«ديفليه ـ 19» يسخر من الجائحة بمشاهد مسرحية ملونة

«ديفليه ـ 19» يسخر من الجائحة بمشاهد مسرحية ملونة

السبت - 20 شعبان 1442 هـ - 03 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15467]

أحلام الإنسانية في انتهاء الجائحة وعودة الحياة إلى طبيعتها تترجمها مشاهد مشرقة تزدان بالألوان المبهجة والأحداث الرمزية والجمل المرحة في العرض الفني «ديفليه - 19» الذي تقدمه فرقة الرقص الحديث بقيادة وليد عوني، على مدار يومين بمسرح الجمهورية بالقاهرة.

ويقدم العرض الجديد محتوى فنياً وإنسانياً مختلفاً تماماً يدعو الجميع إلى الضحك والتزود بالطاقة الإيجابية، بحسب الفنان والمخرج اللبناني وليد عوني، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «فكرت منذ فترة في تقديم عمل فني عن (كوفيد – 19)، لكنني شعرت بأنه قد يكون سابقاً لأوانه، فلا يزال أمام الفن وقت حتى يستطيع تجسيد الجائحة برؤية عميقة، لكني كإنسان وفنان مهموم بالأحداث المحيطة، وجدت أنها أكبر من ألا تستفزني وتدفعني إلى التعبير عنها، وأمام هذا التعارض وجدت نفسي أكتب عملاً عنها، انطلاقاً من فكرة أنه ليس من الضروري أن نظهر درامية ومأساوية الفترة التي نمر بها الآن».

ويضيف «توصلت إلى أنه من الممكن أن نعبر عن عكس ما نعيشه؛ لأننا في حالة ما اكتفينا بدراما الواقع في الفن سننتهي نفسياً، وقد يكون الصحيح هو أن نقدم عكس الدراما، فذلك أحياناً يكون دور الفن، وهو ليس نوع من الاستخفاف بالأحداث، أو من التغييب للمتلقي، فكل شيء أمامه واضح، وأكبر من أن يقوم أحد بخداعه أو تغييبه، إنما هو شيء من الفكاهة وبث الأمل، وتحدي الجائحة بالسخرية منها، فهكذا هو حال كثير من الشعوب العربية، لا سيما الشعبين المصري واللبناني حتى في أوقات الحروب والكوارث».

مؤكداً أنه اختار رقم 19 لارتباطه باسم الوباء، «سيبقى هذا الرقم الذي شهد بدايات (كورونا) (2019) راسخاً في الوجدان لتتناقله الأجيال التالية»، ويأتي الديفليه كمكان يشهد انطلاق الرقصات والرمزيات المسرحية بالعرض، وإذا كان ليس بجديد على فرقة الرقص الحديث استخدام الرموز، إلا أنه من الواضح أن «كوفيد» قد أتاح لعوني مساحة أكثر رحابة للاستعانة بها؛ إذ يكتشف المتلقي أن حتى كلمة «ديفليه» نفسها تمثل رمزاً موحياً، انطلاقاً من أننا في الواقع أصبحنا نعيش عرضاً مستمرا ومتجدداً لأحداث عدة، كما لو أن الحياة مثل عارضة الأزياء التي تبدل ملابسها كل بضع دقائق أو ثوان في بعض الأحيان!، يقول «أصبحنا في ديفليه لا ينتهي».

ومن خلال فقرات العرض الجديد يجد المشاهد نفسه في عرض فني يتماهى مع فكرة التغيير التي يحملها بين طياته «كوفيد» كل يوم، بداية من أرقام الإصابات والأعراض، ومروراً بموجاتها وتداعياتها، عبر أحداث شيقة وجماليات بصرية ممتعة؛ فالديفليه يقدم أزياءً مختلفة وإن كانت بسيطة في خطوطها وخاماتها، إلا أنها ثرية بدلالاتها ورموزها وتنوع تصاميمها، «أردت من وراء هذا التعدد وتغيير الفتيات للملابس التي يظهرن بها أن أوصل رسالة للمتلقي مفادها... لا تقلق، كل شيء سيتغير، فها هي الأزياء تتغير، وقد يكون حال الدنيا كتلك الأزياء التي تراها في الديفليه، وتبدلها الفتيات في رمزية موحية، فقد تستيقظ في الصباح تجد كل شيء تحول للأفضل، وانتهت الجائحة للأبد ومن هنا جاءت الأجزاء التي قمت بتصميمها بنفسي وتزدان بالزهور والنقوش والألوان المبهجة»، ولا يجد الفنان حرجاً أو تعارضاً ما بين هذا التمازج اللوني الراقص ومأساوية الأحداث، «من حقي كمسرحي اختيار المعنى والمكان والمغزى».

لكن لم يتوقف الأمر عند ذلك بالنسبة لعوني، فقد وظف خبرته وأسلوبه الفني كذلك في إدخال مفردات الجائحة بتفاصيلها المختلفة داخل العرض من دون افتعال أو تصنع، فالمشاهد يجد نفسه وجهاً لوجه أمام عناصر أصبحت جزءا من الحياة اليومية للإنسانية باختلاف أطيافها وجنسياتها، لكن بشكل ساخر خفيف الظل ويثير الضحك! حتى فيما يتعلق بإجراء المسحة والتحاليل والأشعة والتعقيم والتلقيح، وغير ذلك من أحداث يؤديها بشكل رمزي 22 فناناً على خشبة المسرح ببراعة ورشاقة.

إذا كان قد سبق للمتلقي حضور عروض أخرى لفرقة الرقص الحديث سيجد «ديفليه 19» مختلفاً إلى حد كبير من حيث الأسلوب الفني، فالإضاءة والسينوغرافيا على سبيل المثال في عرض أخناتون من المؤكد أنها قد استوقفته وأبهرته طويلاً، وكذلك لا بد أنه وقف مشدوهاً أمام الزخم التشكيلي الأخاذ في عروض محمود سعيد، وتحية حليم، ومحمود مختار، من قبل، لكنه هنا أمام عرض لن يجد فيه مثل هذا الإبهار «الشكلي»، في حين أنه سيجد نوعاً آخر من الإبهار، وهو إبهار الفكرة والثراء الرمزي، يقول عوني «اتجهت للمعنى والمسرح أكثر من الاحتفاء بالإضاءة والسينوغرافيا، إن طبيعة المرحلة التي نعيشها تتجاوز الشكل لتغوص في المعنى».

لكن ذلك لا ينفي أن المتلقي يبقى خلال ساعة ونصف الساعة هي مدة العرض مستغرقاً في الضحكات والابتسامات الساخرة تجاه مشاهد خفيفة الظل ذات تناول مسرحي راقص غير تقليدي، منجذباً لصياغات جمالية تنبع من ثراء الألوان وزهوها لا سيما في ملابس الفنانات؛ ما يشكل تكوينات بصرية أقرب إلى اللوحات الفنية الملهمة، وهو ما دفع بعض التشكيليين - ومنهم الفنان محمد عبلة - حضور البروفة النهائية حاملين ريشتهم وبالتة ألوانهم لرسم أعمال مستوحاة من العرض.


مصر المسرح فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة