«اللعبة المسرحية»... من المدير إلى الديكور واختيار الممثلين

جمال المراغي يرصد عناصرها وأقنعتها في كتاب جديد

«اللعبة المسرحية»... من المدير إلى الديكور واختيار الممثلين
TT

«اللعبة المسرحية»... من المدير إلى الديكور واختيار الممثلين

«اللعبة المسرحية»... من المدير إلى الديكور واختيار الممثلين

يتناول كتاب «جولة في فنون العرض المسرحي» للباحث والمترجم جمال المراغي الصادر في القاهرة عن الهيئة العامة للكتاب، عناصر العمل المسرحي مثل الإخراج والإنتاج إلى تصميم الإضاءة والماكياج، مروراً ببيانات التسويق والتجريب، وصولاً إلى الصحافة والترجمة، وذلك عبر 15 مدخلاً بحثياً، إضافة لملحق مصور في 70 صفحة يشمل نماذج لنجوم ودور عرض المسرح والأدوات المختلفة الخاصة بفنون العرض المسرحي، من أزياء وأقنعة وديكورات.
يستهل المؤلف كتابه بعنصر غير متوقع من عناصر اللعبة المسرحية، وهو «المدير»، لافتاً إلى أن من يتم اختياره لقيادة هذه المؤسسة يختلف كثيراً عن أي مدير آخر، إذ يجب أن يكون صاحب سمات خاصة من حس فني عال وملكات وقدرات إدارية فائقة، فضلاً عن قدرته على التعامل مع المتغيرات والمفاجآت غير المتوقعة، كما ينبغي أن يتميز بسرعة التصرف والبديهة والوعي بأبعاد التنافس بين كل المؤسسات المعنية، وفي جميع المجالات. يختلف عن مدير الإنتاج المسؤول عن كل ما يخص العمل الفني فقط. ومن مسؤوليات مدير المسرح توفير كل متطلبات النص والمخرج والممثلين، والتأكد من صلاحية النص المختار مع إمكانية توفير الممثلين الذين اختارهم المخرج. ويلعب مدير المسرح دور المساعد للمخرج في أثناء عمل البروفات، والتأكد من صلاحية أجهزة الصوت والإضاءة وتطويرها وتحديثها باستمرار، وكذلك الملابس، كما يجب عليه جدولة كل مراحل الاستعداد للعروض زمنياً، والتأكد من تنفيذ هذه الجداول الزمنية بكل دقة.
ويذكر المؤلف أنه في بعض الدول توجد روابط لمديري المسارح المحترفين التي تعينهم على القيام بمسؤوليتهم وتمكنهم من السيطرة على مهنتهم بوضع قواعد وأسس تحترم وتنفذ بقوة، فهناك رابطة الإنتاج المسرحي الأميركي «أجما»، وأيضاً الاتحاد البريطاني لمديري المسارح المحترفين والمعروف باسم «إيكوتي».

