قصف حوثي على مأرب يخلف 17 قتيلاً... والحكومة تصفه بـ«جريمة حرب»

إدانات محلية ودولية والسفير البريطاني يدعو الجماعة لوقف الهجمات

TT

قصف حوثي على مأرب يخلف 17 قتيلاً... والحكومة تصفه بـ«جريمة حرب»

وصفت الحكومة اليمنية القصف الحوثي الذي استهدف، مساء السبت، محطة لتعبئة الوقود في محافظة مأرب بأنه «جريمة حرب»، متوعدة باجتثاث مشروع الجماعة الانقلابية، وذلك بعدما تسبب القصف في مقتل 17 مدنياً على الأقل بينهم أطفال، إلى جانب العديد من الجرحى، وفق ما ذكرته مصادر رسمية.
وفي الوقت الذي تقود فيه الجماعة المدعومة من إيران هجمات متواصلة للسيطرة على المحافظة النفطية التي تُعدّ أهم معاقل الشرعية في شمال البلاد، دون الالتفات لمساعي السلام ومبادرات وقف الحرب، لقي القصف الذي استخدمت فيه الجماعة صاروخاً باليستياً وطائرة مسيرة مفخخة تنديداً محلياً ودولياً، كما أشعل غضباً عارماً في الأوساط الحقوقية.
وقال السفير البريطاني مايكل آرون: «يجب على الحوثيين إيقاف هجومهم في مأرب والانخراط بجدية مع الأمم المتحدة».
وأضاف في تغريدة على «تويتر»: «الاتفاق على وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني من شأنه أن يمنع مثل هذه الخسائر المأساوية، ويسمح بالعمل الإنساني».
وترفض الميليشيات الحوثية حتى اللحظة خطة أممية مدعومة أميركياً ودولياً لوقف القتال، متمسكة بتحقيق مكاسب ميدانية، مع مطالبها برفع القيود المفروضة على مجهودها الحربي من قبل الحكومة اليمنية الشرعية والتحالف الداعم للأخيرة.
في السياق نفسه، وصف رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك الهجوم الحوثي الأخير بـ«الجريمة الإرهابية» وأكد أنها مع «كل ما سبقها من جرائم حرب ارتكبتها الميليشيات لن يفلت مرتكبوها من العقاب، وستلاحقهم دماء هؤلاء الأبرياء حتى اجتثاث مشروعهم الدموي والتدميري»، بحسب تعبيره.
ونقلت المصادر الرسمية عن عبد الملك أنه أوضح خلال اتصال مع محافظ مأرب سلطان العرادة أن «لجوء الميليشيات الحوثية كعادتها إلى استهداف المدنيين مع فشل تصعيدها العسكري وخطتها المدعومة إيرانياً للسيطرة على مأرب، وما تكبدته من خسائر بشرية ومادية كبيرة، يعكس النهج الدموي لهذه العصابات الإجرامية التي تسعى إلى إفشال أي توجه نحو السلام».
وأشار رئيس الحكومة اليمنية إلى هذا القصف بـ«المذبحة الدموية». وقال إنه «الرد العملي والمتوقع من ميليشيات إرهابية على الجهود الدولية لإحلال السلام، تنفيذاً لأجندة ومشروع إيران لابتزاز العالم».
ودعا عبد الملك «الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح يرقى إلى حجم المجازر الإرهابية والجرائم التي تتمادى الميليشيات الحوثية في ارتكابها يومياً ضد المدنيين والنازحين مستغلةً هذا الصمت والتساهل الدولي»، وفق قوله.
وأكد رئيس الوزراء اليمني (بحسب ما ذكرته «وكالة سبأ») أن حكومته» تضع في أولى أولوياتها تقديم كامل الدعم للجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل في هذه المعركة المصيرية حتى استكمال إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة».
وكان الاعتداء الحوثي المزدوج استهدف تجمعاً للمدنيين في محطة لتعبئة الوقود في حي الروضة بمدينة مأرب (مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه) حيث أحدث حريقاً ضخماً تسببت في التهام عدد من السيارات، إلى جانب القتلى الذين أفادت المصادر الرسمية بتفحم جثثهم.
ومنذ أن كثفت الميليشيات هجماتها باتجاه مأرب، استهدفت المدينة مئات المرات بالصواريخ الباليستية والقذائف والطائرات المسيرة، ما تسبب في إزهاق أرواح مئات المدنيين، وفي مقدمهم النازحون الذين فروا من مناطق سيطرة الجماعة، الذين تقول الحكومة الشرعية إن تعدادهم يزيد على مليوني شخص.
وفي سياق التنديد بالهجوم نفسه، دعت السلطة المحلية في مأرب «إلى بلورة موقف دولي يرقى إلى حجم المجازر الإرهابية التي ترتكبها ميليشيا الحوثي الإرهابية بحق المدنيين والنازحين»، كما دعت في بيان «الجهات المحلية والإقليمية والدولية والمنظمات الفاعلة إلى التنديد بالمجزرة الإرهابية، والتحرك الفاعل بما يضمن سلامة ثلاثة ملايين من السكان».
إلى ذلك لقي القصف الحوثي تنديداً من قبل هيئة رئاسة البرلمان اليمني ووزارة الشؤون القانونية في الحكومة الشرعية، ومن قبل العديد من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، حيث وصفت البيانات الهجوم بـ«الإرهابي».
