الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
TT

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)
عبد الناصر... ثنائية «العروبة والإسلام» (غيتي)

يتناول حازم صاغية، في هذه الحلقة الثالثة من كتابه «رومنطيقيّو المشرق العربيّ»، ثنائيّتي «العروبة والإسلام» و«القوميّة والاشتراكيّة»، فيقول إن أتاتورك دمج مسألة الإسلام في القوميّة التركيّة، بينما اتّجه عبد الناصر إلى مزاوجة الاثنين عبر ثنائيّة «العروبة والإسلام». لكنه يضيف أن الزمن السوفياتي وفّر للزعيم المصري ثنائيّة أخرى بات مطلوباً التعامل معها، وهي القوميّة والاشتراكيّة التي تستطيع أن توفّر للنظام قاعدة لا تقلّ عرضاً عمّا توفّره الثنائيّة الأولى.
ويرى صاغية أيضاً أن سيرة الناصريّة، أهمّ سِيَر الزعامات في المشرق العربيّ، تشفّ عن ملمح أساسي في الوطنيّات المعهودة، هو «تعرّيها من كلّ آمر عقلانيّ؛ وهو ما يدعم فعليّاً تحرّرها من كلّ مساءلة ديمقراطيّة تحدّ من نزوعها إلى الاستبداد».

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيو المشرق العربي» لحازم صاغية الذي سيصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» في بيروت. الحلقة السابقة تناولت «صناعة الموت» ودورها التأسيسي.
ربما كانت سيرة المناضل الكاتب المصري فتحي رضوان الأدق تمثيلاً لثقافة النظام الناصري في تكامل أدوارها ووجوهها، وبالتالي لانطوائها على استمرارية وطنية تحاول أن تبرر تهافتها وانقطاعاتها، كما تبرر مصادرة الحقيقة والتمثيل الشعبي انطلاقاً من فشل سياسي جلي.
فرضوان، بحسب غيرشوني وجانكوفسكي اللذين درسا مصر الثلاثينات والأربعينات كان أحد أولئك المثقفين والدعويين الشبان الذين تفرعوا عن الأفندية الجدد، وكانوا يرسمون لمصر صورة تتعدى حدود الوطن المصري. وفي مباشرتهم بروزهم العام في الثلاثينيات، كانت لهم مساهمة أساسية في التشكل الفكري للمفاهيم الدمجية ضمن سياق مصري.
ولئن تقرب هو أيضاً من عزيز علي المصري، فقد شارك أحمد حسين في تأسيس «مصر الفتاة» عام 1933، وكانت له حينذاك آراء في التعليم والتربية لا تبتعد كثيراً عن آراء زميله العراقي سامي شوكة؛ ذاك أنه ينبغي استلهام التعليم في مصر من «روح قوية»، وجعل ذاك التعليم يدمج فيه «أخلاقاً قوية»، كأن تتحلى الشبيبة بـ«النظام والطاعة والسيطرة على النفس وتحمل الشدائد». وهو لم يكتم كرهه المبكر للنظام البرلماني الذي «يمنع العمل ويعيقه، ويحول الوطن إلى خشبة للخطابة والمسرحيات، فالناس يجوعون بينما النواب يتباهون بالبلاغة، والبلد مهدد بالخطر من الداخل والخارج، ومع هذا فإن محاضر جلسات المجلس لا تتضمن إلا الجدالات الفارغة». ولم تختلف كثيراً عن هذه الحجج حجج انقلاب 1952 في تعطيلها المؤسسات الدستورية وحلها الأحزاب.
