الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

الزعيم التركي أتاتورك يستعرض قواته خلال الحرب ضد اليونان (جنرال فوتوغرافيك إيجنسي/ غيتي)
الزعيم التركي أتاتورك يستعرض قواته خلال الحرب ضد اليونان (جنرال فوتوغرافيك إيجنسي/ غيتي)
TT

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

الزعيم التركي أتاتورك يستعرض قواته خلال الحرب ضد اليونان (جنرال فوتوغرافيك إيجنسي/ غيتي)
الزعيم التركي أتاتورك يستعرض قواته خلال الحرب ضد اليونان (جنرال فوتوغرافيك إيجنسي/ غيتي)

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيو المشرق العربي» لحازم صاغية الذي سيصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» في بيروت.
يرصد صاغية، في هذا الفصل من كتابه الجديد، التغيرات التي طرأت في المنطقة بعد انهيار السلطنة العثمانيّة وولادة الدول العربيّة الجديدة، وكيف تحوَّل كثيرون من الضبّاط والموظّفين العثمانيّين السابقين حكّاماً لتلك الدول، و/أو قادةً للعمل المسلّح، أو السياسيّ أو الثقافيّ، المناهض للانتدابين البريطانيّ والفرنسيّ عليها.
ويتحدث صاغية، في هذا الإطار، عن التأثر العربي بمرجعيّة التجربة العثمانيّة، ومن ثمّ التركيّة، المتأثّرة بدورها بالضبّاط الألمان «فبالبناء على تلك المرجعيّة، أُرسِيَت المقدّمات التأسيسيّة للكثير من النشاط والتفكير السياسيّيْن اللاحقيْن في المشرق العربيّ». وفي ما يأتي الحلقة الأولى من فصل الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة:
بعد انهيار السلطنة العثمانيّة وولادة الدول العربيّة الجديدة، تحوَل كثيرون من الضبّاط والموظّفين العثمانيين السابقين حكّاماً لتلك الدول، و- أو قادة للعمل المسلّح، أو السياسي أو الثقافيّ، المناهض للانتدابين البريطاني والفرنسي عليها.
ففي العراق، ومنذ إعلانه مملكة في 1921، ثمّ استقلاله الاسميّ في 1932، حتّى انقلاب 1958 الجمهوريّ، كانت الأغلبيّة الساحقة من رؤساء الحكومات من أولئك الضبّاط. أمّا في سوريّا وجوارها، فكان منهم علي رضا الركابي وسلطان الأطرش ويوسف العظمة ومحمد عزّ الدين الحلبي وسعيد العاص، كما وفد إلى الحياة العامّة ممن زاولوا الوظيفة الإداريّة العثمانيّة لفترة تطول أو تقصر، إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي ونسيب البكري وحسن الحكيم وساطع الحصري، وهذا فضلاً عمّن كانوا، في هذه السنة أو تلك، ضبّاطاً مجنّدين (كجك ضابط)، كسعد الله الجابري وفوزي الغزّي وعبد الرحمن الكيّالي. والشيء نفسه يصحّ في الضابط اللبناني فوزي القاوقجي، والموظّف اللبناني – الأردني رشيد طليع، والموظّفَيْن الفلسطينيين محمد عزّة دروزة ورفيق التميمي. وهذا فضلاً عن أنّ جميع الضبّاط المشارقة الذين نفّذوا الانقلابات العسكريّة والمحاولات الانقلابيّة المبكرة سبق أن خدموا في الجيش العثمانيّ، ما ينطبق على بكر صدقي (انقلاب 1936) وضبّاط «المربع الذهبيّ» العراقيين (انقلاب 1941)، انطباقه على حسني الزعيم وسامي الحنّاوي السوريين (انقلابي 1949).
والحقّ أنّ التأثّر بمرجعيّة التجربة العثمانيّة، ومن ثمّ التركيّة، المتأثّرة بدورها بالضبّاط الألمان، عزّز عربيّاً سائر الاتّجاهات التي رأيناها مع السلطنة المتأخّرة و«الاتّحاد والترقّي» قبل أن نراها في الأتاتوركيّة. فبالبناء على تلك المرجعيّة، أُرسِيَت المقدّمات التأسيسية لكثير من النشاط والتفكير السياسيين اللاحقين في المشرق العربيّ.
