذي أهل بأهله».
ولئن تشكلت أعمدة الآيديولوجيا الناصرية من مفاهيم «الدعوة» و«الزحف» و«المجد»، فهذا لم يحل دون اجتهادات في الاشتراكية، كأن يستعيد أنور السادات عام 1964 «النظرية القروية في الاشتراكية» التي لازمت انقلاب يوليو (تموز) منذ أيامه الأولى، مؤكداً أن «اشتراكيتنا... يجب ألا يتبادر إلى الذهن أبداً أنها اشتراكية مادية... نشأت الاشتراكية أول ما نشأت في القرية على أصول راسخة من الدين والإيمان (...) أما (العلمية) في هذه الاشتراكية... فليست إلا تنظيم وتخطيط هذه المشاركة البدائية، بحيث نستطيع أن نحقق لمجتمعنا أعظم فائدة ممكنة حسبما أنتج العلم... فمثلاً نستطيع أن نستبدل المحراث البدائي بماكينة حرث».
وعلى هذا النحو، وعلى مدى زمني يمتد منذ 1952، وتتخلله هزيمة 1967 المطنطنة، أجاز الموقف الوطني والقومي، بصفته ما يساوي العداء للغرب، ويحض على طلب القوة، قدراً من امتهان العقل والحرية والواقع في وقت واحد.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

 


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)
TT

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) حتى 3 فبراير (شباط) ليؤكد على مكانته بوصفه وجهة للثقافة العربية وعرساً للقراءة يختلط فيه الفكر بالإبداع بالأجواء الكرنفالية الاحتفالية التي يقبل عليها الجميع من الأعمار كافة.

واحتفت جوائز المعرض في دورته الأخيرة بأصوات جديدة تتسم بالموهبة والحيوية في مجالات مختلفة كالإبداع والنشر والنقد الأدبي، حيث فاز مدحت صفوت بجائزة «النقد الأدبي» عن كتابه «بلاغة الكود» مناصفة مع الدكتور صلاح السروي عن كتابه «مفهوم الرواية»، فيما ذهبت جائزة «العلوم الإنسانية - التراث والهوية» إلى الباحث حسن محمد الشافعي عن كتاب «الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي».

وفازت هناء متولي بجائزة «أفضل مجموعة قصصية» عن كتابها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، كما ذهبت جائزة «أفضل ديوان شعر عامية» إلى الشاعر سعيد شحاتة عن ديوانه «فريدة... جدارية أمي اللي باعت عفشها»، بينما فازت الكتابة الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية في فئة «الشباب» عن «ترنيمة عصفور أزرق»، فيما ذهبت جائزة «أفضل ناشر عربي» مناصفة بين مجموعة «بيت الحكمة للصناعة الثقافية» من مصر، ودار «أصالة» من لبنان.

التراث والترجمة

أما جائزة التراث، فجاءت مناصفة، حيث فاز بها كتاب «العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان» تحقيق الدكتور عاطف يمني، وكتاب «رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي»، تحقيق الدكتور حسام عبد الظاهر، وهما صادران عن دار الكتب والوثائق القومية.

وفي مجال الفنون بالتعاون مع أكاديمية الفنون المصرية، فاز كتاب «رحلة العائلة المقدسة» للمؤلف صلاح أحمد عبد الحليم، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وذهبت جائزة الترجمة لكتاب «التاريخ الإجرامي للجنس البشري» للمترجم الدكتور رفعت السيد علي، الصادر عن المركز القومي للترجمة، وفي فرع كتاب الطفل المترجم فازت موسوعة «التسلسل الزمني لكل شيء: من الحيوانات المنقرضة إلى الحروب العالمية» للمترجمة زينب عاطف سيد، الصادرة عن دار نهضة مصر.

جوائز التميز للمرة الأولى

واستحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه وتم تقسيمها على عدة فئات شملت «أفضل جناح بيئي محلي» وذهبت إلى جناح حلايب وشلاتين، و«أفضل عرض فنون تشكيلية» وكانت من نصيب معرض الكاريكاتير «نجيب محفوظ بعيون العالم»، كما نالت الهيئة العامة لقصور الثقافة جائزة «أفضل جناح في تخفيض أسعار»، في حين فاز الكاتب والممثل خالد الصاوي بجائزة «أفضل حفل توقيع» لديواني «كلام مرسل» و«أجراس»، فضلاً عن رواية «أطلال»، أما الكاتب نبيل عبد الفتاح فحصد جائزة «أفضل ندوة لمحلل سياسي».

وقال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن جوائز التميز بمعرض القاهرة الدولي للكتاب تأتي ترجمة عملية لتوجهات الدولة المصرية في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز دور الثقافة بوصفها أداة رئيسية لبناء الوعي، وتنمية القدرات الإبداعية، وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، مشيراً إلى أن المعرض أصبح منصة ثقافية شاملة تتجاوز عرض الكتب إلى دعم المبادرات النوعية والاحتفاء بالتجارب المتميزة في مختلف مجالات العمل الثقافي.

