الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

 «رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

«شبيبة هتلر» في عرض عسكري بميونيخ عام 1935 تمهيداً للانضمام رسمياً إلى الحزب النازي (فوتو 12 / يونيفيرسال إيميجز غروب - عبر وكالة غيتي)
«شبيبة هتلر» في عرض عسكري بميونيخ عام 1935 تمهيداً للانضمام رسمياً إلى الحزب النازي (فوتو 12 / يونيفيرسال إيميجز غروب - عبر وكالة غيتي)
TT

الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

«شبيبة هتلر» في عرض عسكري بميونيخ عام 1935 تمهيداً للانضمام رسمياً إلى الحزب النازي (فوتو 12 / يونيفيرسال إيميجز غروب - عبر وكالة غيتي)
«شبيبة هتلر» في عرض عسكري بميونيخ عام 1935 تمهيداً للانضمام رسمياً إلى الحزب النازي (فوتو 12 / يونيفيرسال إيميجز غروب - عبر وكالة غيتي)

تتناول الحلقة الثانية من كتاب «رومنطيقيّو المشرق العربي» لحازم صاغيّة مسألة الترويج لـ«صناعة الموت» ونشرها بين الشبان العرب، مشيراً إلى استشهاد المروجين لهذه الفكرة، مثلاً، بمصطفى كمال في الأناضول وبضبّاطه الذين تدرّبوا على صناعة الموت، فحصدوا النصر، وبموسوليني الذي لو لم يكن لديه عشرات الآلاف من «ذوي القمصان السوداء» الذين احترفوا صناعة الموت، لما كان قادراً على أن يبعث تاريخ روما العظيم والقديم.
ويتحدث صاغية عن «الهوى الألماني» الذي استولى على «الأكثرية الساحقة من النخبة العسكرية» في البلدان العربية، معتبراً أن المنظّر القومي العربي ساطع الحصري: «لم يُبدِ أي اكتراث بالواقع العربي وجماعاته وانقساماتها وثقافاتها الفرعيّة، مركّزاً على طوبى قوميّة، ألمانية المصدر وإيطاليته، رغب في إسقاطها على العراق والعالم العربي».
في ذاك العهد نفسه، عهد غازي، دعا سامي شوكة، مدير المعارف العامّ في العراق، طلاّب الثانويّات إلى اعتناق «صناعة الموت»، والتي إن لم تحترفها الأمّة بـ«الحديد والنار»، أُجبرت على الموت تحت حوافر أحصنة الأجانب. ذلك أنّ الغاية من «نظام الفتوّة» الذي أنشأه غازي هي «تعويد الفتيان على خشونة العيش وتحمّل المشاقّ والمُفاداة وبثّ الروح العسكريّة وصفات الرجولة والفروسيّة وما يتبعها من خصال».
وبالطبع، استشهد شوكة (الذي لقّبه السياسي الديمقراطي كامل الجادرجي بـ«أوزوالد موسلي العراق»، قاصداً الزعيم الفاشي البريطانيّ) بمصطفى كمال في الأناضول وبضبّاطه الذين تدرّبوا على صناعة الموت، فحصدوا النصر واستعادوا أمجاد السلطان سليم. كما استشهد بالشاه رضا بهلويّ، الذي احترف وضبّاطه تلك الصناعة «المقدسة»، ما جعلهم يستعيدون مجد داريوس. أمّا في إيطاليا، فلو لم يكن لدى موسوليني عشرات الآلاف من «ذوي القمصان السوداء» الذين احترفوا صناعة الموت، لما كان قادراً على أن يبعث تاريخ روما العظيم والقديم. وهكذا، فإنّ روح هارون الرشيد والمأمون تريد للعراق أن يمتلك في فترة قصيرة نصف مليون جندي ومئات الطائرات.
وربّما جاز القول إنّ كتاب شوكة هذا، لا سيّما مقالته الأولى «صناعة الموت»، من أبلغ وأبكر النصوص العربيّة في التعبير الرومنطيقي العنيف والإرادي والأعمى عن كلّ واقع. على أنّ التوجّهات هذه لم تَحُل دون جرعة علمويّة حادّة هي الأخرى، تتوافق بدورها مع الرومنطيقيّة، بالمعنى المشار إليه في الفصل السابق. ذلك أنّ العلم «برهن (...) أخيراً على أنّ المرأة لا تصل إلى مرتبة الكمال النسبيّة التي تنتظرها من حيث الصفات العقليّة والنفسيّة والجسميّة إلاّ بالزواج والولادة والرضاعة، وأنّ المرأة التي تَحول بعض الأسباب دون زواجها وولادتها وإرضاعها أطفالَها من ثدييها لا بدّ من أنّها تبقى بعيدة عن السموّ إلى المرتبة التي كانت تنتظرها فيما لو تزوّجت وولدت وأرضعت»، ثمّ يستشهد بعبارة ينسبها إلى فيكتور هوغو من «أنّ الطبيعة قد خلقت مهداً فوق صدر المرأة لا يستطيع أن يبقى فارغاً».