- اِنتصارات لم يحرزها العرب
بيد أنّ ما أضافته الأتاتوركيّة إلى هذا المُجمَّع السلوكي والعاطفي كان بُعداً آخر وأقوى. فقد شارك العربُ الأتراكَ أسباب احتقانهم ومراراتهم حيال الغرب والحداثة، لكنّهم فاقوهم مرارة: فإذا أدرج المتذمّرون الأتراكُ التاريخَ العثماني وأمجاده في قائمة مهزوميهم في الحرب العالميّة الأولى، بوصفها التتويج الصارخ لأزمات دولتهم واجتماعهم السياسيّ، كان في وسع المتذمّرين العرب أن يضمّوا إلى قائمة مهزوميهم تاريخاً أقدم من التاريخ العثماني وأشدّ تواصلاً مع المقدّس الإسلاميّ، بحيث يتبدّى التاريخ العثماني نفسه مجرّد شطر من أشطاره. وهذا ربّما زوّدنا بأحد الأسباب التي تفسّر خلوّ الردود العربيّة على الحداثة من القطع الراديكالي الأتاتوركي مع التراث. ذلك أنّ المهزوم عربيّاً هو الأصل التأسيسي، فيما المهزوم تركيّاً هو الفرع، وإن كان فرعاً كبيراً ومهمّاً. ثمّ إنّ الأتراك عثروا على تعويض جزئي عن محنتهم لم يعثر العرب على مثله: فالتجربة الكماليّة، تحديداً، إنّما انبثقت من انتصارات عسكريّة لم يحرز العرب ما يعادلها، قبل أن تتمكّن من إنشاء دولة – أمّة تركيّة ليس ثمّة من ندٍّ لها في المشرق العربيّ، باستثناء مصر ذات الوجود التاريخي العريق. ورغم توفّر عدد من المقدّمات الثقافيّة واللغويّة التي أوحت لبعض القوميين العرب بسهولة مشروع كهذا، فإنّ التجارب كلّها جاءت تؤكّد العكس مرّة بعد مرّة.
ولئن سبق لثورة «تركيّا الفتاة»، ومن بعدها انتصارات مصطفى كمال، أن وجدت الحماسة والتأييد لدى الضبّاط العرب عموماً، ثمّ أصبحت حافزاً إضافيّاً لنشاطهم بعد حصول بلدانهم على استقلالها، وتوسّع الإدارات والجيوش التي ضاعفت طموحاتهم، فإنّ تفاوت الواقعين التركي والعربي أضاف إلى الإعجاب حسداً جارحاً لنرجسيّة «الذات». وعلاقة الحسد هذه، التي ربطت العرب بالأتراك، والضبّاط العرب الذين خدموا سابقاً في الجيش العثماني بمصطفى كمال، قد ترمز إليها حادثة رواها فوزي القاوقجي، أحد قادة الثورة السورية في 1925 والقائد اللاحق لما عُرف بـ«جيش الإنقاذ» في فلسطين (1947 - 1948). فيوم 1 يوليو (تموز) 1927، سافر القاوقجي إلى إسطنبول، فيما الثورة السورية تتصدّع وتذوي، مراهناً على العودة من رحلته مُحمّلاً بدعم يمحضه إيّاه زميله السابق في الجيش الذي صار زعيم تركيّا. غير أنّ يوم 1 يوليو 1927 كان أيضاً اليوم الذي زار فيه أتاتورك المدينة الإمبراطوريّة نفسها، وكانت تلك زيارتَه الأولى لها بوصفه رئيس دولة يقيم في عاصمته الجديدة أنقرة. لكنْ، بينما دخلها «أب الأتراك» من البحر، على ظهر يخت «أرطغرل» المَلكيّ، وسط أبّهة ساطعة وعارمة، دخلها القاوقجي بهويّة مزوّرة تحمل اسم «عمر فوزي عبد المجيد»، وبوصفه تاجراً ينوي إقامة معمل للنسيج في إسطنبول. ومن وسط الحشود، راقب القاوقجي، النكرة والمتخفّي، وصول أتاتورك، فكتب لاحقاً عن تأثّره العميق بالاحتفال المهيب، وأنّه لم يستطع إلاّ أن يقارن، بحزن بالغ، «وضعنا بوضع الأتراك».