واتهمت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في الحكومة الشرعية الميليشيات الحوثية بأنها «تقصدت بإطلاق هذا الصاروخ إلحاق الضرر الأكبر بالمدنيين، وذلك من خلال الاستهداف المتعمد لمحطة للغاز في حي الروضة». وقالت: «هذا الحادث يُعدّ عملاً إجرامياً خطيراً ينبغي ألا يمر دون رادع، كونه من جرائم الحرب التي نصت عليها اتفاقيات جنيف الأربع والقانون الدولي الإنساني».
وفي حين نددت هيئة رئاسة البرلمان اليمني بالهجوم، قالت في بيان: «ما لم يقف العالم بكل حزم في محاسبة هذه العصابة وردعها، فإنها ستزداد بشاعة وإجراماً، كما هي الحال اليوم حين استقبلت الجماعة دعوات السلام التي حملها الوفد العماني إلى صنعاء بصاروخ باليستي على مأرب، أدى إلى هذه المذبحة المروعة».
كما نظر بيان البرلمان اليمني إلى الهجوم على أنه «رسالة مفادها رفض الحوثيين للسلام وخياراته واستهتارهم به وبكل الجهود الخيرة للأشقاء والأصدقاء والدعوات إلى إيقاف الحرب». إلى جانب أنه (الهجوم) يعبّر عن تهديد جدي لنسف كل الجهود الدولية التي يعمل من أجلها المجتمع الدولي لا سيما الولايات المتحدة الأميركية.
كما يعبر - بحسب البيان - «عن الاستهتار بوساطة سلطنة عمان». في إشارة إلى وفد عماني وصل صنعاء يوم السبت ضمن مساعي السلطنة لإقناع الجماعة الانقلابية بخطة المبعوث الأممي مارتن غريفيث.
من جهته، وفي معرض إدانته لهذه العملية الحوثية العدائية، أوضح وزير الإعلام في الحكومة اليمنية معمر الإرياني أن الميليشيات استهدفت محطة الوقود بصاروخ باليستي، ثم عادت بعدها بدقائق لاستهداف سيارتي إسعاف هرعت لإسعاف الضحايا بطائرة مسيرة مفخخة.
وطالب الإرياني في بيان رسمي: «المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمبعوثين الأممي والأميركي لمغادرة مربع الصمت وإدانة هذه الجريمة النكراء التي ترقى لمرتبة جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، والعمل على إعادة إدراج ميليشيا الحوثي ضمن قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة قياداتها باعتبارهم مجرمي حرب»، بحسب قوله.
من ناحيتها، أدانت مصر بـ«أشد العبارات»، الهجوم الصاروخي الذي وصفته بـ«الغادر». وأعربت مصر، في بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية عن «خالص تعازيها لحكومة وشعب اليمن، ولذوي الضحايا في هذه الجريمة البغيضة، متمنية الشفاء العاجل للمُصابين».
كما أكدت مصر، بحسب البيان، «دعمها للحكومة اليمنية»، مطالبة مجدداً بـ«توقف تلك الهجمات النكراء، مع العمل على تغليب مصلحة اليمن وشعبه، بهدف الوصول إلى تسوية سياسية شاملة وفق المرجعيات الدولية المُتفق عليها، حقناً للدماء اليمنية البريئة، وبما يضع حداً للأزمة الإنسانية الممتدة في اليمن».
في السياق ذاته، أدان البرلمان العربي، ما اعتبره «مجزرة دموية» ارتكبتها ميليشيا الحوثي في محافظة مأرب، وشدد البرلمان، في بيان له، على أن «هذه الجرائم الإرهابية التي تمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وتستوجب محاكمة دولية عاجلة لمرتكبيها».
وأكد أن الهجمات تأتي «امتداداً للجرائم والاعتداءات الإرهابية التي تقوم بها ميليشيا الحوثي الانقلابية بحق المدنيين الأبرياء من أبناء الشعب اليمني وخاصة في محافظة مأرب، وهو ما يمثل انتهاكاً جسيماً واستخفافاً شديداً بكافة الأعراف والمبادئ الإنسانية والقوانين الدولية وخاصة القانون الدولي الإنساني الذي يضمن حماية المدنيين».
وطالب البرلمان العربي، المجتمع الدولي بالتدخل العاجل والفوري واتخاذ مواقف حاسمة لوقف هذه «الجرائم الإرهابية»، واعتبرها «تعكس إصرارها وإمعانها في تقويض كافة الجهود الإقليمية والدولية لحل الأزمة سياسياً، والاستمرار في تحديها السافر للمجتمع الدولي». وأكد البرلمان تضامنه ووقوفه التام مع الجمهورية اليمنية ودعمها في كل ما تتخذه من إجراءات للتصدي للجرائم والأعمال الإرهابية.
كما أدان عادل بن عبد الرحمن العسومي رئيس البرلمان العربي بـ«شدة محاولات ميليشيات الحوثي الإرهابية المتكررة لاستهداف خميس مشيط جنوب المملكة السعودية بطائرات مفخخة»، مؤكداً دعمه الكامل ووقوفه بجانب المملكة فيما تتخذه من إجراءات لحماية استقرارها وأمنها القومي والحفاظ على سلامة مواطنيها.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».