قصف حوثي على مأرب يخلف 17 قتيلاً... والحكومة تصفه بـ«جريمة حرب»

إدانات محلية ودولية والسفير البريطاني يدعو الجماعة لوقف الهجمات

TT

قصف حوثي على مأرب يخلف 17 قتيلاً... والحكومة تصفه بـ«جريمة حرب»

وصفت الحكومة اليمنية القصف الحوثي الذي استهدف، مساء السبت، محطة لتعبئة الوقود في محافظة مأرب بأنه «جريمة حرب»، متوعدة باجتثاث مشروع الجماعة الانقلابية، وذلك بعدما تسبب القصف في مقتل 17 مدنياً على الأقل بينهم أطفال، إلى جانب العديد من الجرحى، وفق ما ذكرته مصادر رسمية.
وفي الوقت الذي تقود فيه الجماعة المدعومة من إيران هجمات متواصلة للسيطرة على المحافظة النفطية التي تُعدّ أهم معاقل الشرعية في شمال البلاد، دون الالتفات لمساعي السلام ومبادرات وقف الحرب، لقي القصف الذي استخدمت فيه الجماعة صاروخاً باليستياً وطائرة مسيرة مفخخة تنديداً محلياً ودولياً، كما أشعل غضباً عارماً في الأوساط الحقوقية.
وقال السفير البريطاني مايكل آرون: «يجب على الحوثيين إيقاف هجومهم في مأرب والانخراط بجدية مع الأمم المتحدة».
وأضاف في تغريدة على «تويتر»: «الاتفاق على وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني من شأنه أن يمنع مثل هذه الخسائر المأساوية، ويسمح بالعمل الإنساني».
وترفض الميليشيات الحوثية حتى اللحظة خطة أممية مدعومة أميركياً ودولياً لوقف القتال، متمسكة بتحقيق مكاسب ميدانية، مع مطالبها برفع القيود المفروضة على مجهودها الحربي من قبل الحكومة اليمنية الشرعية والتحالف الداعم للأخيرة.
في السياق نفسه، وصف رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك الهجوم الحوثي الأخير بـ«الجريمة الإرهابية» وأكد أنها مع «كل ما سبقها من جرائم حرب ارتكبتها الميليشيات لن يفلت مرتكبوها من العقاب، وستلاحقهم دماء هؤلاء الأبرياء حتى اجتثاث مشروعهم الدموي والتدميري»، بحسب تعبيره.
ونقلت المصادر الرسمية عن عبد الملك أنه أوضح خلال اتصال مع محافظ مأرب سلطان العرادة أن «لجوء الميليشيات الحوثية كعادتها إلى استهداف المدنيين مع فشل تصعيدها العسكري وخطتها المدعومة إيرانياً للسيطرة على مأرب، وما تكبدته من خسائر بشرية ومادية كبيرة، يعكس النهج الدموي لهذه العصابات الإجرامية التي تسعى إلى إفشال أي توجه نحو السلام».
وأشار رئيس الحكومة اليمنية إلى هذا القصف بـ«المذبحة الدموية». وقال إنه «الرد العملي والمتوقع من ميليشيات إرهابية على الجهود الدولية لإحلال السلام، تنفيذاً لأجندة ومشروع إيران لابتزاز العالم».
ودعا عبد الملك «الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح يرقى إلى حجم المجازر الإرهابية والجرائم التي تتمادى الميليشيات الحوثية في ارتكابها يومياً ضد المدنيين والنازحين مستغلةً هذا الصمت والتساهل الدولي»، وفق قوله.
وأكد رئيس الوزراء اليمني (بحسب ما ذكرته «وكالة سبأ») أن حكومته» تضع في أولى أولوياتها تقديم كامل الدعم للجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل في هذه المعركة المصيرية حتى استكمال إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة».
وكان الاعتداء الحوثي المزدوج استهدف تجمعاً للمدنيين في محطة لتعبئة الوقود في حي الروضة بمدينة مأرب (مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه) حيث أحدث حريقاً ضخماً تسببت في التهام عدد من السيارات، إلى جانب القتلى الذين أفادت المصادر الرسمية بتفحم جثثهم.
ومنذ أن كثفت الميليشيات هجماتها باتجاه مأرب، استهدفت المدينة مئات المرات بالصواريخ الباليستية والقذائف والطائرات المسيرة، ما تسبب في إزهاق أرواح مئات المدنيين، وفي مقدمهم النازحون الذين فروا من مناطق سيطرة الجماعة، الذين تقول الحكومة الشرعية إن تعدادهم يزيد على مليوني شخص.
وفي سياق التنديد بالهجوم نفسه، دعت السلطة المحلية في مأرب «إلى بلورة موقف دولي يرقى إلى حجم المجازر الإرهابية التي ترتكبها ميليشيا الحوثي الإرهابية بحق المدنيين والنازحين»، كما دعت في بيان «الجهات المحلية والإقليمية والدولية والمنظمات الفاعلة إلى التنديد بالمجزرة الإرهابية، والتحرك الفاعل بما يضمن سلامة ثلاثة ملايين من السكان».
إلى ذلك لقي القصف الحوثي تنديداً من قبل هيئة رئاسة البرلمان اليمني ووزارة الشؤون القانونية في الحكومة الشرعية، ومن قبل العديد من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، حيث وصفت البيانات الهجوم بـ«الإرهابي».