لكنْ، فيما كان القاوقجي في إسطنبول، أُسدل الستار الأخير على الثورة السورية. فالبريطانيّون طردوا سلطان الأطرش من الأزرق في الأردن إلى وادي السرحان في الدولة السعودية الجديدة، أمّا معظم قادتها الآخرين فشُتّتوا بين عمّان والقدس والقاهرة: هكذا كانت حال محمد الأشمر ومحمد عزّ الدين الحلبي وسعيد حيدر وسعيد العاص، وكذلك كانت حال القاوقجي الذي انتقل من تركيّا إلى الحجاز ليعمل مدرّباً للجيش السعودي الناشئ.
ولم يكن مصطفى كمال غريباً عن الضبّاط العرب الذين خدموا في الجيش العثمانيّ. فعزيز علي المصري وياسين الهاشمي، وسواهما ممن لعبوا أدواراً سياسيّة لاحقة في بلدانهم، كانوا زملاءه في الكلّيّة الحربيّة التي مثّلت واحداً من المراكز الرئيسة للمعارضة السرّيّة ضدّ الحكم الحميديّ. كذلك انضمّ عدد كبير من هؤلاء الضبّاط العرب إلى «الاتّحاد والترقّي»، وكان في عدادهم العراقي محمود شوكت الذي قاد، كما رأينا قبلاً، عمليّة إحباط الانقلاب الرجعي في إسطنبول عام 1909، وكان مؤهّلاً للعب دور سياسي أكبر لولا اغتياله في 1913.
غير أنّ أتاتورك لم يكتفِ بالتجاهل، إذ خطا خطوة أبعد في تعميقه مرارة العرب المشارقة. ففي حربه على الاحتلال الفرنسي لبلاده، استخدم قادة التمرّدات المشرقيّة ضدّ الانتداب الفرنسيّ، كالسوري صالح العلي واللبناني أدهم خنجر، لمجرّد تحسين مواقعه التفاوضيّة حيال فرنسا. ذاك أنّ هدفه الفعلي كان إقناع الأخيرة بأنّه ليس في مصلحتها أن تعارض القوميّة التركيّة ودولتها الجديدة، بل يمكن، على العكس تماماً، ضمان اعتراف الأتراك بالانتداب الفرنسي على سوريّا وحماية المؤسّسات والمعاهد الدينيّة والتعليميّة الفرنسيّة في تركيا، إذا ما اتّبعت باريس سياسة أخرى. أمّا العرب، فلم يدعم أتاتورك انتفاضاتهم إلاّ بوصفها مادّة في مقايضاته السينيكيّة.
غير أنّ تلك التجربة المؤلمة في علاقات الدول لم يتوقّف عندها العرب المشارقة ولا استوعبوها بصفتها الفعليّة هذه، فلم تتحوّل تالياً إلى مصدر لوعي أو ثقافة سياسيين عربيين على درجة من الواقعيّة. هكذا انضاف إلى جرح العلاقة بالغرب جرح العلاقة بتركيّا، مما تُرك تأويله، تماماً كما أُوّل سابقه، لخليط من المشاعر المحتقنة المصحوبة بالتعويل على الخيانات والمؤامرات وما يُنسب إليها من أفعال. فقد عزّزت صدمة أتاتورك، في المشرق العربيّ، الانتقال من موقف المتماهي الممتلئ إعجاباً، إلى موقف عاطفي كاره وشوفينيّ، إن لم يكن عنصريّاً. ولئن استنجدت البيئات الأشدّ تقليديّة وارتباطاً بالعالم السلطاني القديم بأدوار تُعزى إلى الماسونيين و«يهود الدونمة»، وبها فُسّر انقلاب 1908، ومن بعده الأتاتوركيّة وإلغاؤها الخلافة الإسلاميّة، فإنّ البيئات النخبويّة الأكثر تعلّماً ممن استهوتها الطروحات القوميّة الجديدة، اعتمدت رواية بسيطة عن «عصر النهضة» العربي في مواجهة تتريك «الاستعمار التركيّ» و«الانحطاط» الممتدّ على قرون أربعة من «الظلام» الذي نشره ذاك «الاستعمار».
