الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

الزعيم التركي أتاتورك يستعرض قواته خلال الحرب ضد اليونان (جنرال فوتوغرافيك إيجنسي/ غيتي)
الزعيم التركي أتاتورك يستعرض قواته خلال الحرب ضد اليونان (جنرال فوتوغرافيك إيجنسي/ غيتي)
TT

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

الزعيم التركي أتاتورك يستعرض قواته خلال الحرب ضد اليونان (جنرال فوتوغرافيك إيجنسي/ غيتي)
الزعيم التركي أتاتورك يستعرض قواته خلال الحرب ضد اليونان (جنرال فوتوغرافيك إيجنسي/ غيتي)

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيو المشرق العربي» لحازم صاغية الذي سيصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» في بيروت.
يرصد صاغية، في هذا الفصل من كتابه الجديد، التغيرات التي طرأت في المنطقة بعد انهيار السلطنة العثمانيّة وولادة الدول العربيّة الجديدة، وكيف تحوَّل كثيرون من الضبّاط والموظّفين العثمانيّين السابقين حكّاماً لتلك الدول، و/أو قادةً للعمل المسلّح، أو السياسيّ أو الثقافيّ، المناهض للانتدابين البريطانيّ والفرنسيّ عليها.
ويتحدث صاغية، في هذا الإطار، عن التأثر العربي بمرجعيّة التجربة العثمانيّة، ومن ثمّ التركيّة، المتأثّرة بدورها بالضبّاط الألمان «فبالبناء على تلك المرجعيّة، أُرسِيَت المقدّمات التأسيسيّة للكثير من النشاط والتفكير السياسيّيْن اللاحقيْن في المشرق العربيّ». وفي ما يأتي الحلقة الأولى من فصل الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة:
بعد انهيار السلطنة العثمانيّة وولادة الدول العربيّة الجديدة، تحوَل كثيرون من الضبّاط والموظّفين العثمانيين السابقين حكّاماً لتلك الدول، و- أو قادة للعمل المسلّح، أو السياسي أو الثقافيّ، المناهض للانتدابين البريطاني والفرنسي عليها.
ففي العراق، ومنذ إعلانه مملكة في 1921، ثمّ استقلاله الاسميّ في 1932، حتّى انقلاب 1958 الجمهوريّ، كانت الأغلبيّة الساحقة من رؤساء الحكومات من أولئك الضبّاط. أمّا في سوريّا وجوارها، فكان منهم علي رضا الركابي وسلطان الأطرش ويوسف العظمة ومحمد عزّ الدين الحلبي وسعيد العاص، كما وفد إلى الحياة العامّة ممن زاولوا الوظيفة الإداريّة العثمانيّة لفترة تطول أو تقصر، إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي ونسيب البكري وحسن الحكيم وساطع الحصري، وهذا فضلاً عمّن كانوا، في هذه السنة أو تلك، ضبّاطاً مجنّدين (كجك ضابط)، كسعد الله الجابري وفوزي الغزّي وعبد الرحمن الكيّالي. والشيء نفسه يصحّ في الضابط اللبناني فوزي القاوقجي، والموظّف اللبناني – الأردني رشيد طليع، والموظّفَيْن الفلسطينيين محمد عزّة دروزة ورفيق التميمي. وهذا فضلاً عن أنّ جميع الضبّاط المشارقة الذين نفّذوا الانقلابات العسكريّة والمحاولات الانقلابيّة المبكرة سبق أن خدموا في الجيش العثمانيّ، ما ينطبق على بكر صدقي (انقلاب 1936) وضبّاط «المربع الذهبيّ» العراقيين (انقلاب 1941)، انطباقه على حسني الزعيم وسامي الحنّاوي السوريين (انقلابي 1949).
والحقّ أنّ التأثّر بمرجعيّة التجربة العثمانيّة، ومن ثمّ التركيّة، المتأثّرة بدورها بالضبّاط الألمان، عزّز عربيّاً سائر الاتّجاهات التي رأيناها مع السلطنة المتأخّرة و«الاتّحاد والترقّي» قبل أن نراها في الأتاتوركيّة. فبالبناء على تلك المرجعيّة، أُرسِيَت المقدّمات التأسيسية لكثير من النشاط والتفكير السياسيين اللاحقين في المشرق العربيّ.
- اِنتصارات لم يحرزها العرب
بيد أنّ ما أضافته الأتاتوركيّة إلى هذا المُجمَّع السلوكي والعاطفي كان بُعداً آخر وأقوى. فقد شارك العربُ الأتراكَ أسباب احتقانهم ومراراتهم حيال الغرب والحداثة، لكنّهم فاقوهم مرارة: فإذا أدرج المتذمّرون الأتراكُ التاريخَ العثماني وأمجاده في قائمة مهزوميهم في الحرب العالميّة الأولى، بوصفها التتويج الصارخ لأزمات دولتهم واجتماعهم السياسيّ، كان في وسع المتذمّرين العرب أن يضمّوا إلى قائمة مهزوميهم تاريخاً أقدم من التاريخ العثماني وأشدّ تواصلاً مع المقدّس الإسلاميّ، بحيث يتبدّى التاريخ العثماني نفسه مجرّد شطر من أشطاره. وهذا ربّما زوّدنا بأحد الأسباب التي تفسّر خلوّ الردود العربيّة على الحداثة من القطع الراديكالي الأتاتوركي مع التراث. ذلك أنّ المهزوم عربيّاً هو الأصل التأسيسي، فيما المهزوم تركيّاً هو الفرع، وإن كان فرعاً كبيراً ومهمّاً. ثمّ إنّ الأتراك عثروا على تعويض جزئي عن محنتهم لم يعثر العرب على مثله: فالتجربة الكماليّة، تحديداً، إنّما انبثقت من انتصارات عسكريّة لم يحرز العرب ما يعادلها، قبل أن تتمكّن من إنشاء دولة – أمّة تركيّة ليس ثمّة من ندٍّ لها في المشرق العربيّ، باستثناء مصر ذات الوجود التاريخي العريق. ورغم توفّر عدد من المقدّمات الثقافيّة واللغويّة التي أوحت لبعض القوميين العرب بسهولة مشروع كهذا، فإنّ التجارب كلّها جاءت تؤكّد العكس مرّة بعد مرّة.