وذكر أن «هذا الحضور الكثيف الذي بلغ 6 ملايين و200 ألف زائر يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في وجدان المصريين والعرب والمقيمين على أرض مصر»، مشيراً إلى أن هذه الأرقام القياسية تترجم العلاقة العميقة بين الشعب المصري والكتاب، وتؤكد أن القراءة والمعرفة تظلان في صدارة اهتمامات المواطنين رغم كل التحديات.

أيام الفاطمي المقتول

وأعلن الناقد محمد بدوي فوز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى، عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، حيث أوضح بدوي، خلال الإعلان عن الجائزة، أن الرواية الفائزة تميزت بطرح سردي عميق ورؤية فنية ناضجة، استطاعت أن توظف التاريخ والخيال في بناء روائي محكم، بما يعكس روح الجائزة وأهدافها في دعم الرواية العربية المعاصرة.

ووصل عدد الروايات المتقدمة لجائزة نجيب محفوظ إلى 108 روايات، وتشكلت لجنة التحكيم من النقاد محمد بدوي وحسين حمودة وخيري دومة والروائي محمد بدوي طه. وتأتي الجائزة بقيمة 500 ألف جنيه مصري بالإضافة إلى ميدالية ذهبية تكريماً لإرث نجيب محفوظ الأدبي، وهي ممولة بالكامل من البنك الأهلي المصري.

ومن جانبه، علق نزار شكرون على فوزه قائلاً عبر صفحته بموقع «فيسبوك»: «فخور هذه الليلة بفوزي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، تتويج له مذاق خاص على أرض مصر العزيزة، سعيد باقتران اسمي وعملي الروائي باسم الروائي الكبير نجيب محفوظ، هذه لحظة فارقة في حياتي الأدبية، أهدي هذا الفوز لزوجتي الحبيبة هدى وابني إياد ورائي».

وسبق أن احتفى عدد من الأدباء والنقاد المصريين برواية «أيام الفاطمي القتيل» ومنهم الكاتب إبراهيم عبد المجيد الذي علق على العمل قائلاً: «بطل الرواية هو الميت الذي يخرج من تابوته ليحكي لنا ما حدث، حتى نعرف هل مات مقتولاً في مصر، التي منها حُملت الجثة إلى مدينته البيضاء في تونس، أم كان موته عادياً. الأمر يتوسع ليشمل ما شاهده قبل موته، أو بعد دفنه وإخراج جثته لفحصها مرة أخرى. أي أن الرواية يكتبها الميت نفسه». الشعر... موعد للفرح

وازدانت أروقة المعرض بالشعر والشعراء الذين صنعوا حالة من البهجة عبر الأمسيات التي ضمت عشرات الشعراء من جميع الأجيال، فضلاً عن الندوات الفكرية التي تحدث فيها أصحاب التجارب الكبرى عن تفاصيل رحلتهم مع القصيدة، كما في اللقاء الشعري الذي أجراه الشاعر محمد الكفراوي مع الشاعر جمال القصاص.

استحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه

وأشار الكفراوي إلى أنه عبر مسيرته الشعرية التي تصل إلى 65 عاماً، أمتعنا فيها جمال القصاص بأشعاره وصوره وخياله الجامح الفوّاح، منذ بداياته في «خصام الوردة» عام 1984، ومن بعد ذلك «شمس الرخام» 1990، و«ما من غيمة تشعل البئر» عام 1995، وصولاً إلى مرحلة فارقة في «السحابة التي في المرأة» 1997، ثم «من أعلى بمحاذاة الموسيقى»، و«الإسكندرية... رباعية شعرية»، وحتى ديوانه الأخير «تجرحني بخفة وتعلو».

وقال الشاعر جمال القصاص رداً على سؤال العودة إلى البدايات وممارسته الشعر: «بداياتي مع الشعر جاءت عبر انشغالي في مرحلة مبكرة جداً بالكتابة، والرسم الذي كان موهبتي الأولى، بدأت أكتب الزجل وذلك دون اقتناع مني، كان ذلك انشغالاً بالسطح لا العمق، كانت بداياتي قراءاتي للشعر، وقد نسخت بخط يدي ديوان إيليا أبو ماضي، ومن بعده درست العَروض بنفسي، وفي سن السادسة عشرة نشرت أول قصيدة لي، ومن هنا جاءت محبتي للشعر».