على أن رضوان انشق عن «مصر الفتاة»، لينضم إلى «الحزب الوطني»، ثم انشق عنه أيضاً ليؤسس حزباً ضئيل الوزن والأهمية سماه «الحزب الوطني الجديد». ولئن اعتقلته القوات البريطانية غير مرة، كما اعتُقل بعد حريق القاهرة في 26 يناير (كانون الثاني) 1952، فقد أفرج عنه الانقلابيون، وحملوه معهم إلى الوزارة، علماً بأنه كان قد فشل مرتين في الحصول على مقعد نيابي. فهو بالتالي «لا يستطيع بجهوده أن يحصل على أصوات دائرة (انتخابية) واحدة. فكان سنده الوحيد هو ثقة الضباط في ولائه لهم، واشتراكه معهم في الكراهية العميقة للأحزاب البرلمانية القديمة»، وفقاً لشريف يونس. هكذا، شغل رضوان وزارة الإرشاد القومي التي يقول بلسانه هو نفسه إنه من أسسها. وفي الحالات جميعاً، كان المدني الوحيد الذي يتولاها لمدة طويلة، حتى بات أقرب ما يكون إلى جدانوف الناصرية، كما تولى وزارات ومسؤوليات أخرى في السلطة، منها العضوية في المجلس الأعلى لـ«هيئة التحرير».
وفي دراسة يونس عن الحياة الثقافية والفكرية في مصر الناصرية، يتوقف عند رضوان بصفته «شخصية فاعلة رئيسية» في الخمسينيات. فالسياسات التدخلية التي أرساها في أثناء توليه وزارة الإرشاد القومي استمرت بعده، وكان من تلك النظريات التي كافحت السياسة التدخلية لإحلالها ما قاله في أواخر 1955 عن ضرورة «حماية عقل الشعب وروحه»، أو في أواسط 1956 من أن «الثورة لها أهداف روحية تتطلب توجيه الثقافة القومية وتخليصها من الشوائب التي بثها الاستعمار (في الثقافة)». وبالطبع، كما يضيف الكاتب، كان فتحي رضوان «من الرواد في اتهام المثقفين السابقين على عهده»، فلم ينج طه حسين وأحمد لطفي السيد وعباس محمود العقاد من وصمة «خدمة الاحتلال لتحصيل القوت». وهو، إلى هذا، كان من رموز التيار المسمى «شخصيتنا» القومية والدينية في الحياة الثقافية، حتى أنه رفض تصوير فيلم سينمائي عن خالد بن الوليد لأنه «يتعرض لفترة ما قبل إسلامه وسلوكه في أثنائها». بلغة أخرى، وبالتوازي مع الحكم الانقلابي، بدأ «الإرشاد القومي» يستهدف التأسيس من الصفر، جرياً على إرادية رومنطيقية تجمع بين تطهير التاريخ وتطهير الواقع وقواه الحية.
وفي غضون ذلك، لم يتورع رضوان عن تشبيه العاملين في الحقل الفني والثقافي، ممن تشرف وزارته على عملهم، بـ«حشرات المنازل»، وعن نشر بعض التصورات اللاسامية في أكثر أشكالها بدائية وفظاظة، حيث إن «دُهاة السياسة العالمية الذين هم، في الأغلب الأعم، يهود ذوو أنياب زرقاء يحسنون الدس والوقيعة والتآمر الدولي». وقد توج رضوان حياته السياسية بالتطوع محامياً للدفاع عن أيمن الظواهري، نائب أسامة بن لادن وخليفته.
موضوع الشرعية وثقافتها
تشف سيرة الناصرية، أهم سِيَر الزعامات في المشرق العربي، عن ملمح أساسي في الوطنيات المعهودة، هو تعريها، على ما سبقت الإشارة إليه، من كل آمر عقلاني. وهو ما يدعم فعلياً تحررها من كل مساءلة ديمقراطية تحد من نزوعها إلى الاستبداد. وفي خضم عملية كهذه تحتل رومنطيقية التغلب على الأقدار، بقيادة زعيم مصطفى، موقعها ودورها في صوغ شرعية النظام الذي يُفترض أنه كامل الجدة.