ولئن سبق لثورة «تركيّا الفتاة»، ومن بعدها انتصارات مصطفى كمال، أن وجدت الحماسة والتأييد لدى الضبّاط العرب عموماً، ثمّ أصبحت حافزاً إضافيّاً لنشاطهم بعد حصول بلدانهم على استقلالها، وتوسّع الإدارات والجيوش التي ضاعفت طموحاتهم، فإنّ تفاوت الواقعين التركي والعربي أضاف إلى الإعجاب حسداً جارحاً لنرجسيّة «الذات». وعلاقة الحسد هذه، التي ربطت العرب بالأتراك، والضبّاط العرب الذين خدموا سابقاً في الجيش العثماني بمصطفى كمال، قد ترمز إليها حادثة رواها فوزي القاوقجي، أحد قادة الثورة السورية في 1925 والقائد اللاحق لما عُرف بـ«جيش الإنقاذ» في فلسطين (1947 - 1948). فيوم 1 يوليو (تموز) 1927، سافر القاوقجي إلى إسطنبول، فيما الثورة السورية تتصدّع وتذوي، مراهناً على العودة من رحلته مُحمّلاً بدعم يمحضه إيّاه زميله السابق في الجيش الذي صار زعيم تركيّا. غير أنّ يوم 1 يوليو 1927 كان أيضاً اليوم الذي زار فيه أتاتورك المدينة الإمبراطوريّة نفسها، وكانت تلك زيارتَه الأولى لها بوصفه رئيس دولة يقيم في عاصمته الجديدة أنقرة. لكنْ، بينما دخلها «أب الأتراك» من البحر، على ظهر يخت «أرطغرل» المَلكيّ، وسط أبّهة ساطعة وعارمة، دخلها القاوقجي بهويّة مزوّرة تحمل اسم «عمر فوزي عبد المجيد»، وبوصفه تاجراً ينوي إقامة معمل للنسيج في إسطنبول. ومن وسط الحشود، راقب القاوقجي، النكرة والمتخفّي، وصول أتاتورك، فكتب لاحقاً عن تأثّره العميق بالاحتفال المهيب، وأنّه لم يستطع إلاّ أن يقارن، بحزن بالغ، «وضعنا بوضع الأتراك».
لكنْ، فيما كان القاوقجي في إسطنبول، أُسدل الستار الأخير على الثورة السورية. فالبريطانيّون طردوا سلطان الأطرش من الأزرق في الأردن إلى وادي السرحان في الدولة السعودية الجديدة، أمّا معظم قادتها الآخرين فشُتّتوا بين عمّان والقدس والقاهرة: هكذا كانت حال محمد الأشمر ومحمد عزّ الدين الحلبي وسعيد حيدر وسعيد العاص، وكذلك كانت حال القاوقجي الذي انتقل من تركيّا إلى الحجاز ليعمل مدرّباً للجيش السعودي الناشئ.
ولم يكن مصطفى كمال غريباً عن الضبّاط العرب الذين خدموا في الجيش العثمانيّ. فعزيز علي المصري وياسين الهاشمي، وسواهما ممن لعبوا أدواراً سياسيّة لاحقة في بلدانهم، كانوا زملاءه في الكلّيّة الحربيّة التي مثّلت واحداً من المراكز الرئيسة للمعارضة السرّيّة ضدّ الحكم الحميديّ. كذلك انضمّ عدد كبير من هؤلاء الضبّاط العرب إلى «الاتّحاد والترقّي»، وكان في عدادهم العراقي محمود شوكت الذي قاد، كما رأينا قبلاً، عمليّة إحباط الانقلاب الرجعي في إسطنبول عام 1909، وكان مؤهّلاً للعب دور سياسي أكبر لولا اغتياله في 1913.
غير أنّ أتاتورك لم يكتفِ بالتجاهل، إذ خطا خطوة أبعد في تعميقه مرارة العرب المشارقة. ففي حربه على الاحتلال الفرنسي لبلاده، استخدم قادة التمرّدات المشرقيّة ضدّ الانتداب الفرنسيّ، كالسوري صالح العلي واللبناني أدهم خنجر، لمجرّد تحسين مواقعه التفاوضيّة حيال فرنسا. ذاك أنّ هدفه الفعلي كان إقناع الأخيرة بأنّه ليس في مصلحتها أن تعارض القوميّة التركيّة ودولتها الجديدة، بل يمكن، على العكس تماماً، ضمان اعتراف الأتراك بالانتداب الفرنسي على سوريّا وحماية المؤسّسات والمعاهد الدينيّة والتعليميّة الفرنسيّة في تركيا، إذا ما اتّبعت باريس سياسة أخرى. أمّا العرب، فلم يدعم أتاتورك انتفاضاتهم إلاّ بوصفها مادّة في مقايضاته السينيكيّة.
غير أنّ تلك التجربة المؤلمة في علاقات الدول لم يتوقّف عندها العرب المشارقة ولا استوعبوها بصفتها الفعليّة هذه، فلم تتحوّل تالياً إلى مصدر لوعي أو ثقافة سياسيين عربيين على درجة من الواقعيّة. هكذا انضاف إلى جرح العلاقة بالغرب جرح العلاقة بتركيّا، مما تُرك تأويله، تماماً كما أُوّل سابقه، لخليط من المشاعر المحتقنة المصحوبة بالتعويل على الخيانات والمؤامرات وما يُنسب إليها من أفعال. فقد عزّزت صدمة أتاتورك، في المشرق العربيّ، الانتقال من موقف المتماهي الممتلئ إعجاباً، إلى موقف عاطفي كاره وشوفينيّ، إن لم يكن عنصريّاً. ولئن استنجدت البيئات الأشدّ تقليديّة وارتباطاً بالعالم السلطاني القديم بأدوار تُعزى إلى الماسونيين و«يهود الدونمة»، وبها فُسّر انقلاب 1908، ومن بعده الأتاتوركيّة وإلغاؤها الخلافة الإسلاميّة، فإنّ البيئات النخبويّة الأكثر تعلّماً ممن استهوتها الطروحات القوميّة الجديدة، اعتمدت رواية بسيطة عن «عصر النهضة» العربي في مواجهة تتريك «الاستعمار التركيّ» و«الانحطاط» الممتدّ على قرون أربعة من «الظلام» الذي نشره ذاك «الاستعمار».