وتابع القصاص: «كان الشعر بمثابة بحرٍ لي، وخاصة أن الوصول إلى الشاطئ هو وصول مراوغ، ولم يأتني الشعر مباشرة، أنا من بحثت عنه واكتشفت أن في داخلي شاعراً، فالشعر بالنسبة لي تمرين يومي على الفرح، هو لحظة فرح حقيقية لا تأتي من الخارج».

وأدار الناقد محمد سليم شوشة حواراً مفتوحاً مع الشاعر المغربي حسن نجمي الذي وصفه شوشة بأنه «من أبرز الأصوات الشعرية في العالم العربي»، مشيراً إلى امتداد تجربته بين الشعر كجوهر للتجربة الإنسانية، والبعد النقدي، بالإضافة إلى حضوره في الرواية. وأوضح أن «الندوة تهدف إلى الحوار والتفتيش في سيرة وتجربة الشاعر التي تستدعي التراث العربي عامة والمغربي خاصة، وتسعى إلى إعادة تشكيل القصيدة بأشكال متعددة، ما يجعله صوتاً أصيلاً ومتميزاً».

وقال نجمي إن الإنسان لا يختار أقداره بل يعيشها قدر استطاعته، مشيراً إلى أنه «لا يوجد شاعر يقرر أن يكون شاعراً»، كما أن الطريق إلى الشعر صعب ولا يمكن تعلمه بسهولة أو اختياره، فضلاً عن أن الشاعر الحقيقي لا يمنح نفسه صفة الشاعر بسهولة، مستشهداً بتجربة محمود درويش الذي لم يكن يعلن عن نفسه شاعراً، ورأى أن الانتساب لهذه الصفة صعب جداً.


الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق
TT

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية. وقد أصدر حتى الآن عدة كتب لافتة. نذكر من بينها: «هل توجد فلسفة إسلامية؟»، ثم كتابه الضخم والمهم جداً عن ابن سينا بعنوان: «ابن سينا أو إسلام الأنوار». وهذا يعني أن إسلام الأنوار كان موجوداً في تاريخنا سابقاً وليس حديث العهد، وأن ابن سينا هو أحد كبار ممثليه، بالإضافة إلى بقية العباقرة والعظماء. ومؤخراً أصدر الدكتور عمر مرزوق كتاباً جديداً بعنوان: «المعتزلة: العقل والإيمان والحرية في أرض الإسلام».

ويرى هذا المفكر الجزائري المرموق أن المؤلفات الفلسفية العربية كانت محط اهتمام بحّاثة الغرب ومستشرقيه أكثر بكثير من بحّاثة الإسلام وشيوخه. وهذا ليس تناقضياً إلا في الظاهر فقط. فالواقع أن الاستشراق العلمي الأكاديمي هو الذي نشر مخطوطاتنا وحققها وأنقذها. وأكبر دليل على الانحطاط الذي نعيشه اليوم هو أننا بدلاً من أن نشكر الاستشراق الأكاديمي الرصين على هذه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا ولتراثنا، رحنا نشتمه ونصب جام غضبنا عليه. لماذا؟ يقول لنا عمر مرزوق في هذا الصدد ما فحواه: لا ريب في أنه يوجد غربيون كارهون لنا ولتراثنا، ولكنهم أقلية قليلة قياساً إلى كبار المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم. وبالتالي فلا ينبغي التعميم إطلاقاً. لا ينبغي أن ننكر أفضال علماء الاستشراق الكبار الذين لم يكتفوا بتحقيق مخطوطاتنا التراثية فقط، وإنما طبقوا عليها المنهج التاريخي - النقدي الحديث لأول مرة في التاريخ، فأضاءوها بشكل غير مسبوق. وإذا ما واصلنا الهجوم الغبي عليهم، فنحن سنكون الخاسر الأكبر وليس هم. هل يُعقل أن نكون أعداء للعلم فقط وأحباء للجهل؟

وفي هذا الصدد ينبغي الاعتراف بالحقيقة التالية: وهي أن الحضارة الغربية هي وحدها التي تحررت من ظلاميات العصور الوسطى وغياهبها وتكفيراتها. وهي الظلاميات والتكفيرات التي لا تزال تهيمن على جمهور المسلمين حتى الآن. ثم يردف الدكتور عمر مرزوق قائلاً: وحدها الحضارة الأوروبية الحديثة تؤمّن للمثقفين حرية البحث والنقد والتمحيص حتى في المجال العقائدي الديني الحساس جداً. وهذه الحرية تؤمّنها أيضاً للباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في جامعات الغرب. ومن دون هذه الحرية النقدية الأكاديمية لا إبداع فكري، ولا استكشافات خلّاقة. ولذلك فإن الباحثين العرب يبدعون في عواصم الغرب وليس في عواصم العرب. وهذا يعني أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم الإسلامي حتى إشعار آخر. ينبغي العلم أن المستشرقين الأكاديميين لا يرفضون الفلسفة ولا يكفّرونها، بل إنهم يحتفلون بها على عكس جهابذة الشيوخ في العالم العربي والإسلامي. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الساحة الثقافية العربية والساحة الثقافية الفرنسية أو الأوروبية بشكل عام. ولهذا السبب ازدهرت الفلسفة في الغرب واضمحلت حتى ماتت في الشرق؛ وذلك لأنه من دون حرية فكرية لا فلسفة ولا عقل ولا حضارة ولا من يحزنون!