وعلى العموم، فإنّ شوكة في خطاباته ومحاضراته التي نُشرت في 1939 بعنوان «هذه أهدافنا»، دائم التوكيد على ضرورة الانبعاث العربي المرتكز إلى الماضي المجيد وأهميّة العسكرة والنزعة الحربيّة لصدّ أعداء الداخل والخارج. لكنّه أيضاً يضيف إلى رجعيّته حيال المرأة اختياره أبطاله من رجالات الأسرة المَلَكيّة الهاشميّة، ابتداءً بمؤسّسها في العراق الملك فيصل الأوّل، انسجاماً مع تقليد ملَكي وسلالي هيمن على معظم العقول القوميّة العربيّة حينذاك.
وبدوره سبق لناجي شوكة، شقيق سامي، وأحد وزراء حكومة الكيلاني الانقلابيّة وأحد مبعوثيه إلى برلين، أن درس في كلّيّة الحقوق في جامعة إسطنبول وقاتل في الجيش العثمانيّ. وهو من يصفه رئيس حكومة عراقي سابق بالتالي: «كان ناجي شوكة قوي الطموح، ضعيف المادّة في العلم والتتبّع الفكريّ. لذلك كان يسعى للتعويض عن ضعفه العلمي بذكائه ومناوراته وشطاراته وتحريكاته، حتّى بات زملاؤه يخشون بأسه ويحترسون من شرارات مقالبه (...) كان... عيياً في الخطابة وضعيفاً في الكتابة وقليل البضاعة في التفكير الرصين».
أمّا زميل سامي شوكة، الدكتور فاضل الجمالي، مفتّش التعليم العامّ، والذي ربطته بالمنظّر القومي العربي ساطع الحصري خصومة شخصيّة وسياسيّة، ففاق خصمه تشدّداً وجذريّة في مواقفه القوميّة. هكذا نعى كونَ العراق لا يملك ما يقارَن بشبيبة هتلر أو منظّمات كومسومول الشيوعيّة، التي تطلب من الشبّان «الإيمان والنظام والعمل الموحّد – الشروط الأساسيّة للنجاح السياسيّ».
وقد ازدهرت تلك التصوّرات وسط النخبة العراقيّة في المناخ الذي أوجده الحصري، الحلبي الأصل، والموظّف العثماني السابق الذي انتقل من سوريّا إلى العراق بصحبة الملك فيصل، حيث تولّى مديريّة التعليم، فكان أبرز ناقلي الدعوات القوميّة العربيّة الشديدة التأثّر بالفكر القومي الألمانيّ. وفي مجمل جهده الفكري والتربويّ، لم يُبدِ الحصري أي اكتراث بالواقع العربي وجماعاته وانقساماتها وثقافاتها الفرعيّة، مركّزاً على طوبى قوميّة، ألمانيّة المصدر وإيطاليّته، رغب في إسقاطها على العراق والعالم العربيّ.
ووفقاً للباحث العراقي البريطاني سامي زبيدة، فإنّ صِدام الحصري والسياسيين السُّنة مع الرموز السياسيين والثقافيين للشيعة حينذاك، إنّما اندرج في تصديع المشروع الوطني العراقي الناشئ. فالصِّدام المذكور، وفي وجه أساسي منه، جاء ردّاً على محاولات فيصل الأوّل دمج الشيعة في النسيج الوطنيّ. ذاك أنّه حتّى الأمس القريب، كما يقول زبيدة بوضوح حاسم، كان «الخطّ الفاصل» في السياسة العراقيّة بين القوميّة العربيّة والوطنيّة العراقيّة.
كذلك أحدث الحصري نقلة أخرى في فهم القوميّة التي ظهرت بداياتها في لبنان وسوريّا بوصفها مشروعاً ثقافيّاً يرادف العلمانيّة و«الإخاء» بين مسلمين ومسيحيين، أي مشروعاً لبناء الوحدات الوطنيّة ينهض على قواعد من الاستنارة وأفكار التقدّم. هكذا دفعها الحصري بعيداً عن ذاك المصدر، الذي ينطلق تعريفاً من الإقرار الصريح بالتعدّد، ليقرّبها من القوميّة النضاليّة كما سنراها لاحقاً في عهدة الضبّاط العسكريين العراقيين والسوريين.
على أنّه بعد انقلاب الكيلاني، المدعوم من الألمان، في 1941 نزع الإنجليز من الحُصري جنسيّته العراقيّة وطردوه من البلاد، فتولّى مسؤوليّات تربويّة كبرى في سوريّا، ثمّ رأس الدائرة الثقافيّة في الجامعة العربيّة بالقاهرة، حتّى ليمكن القول إنّه المربّي العربي الأكبر الذي استمرّت تعاليمه، منذ أوائل الأربعينات، تُخرِّج الأجيال تلو الأجيال. وهو، في هذه الغضون، نشر عديد الكتب عن القوميّة العربيّة، شرحاً أو سجالاً، حتّى تردّد أنّ كتبه هي مما جعل جمال عبد الناصر يتحوّل إلى تلك القوميّة ويجعلها العمود الآيديولوجي الأهمّ لنظامه في مصر.