فإذا صحّ تالياً أنّ الأتاتوركيّة أحدثت في بلدها نقلة نوعيّة في الاتّجاه العنصريّ، فإنّ الارتداد العربي ضدّها لم يملك في جعبته إلاّ ردّاً من الطينة ذاتها، لا سيّما وقد عزّزه لاحقاً، عام 1939، ضمّ لواء إسكندرون السوري إلى تركيّا.
بلغة أخرى، لم يستطِع الانشقاق الكبير الذي قادته الأتاتوركيّة عن باقي العالم الإسلاميّ، بعدما مهّدت له «تركيّا الفتاة»، نقل الفكر السياسي المشرقي إلى صعيد سياسي محوره الدول ومصالحها، والعلاقات التي يستقرّ عليها عالمنا، بل قدّم لذاك الفكر السياسيّ، في المقابل، جرعة عاطفيّة أخرى ذات تعبيرات شوفينيّة حيال مَن انفصلوا عن «ذات» كانت واحدة وجامعة في الماضي.
بدوره اتّسم التعبير الآخر عن تلك الجرعة العاطفيّة بالمكابرة: فقد عوملت «الذات» العربيّة المفترضة، التي صمدت بعد «الانفصال» التركيّ، بالإنكار الكامل لانشقاقاتها، والإصرار الكامل على وحدتها وقدرة الإرادة على ضمان ديمومة ذلك. وهذا مع العلم بأنّ الواقع المعيش والتجريبي كان يعلن العكس تماماً، على ما دلّت مثلاً صراعات الضبّاط السوريين والعراقيين في دمشق بُعيد قيام الدولة الفيصليّة قصيرة العمر فيها.
وفي العراق تحديداً، والذي تشكّلت من أبنائه الكتلة الكبرى من الضبّاط العثمانيين السابقين، كان الاصطدام بحاجز التفتّت الأهلي برهاناً نافراً على مصاعب تكرار المشروع الأتاتوركيّ، ولو في حدوده العراقيّة فحسب. فبالتلازم مع نشأة العراق الحديث، نشبت انتفاضتان كرديّتان قادهما محمود البرزنجي (الحفيد) (1919 - 24)، ثمّ في 1931 قاد أحمد البارزاني انتفاضة أخرى. وفي 1933 كانت مذبحة سميل التي نزلت بأشوريّي العراق، ثمّ في 1941 حلّ باليهود العراقيين البوغروم الذي عُرف بـ«الفرهود». وفي هذه الغضون بدت العلاقة السنّيّة – الشيعيّة دائمة التردّي، وهو ما بلغ ذروته في 1927، مع القمع العنيف الذي تعرّض له ممارسو شعائر عاشوراء الشيعية. وإلى ذلك، لم يكن الجوار العراقي – الفارسيّ، فالإيرانيّ، بمحموله التاريخي المتعادي وحمولته القوميّة – المذهبيّة المتنافرة، سوى سبب آخر للشعور بعدم استقرار كامن، إنّما عميق ومثقل بالمنازعات والمخاوف القديمة.
وفي أغلب الظنّ، كان فائض التفتّت في النسيج المجتمعي للعراق هو ما ينعكس، في الفكر والسلوك السياسيين العراقيين، فائضاً في توكيد الوحدة العربيّة والعزم على إنجازها، بوصفها مهمّة قوميّة و«حضاريّة»، مع ما ينجرّ عن ذلك من عنف محض.
وكان تغييب هذا الواقع يبلغ ذروته مع وقوع السلطة في قبضة عسكريين انقلابيين كبكر صدقي، أو مع تولّي قوميين عرب متشدّدين كياسين الهاشمي أو رشيد عالي الكيلاني رئاسة الحكومة، حيث تتنامى ميول الصَّهر، الوطني في حالة صدقي، والقومي في حالتي الهاشمي والكيلاني، مصحوبة بإرادة تذليل «التخلّف العشائريّ»، أكان كرديّاً في الشمال أم شيعيّاً في الجنوب. وغنيٌّ عن القول إنّ التذليل المقصود هو الصيغة التي تتعايش مع إخضاع الجماعات المختلفة والمتعدّدة لسلطة سنّيّة، وغالباً، لا سيّما منذ اغتيال صدقي، عربيّة أيضاً.
ولئن اكتسب الضبّاط العراقيّون، العثمانيّون سابقاً، من تجربة «تركيّا الفتاة»، ما يمكن تسميتها ثقافة المؤامرة وتمجيد العنف وعدم أخذ القانون بعين الاعتبار، فهذا ما تعزّز، منذ الثلاثينات صعوداً، بانتشار الآيديولوجيّات الراديكاليّة الأوروبيّة، التي ما لبثت أن وجدت استحساناً كبيراً وواسعاً في العراق، ما يصحّ كثيراً وخصوصاً في النازيّة. فإلى جانب الماضي العاطفي المتوارَث عن التجربة العثمانيّة - الألمانيّة، كان للشعور بالخديعة البريطانيّة للعرب بعد الحرب العالميّة الأولى، ثمّ الهجرات اليهوديّة المتعاقبة إلى فلسطين، أن ضاعفت الافتتان بألمانيا، خصم الانتدابين الفرنسي والبريطاني في سوريّا والعراق، ومن ثمّ الافتتان بنظامها النازي الذي تراءى أنّه يقدّم للعرب ما يشبه البديل المحبب والمرغوب. وقد تجسّد هذا في الصلات التي عقدها مع برلين قادة قوميّون كمفتي فلسطين أمين الحسيني، المقيم في العراق بين أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات، ورشيد عالي الكيلاني، وفي التماهي الواسع مع الأحزاب والحركات الشبابيّة الفاشيّة. ودائماً كان العداء الذي كنّته ألمانيا النازيّة لليهود، يكمّل، في نظر القوميين العرب، العداء الذي ربطها بالدول الاستعماريّة والديمقراطيّة، ما يجلو مواقف ألمانيا في هيئة ناصعة. ولا بدّ، هنا، من إضافة بُعد أقلّ منظوريّة، هو أنّ رفض النُّخب القوميّة في المشرق لـ«دول التجزئة» التي أنشأها الانتدابان البريطاني والفرنسي، إنّما انطوى ضمناً على رفض لنظريّة تسبيق الدولة على الأمّة، المعروفة بـ«النظريّة الفرنسيّة»، والتجاوب تالياً مع «النظريّة الألمانيّة» في تسبيق الأمّة على الدولة، وهو ما سيكون له في التجربة العربيّة نتائج كارثيّة سوف نتطرّق لاحقاً إليها. وفي موازاة ذلك كلّه، عزّز التأثّرُ بالنازيّة ذاك التصوّر العنيف والإلغائي للسياسة بوصفها، قبل كلّ شيء آخر، اجتثاثاً للخصم وللمختلف.