ثم ينبهنا الدكتور عمر مرزوق إلى الحقيقة التالية: وهي أن ثقافتنا التراثية التقليدية لا تهتم بالعلوم الإنسانية ولا بالفلسفة، بل تحتقرهما احتقاراً شديداً. ولماذا تهتم بهما إذا كانت تعتقد في قرارة نفسها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها؟ ولذلك تطغى علينا الجهالات القروسطية. انظروا إلى مدارسنا وجامعاتنا إلا ما رحم ربك. انظروا إلى برامج تعليمنا، وبخاصة فيما يتعلق بمادة التربية الدينية. شيء مخيف. انظروا إلى فضائياتنا وظلامياتنا. شيء مرعب. انظروا كيف يتحدثون عن الأديان الأخرى ويزدرونها. حياتنا كلها مليئة بتصورات تراثية تكرارية واجترارية عقيمة لا تقدم ولا تؤخر، بل قل تؤخّر وتجمّد حركة التاريخ. إنها تعرقل تقدمنا وتطورنا؛ وذلك لأنها تصورات متكلسة ومتحنطة جداً. لقد أكل عليها الدهر وشرب. نحن في وادٍ والعالم المتقدم كله في وادٍ آخر. وعلى الرغم من وجود عباقرة عرب ومسلمين على مدار التاريخ، فإنهم كانوا منبوذين أو مشبوهين من قبل أساطين الأصوليين المهيمنين على عامة الشعب. الشارع دائماً لهم قديماً وحديثاً، بل كان عباقرتنا معتبرين بمثابة زنادقة خارجين على الملة والدين. لذلك لم تزدهر الفلسفة والعلوم العقلانية عندنا كما ازدهرت في أوروبا والغرب عموماً. فكبار الفلاسفة من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم كانوا مكفّرين من قبل الأصوليين. كل أساطين الأصولية كانوا يكرهون الفلسفة ويحذرون منها ومن مخاطرها على العقيدة والدين. كلهم هاجموا الفلسفة واعتبروها ذات طابع وثني. لقد اعتبروها كعلم دخيل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكفر والإلحاد. كيف يمكن أن تزدهر حضارة عربية في مثل هذا الجو؟ وعندما نقول الفلسفة نقصد العقل لا النقل. النقل شبعنا منه. هل يمكن أن تزدهر حضارة ما من دون فكر عقلاني وعلم نوراني يشق غياهب الظلمات؟

ثم يستدرك عمر مرزوق هنا قائلاً: ولكن من الظلم أن نتهم شيوخ الإسلام وحدهم بمعاداة الفلسفة. فالواقع أن الأصوليين المسيحيين في أوروبا كانوا يفعلون ذات الشيء. وكانوا يرعبون العلماء والفلاسفة من أمثال غاليليو وديكارت وسبينوزا وعشرات الآخرين. كانت سيوف محاكم التفتيش مسلطة على رؤوس الجميع. ولكن الفرق بين العالم العربي وأوروبا هو أن محاكم التفتيش انتهت عندهم منذ زمن طويل، في حين أنها لا تزال مسلطة على رقابنا حتى الآن. لا يزال قمع الفلسفة (أي الفكر العقلاني الحر) متواصلاً منذ ألف سنة؛ أي منذ تكفيرها على يد الإمام الغزالي. وكذلك منذ اضطهاد الفقهاء المتشددين لابن رشد في قرطبة. هذا ناهيك بعبقري العباقرة ابن سينا الذي عاش مشرداً مرعوباً ملاحقاً من قبل فقهاء عصره الناقمين عليه والمكفّرين له، بل تعرض للسجن والإهانات، وربما مات مسموماً في نهاية المطاف وهو في عز الشباب: 57 سنة. هل اغتالوه؟ شبه مؤكد. ولا ننسَ مقتل السهروردي على يد صلاح الدين الأيوبي بعد أن وشى به شيوخ حلب المتشددون... إلخ. ولا ننسَ ولا ننسَ... لهذا السبب ماتت الفلسفة وانقرضت في أرض الإسلام، في حين أنها انتعشت كل الانتعاش في أوروبا، بل صعدت بشكل صاروخي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. ثم بعد كل ذلك يسألونك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عُرف السبب بطل العجب. ولكن الأنوار العربية قادمة لا ريب فيها، وإلا فعلى الدنيا السلام!


«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.