- قائد الأسرار
يصف المؤلف المخرج بأنه قائد العرض المسرحي، فهو يوجه الممثلين وبقية العناصر نحو رؤية وهدف واحد ويفرض النظام والالتزام على جميع العناصر وأفرادها، ويرشدهم إلى مواطن القوة والضعف في أدائهم، ويأمرهم بقرارات ملزمة فينصاع لها الجميع. ويقيم المخرج أداء العناصر على الخشبة وخارجها كل فترة في لحظة يحددها ويستقيم بالأمور كلما مالت. وذلك على عكس مفهوم الإخراج عند الإغريق فكان المؤلف هو صاحب المسؤولية الكاملة في الإشراف على خشبة مسرحياته التي كانت ذات طابع ديني بفضل خبرته بالنص والفكرة والحياة في ظل وجود مجموعة من الممثلين متوسطي الخبرة. وكثيراً ما كان المؤلف يشرف على تدريب المجاميع والجوقة خلف المنشدين، وأحياناً يشرف بنفسه على التأليف الموسيقي.
وفي العصور الوسطى ومع الزيادة المفرطة في مكونات العمل العقائدي ومجاميعه والمشاهد العامة الكثيرة والمتعددة، أصبح المسرح في حاجة لشخص أو مجموعة تتابع وتشرف على حركات العناصر المختلفة على خشبة المسرح. وأطلق على الشخص المنوط بهذه المهمة «قائد الأسرار» في فرنسا، ثم تحول إلى «مدير الخشبة» في بقية الدول الأوروبية. لكنه سرعان ما اختفى، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، كما اختفى مديرو التمثيل، وحل محلهم بشكل كامل «المخرج» كمصطلح ووظيفة وزادت هيمنته ونشاطاته. وساهم في بلورة هذا المصطلح المسرحي الوليد مجموعة من المسرحيين، منهم الأميركي المخضرم بيتر بروك والإنجليزي بيتر هول والألماني بيرتولد بريخت والإيطالي جورجيو ستريلر.
ويصف روبرت مارسين، وهو ممثل ومخرج بريطاني معروف وأستاذ الدراما بالأكاديمية الملكية للفنون الدرامية، المسرح، بأنه ساحة فنية خطيرة وشديدة التأثير، فالممثلون لا يعرفون اللون الرمادي قط، فإما النجاح وحب الجمهور أو الفشل وانصراف الجمهور عنهم. وهذا ما يزيد من صعوبة عمل المخرج المسرحي عن مخرج أي ساحة فنية أخرى. ويخطئ البعض عندما يظن أن عمل المخرج ينتهي مع الدقات الثلاثة التي تعلن عن بداية العرض فما يقوم به بعد البداية وحتى انتهاء آخر ليلة من لياليه هو الأهم، وهو الذي يميز كل مخرج عن الآخر.
يذكر الكتاب أن جميع موسوعات ومراجع التاريخ تتفق على أن صاحب لقب «المخرج الأول» في تاريخ المسرح هو جورج الثاني دوق ساكس مينجين، أحد الممالك الست للإمبراطورية الألمانية قبل هزيمتها وتفككها. ورغم كونه حاكماً متميزاً إلا أنه أحب المسرح والفن بشكل عام ومن أجله تنازل عن عرشه عام 1866. وكانت لديه خلفية تاريخية كبيرة بفضل قراءته الواسعة بجانب مهارته وموهبته في الرسم والتصميم كتصميم المناظر والملابس والديكور، وقد استغل كل هذه القدرات والإمكانيات وطورها وقاد مسرح المقاطعة، وقدم عدداً من المسرحيات التاريخية منها «ألكسندر» و«يوليوس قيصر» و«برنهارد»، كما قام بعدد من الجولات في أوروبا لعرض عدد من هذه المسرحيات.