ففي 1936 نفّذ صدقي الانقلاب العسكري الأوّل في العالم العربيّ، لكنّه اغتيل بعد عام في عمليّة كان وراءها ضبّاط يأخذون عليه، وهو الكرديّ، نقص عروبته. وهذا ما أضعف، عبر الانقلاب ثمّ الاغتيال، وحدة الدولة وولاء القوّات المسلّحة للحكومة، لا سيّما وقد شرع العسكريّون ذوو الهوى العروبي يشكّلون الحكومات ويفرضون توجّهاتها السياسيّة المُلزمة.
لكنّ تلك الفترة نفسها كانت قد شهدت العهد المَلَكي لغازي الأوّل، الذي حكم العراق بين 1933 و1939، والذي رأى فؤاد عارف، الضابط المتقاعد المقرّب منه، أنّه، منذ مطلع شبابه، «كانت عيناه تغرورقان بالدموع وهو يتذكّر ما فعله الإنجليز بجدّه الحسين».
وقد أُطلق على العراق في عهد غازي لقب «بيمونت العرب» ليكون ما كانته تلك المقاطعة الإيطاليّة في الوحدة الإيطاليّة، كما يكون هو ما كانه كافور وفيكتور إيمانويل (عمانوئيل) الثاني. وفي عهده ظهر التعبير العراقي الأوّل عن الطموح إلى ضمّ الكويت، واستشراء عبادة القوّة، تعبيراً عن تعاظم الطابع القومي العربي للدولة، وهو ما تأدّى عنه توسيع حجم الجيش، فصار يضمّ 800 ضابط و19500 جندي في 1936، ثمّ 1426 ضابطاً و26345 جنديّاً في 1939. ولئن لم يضمّ الجيش هذا سوى قلّة من الطيّارين في 1933، فقد ارتفع عددهم إلى 37 في 1936 وكان المتوقّع ارتفاعه إلى 127 عند نهاية السنة التالية. وفي خطوة تنمّ عن إدراك مبكر لأدوات التواصل والتأثير الإعلاميّة الحديثة، ثبّتَ غازي في قصره محطّة الإذاعة العراقيّة التي تبثّ آراءه القوميّة الأكثر تشدّداً.
لقد اعتقد الملك الشابّ، حسب صحافي عرفه عن كثب، أنّ «إعداد البلاد عسكريّاً لا يتمّ عن طريق الاهتمام بالجيش وحده، وإنّما أيضاً بغرس الروح العسكريّة بين الشباب ورصّ صفوفهم باتّجاه ذلك الهدف. وقد اتّخذ من اهتمامه بهوايات الشباب وأنشطتهم الرياضيّة غطاءً لبلوغ تلك الغاية. فقد حثّ الشباب على الانصراف إلى الدرس والرياضة لتقوية أجسامهم، وتعويدهم على الطاعة والتضامن والشمم والجرأة»، بحيث أصبحت الكشّافة في عهده «حركة إعداد قومي وعسكريّ»، و«فرصة سانحة لإدخال الروح القوميّة بين الشبيبة، وتعويدهم على الحياة الخشنة التي ألفها الأجداد، وغرس حياة الجنديّة الحقيقيّة في نفوسهم». وقد لاحت ملامح هذا التوجّه عندما أخذت الكشّافة تهزج، بحضور الملك لاستعراضاتها، أهازيج مثل «بالوحدة يموت الصهيونيّ» و«اسم الوحدة عنوان الله».
وفي خطوة أخرى على الطريق المديد إلى تطوير أدوات عنفيّة موازية للدولة، وهو ما عرفناه لاحقاً وعلى نطاق أعرض تحت مسمّى «الميليشيات»، رأى غازي «أنّ الكشّافة بمثابة احتياط للجيش، على أساس أنّ الألمان والروس والإيطاليين قد استخدموهم فعلاً لهذا الغرض. وعلى هذا الأساس كلّف مدير التربية البدنيّة في 1934 بأن يضع له تقريراً مختصراً عن إمكانيّة إعداد 25 ألف كشّاف مدرّب تدريباً جيّداً». وكان غازي من شرّع في 1935 «نظام الفتوّة» لعسكرة شبّان العراق للنضال في سبيل الوحدة العربيّة، علماً بأنّ «المشرفين على الفتوّة كانوا متأثّرين بحركة الشباب الهتلري ومخيّمات العمل الألمانيّة».
لكنّ غازي، الذي يُقرّ المقرّبون منه أنفسهم بانفعاليّته وضعف رجاحته العقليّة، لم يكن أقلّ قوميّة من منافسه ورئيس حكومته ياسين الهاشمي، الضابط العثماني السابق والقومي العربي الذي لُقّب، هو الآخر، بـ«بسمارك العرب»، إيحاءً بدور الأخير في توحيد ألمانيا وبإمكان تكراره عربيّاً على يديه. فالهاشمي، الذي أراد تحويل غازي إلى مجرّد رمز ذي منصب احتفاليّ، تقليداً لما فعله موسوليني بالملك إيمانويل الثالث، حلّ المجلس النيابي في أبريل (نيسان) 1935 وألغى الأحزاب السياسيّة «بغرض إدماجها في هيئة واحدة»، كما صفّى «الصحف المعارضة ولاحق أنشطة جماعة (الأهالي) وذوي الاتّجاهات اليساريّة»، وراح ينافس غازي على العسكرة والاهتمام بالجيش وتعزيزه، مع التركيز على القوّات الجويّة تيمّناً بروسيا.

الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)
TT

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) حتى 3 فبراير (شباط) ليؤكد على مكانته بوصفه وجهة للثقافة العربية وعرساً للقراءة يختلط فيه الفكر بالإبداع بالأجواء الكرنفالية الاحتفالية التي يقبل عليها الجميع من الأعمار كافة.

واحتفت جوائز المعرض في دورته الأخيرة بأصوات جديدة تتسم بالموهبة والحيوية في مجالات مختلفة كالإبداع والنشر والنقد الأدبي، حيث فاز مدحت صفوت بجائزة «النقد الأدبي» عن كتابه «بلاغة الكود» مناصفة مع الدكتور صلاح السروي عن كتابه «مفهوم الرواية»، فيما ذهبت جائزة «العلوم الإنسانية - التراث والهوية» إلى الباحث حسن محمد الشافعي عن كتاب «الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي».

وفازت هناء متولي بجائزة «أفضل مجموعة قصصية» عن كتابها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، كما ذهبت جائزة «أفضل ديوان شعر عامية» إلى الشاعر سعيد شحاتة عن ديوانه «فريدة... جدارية أمي اللي باعت عفشها»، بينما فازت الكتابة الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية في فئة «الشباب» عن «ترنيمة عصفور أزرق»، فيما ذهبت جائزة «أفضل ناشر عربي» مناصفة بين مجموعة «بيت الحكمة للصناعة الثقافية» من مصر، ودار «أصالة» من لبنان.

التراث والترجمة

أما جائزة التراث، فجاءت مناصفة، حيث فاز بها كتاب «العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان» تحقيق الدكتور عاطف يمني، وكتاب «رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي»، تحقيق الدكتور حسام عبد الظاهر، وهما صادران عن دار الكتب والوثائق القومية.