ذاك أن إحدى أبرز وظائف الرومنطيقية في نموذج الزعماء القوميين والاستقلاليين لبلدان «العالم الثالث» في النصف الثاني من القرن العشرين تتصل بموضوع الشرعية وثقافتها. فالزعامات التقليدية، من بورجوازيين وملاكي أراضٍ، ورثوا خليطاً من الأدبيات والإملاءات السياسية للبلدان الاستعمارية والديمقراطية، وعملوا على تطبيقها بقدر من الالتواء والفساد. أما الحكام الجدد، فكان عليهم أن يطوروا نظرية مستمدة انتقائياً من نظريات عدة، تمتد من الفاشية إلى الديمقراطية، قبل أن تتدخل الحاجة الجديدة إلى العلاقة بالاتحاد السوفياتي في ضبط المقادير والنسب لصالح تعظيم حصة «الفلاح» و«العامل» في «الشعب»، وإعادة النظر بالقومية على نحو أشد تصالحاً مع التأويل الطبقي، وأكثر تصادماً مع الإمبرياليات الغربية.
على أنه في هذا الخلط عديم التجانس، راح الحكام الجدد يطبقون النسبية الثقافية قبل عقود على صعودها في الجامعات ومراكز البحث الغربية، تحت عنوان «ما بعد الحداثة». ولئن قاد زعماء المرحلة الأسبق، كأتاتورك ومقلديه العرب، إلى ممانعة مبكرة للعقل والعقلاني أريد تمويهها بإثارة التعبئة الدائمة، فهذا ما تعاظم مع الزعماء الجدد، باستدخالهم هذا القدر أو ذاك من الاشتراكية السوفياتية، فضلاً عن الذهاب -هم أيضاً- خطوات بعيدة في المشهديات البصرية الحادة، وما يرافقها من تعويل على الخطابة بصفتها أداة لممارسة الزعيم سحره على الجماهير.
وفي مصر تحديداً، وبعدما حمل انقلاب 1952 بذور نزعة رومنطيقية صريحة (الزعيم، الذاتية، عفوية المبادرة...)، شهدت حقبة أواسط الخمسينيات نقلة أخرى بدأها «الانتصار» القومي على «العدوان الثلاثي» في 1956 الذي بالغت الرواية الناصرية في تضخيمه وتعميمه، علماً بأنه يملك بذاته مواصفات نموذجية للرواية المضخمة ملحمياً: التغلب على ثلاث دول، اثنتان منها إمبراطوريتان عظميان، فيما الثالثة، وهي «دولة عصابات»، سبق أن تمكنت في أزمنة الانحطاط والغفلة من إلحاق الهزيمة بسبعة أنظمة عربية «فاسدة».
وقبل شهر واحد على تأميم قناة السويس، في يوليو (تموز) من ذاك العام، أجرى النظام الجمهوري استفتاءه الأول حول رئاسة عبد الناصر ودستوره، فنال 99.99 في المائة لرئاسته، و99.98 في المائة لدستوره، مؤكداً صلاحه لقيادة الأمة نحو مغادرة ما قبل التاريخ.
لكن، لئن وجد أتاتورك نفسه مواجَهاً بمسألة الإسلام الذي دمجه في القومية التركية، ثم اتجه عبد الناصر إلى مزاوجة الاثنين عبر ثنائية «العروبة والإسلام»، فإن الزمن السوفياتي وفر للزعيم المصري ثنائية أخرى بات مطلوباً التعامل معها، وهي القومية والاشتراكية التي تستطيع أن توفر للنظام قاعدة لا تقل عرضاً عما توفره الثنائية الأولى. وبدوره، كان الظرف السياسي ملائماً لرفع الثنائية الثانية إلى موقع متصدر، وإشراكها مع الثنائية الأولى في صياغة الشرعية الجديدة وتمتينها. ذاك أن جماعة الإخوان المسلمين كانت قد تلقت الضربة القاضية بعد الأخرى، وبدا أن التأميم القومي الناصري للإسلام قد أنجز غرضه، فيما كانت المصالحة الناصرية - السوفياتيّة، بعد خلاف 1959 - 1963، قد استتبعت حل التنظيمات الشيوعية المصرية واستيعابها داخل «الاتحاد الاشتراكي العربي».