فإذا صحّ تالياً أنّ الأتاتوركيّة أحدثت في بلدها نقلة نوعيّة في الاتّجاه العنصريّ، فإنّ الارتداد العربي ضدّها لم يملك في جعبته إلاّ ردّاً من الطينة ذاتها، لا سيّما وقد عزّزه لاحقاً، عام 1939، ضمّ لواء إسكندرون السوري إلى تركيّا.
بلغة أخرى، لم يستطِع الانشقاق الكبير الذي قادته الأتاتوركيّة عن باقي العالم الإسلاميّ، بعدما مهّدت له «تركيّا الفتاة»، نقل الفكر السياسي المشرقي إلى صعيد سياسي محوره الدول ومصالحها، والعلاقات التي يستقرّ عليها عالمنا، بل قدّم لذاك الفكر السياسيّ، في المقابل، جرعة عاطفيّة أخرى ذات تعبيرات شوفينيّة حيال مَن انفصلوا عن «ذات» كانت واحدة وجامعة في الماضي.
بدوره اتّسم التعبير الآخر عن تلك الجرعة العاطفيّة بالمكابرة: فقد عوملت «الذات» العربيّة المفترضة، التي صمدت بعد «الانفصال» التركيّ، بالإنكار الكامل لانشقاقاتها، والإصرار الكامل على وحدتها وقدرة الإرادة على ضمان ديمومة ذلك. وهذا مع العلم بأنّ الواقع المعيش والتجريبي كان يعلن العكس تماماً، على ما دلّت مثلاً صراعات الضبّاط السوريين والعراقيين في دمشق بُعيد قيام الدولة الفيصليّة قصيرة العمر فيها.
وفي العراق تحديداً، والذي تشكّلت من أبنائه الكتلة الكبرى من الضبّاط العثمانيين السابقين، كان الاصطدام بحاجز التفتّت الأهلي برهاناً نافراً على مصاعب تكرار المشروع الأتاتوركيّ، ولو في حدوده العراقيّة فحسب. فبالتلازم مع نشأة العراق الحديث، نشبت انتفاضتان كرديّتان قادهما محمود البرزنجي (الحفيد) (1919 - 24)، ثمّ في 1931 قاد أحمد البارزاني انتفاضة أخرى. وفي 1933 كانت مذبحة سميل التي نزلت بأشوريّي العراق، ثمّ في 1941 حلّ باليهود العراقيين البوغروم الذي عُرف بـ«الفرهود». وفي هذه الغضون بدت العلاقة السنّيّة – الشيعيّة دائمة التردّي، وهو ما بلغ ذروته في 1927، مع القمع العنيف الذي تعرّض له ممارسو شعائر عاشوراء الشيعية. وإلى ذلك، لم يكن الجوار العراقي – الفارسيّ، فالإيرانيّ، بمحموله التاريخي المتعادي وحمولته القوميّة – المذهبيّة المتنافرة، سوى سبب آخر للشعور بعدم استقرار كامن، إنّما عميق ومثقل بالمنازعات والمخاوف القديمة.
وفي أغلب الظنّ، كان فائض التفتّت في النسيج المجتمعي للعراق هو ما ينعكس، في الفكر والسلوك السياسيين العراقيين، فائضاً في توكيد الوحدة العربيّة والعزم على إنجازها، بوصفها مهمّة قوميّة و«حضاريّة»، مع ما ينجرّ عن ذلك من عنف محض.
وكان تغييب هذا الواقع يبلغ ذروته مع وقوع السلطة في قبضة عسكريين انقلابيين كبكر صدقي، أو مع تولّي قوميين عرب متشدّدين كياسين الهاشمي أو رشيد عالي الكيلاني رئاسة الحكومة، حيث تتنامى ميول الصَّهر، الوطني في حالة صدقي، والقومي في حالتي الهاشمي والكيلاني، مصحوبة بإرادة تذليل «التخلّف العشائريّ»، أكان كرديّاً في الشمال أم شيعيّاً في الجنوب. وغنيٌّ عن القول إنّ التذليل المقصود هو الصيغة التي تتعايش مع إخضاع الجماعات المختلفة والمتعدّدة لسلطة سنّيّة، وغالباً، لا سيّما منذ اغتيال صدقي، عربيّة أيضاً.
ولئن اكتسب الضبّاط العراقيّون، العثمانيّون سابقاً، من تجربة «تركيّا الفتاة»، ما يمكن تسميتها ثقافة المؤامرة وتمجيد العنف وعدم أخذ القانون بعين الاعتبار، فهذا ما تعزّز، منذ الثلاثينات صعوداً، بانتشار الآيديولوجيّات الراديكاليّة الأوروبيّة، التي ما لبثت أن وجدت استحساناً كبيراً وواسعاً في العراق، ما يصحّ كثيراً وخصوصاً في النازيّة. فإلى جانب الماضي العاطفي المتوارَث عن التجربة العثمانيّة - الألمانيّة، كان للشعور بالخديعة البريطانيّة للعرب بعد الحرب العالميّة الأولى، ثمّ الهجرات اليهوديّة المتعاقبة إلى فلسطين، أن ضاعفت الافتتان بألمانيا، خصم الانتدابين الفرنسي والبريطاني في سوريّا والعراق، ومن ثمّ الافتتان بنظامها النازي الذي تراءى أنّه يقدّم للعرب ما يشبه البديل المحبب والمرغوب. وقد تجسّد هذا في الصلات التي عقدها مع برلين قادة قوميّون كمفتي فلسطين أمين الحسيني، المقيم في العراق بين أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات، ورشيد عالي الكيلاني، وفي التماهي الواسع مع الأحزاب والحركات الشبابيّة الفاشيّة. ودائماً كان العداء الذي كنّته ألمانيا النازيّة لليهود، يكمّل، في نظر القوميين العرب، العداء الذي ربطها بالدول الاستعماريّة والديمقراطيّة، ما يجلو مواقف ألمانيا في هيئة ناصعة. ولا بدّ، هنا، من إضافة بُعد أقلّ منظوريّة، هو أنّ رفض النُّخب القوميّة في المشرق لـ«دول التجزئة» التي أنشأها الانتدابان البريطاني والفرنسي، إنّما انطوى ضمناً على رفض لنظريّة تسبيق الدولة على الأمّة، المعروفة بـ«النظريّة الفرنسيّة»، والتجاوب تالياً مع «النظريّة الألمانيّة» في تسبيق الأمّة على الدولة، وهو ما سيكون له في التجربة العربيّة نتائج كارثيّة سوف نتطرّق لاحقاً إليها. وفي موازاة ذلك كلّه، عزّز التأثّرُ بالنازيّة ذاك التصوّر العنيف والإلغائي للسياسة بوصفها، قبل كلّ شيء آخر، اجتثاثاً للخصم وللمختلف.
ففي 1936 نفّذ صدقي الانقلاب العسكري الأوّل في العالم العربيّ، لكنّه اغتيل بعد عام في عمليّة كان وراءها ضبّاط يأخذون عليه، وهو الكرديّ، نقص عروبته. وهذا ما أضعف، عبر الانقلاب ثمّ الاغتيال، وحدة الدولة وولاء القوّات المسلّحة للحكومة، لا سيّما وقد شرع العسكريّون ذوو الهوى العروبي يشكّلون الحكومات ويفرضون توجّهاتها السياسيّة المُلزمة.
لكنّ تلك الفترة نفسها كانت قد شهدت العهد المَلَكي لغازي الأوّل، الذي حكم العراق بين 1933 و1939، والذي رأى فؤاد عارف، الضابط المتقاعد المقرّب منه، أنّه، منذ مطلع شبابه، «كانت عيناه تغرورقان بالدموع وهو يتذكّر ما فعله الإنجليز بجدّه الحسين».