وفي مجال الفنون بالتعاون مع أكاديمية الفنون المصرية، فاز كتاب «رحلة العائلة المقدسة» للمؤلف صلاح أحمد عبد الحليم، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وذهبت جائزة الترجمة لكتاب «التاريخ الإجرامي للجنس البشري» للمترجم الدكتور رفعت السيد علي، الصادر عن المركز القومي للترجمة، وفي فرع كتاب الطفل المترجم فازت موسوعة «التسلسل الزمني لكل شيء: من الحيوانات المنقرضة إلى الحروب العالمية» للمترجمة زينب عاطف سيد، الصادرة عن دار نهضة مصر.

جوائز التميز للمرة الأولى

واستحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه وتم تقسيمها على عدة فئات شملت «أفضل جناح بيئي محلي» وذهبت إلى جناح حلايب وشلاتين، و«أفضل عرض فنون تشكيلية» وكانت من نصيب معرض الكاريكاتير «نجيب محفوظ بعيون العالم»، كما نالت الهيئة العامة لقصور الثقافة جائزة «أفضل جناح في تخفيض أسعار»، في حين فاز الكاتب والممثل خالد الصاوي بجائزة «أفضل حفل توقيع» لديواني «كلام مرسل» و«أجراس»، فضلاً عن رواية «أطلال»، أما الكاتب نبيل عبد الفتاح فحصد جائزة «أفضل ندوة لمحلل سياسي».

وقال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن جوائز التميز بمعرض القاهرة الدولي للكتاب تأتي ترجمة عملية لتوجهات الدولة المصرية في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز دور الثقافة بوصفها أداة رئيسية لبناء الوعي، وتنمية القدرات الإبداعية، وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، مشيراً إلى أن المعرض أصبح منصة ثقافية شاملة تتجاوز عرض الكتب إلى دعم المبادرات النوعية والاحتفاء بالتجارب المتميزة في مختلف مجالات العمل الثقافي.

وذكر أن «هذا الحضور الكثيف الذي بلغ 6 ملايين و200 ألف زائر يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في وجدان المصريين والعرب والمقيمين على أرض مصر»، مشيراً إلى أن هذه الأرقام القياسية تترجم العلاقة العميقة بين الشعب المصري والكتاب، وتؤكد أن القراءة والمعرفة تظلان في صدارة اهتمامات المواطنين رغم كل التحديات.

أيام الفاطمي المقتول

وأعلن الناقد محمد بدوي فوز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى، عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، حيث أوضح بدوي، خلال الإعلان عن الجائزة، أن الرواية الفائزة تميزت بطرح سردي عميق ورؤية فنية ناضجة، استطاعت أن توظف التاريخ والخيال في بناء روائي محكم، بما يعكس روح الجائزة وأهدافها في دعم الرواية العربية المعاصرة.

ووصل عدد الروايات المتقدمة لجائزة نجيب محفوظ إلى 108 روايات، وتشكلت لجنة التحكيم من النقاد محمد بدوي وحسين حمودة وخيري دومة والروائي محمد بدوي طه. وتأتي الجائزة بقيمة 500 ألف جنيه مصري بالإضافة إلى ميدالية ذهبية تكريماً لإرث نجيب محفوظ الأدبي، وهي ممولة بالكامل من البنك الأهلي المصري.

ومن جانبه، علق نزار شكرون على فوزه قائلاً عبر صفحته بموقع «فيسبوك»: «فخور هذه الليلة بفوزي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، تتويج له مذاق خاص على أرض مصر العزيزة، سعيد باقتران اسمي وعملي الروائي باسم الروائي الكبير نجيب محفوظ، هذه لحظة فارقة في حياتي الأدبية، أهدي هذا الفوز لزوجتي الحبيبة هدى وابني إياد ورائي».

وسبق أن احتفى عدد من الأدباء والنقاد المصريين برواية «أيام الفاطمي القتيل» ومنهم الكاتب إبراهيم عبد المجيد الذي علق على العمل قائلاً: «بطل الرواية هو الميت الذي يخرج من تابوته ليحكي لنا ما حدث، حتى نعرف هل مات مقتولاً في مصر، التي منها حُملت الجثة إلى مدينته البيضاء في تونس، أم كان موته عادياً. الأمر يتوسع ليشمل ما شاهده قبل موته، أو بعد دفنه وإخراج جثته لفحصها مرة أخرى. أي أن الرواية يكتبها الميت نفسه». الشعر... موعد للفرح

وازدانت أروقة المعرض بالشعر والشعراء الذين صنعوا حالة من البهجة عبر الأمسيات التي ضمت عشرات الشعراء من جميع الأجيال، فضلاً عن الندوات الفكرية التي تحدث فيها أصحاب التجارب الكبرى عن تفاصيل رحلتهم مع القصيدة، كما في اللقاء الشعري الذي أجراه الشاعر محمد الكفراوي مع الشاعر جمال القصاص.

استحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه

وأشار الكفراوي إلى أنه عبر مسيرته الشعرية التي تصل إلى 65 عاماً، أمتعنا فيها جمال القصاص بأشعاره وصوره وخياله الجامح الفوّاح، منذ بداياته في «خصام الوردة» عام 1984، ومن بعد ذلك «شمس الرخام» 1990، و«ما من غيمة تشعل البئر» عام 1995، وصولاً إلى مرحلة فارقة في «السحابة التي في المرأة» 1997، ثم «من أعلى بمحاذاة الموسيقى»، و«الإسكندرية... رباعية شعرية»، وحتى ديوانه الأخير «تجرحني بخفة وتعلو».