لقد بدا الهوى الألماني مستولياً على الأكثريّة الساحقة من النخبة العسكريّة، التي صارت النخبة السياسيّة في العراق المستقلّ، بحيث شكّل نوري السعيد، المُدرِك لواقع العلاقة مع بريطانيا، والمحبِّذ لنموذجها، حالة نافرة. فلم يكن عديم الدلالة مثلاً أنّ جعفر العسكري، الذي حضر كضابط عثماني دورات تدريبيّة ومناورات للجيش الألمانيّ، بات أوّل رئيس حكومة تُشكّل من العسكريين عام 1923، وأوّل وزير دفاع في العراق بعد الاستقلال، وأنّ الضبّاط العثمانيين السابقين ممن شاركوا في الثورة الهاشميّة، خصوصاً منهم جميل المدفعي، هم الذين سبق أن قادوا الأعمال العسكريّة ضدّ البريطانيين.
هكذا انطوت تجربة أولئك الضبّاط، منذ لحظة انحيازهم إلى الثورة الهاشميّة في 1916 حتّى تعاونهم اللاحق مع الانتداب البريطاني في حكم العراق، على شعور مُرّ ومتشائم بخيانة أصولهم التي أسّستْهم كتلامذة للألمان وكارهين للبريطانيين، ما أسهم في رفع جرعة الذنب العاطفيّة والشعوريّة التي تطفح بها المذكّرات الكثيرة التي كتبها لاحقاً ساسة العراق العسكريّون.
وربّما كان لهذا الإرث، على اختلاطه، أن زوّد التاريخ العراقي اللاحق بحافز إضافي إلى العنف، كذاك الذي مورس مراراً حيال الأكراد، كما انفجر متفلّتاً من كلّ قيد مع الطريقة الوحشيّة التي صُفّيت بها الأسرة الملكيّة عام 1958، ثمّ مع عهد عبد الكريم قاسم والتذابح القومي – الشيوعي الذي انفجر مجدّداً بعد وصول حزب «البعث» إلى السلطة في 1963، قبل أن يستقرّ له الحكم ثانية على يد صدّام حسين.
- عزيز علي المصري
بيد أنّ التأثّرات الألمانيّة والعثمانيّة - التركيّة، لم تقتصر على العراق، وإن شكّل الأخير أكثر محطّاتها اكتمالاً وتبلوراً. وربّما كان عزيز علي المصري الرمز الأبرز في التعبير عن هذا الهوى، وعمّا انجرّ عنه من تداعيات عاطفيّة، سياسيّة وآيديولوجيّة. وهذا إنّما يسمح بالقول إنّ العناصر الزعاميّة التي امتلكتها تجربته فاقت مثيلاتها عند القادة العراقيين ممن عاصروه اكتمالاً، لا سيّما وأنّ ياسين الهاشمي توفّي مبكراً في 1937، والملك غازي في 1939، وفي 1941 كُتبت النهاية السياسيّة للكيلاني بعد إحباط انقلابه.
والحقّ أنّ الاهتمام بالمصري، بوصفه ناقل تلك التجربة إلى مصر، وجسر الانتقال داخل المؤسّسة العسكريّة من جيل إلى جيل أصغر، ظلّ أقلّ كثيراً من وزنه وتأثيره الحقيقيين في التاريخ العربي الحديث، وهو ما يستدعي وقفة أكثر تفصيليّة حيال حياته وأعماله.
فعزيز علي هو الذي حاول في 16 مايو (أيار) 1941 أن يهرب بطائرة حربيّة إلى ليبيا للتواصل مع القوّات الألمانيّة هناك، ما أشاع تشبيهه برودولف هِسّ، نائب أدولف هتلر الذي كان قبل ستّة أيّام فقط قد توجّه في رحلته الجويّة التعيسة إلى اسكوتلندا. لكنْ لئن كان الهدف الساذج لهسّ تمهيد السبيل إلى محادثات سلام مع البريطانيين، فإنّ هدف المصري كان جرّ بلده مصر إلى الحرب ضدّ بريطانيا، إلى جانب الألمان. والمصريّ، الستيني يومذاك، والذي بات بطلاً أسطوريّاً لبيئة القوميين العرب، درس منذ كان في الثانية عشرة في المدرسة الداخليّة التابعة للكلّيّة الحربيّة العثمانيّة، وتخرّج في 1904 متأثّراً بمُدرّسيه الألمان. وقد خدم، حتّى 1907، في البلقان، مشاركاً كضابط عثماني في قمع انتفاضاته، ثمّ انتسب إلى «الاتّحاد والترقّي» ولعب دوراً بارزاً في استعادة إسطنبول، إلى جانب محمود شوكت، من قوى الثورة المضادّة. أمّا أمله يومذاك فكان أن تمنح «تركيّا الفتاة» الحرّيّة للعرب، بحيث تنشأ مملكة ثنائيّة القوميّة، تركيّة – عربيّة، على غرار تلك الهبسبورغيّة، النمساويّة – الهنغاريّة. لكنّه إذ تيقّن من أنّ «تركيّا الفتاة» بالغة التعصّب لتركيّتها، بدأ العمل ضدّها مشاركاً في تأسيس جمعيّة «القحطانيّة» السرّيّة، التي