وإلى ذلك، فإن هزيمة 1948 أمام إسرائيل أفقدت الجيل الوطني الأسبق وزنه وجاذبيته، لا سيما أنه لم يكن قد طور أي موقف إصلاحي واجتماعي يُعتد به في مواجهة الأنظمة والأوضاع القائمة. فتركيزه شبه الأحادي على العناصر الخارجية (الاستعمار، الأجانب، اليهود...)، وفق وعي قومي أولي مبسط، وصِلته العضوية بالملوك والحكام «الرجعيين» (رؤساء حكومات العراق، وعزيز علي المصري، وساطع الحصري)، فضلاً عن عدم فهمه العلاقات الدولية الجديدة لما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار عالمه الضمني بانهيار النازية الألمانية؛ كل هذا جعله يبدو شريكاً في التسبب بهزيمة 1948، والانتساب -بهذه النسبة أو تلك- إلى ما قبل التاريخ.
وهذا ما أوكل إلى حاملي الثنائية الجديدة (قومية واشتراكية) مهمة إنقاذ أسوأ المراتبيات والسلطويات التي عرفها النظام القديم، بعد إحداث بعض التغيير في تركيبها الطبقي لمصلحة الطبقة الوسطى بسائر شرائحها، على حساب الأعيان التقليديين على اختلافهم. أما البدايات البرلمانية التي دشنها النظام القديم، بعدما أسستها ديمقراطية الانتدابات الأوروبية، فهي أكثر ما عرضه حاملو الثنائية الجديدة للسحق والاستئصال.
هكذا، دُمجت الثنائيتان معاً على نحو زاد الآيديولوجيا الناصرية تشوشاً، كما أمعن في تآكل انسجامها الضئيل، بعد أن ضُرب الممثلون الأصليون لمكوناتها أو دُجنوا. فهناك إسلام محرر من الإخوان المسلمين القابعين في السجون، واشتراكية محررة من الشيوعيين الذين ذاقوا السجون قبل أن يتوبوا بتشجيع سوفياتي، وقومية عربية لم يعد يمثلها القوميون العرب الأوائل المشوبون برواسب العهد القديم. وعلى العموم، فمثلما وُصف إسلام الثنائية الأولى بـ«العربي» (وهو ما جُعل نعتاً إيجابياً، بعدما كان في القاموس الكمالي نقيصة استبعادية)، وُصفت الاشتراكية بـ«العربية» في الثنائية الثانية، بحيث بدت القومية (=العروبة) المصب الذي ينتهي عنده رافدا الإسلام والاشتراكية، من دون أن يُغني ذلك عن زيجات فرعية أخرى، كاعتبار الإسلام اشتراكياً، واعتبار الاشتراكية من تعاليم الإسلام.
وفي خلط ما قد يبدو عصياً على الخلط، أنشئ في مصر «المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية» عام 1960؛ أي إبان الوحدة مع سوريا، للتعريف بالإسلام وإحياء تراثه، وصدر المرسوم رقم 57 الذي ضم المساجد الأهلية إلى وزارة الأوقاف. وفي 1961، سنة صدور القوانين الاشتراكية، صدر القانون الذي أسفر عن إلحاق الأزهر برئاسة الجمهورية، وتعيين وزير لإدارة شؤونه، بعدما كان قد جُرد في 1957 من استقلاله المالي بتأميم الأوقاف الخيرية. ثم كان دستور 1964، في ذروة العروبية والاشتراكية، فأُعلن للمرة الأولى أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وتعاظم بالتالي التركيز على بناء المساجد، وإنشاء المحطات الإذاعية الدينية، والتوسع في نشر التراث الديني، وصدر القانون رقم 89 عاهداً إلى الحكومة تعيين الأئمة والعاملين في المساجد الأهلية، فضلاً عن كتابة وزارة الأوقاف خطبَ الجمعة وتوزيعها على خطباء المساجد. وغدت برامج التعليم الديني أكثر تسييساً وتبعية للرؤية العامة التي تحملها الناصرية للمسائل المطروحة.