وقال الشاعر جمال القصاص رداً على سؤال العودة إلى البدايات وممارسته الشعر: «بداياتي مع الشعر جاءت عبر انشغالي في مرحلة مبكرة جداً بالكتابة، والرسم الذي كان موهبتي الأولى، بدأت أكتب الزجل وذلك دون اقتناع مني، كان ذلك انشغالاً بالسطح لا العمق، كانت بداياتي قراءاتي للشعر، وقد نسخت بخط يدي ديوان إيليا أبو ماضي، ومن بعده درست العَروض بنفسي، وفي سن السادسة عشرة نشرت أول قصيدة لي، ومن هنا جاءت محبتي للشعر».

وتابع القصاص: «كان الشعر بمثابة بحرٍ لي، وخاصة أن الوصول إلى الشاطئ هو وصول مراوغ، ولم يأتني الشعر مباشرة، أنا من بحثت عنه واكتشفت أن في داخلي شاعراً، فالشعر بالنسبة لي تمرين يومي على الفرح، هو لحظة فرح حقيقية لا تأتي من الخارج».

وأدار الناقد محمد سليم شوشة حواراً مفتوحاً مع الشاعر المغربي حسن نجمي الذي وصفه شوشة بأنه «من أبرز الأصوات الشعرية في العالم العربي»، مشيراً إلى امتداد تجربته بين الشعر كجوهر للتجربة الإنسانية، والبعد النقدي، بالإضافة إلى حضوره في الرواية. وأوضح أن «الندوة تهدف إلى الحوار والتفتيش في سيرة وتجربة الشاعر التي تستدعي التراث العربي عامة والمغربي خاصة، وتسعى إلى إعادة تشكيل القصيدة بأشكال متعددة، ما يجعله صوتاً أصيلاً ومتميزاً».

وقال نجمي إن الإنسان لا يختار أقداره بل يعيشها قدر استطاعته، مشيراً إلى أنه «لا يوجد شاعر يقرر أن يكون شاعراً»، كما أن الطريق إلى الشعر صعب ولا يمكن تعلمه بسهولة أو اختياره، فضلاً عن أن الشاعر الحقيقي لا يمنح نفسه صفة الشاعر بسهولة، مستشهداً بتجربة محمود درويش الذي لم يكن يعلن عن نفسه شاعراً، ورأى أن الانتساب لهذه الصفة صعب جداً.


الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق
TT

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية. وقد أصدر حتى الآن عدة كتب لافتة. نذكر من بينها: «هل توجد فلسفة إسلامية؟»، ثم كتابه الضخم والمهم جداً عن ابن سينا بعنوان: «ابن سينا أو إسلام الأنوار». وهذا يعني أن إسلام الأنوار كان موجوداً في تاريخنا سابقاً وليس حديث العهد، وأن ابن سينا هو أحد كبار ممثليه، بالإضافة إلى بقية العباقرة والعظماء. ومؤخراً أصدر الدكتور عمر مرزوق كتاباً جديداً بعنوان: «المعتزلة: العقل والإيمان والحرية في أرض الإسلام».

ويرى هذا المفكر الجزائري المرموق أن المؤلفات الفلسفية العربية كانت محط اهتمام بحّاثة الغرب ومستشرقيه أكثر بكثير من بحّاثة الإسلام وشيوخه. وهذا ليس تناقضياً إلا في الظاهر فقط. فالواقع أن الاستشراق العلمي الأكاديمي هو الذي نشر مخطوطاتنا وحققها وأنقذها. وأكبر دليل على الانحطاط الذي نعيشه اليوم هو أننا بدلاً من أن نشكر الاستشراق الأكاديمي الرصين على هذه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا ولتراثنا، رحنا نشتمه ونصب جام غضبنا عليه. لماذا؟ يقول لنا عمر مرزوق في هذا الصدد ما فحواه: لا ريب في أنه يوجد غربيون كارهون لنا ولتراثنا، ولكنهم أقلية قليلة قياساً إلى كبار المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم. وبالتالي فلا ينبغي التعميم إطلاقاً. لا ينبغي أن ننكر أفضال علماء الاستشراق الكبار الذين لم يكتفوا بتحقيق مخطوطاتنا التراثية فقط، وإنما طبقوا عليها المنهج التاريخي - النقدي الحديث لأول مرة في التاريخ، فأضاءوها بشكل غير مسبوق. وإذا ما واصلنا الهجوم الغبي عليهم، فنحن سنكون الخاسر الأكبر وليس هم. هل يُعقل أن نكون أعداء للعلم فقط وأحباء للجهل؟