ضمّت مثقّفين مدنيين وضبّاطاً عرباً، غير أنّه استمرّ كضابط عثماني ينفّذ الأوامر من جهة، ويخوض، من جهة أخرى، المعارك التي ظلّت تجمعه بالأتراك في مواجهة التمدّد الغربيّ. ففي 1910 نُقل إلى اليمن ليشارك في إخماد انتفاضة الإمام يحيى، ثمّ تطوّع للقتال ضدّ الغزو الإيطالي لليبيا في 1911، فدافع عن بنغازي إلى جانب أنور ومصطفى كمال. وفي 1913 عاد إلى إسطنبول وقد صار من مؤسّسي جمعيّة «العهد»، وهي تنظيم سرّي للضبّاط العرب في الجيش العثمانيّ، معظمُ أعضائه عراقيّون، ومعهم قلّة من السوريين والفلسطينيين. بيد أنّه اعتُقل في شباط 1914. وفي أبريل (نيسان) حُكم بالإعدام، ما أثار موجة سخط واعتراض في مصر وسوريّا وبين عرب المَهاجر. وإذ أُطلق سراحه وسُمح له بالتوجّه إلى مصر، رُحّب به هناك كبطل قوميّ. فحينما اندلعت الحرب، طلب منه الحاكم البريطاني لمصر، اللورد كيتشنر، أن ينضمّ إلى القتال ضدّ الأتراك، ومن ورائهم الألمان، فلم يُبد استعداداً لذلك، وهو الذي كان دوماً، في مواقع قتاله الكثيرة، يقاتل البريطانيين متحالفاً مع الألمان. وفي 1916 راودت عزيز علي فكرة الاتّصال بألمانيا، إذ ربّما تمكّنت من إقناع حلفائها الأتراك بمنح العرب حكماً ذاتيّاً ضمن الإطار الجامع للإمبراطوريّة العثمانيّة. لكنْ فقط بعدما وعد البريطانيّون، في رسائل مكماهون، العرب بالاستقلال، وبعد أن رفع الشريف حسين، شريف مكّة، راية التمرّد، انضمّ المصري إلى الثورة العربيّة. وفي سبتمبر (أيلول) من العام نفسه عُيّن رئيس أركان الجيش الشريفي بطلب من البريطانيين، رغم تحفّظ الشريف حسين نفسه. وبالفعل تفاقمت الخلافات بينه وبين الشريف. فحين أمر الأخير بالهجوم على المدينة، حيث تتمركز القوّات العثمانيّة في الحجاز، عارض الخطّة كلّها، لتحبيذه انتفاضة داخل الإمبراطوريّة العثمانيّة، وليس عملاً يفضي إلى تقسيمها. ولأنّه، فوق هذا، بقي على تفضيله التحالف مع ألمانيا، بدل بريطانيا، استقال من أدواره العسكريّة وعاد إلى القاهرة قبل نهاية 1916.
لكنّ الصحافي اللبناني أسعد داغر، المقرّب إلى المصري والمعجب به، بحيث سمّاه «أبا الفكرة العربيّة وحامل لوائها»، يضيف سبباً آخر إلى خلافه مع القيادة الهاشميّة. فعزيز علي لم يُخفِ منذ البداية احتقاره للبداوة وقدراتها العسكريّة، وكان يتساءل: «هل تعتقدون أنّنا نستطيع تحقيق هذه الأمنية بالقوّات التي لدينا الآن؟ هل تقبلون بأن تدخلوا سوريّا بهذا الجيش الذي لا قوّة له ولا نظام فيه؟ وكيف يقابلنا سكّانها إذا نحن جئناهم للسلب والنهب والتدمير والتخريب؟ فقبل التفكير في الزحف إلى الشمال يجب علينا، على الأقلّ، أن نعمل على إيجاد جيش منظّم».
وعلى أي حال، انتقل المصري من القاهرة إلى سويسرا، ومنها إلى ألمانيا، فسُمح له بالتوجّه إلى إسبانيا حيث بقي حتّى نهاية الحرب، وبعد ذاك توجّه إلى برلين التي بقي فيها قرابة أربع سنوات. وفي 1922، وقد حصلت مصر على الاستقلال الناقص، عاد إليها من دون أن يُقبَل في الخدمة العسكريّة. إلاّ أنّه بعد سنوات من التبطّل، انضمّ إلى بلاط الملك فؤاد وعُيّن في 1935 مرافقاً لفاروق، الأمير والملك اللاحق، الذي كان حينذاك يدرس في بريطانيا. ولئن حال اختلاف طباعهما دون بقائه طويلاً في خدمته، إلاّ أنّه ظلّ يمتلك ما يكفي من التأثير عليه لدفعه في وقت لاحق إلى التعاطف مع المحور.
- «الضبّاط الأحرار»