واتهمت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في الحكومة الشرعية الميليشيات الحوثية بأنها «تقصدت بإطلاق هذا الصاروخ إلحاق الضرر الأكبر بالمدنيين، وذلك من خلال الاستهداف المتعمد لمحطة للغاز في حي الروضة». وقالت: «هذا الحادث يُعدّ عملاً إجرامياً خطيراً ينبغي ألا يمر دون رادع، كونه من جرائم الحرب التي نصت عليها اتفاقيات جنيف الأربع والقانون الدولي الإنساني».
وفي حين نددت هيئة رئاسة البرلمان اليمني بالهجوم، قالت في بيان: «ما لم يقف العالم بكل حزم في محاسبة هذه العصابة وردعها، فإنها ستزداد بشاعة وإجراماً، كما هي الحال اليوم حين استقبلت الجماعة دعوات السلام التي حملها الوفد العماني إلى صنعاء بصاروخ باليستي على مأرب، أدى إلى هذه المذبحة المروعة».
كما نظر بيان البرلمان اليمني إلى الهجوم على أنه «رسالة مفادها رفض الحوثيين للسلام وخياراته واستهتارهم به وبكل الجهود الخيرة للأشقاء والأصدقاء والدعوات إلى إيقاف الحرب». إلى جانب أنه (الهجوم) يعبّر عن تهديد جدي لنسف كل الجهود الدولية التي يعمل من أجلها المجتمع الدولي لا سيما الولايات المتحدة الأميركية.
كما يعبر - بحسب البيان - «عن الاستهتار بوساطة سلطنة عمان». في إشارة إلى وفد عماني وصل صنعاء يوم السبت ضمن مساعي السلطنة لإقناع الجماعة الانقلابية بخطة المبعوث الأممي مارتن غريفيث.
من جهته، وفي معرض إدانته لهذه العملية الحوثية العدائية، أوضح وزير الإعلام في الحكومة اليمنية معمر الإرياني أن الميليشيات استهدفت محطة الوقود بصاروخ باليستي، ثم عادت بعدها بدقائق لاستهداف سيارتي إسعاف هرعت لإسعاف الضحايا بطائرة مسيرة مفخخة.
وطالب الإرياني في بيان رسمي: «المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمبعوثين الأممي والأميركي لمغادرة مربع الصمت وإدانة هذه الجريمة النكراء التي ترقى لمرتبة جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، والعمل على إعادة إدراج ميليشيا الحوثي ضمن قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة قياداتها باعتبارهم مجرمي حرب»، بحسب قوله.
من ناحيتها، أدانت مصر بـ«أشد العبارات»، الهجوم الصاروخي الذي وصفته بـ«الغادر». وأعربت مصر، في بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية عن «خالص تعازيها لحكومة وشعب اليمن، ولذوي الضحايا في هذه الجريمة البغيضة، متمنية الشفاء العاجل للمُصابين».
كما أكدت مصر، بحسب البيان، «دعمها للحكومة اليمنية»، مطالبة مجدداً بـ«توقف تلك الهجمات النكراء، مع العمل على تغليب مصلحة اليمن وشعبه، بهدف الوصول إلى تسوية سياسية شاملة وفق المرجعيات الدولية المُتفق عليها، حقناً للدماء اليمنية البريئة، وبما يضع حداً للأزمة الإنسانية الممتدة في اليمن».
في السياق ذاته، أدان البرلمان العربي، ما اعتبره «مجزرة دموية» ارتكبتها ميليشيا الحوثي في محافظة مأرب، وشدد البرلمان، في بيان له، على أن «هذه الجرائم الإرهابية التي تمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وتستوجب محاكمة دولية عاجلة لمرتكبيها».
وأكد أن الهجمات تأتي «امتداداً للجرائم والاعتداءات الإرهابية التي تقوم بها ميليشيا الحوثي الانقلابية بحق المدنيين الأبرياء من أبناء الشعب اليمني وخاصة في محافظة مأرب، وهو ما يمثل انتهاكاً جسيماً واستخفافاً شديداً بكافة الأعراف والمبادئ الإنسانية والقوانين الدولية وخاصة القانون الدولي الإنساني الذي يضمن حماية المدنيين».
وطالب البرلمان العربي، المجتمع الدولي بالتدخل العاجل والفوري واتخاذ مواقف حاسمة لوقف هذه «الجرائم الإرهابية»، واعتبرها «تعكس إصرارها وإمعانها في تقويض كافة الجهود الإقليمية والدولية لحل الأزمة سياسياً، والاستمرار في تحديها السافر للمجتمع الدولي». وأكد البرلمان تضامنه ووقوفه التام مع الجمهورية اليمنية ودعمها في كل ما تتخذه من إجراءات للتصدي للجرائم والأعمال الإرهابية.
كما أدان عادل بن عبد الرحمن العسومي رئيس البرلمان العربي بـ«شدة محاولات ميليشيات الحوثي الإرهابية المتكررة لاستهداف خميس مشيط جنوب المملكة السعودية بطائرات مفخخة»، مؤكداً دعمه الكامل ووقوفه بجانب المملكة فيما تتخذه من إجراءات لحماية استقرارها وأمنها القومي والحفاظ على سلامة مواطنيها.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.