وفي هذا الصدد ينبغي الاعتراف بالحقيقة التالية: وهي أن الحضارة الغربية هي وحدها التي تحررت من ظلاميات العصور الوسطى وغياهبها وتكفيراتها. وهي الظلاميات والتكفيرات التي لا تزال تهيمن على جمهور المسلمين حتى الآن. ثم يردف الدكتور عمر مرزوق قائلاً: وحدها الحضارة الأوروبية الحديثة تؤمّن للمثقفين حرية البحث والنقد والتمحيص حتى في المجال العقائدي الديني الحساس جداً. وهذه الحرية تؤمّنها أيضاً للباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في جامعات الغرب. ومن دون هذه الحرية النقدية الأكاديمية لا إبداع فكري، ولا استكشافات خلّاقة. ولذلك فإن الباحثين العرب يبدعون في عواصم الغرب وليس في عواصم العرب. وهذا يعني أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم الإسلامي حتى إشعار آخر. ينبغي العلم أن المستشرقين الأكاديميين لا يرفضون الفلسفة ولا يكفّرونها، بل إنهم يحتفلون بها على عكس جهابذة الشيوخ في العالم العربي والإسلامي. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الساحة الثقافية العربية والساحة الثقافية الفرنسية أو الأوروبية بشكل عام. ولهذا السبب ازدهرت الفلسفة في الغرب واضمحلت حتى ماتت في الشرق؛ وذلك لأنه من دون حرية فكرية لا فلسفة ولا عقل ولا حضارة ولا من يحزنون!

ثم ينبهنا الدكتور عمر مرزوق إلى الحقيقة التالية: وهي أن ثقافتنا التراثية التقليدية لا تهتم بالعلوم الإنسانية ولا بالفلسفة، بل تحتقرهما احتقاراً شديداً. ولماذا تهتم بهما إذا كانت تعتقد في قرارة نفسها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها؟ ولذلك تطغى علينا الجهالات القروسطية. انظروا إلى مدارسنا وجامعاتنا إلا ما رحم ربك. انظروا إلى برامج تعليمنا، وبخاصة فيما يتعلق بمادة التربية الدينية. شيء مخيف. انظروا إلى فضائياتنا وظلامياتنا. شيء مرعب. انظروا كيف يتحدثون عن الأديان الأخرى ويزدرونها. حياتنا كلها مليئة بتصورات تراثية تكرارية واجترارية عقيمة لا تقدم ولا تؤخر، بل قل تؤخّر وتجمّد حركة التاريخ. إنها تعرقل تقدمنا وتطورنا؛ وذلك لأنها تصورات متكلسة ومتحنطة جداً. لقد أكل عليها الدهر وشرب. نحن في وادٍ والعالم المتقدم كله في وادٍ آخر. وعلى الرغم من وجود عباقرة عرب ومسلمين على مدار التاريخ، فإنهم كانوا منبوذين أو مشبوهين من قبل أساطين الأصوليين المهيمنين على عامة الشعب. الشارع دائماً لهم قديماً وحديثاً، بل كان عباقرتنا معتبرين بمثابة زنادقة خارجين على الملة والدين. لذلك لم تزدهر الفلسفة والعلوم العقلانية عندنا كما ازدهرت في أوروبا والغرب عموماً. فكبار الفلاسفة من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم كانوا مكفّرين من قبل الأصوليين. كل أساطين الأصولية كانوا يكرهون الفلسفة ويحذرون منها ومن مخاطرها على العقيدة والدين. كلهم هاجموا الفلسفة واعتبروها ذات طابع وثني. لقد اعتبروها كعلم دخيل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكفر والإلحاد. كيف يمكن أن تزدهر حضارة عربية في مثل هذا الجو؟ وعندما نقول الفلسفة نقصد العقل لا النقل. النقل شبعنا منه. هل يمكن أن تزدهر حضارة ما من دون فكر عقلاني وعلم نوراني يشق غياهب الظلمات؟

ثم يستدرك عمر مرزوق هنا قائلاً: ولكن من الظلم أن نتهم شيوخ الإسلام وحدهم بمعاداة الفلسفة. فالواقع أن الأصوليين المسيحيين في أوروبا كانوا يفعلون ذات الشيء. وكانوا يرعبون العلماء والفلاسفة من أمثال غاليليو وديكارت وسبينوزا وعشرات الآخرين. كانت سيوف محاكم التفتيش مسلطة على رؤوس الجميع. ولكن الفرق بين العالم العربي وأوروبا هو أن محاكم التفتيش انتهت عندهم منذ زمن طويل، في حين أنها لا تزال مسلطة على رقابنا حتى الآن. لا يزال قمع الفلسفة (أي الفكر العقلاني الحر) متواصلاً منذ ألف سنة؛ أي منذ تكفيرها على يد الإمام الغزالي. وكذلك منذ اضطهاد الفقهاء المتشددين لابن رشد في قرطبة. هذا ناهيك بعبقري العباقرة ابن سينا الذي عاش مشرداً مرعوباً ملاحقاً من قبل فقهاء عصره الناقمين عليه والمكفّرين له، بل تعرض للسجن والإهانات، وربما مات مسموماً في نهاية المطاف وهو في عز الشباب: 57 سنة. هل اغتالوه؟ شبه مؤكد. ولا ننسَ مقتل السهروردي على يد صلاح الدين الأيوبي بعد أن وشى به شيوخ حلب المتشددون... إلخ. ولا ننسَ ولا ننسَ... لهذا السبب ماتت الفلسفة وانقرضت في أرض الإسلام، في حين أنها انتعشت كل الانتعاش في أوروبا، بل صعدت بشكل صاروخي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. ثم بعد كل ذلك يسألونك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عُرف السبب بطل العجب. ولكن الأنوار العربية قادمة لا ريب فيها، وإلا فعلى الدنيا السلام!


«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.