ما بقي ثابتاً لا يتزحزح كان ولاء عزيز علي لحبّه القديم، ألمانيا، وهو حبّ يصعب التغافل عن مضمونه العاطفي الحادّ والمحتدم. هكذا زار الرايخ الثالث في 1938 كموفد من الدوائر المصريّة المناهضة للبريطانيين، كي يناقش عمليّة تزوّد سرّيّة بالسلاح. وفي صيف 1939 حين تولّى علي ماهر رئاسة الحكومة، وهو الموالي للألمان، عيّنه رئيسَ أركان الجيش، ثمّ سقط بسقوط ماهر الذي أُجبر على الاستقالة في يونيو (حزيران) 1940. ولئن تقاعد في 1 أغسطس (آب) نهائيّاً، فإنّ شوقه الغالب لرؤية انتصار ألماني في 1941 حمله على تغيير خططه الشخصيّة. وفي هذا، لم يكن عزيز علي وحيداً بين الضبّاط المصريين الملتفّين حوله، وكان أحدهم وأصغرهم سنّاً يومذاك أنور السادات، ابن الثالثة والعشرين. هكذا قرّر المصري أن ينضمّ إلى قوّات رومل في الصحراء الغربيّة، ووافق الألمان على الفكرة، كما أُجريت محاولات فاشلة عدّة لنقله، انتهت باعتقال البريطانيين له، ومعه ضابطان أحدهما الطيّار عبد المنعم عبد الرؤوف، الذي سيصبح لاحقاً عضواً من جماعة الإخوان المسلمين في قيادة «الضبّاط الأحرار».
وبدورهم لم يكن الألمان مخطئين في تقييمهم الذي شدّد على أنّ الملك والضبّاط المصريين الشبّان يميلون إليهم. فقد ظهر بين الضبّاط المصريين مَن ينشقّ ويحاول الانضمام إلى قوّات رومل في ليبيا، ومنهم حسن إبراهيم، الذي غدا، هو الآخر، أحد قياديي «الضبّاط الأحرار». ومع حادثة 4 فبراير (شباط) 1942، حين تدخّل البريطانيّون بالقوّة كي يفرضوا على الملك فاروق حكومة وفديّة موالية لهم، بدل الحكومة الموالية للألمان، وكان الأخيرون وحلفاؤهم اليابانيّون ما زالوا يحرزون انتصارات عسكريّة باهرة، تعاونت مع العملاء الألمان شبكة ضبّاط على رأسها السادات الذي اعتُقل وانضمّ في سجنه إلى عزيز علي.
وعلى العموم، كان لواقعة 4 فبراير التي أصابت الوطنيّة المصريّة برضّة لم تبرأ منها، أن هندست تحالفاً غير معلن ضمّ، إلى المصري، جماعة الإخوان المسلمين، وحزب «مصر الفتاة» شبه الفاشي، وعلي ماهر، وشيخ الأزهر مصطفى المراغي، ممن جمعهم العداء للوفد والإنجليز. ولم ينظر أطراف هذا التحالف بأي عداء إلى الملك والمَلكيّة إلاّ في وقت لاحق، إذ من الأدقّ القول إنّ القصر منح بركته لهذا التحالف الوطني والرجعي معاً، والذي تغيّرت مكوّناته من غير أن تتغيّر توجّهاته. ذاك أنّ نشأته رسمت خطّاً للانقسام حَكَمَ السياسات التالية لمصر وباقي المشرق العربيّ، يضع الوطنيّة والقوميّة والإسلام مقابل الديمقراطيّة والاستعمار، كما يصطفّ في العلاقة بالقوى الدوليّة في مواجهة الدول التي هي استعماريّة وديمقراطيّة في الوقت نفسه.
أمّا بعد الحرب العالميّة الثانية، ولدى التفكير في إطاحة النظام الملكيّ، فكان المصري أوّل الأسماء التي فكّر فيها ضبّاط الانقلاب اللاحق كي يلعب الدور الذي لعبه محمد نجيب، وهو ما يُرجّح أن يكون تقدّمه في السنّ سبب الاعتذار عنه. لكنْ يبقى أنّ الضبّاط الشبّان هؤلاء الذين التفّوا حوله، وكان السادات همزة الوصل بينه وبينهم وبين الإخوان المسلمين، رأوا فيه «رغم شيخوخته، دور الأب الروحيّ، بما يمثّله تاريخه السياسي من كراهة للإنجليز ومن النشاط من خلال المؤسّسة العسكريّة».
ذاك أنه بعد فشل التعويل على دفع الملك إلى مصادمة البريطانيين وتزعّم العمل الوطني المناهض لهم، وفي مناخ ما بعد هزيمة 1948 وما نُسب إلى «الفساد» و«الأسلحة الفاسدة» في التسبب بها، تجمّع هؤلاء، عام 1949 في تركيبة «الضبّاط الأحرار».
فإذا دقّقنا في عناصر سيرة المصري تبدّت لنا قوّة الخلفيّة العثمانيّة – التركيّة، والهوى الألمانيّ، والسلوك التآمريّ، وكذلك الوعي البالغ المحافظة في العلاقة بالملك ومؤسّسة القصر، معطوفاً على المراتبيّة التنظيميّة الحديثة والكارهة للبداوة و«التخلّف». كما تبدّى لنا، في المقابل، قوّة العداء لبريطانيا واستعمارها، ولكنْ أيضاً للديمقراطيّة وحزب الوفد البرلمانيّ. والراهن أنّ توزّع المشاعر والمواقف على هذا النحو، والذي لم يأتِ صدفة، صبغ لاحقاً معظم العمل الوطني والقومي في المشرق العربيّ، على ما يوضحه التحالف العريض الذي مثّله «الضبّاط الأحرار» المصريّون.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي


مقالات ذات صلة

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.


اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد
TT

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه من هيمنة مفهوم «العروبة»، وهو ما أثار أسئلة تتعلق بمن يكون عربياً ومن لا يكون كذلك، على نحو دفع «الآخرين» إلى هوامش محصورة.

هذا ما تذهب إليه الباحثة الفلسطينية نجاة عبد الحق، الحاصلة على الدكتوراه من قسم «التاريخ الحديث للشرق الأوسط» بمعهد العلوم السياسية بجامعة فريدريش ألكسندر إيرلانجن نورنبرغ الألمانية، في كتابها «اليهود واليونانيون في مصر - ودورهم الاقتصادي حتى 1960»، الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة عبد الرحيم يوسف.

تشير المؤلفة إلى أن المسار الاقتصادي لمصر منذ 1857 والذي وصل إلى ذروته مع تأميم الشركات والمصانع والمؤسسات في عامي 1960-1961 لم يستهدف القطاع الخاص وإنما قلل من شأنه، إضافة إلى النقد اللاذع الموجه إلى «البرجوازية الزراعية» من أجل الترويج لفكر الاشتراكية.

واعتبر صناع هذا المسار أن وكلاء هذه البرجوازية لم يكونوا أكثر من رأسماليين جشعين قاموا باستغلال الشعب أبشع استغلال في الوقت الذي كانت فيه الأقليات سواء محلية أو أجنبية، أرمنية أو يونانية أو إيطالية أو يهودية أو سورية منخرطة بشدة في القطاع الخاص وهيمنت بالفعل على نسبة منه، وهو ما أثر على الصورة النهائية لتك الأقليات.

تبرز هنا الأقليتان اليهودية واليونانية باعتبارهما الأقليتين الأكبر من ناحية العدد والتأثر الاقتصادي، فبرغم الجدل المثار حول كلتا الجماعتين، يبين تحليل بيانات 759 شركة مساهمة جرى توثيقها في الفترة من 1885إلى 1960، فإنَّ مشاركة اليهود واليونانيين المصريين في تأسيس هذه الشركات قد تجاوز النصف وكان العنصر المركزي في ريادة الأعمال وهو الابتكار حاضراً بوضوح بينهم، حيث بلغ عدد الشركات الابتكارية المصرية نحو الثلث من إجمالي عدد الشركات في السوق مع هيمنة واضحة لليهود واليونانيين على هذا الثلث.

تراوح عدد اليونانيين المصريين ما بين عامي 1937و1947 من 8 آلاف إلى 57 ألف فرد، فيما تراوح عدد اليهود المصريين في الفترة نفسها بين 63 ألف إلى 100 ألف فرد من إجمالي عدد السكان الذي بلغ نحو إلى 19 مليون نسمة في عام 1947، بحسب الإحصاءات والبيانات التي تستند إليها المؤلفة، وهى معلومات مهمة على صعيد تحليل الدور الاقتصادي لكل جالية مقارنة بالعدد التقريبي لأفرادها.

في الفترة بين 1929 و1948 لم يتغير قانون الجنسية المصرية لكن السياق الداخلي والخارجي كان هو ما تغير ومعه تغير الموقف تجاه الأقليات، حيث يكشف تعداد عام 1947 أن نحو 75 في المائة من يهود مصر كانت لديهم جنسية مصرية، لكن مع تطبيق السياسات المتعلقة بقانون الشركات رقم 138 وما يرتبط به من حقوق منح الجنسية، أدى إلى أن تصبح نسبة كبيرة للغاية من هؤلاء بلا جنسية وبالتبعية إلى الخروج من مصر.

كان قانون الشركات رقم 138 لسنة 1947 السبب الرئيسي وراء احتياج اليهود المصريين إلى دليل توثيقي لوضعهم بوصفهم مواطنين مصريين بصرف النظر عما إذا كانت جذورهم ممتدة في هذا البلد لأجيال، وقد توجه ذلك القانون في الأساس نحو مراجعة حالة الحرية واسعة النطاق التي كان يتمتع بها القطاع الخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وفي الوقت نفسه نحو محاولة توفير وظائف للشباب المصريين عن طريق تحديد عدد الموظفين والعمال غير المصريين.

مثَّل عام 1956 وما شهده من عدوان ثلاثي ضد مصر قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل نقطة تحول جوهرية بالنسبة إلى وضع الأقليات في مصر وتزايدت معدلات هجرتها العكسية، وهو ما تزامن مع القانون رقم 315 لسنة 1955 والقرار الوزاري رقم 10 لسنة 1956 الخاص بتحويل كل الشركات الأجنبية والممتلكات الأجنبية إلى أيدي المصريين.

ومع تراجع دور القطاع الخاص، تأثَّرت الروح الريادية في الأعمال وهي التي كانت قاطرة الاقتصاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، فالأفراد الذين كانوا هم العقول المدبرة للنمو الاقتصادي سواء كانوا يهوداً أو يونانيين أو حتى مسلمين وأقباطاً غادروا مواقعهم، حيث ظلت مباني الشركات وماكيناتها وعمالها قائمين، ولكن من دون عناصر الإلهام والبراعة التي كانت تتمثل في القيادات المغادرة.

ورغم تلك التطورات، تؤكد الباحثة أن جميع أفراد الطائفتين اليونانية واليهودية التي التقتهم عبر المقابلات الشخصية والحوارات العامة والاستبيانات يؤكدون على عنصر واحد يشتركون فيه جميعاً، وهو انتماؤهم القوي إلى مصر كبلد عظيم بطعامه وثقافته وأهله، فضلاً عما يشعرون به من حنين لا شفاء منه.


كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية
TT

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف طويلاً أمام تجربة المخرج كمال سليم باعتباره أول من أخذ على عاتقه تقديم دراما مستلهمة من الحارة الشعبية والشارع عبر الشاشة الفضية، على نحو يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع، لتصبح أعماله بمثابة نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ الفن، ويطلق عليه البعض لقب «أبو السينما المصرية».

ويشير المؤلف إلى أن كمال سليم وُلد في حي «القلعة» العريق بالقاهرة عام 1913، لينشأ في بيئة شعبية خصبة كانت بمثابة المنبع الأول لوعيه السينمائي الذي تشكَّل مبكراً في فترة تميزت بحراك وطني وثقافي، حيث كانت البلاد تسعى لترسيخ هويتها في مواجهة الاستعمار، وكانت الفنون، والسينما تحديداً، تبحث عن لغة تعبر عن «المصري الأفندي» و«المصري الكادح» بعيداً عن القصص المقتبسة حرفياً من الروايات الفرنسية أو الأفلام الهوليودية التي كانت سائدة آنذاك.