السلطة حين تقضم الواقع
هنا، لا بد من استبعاد أي تقسيم خطي بسيط يرسم العلاقة بين القومية والدين، خصوصاً في التاريخ العربي الحديث، بصفتها علاقة نفي وتناحر. فهذا ما أنكره، قبل الناصرية، أبرز رموز الدين المسيس الذين عدوا القومية جزءاً من مهمتهم، كما أنكره أبرز الرموز القوميين ممن وسعوا مساحات التقاطع بين العروبة والإسلام. ذاك أن القومية والدين، إذا نظرنا إليهما نظرة جذرية في تأويلها مجردة عن السياق العربي المحدد، يشتركان في تسبيق الفكرة على الواقع، كما يُسبقان الماضي على الحاضر، و«الكرامة» على المصلحة. إنهما، بعبارة أخرى، خطابان ثقافيان قبل أن يكونا أي شيء آخر. وهما، منظوراً إليهما على ضوء تلك المعاني، ينطويان على استعداد رومنطيقي حاد ثقيل سبق تناوله في الفصل الأول. وهذا، بطبيعة الحال، لا يلغي الصراعات الحادة بينهما التي عرف عرب المشرق كثيراً منها، لا سيما منها النزاع الناصري والبعثي مع الإخوان المسلمين، إلا أنه يُدرج تلك الصراعات في خانة لا تبعد كثيراً عن خانة النزاع على السلطة فيما بين القوميين أنفسهم (الناصرية والبعث، والاثنان وحركة «فتح» الفلسطينية)، أو خانة النزاع فيما بين الإسلاميين (الإخوان والسلفيين مثلاً، كي لا نذكر الإسلاميتين السنية والشيعية).
ومع هذا، فإن المطابقة بين الدين والقومية تسيء، فضلاً عما تنطوي عليه من خطأ معرفي، إلى الاثنين، إذ تمعن في تسييس الأول، بما يستبعد مئات الملايين من المسلمين غير العرب، إمعانها في تديين الثانية، بما يستبعد بضعة ملايين من العرب غير المسلمين، جاعلاً طردهم إلى خارج السياسة ممكناً. وكنا قد لاحظنا في وقت لاحق، في التسعينيات، وبذريعة إنشاء جبهات مناهضة للإمبريالية، كيف ازدادت هذه الثنائية انحطاطاً من خلال المقولة البائسة عن «الأمة العربية الإسلامية» التي تُعمي عن كل معرفة وكل واقع.
أما الثنائية الأخرى، وإن لم يقتصر الأخذ بها على التجربة الناصرية وشقيقاتها العربية، على ما سوف نعود لاحقاً إليه، فتنطوي على تناقض أفدح مصدره توهم التغلب الإرادي على خلاف فلسفي بالغ العمق بين القومية بصفتها نظرية للجمع والتوحيد قفزاً فوق تباينات الواقع، والاشتراكية بصفتها نظرية للتفريق و«الصراع» استناداً إلى مقدمات طبقية. وهذا فضلاً عن صعوبة ربط القومية بمقدمات تنويرية مقابل السهولة النسبية لربط الاشتراكية بها.
على أن هاتين الثنائيتين المدمجتين للقومية والإسلام، والقومية والاشتراكية، وإن وفرتا لصاحبهما نوعاً من الاطمئنان السعيد، وتوهم السيطرة على الدنيا، ضاعفتا تمكين الوعي الرومنطيقي، ليس فقط بتوسيعهما المسافة الفاصلة عن الواقع، بل أيضاً بتأسيسهما استحالة فعلية في رؤية الواقع. أما فهم الاستحالة هذه فينبع من وضع الواقع في موضع النقيض للأولوية المطلقة الجديدة الحاجبة له: اكتساب شروط الحد الأقصى لبلوغ السلطة، والبقاء فيها أطول مدة ممكنة، والتخلص تالياً من الخصوم والخصوم المحتملين؛ أي إزالة مَن لا تكتمل من دونهم حقيقة الواقع الذي يغدو، والحال هذه، مطابقاً مساوياً لزعامة الزعيم.
على أي حال، بقي العنصر الرومنطيقي حاداً في الخطاب الناصري على تقلباته، وإن ازداد حدة منذ 1956، خصوصاً منذ الوحدة مع سوريا في 1958، أتعلقَ ذلك بثنائية «العروبة والإسلام» أو بثنائية «القومية والاشتراكية».