- الجندي المجهول
وعن أهمية الملابس في العرض المسرحي، يروي المؤلف أن كروجر مصمم الملابس بمسرح نوتنبرج الألماني انزعج كثيراً عندما أخذ مدير مسرح يعدد أسماء المصممين ويشكرهم على تقديمهم لهذا العرض المتميز ذاكراً أسرة الإخراج ومصممي المناظر والإضاءة والديكور، فصاح كروجر: «سهوت عني سيدي المدير!»، ولم يدرك المدير في بداية الأمر هوية من يخاطبه حيث كان يقف الأول في زاوية مظلمةـ وقبل أن يسأله عن نفسه استطرد: أنا من يحدثك يا سيدي، كروجر مصمم الملابس!
ربما يكون هذا حال مصممي الملابس في المسارح وجميع روافد الدراما بشكل عام حتى الآن مع أن واقعة كروجر ومديره كانت في عام 1876. والفارق بين مصمم الملابس ونظيره مصمم أزياء الموضة كبير، فالأول يصنع الملابس الخاصة بالعروض التي ربما لم ولن يستخدمها الجمهور، بينما الثاني يصمم الملابس من أجل الجمهور ولا تكتمل فرحته إلا عندما يجد بعض الأفراد يرتدونها.
تطور مفهوم الملابس أو الأزياء المسرحية كثيراً، وبات أكثر عمقاً، فهي لم تعد تلعب دوراً مساعداً، لكنها أصبحت في أحدث العروض تلعب دوراً محورياً أو رئيسياً. ليست الملابس فقط ولكن أيضاً المكملات والإكسسوار، فكثيراً ما يلعب الممثل عدة شخصيات في العرض نفسه، تختلف في الشكل والهيئة فيكون ضخماً في إحداها ذا ساعدين أو ساقين بارزين، وفي أخرى نحيفاً، ويمكن أن يظهر في صورة حيوان أو ربما نبات أو كائن فضائي.
ويشير المؤلف إلى أن الدراسات المختلفة توصلت إلى أن أهم وظائف ومهام مصمم الملابس تتمثل في قراءة وتحليل النص، ثم العمل عن كثب مع المخرج والمصممين الآخرين، ويأتي بعد ذلك عمل الأبحاث التي تهدف إلى تجسيد مفاهيم التصميم كوضع التخطيط الموضوعي والزمني والشخصيات والعلاقات بينها، فضلاً عن إنتاج الرسومات والتصميمات الملونة للملابس، وشراء الأقمشة والملابس الجديدة والمستعملة وملحقاتها، ثم تطوير أنماط الأزياء وأساليب تصميمها إذا لزم الأمر، وأخيراً حضور التجهيزات والتدريبات المختلفة.
يجب أن يدرك مصمم الأزياء أن الملابس والأحذية والقبعات وغيرها من الإكسسوارات التي تخص شخصاً واحداً ينبغي أن تكون متجانسة ومتناسقة، وهو ما يتطلب اهتماماً وإتقاناً واندماجاً شديداً في العمل. أما الركن المهم الذي يفرق بين مصمم وآخر فهو الخيال وسرعة التذوق وكشف العيوب فنياً. لذلك يشدد الكتاب على أن من الخصائص المهمة التي يجب توفرها في مصمم الملابس المسرحية «المرونة» التي تعني إمكانية تعديل أو تغيير أجزاء في التصميم دون إحداث اضطراب أو توتر أو خلل يؤثر على جمالياته.

- الساحر الخفي
أخيراً يتناول الكتاب الإضاءة، ويصفها بأنها «الساحر الخفي»، لافتاً إلى أن كثيرين لا يدركون أن الإضاءة ليست فناً واحداً، لكنها مجموعة فنون على من يمتهنها أن يجيدها جميعاً، وكل منها مختلف عن الآخر مما يزيد من صعوبة وتعقيد عملية التصميم. فلا بد لمصمم الإضاءة أن يكون خبيراً في الكهرباء، وبالقدر نفسه في جميع أنواع التصميمات المسرحية من مناظر وديكور وملابس، إضافة إلى خلفيته العلمية والأدبية. وكي ندرك أهمية الإضاءة علينا أن نعي أنها لا تخدم فقط الجانب الوظيفي لكنها باتت ذات أهمية كبرى في الجوانب الجمالية والإبداعية التي لا يمكن أن يتخلى عنها المسرح الحديث. ويبدو ذلك واضحاً في مشهد الاعتراف المتكرر في العروض المختلفة، منها عرضا «هاملت» و«تاجر البندقية»، وكيف خلقت تلك الهالة المضيئة المركزة على المؤدي وسط فضاء مظلم جواً نفسياً وتأثيراً وجدانياً يصعب تحقيقه من خلال بقية روافد الفن الأخرى، فهل يمكن أن نتخيل هذا المشهد بلا إضاءة؟
ويخلص المؤلف إلى أنه من المدهش أن الإضاءة الحديثة استفادت كثيراً من التطورات التكنولوجية الخاصة بالبصريات حتى أصبحت مزيجاً واجباً من علوم الهندسة الكهربية والكيمياء والفيزياء، وأيضاً علوم الإلكترونيات والحاسب الآلي والتخطيط الهندسي بجانب العلوم الإنسانية كعلم النفس والاجتماع.