بدأ شغف كمال سليم بالسينما يتجاوز مجرد المشاهدة، فسافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتي، وهناك احتك بالتيارات الواقعية الأوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع والاهتمام بقضايا الإنسان البسيط، وهو ما جعله يعود إلى مصر محملاً برؤية مغايرة تماماً لما كان يقدمه رواد السينما الأوائل مثل يوسف وهبي أو عزيزة أمير الذين غلب على أعمالهم الطابع الميلودرامي المسرحي.

عند عودته، واجه سليم تحديات عديدة في إقناع المنتجين بجدوى تقديم أفلام تخلو من القصور والباشوات، لكن محطته الأبرز والأهم في تاريخ السينما العربية جاءت عام 1939 حين أخرج فيلمه الخالد «العزيمة»، الذي لم يكن عملاً سينمائياً عابراً، بل جاء بمثابة «بيان الواقعية الأول».

تدور أحداث الفيلم في حارة شعبية حقيقية، متناولاً قصة (محمد) الشاب المتعلم الذي يكافح من أجل الحصول على وظيفة ويرغب في الزواج من ابنة جاره، ليصطدم بآلام البطالة والفساد والمحسوبية، عبر شريط سينمائي أتاح للجمهور المصري لأول مرة أن يرى نفسه على الشاشة ويشاهد الحارة بتفاصيلها اليومية، ويسمع لغة الشارع الصادقة، فضلاً عن الصراع الطبقي والاجتماعي الذي طُرح بجرأة فنية لم يسبق لها مثيل.

نجح كمال سليم في «العزيمة» في توظيف الإضاءة والزوايا ليجعل من «المكان» بطلاً موازياً للشخصيات، مما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية حتى يومنا هذا.

امتدت مسيرة كمال سليم لتشمل مجموعة من الأعمال التي حاولت تكريس هذا المنهج رغم الضغوط الإنتاجية، منها فيلم «إلى الأبد» عام 1941، و«شهداء الغرام» عام 1944 الذي قدم فيه رؤية سينمائية لقصة روميو وجولييت بروح مصرية، كما تميز أسلوبه بقدرة فائقة على إدارة الممثلين، حيث استطاع استخراج أداء طبيعي وتلقائي من نجوم مثل فاطمة رشدي وحسين صدقي، بعيداً عن المبالغات المسرحية التي كانت شائعة في ذلك التوقيت.

كما اهتم سليم بالبناء الدرامي المتماسك، فكان يكتب السيناريو والحوار لأغلب أفلامه، ليمنح أعماله وحدة فنية ورؤية إخراجية متكاملة، من خلال رؤية فكرية ترى في السينما رسالة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة ترفيه، ولذلك كانت أفلامه دائماً ما تنتهي ببارقة أمل أو دعوة للعمل والكفاح، وهو ما يفسر تسمية فيلمه الأهم باسم «العزيمة».

غيَّب الموت كمال سليم في ريعان شبابه عام 1945 عن عمر ناهز 32 عاماً فقط، غير أن الأثر الذي تركه كان عميقاً ومستداماً بعد أن مهَّد الطريق لظهور جيل كامل من مخرجي الواقعية الذين جاءوا من بعده، أمثال صلاح أبو سيف وصلاح التهامي، الذين استلهموا من مدرسته ضرورة الالتصاق بقضايا المجتمع.

وتكشف شهادات من ممثلين ومخرجين ونقاد عن عمق تجربة كمال سليم وخصوصيتها البارزة، باعتباره أحد الرواد الأوائل الذين لم يحظوا بما يستحقون من تقدير، ومنهم المخرج صلاح أبو سيف الذي كان يعتبره أستاذه الأول، وأكد مراراً بأنه هو من أخرجه من جدران الاستوديوهات الضيقة إلى الحارة المصرية الحقيقية، لافتاً إلى أنه لولا «العزيمة» لما وجدت المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أبو سيف لاحقاً.

أما يوسف شاهين فوصفه بأنه المخرج الذي «كسر القالب التقليدي» للسينما الغنائية والكوميدية التي كانت سائدة، ونجح في جعل «الحارة» بطلاً درامياً يضاهي الشخصيات البشرية، بينما يشير الناقد سمير فريد في دراساته التاريخية إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية سابقة لعصره، حيث لم يكتفِ بنقل الواقع، بل حلل الصراع الطبقي بذكاء سينمائي، معتبراً رحيله خسارة فادحة.

وذكر الفنان أنور وجدي في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس في «الأداء الطبيعي»، حيث كان سليم يرفض المبالغة المسرحية ويصر على أن يتحدث الممثلون كما يتحدث الناس في الشارع.