والمشكلة، وفقاً ليونس، أن النظام الذي أقامه انقلاب يوليو (تموز) «يملك النوايا، ولكن لا يملك الوجهة أو الخطة». ويستخدم يونس في وصف العملية هذه ما يعين بالضبط العفوية الرومنطيقية للانقلاب والانقلابيين. ذاك أن الضباط أتوا بصفتهم «أنبياء أرسلهم (اسم الشعب) ليقيموا في ساحة المعبد التي أخلوها على شرفه (مجتمع المؤمنين)... لكنهم لم يتلقوا كتاباً، بل سمعوا نداء فحسب تحركوا بموجبه».
لكن عبد الناصر والمقربين منه أنفسهم لم يتفوهوا بما هو أقل رومنطيقية. فمع قيام «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958، رأى الصحافي أحمد بهاء الدين، المقرب من الزعيم المصري، أنها دعوة، وليست مجرد دولة، فيما عبد الناصر، في خطاب له في مجلس الأمة عامذاك، تجاوز كل حد في انتهاك المعاني والحقائق، معتبراً أن الوحدة مع سوريا تدخل «ضمن محاولات الوحدة في المنطقة (التي) لم تتوقف منذ أربعة آلاف سنة طلباً للقوة»، وبالمعنى نفسه: «دُبرت المؤامرات ضد القومية العربية من أجل تفتيتها منذ مئات السنين». وحينما استقبل الزعيم المصري استقبالاً جماهيرياً كبيراً في سوريا، تأكد للصحافي محمد حسنين هيكل «أن هذه الأمة كانت تبحث عن (بطل). فلما عثرت عليه... تفجرت المشاعر المكبوتة في أعماقها منذ قرون طويلة... لقد أحسستُ في دمشق أن كل سجل جمال عبد الناصر من الأعمال لم يكن... انتصارات وطنية فحسب، وإنما كانت هذه كلها في مشاعر الأمة العربية (إشارات). إشارات معناها أن اليوم قد جاء، وأن (البطل) قد ظهر».
لكن بعد عامين، ومن اللاذقية، خاطب عبد الناصر السوريين المنفعلين بأن «قوتكم أيها الإخوة المواطنون إنما تظهر من انفعالكم الدائم».
وفي 1959 و1960، ساد الكلام الرسمي عن «اشتراكية القرية» و«ديمقراطية المصطبة»، فيما «الشعب»، وفقاً لأحد قادة انقلاب يوليو (تموز)، كمال الدين حسين، هم «رفقاء المصطبة والدوار ورواد المندرة»، و«الديمقراطية الحقيقية هي التقاء أبناء الشعب نفسه على المصاطب أو مضايف القرية أو أندية المدينة، كما يلتقي كل ذي أهل بأهله».
ولئن تشكلت أعمدة الآيديولوجيا الناصرية من مفاهيم «الدعوة» و«الزحف» و«المجد»، فهذا لم يحل دون اجتهادات في الاشتراكية، كأن يستعيد أنور السادات عام 1964 «النظرية القروية في الاشتراكية» التي لازمت انقلاب يوليو (تموز) منذ أيامه الأولى، مؤكداً أن «اشتراكيتنا... يجب ألا يتبادر إلى الذهن أبداً أنها اشتراكية مادية... نشأت الاشتراكية أول ما نشأت في القرية على أصول راسخة من الدين والإيمان (...) أما (العلمية) في هذه الاشتراكية... فليست إلا تنظيم وتخطيط هذه المشاركة البدائية، بحيث نستطيع أن نحقق لمجتمعنا أعظم فائدة ممكنة حسبما أنتج العلم... فمثلاً نستطيع أن نستبدل المحراث البدائي بماكينة حرث».
وعلى هذا النحو، وعلى مدى زمني يمتد منذ 1952، وتتخلله هزيمة 1967 المطنطنة، أجاز الموقف الوطني والقومي، بصفته ما يساوي العداء للغرب، ويحض على طلب القوة، قدراً من امتهان العقل والحرية والواقع في وقت واحد.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

 


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».