وقد أُطلق على العراق في عهد غازي لقب «بيمونت العرب» ليكون ما كانته تلك المقاطعة الإيطاليّة في الوحدة الإيطاليّة، كما يكون هو ما كانه كافور وفيكتور إيمانويل (عمانوئيل) الثاني. وفي عهده ظهر التعبير العراقي الأوّل عن الطموح إلى ضمّ الكويت، واستشراء عبادة القوّة، تعبيراً عن تعاظم الطابع القومي العربي للدولة، وهو ما تأدّى عنه توسيع حجم الجيش، فصار يضمّ 800 ضابط و19500 جندي في 1936، ثمّ 1426 ضابطاً و26345 جنديّاً في 1939. ولئن لم يضمّ الجيش هذا سوى قلّة من الطيّارين في 1933، فقد ارتفع عددهم إلى 37 في 1936 وكان المتوقّع ارتفاعه إلى 127 عند نهاية السنة التالية. وفي خطوة تنمّ عن إدراك مبكر لأدوات التواصل والتأثير الإعلاميّة الحديثة، ثبّتَ غازي في قصره محطّة الإذاعة العراقيّة التي تبثّ آراءه القوميّة الأكثر تشدّداً.
لقد اعتقد الملك الشابّ، حسب صحافي عرفه عن كثب، أنّ «إعداد البلاد عسكريّاً لا يتمّ عن طريق الاهتمام بالجيش وحده، وإنّما أيضاً بغرس الروح العسكريّة بين الشباب ورصّ صفوفهم باتّجاه ذلك الهدف. وقد اتّخذ من اهتمامه بهوايات الشباب وأنشطتهم الرياضيّة غطاءً لبلوغ تلك الغاية. فقد حثّ الشباب على الانصراف إلى الدرس والرياضة لتقوية أجسامهم، وتعويدهم على الطاعة والتضامن والشمم والجرأة»، بحيث أصبحت الكشّافة في عهده «حركة إعداد قومي وعسكريّ»، و«فرصة سانحة لإدخال الروح القوميّة بين الشبيبة، وتعويدهم على الحياة الخشنة التي ألفها الأجداد، وغرس حياة الجنديّة الحقيقيّة في نفوسهم». وقد لاحت ملامح هذا التوجّه عندما أخذت الكشّافة تهزج، بحضور الملك لاستعراضاتها، أهازيج مثل «بالوحدة يموت الصهيونيّ» و«اسم الوحدة عنوان الله».
وفي خطوة أخرى على الطريق المديد إلى تطوير أدوات عنفيّة موازية للدولة، وهو ما عرفناه لاحقاً وعلى نطاق أعرض تحت مسمّى «الميليشيات»، رأى غازي «أنّ الكشّافة بمثابة احتياط للجيش، على أساس أنّ الألمان والروس والإيطاليين قد استخدموهم فعلاً لهذا الغرض. وعلى هذا الأساس كلّف مدير التربية البدنيّة في 1934 بأن يضع له تقريراً مختصراً عن إمكانيّة إعداد 25 ألف كشّاف مدرّب تدريباً جيّداً». وكان غازي من شرّع في 1935 «نظام الفتوّة» لعسكرة شبّان العراق للنضال في سبيل الوحدة العربيّة، علماً بأنّ «المشرفين على الفتوّة كانوا متأثّرين بحركة الشباب الهتلري ومخيّمات العمل الألمانيّة».
لكنّ غازي، الذي يُقرّ المقرّبون منه أنفسهم بانفعاليّته وضعف رجاحته العقليّة، لم يكن أقلّ قوميّة من منافسه ورئيس حكومته ياسين الهاشمي، الضابط العثماني السابق والقومي العربي الذي لُقّب، هو الآخر، بـ«بسمارك العرب»، إيحاءً بدور الأخير في توحيد ألمانيا وبإمكان تكراره عربيّاً على يديه. فالهاشمي، الذي أراد تحويل غازي إلى مجرّد رمز ذي منصب احتفاليّ، تقليداً لما فعله موسوليني بالملك إيمانويل الثالث، حلّ المجلس النيابي في أبريل (نيسان) 1935 وألغى الأحزاب السياسيّة «بغرض إدماجها في هيئة واحدة»، كما صفّى «الصحف المعارضة ولاحق أنشطة جماعة (الأهالي) وذوي الاتّجاهات اليساريّة»، وراح ينافس غازي على العسكرة والاهتمام بالجيش وتعزيزه، مع التركيز على القوّات الجويّة تيمّناً بروسيا.

الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي


مقالات ذات صلة

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر
كتب النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».