مقالات ذات صلة

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع...

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

على مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً، صاغه الكاتب ألكسندر نجار وأدّته مجموعة من الممثلين منهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

تبدأ عروض مسرحية «كذبة بيضا» في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

ودّع الوسط الفني بمصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land»، هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما.

فاطمة عبد الله (بيروت)

الحركة تجدد المناعة وتقي من الأمراض السرطانية

يحفز النشاط البدني إطلاق جزيئات تؤثر على استقلاب الخلايا وتجديدها وتنشيط المناعة (جامعة شيكاغو)
يحفز النشاط البدني إطلاق جزيئات تؤثر على استقلاب الخلايا وتجديدها وتنشيط المناعة (جامعة شيكاغو)
TT

الحركة تجدد المناعة وتقي من الأمراض السرطانية

يحفز النشاط البدني إطلاق جزيئات تؤثر على استقلاب الخلايا وتجديدها وتنشيط المناعة (جامعة شيكاغو)
يحفز النشاط البدني إطلاق جزيئات تؤثر على استقلاب الخلايا وتجديدها وتنشيط المناعة (جامعة شيكاغو)

كشفت دراسة جديدة أجراها فريق من الباحثين من جامعة ويتس بجنوب أفريقيا، أن الحركة قادرة على تجديد مناعة الجسم والوقاية من الأمراض، بما فيها السرطانات، والحد من آثارها، وتحسين التعافي، وحماية الصحة النفسية.

ويقول ديمتري كونستانتينو، الأستاذ واختصاصي طب الرياضة والتمارين في قسم علوم التمرينات والطب الرياضي بجامعة ويتس: «الإنسان مُهيأٌ للحركة بالفطرة. عندما نتوقف عن الحركة، تبدأ أجسامنا بالتدهور... ويحدث ذلك بسرعة».

وأجرى فريق كونستانتينو بحثاً نشر في «المجلة الطبية البريطانية»، يُظهر أن يوماً واحداً فقط من الخمول كفيلٌ بإحداث تغييرات ملحوظة في الجهازين القلبي الوعائي والعضلي الهيكلي. من جهة أخرى، يُحفز النشاط البدني إطلاق جزيئات إشارات تؤثر على استقلاب الخلايا وتجديدها وتنشيط المناعة. وتكون آثاره عميقة، وتبدأ بأمر بسيط كالوقوف.

ويقول الباحثون إنها فرضية بسيطة؛ فالحركة دواء، وليست مجرد شعارٍ يُردده رواد الصالات الرياضية وعداؤو الماراثون. إنها وصفة لحياة صحية. الحركة هي الحلقة المفقودة في قصة الصحة. الأمر بهذه البساطة.

ويشدد كونستانتينو، في بيان نُشر السبت: «أي حركة أفضل من لا شيء، حتى الوقوف بدلاً من الجلوس يُحدث فرقاً ملموساً في صحتك».

وشملت الأبحاث التي أُجريت في القسم حول الحركة شريحة واسعة من البالغين، بمن فيهم العمال اليدويون، وموظفو المكاتب، والطلاب، والمرضى المتعافون.

يقول الباحثون إن أي حركة أفضل من لا شيء (بكسلز)

ووجد الباحثون أن التأهيل المسبق عند إعداد المريض للجراحة من خلال تحسين صحته البدنية والنفسية، على سبيل المثال، وإعادة التأهيل من خلال التمارين الرياضية، يُحسّنان التعافي، ويُقللان المضاعفات، ويُحسّنان جودة الحياة.

ويوضح كونستانتينو: «التمارين الرياضية قبل المرض وأثناءه وبعده من أقوى التدخلات المتاحة، ومع ذلك لا يُنصح بها في الواقع كثيراً»، مشدداً على أن الجانب الآخر من الحياة، والأكثر قتامة، هو نمط الحياة الخامل، فهو نمط قاتل.

النهوض من أجل الحركة

ويقول البروفسور فيليب غراديج، الذي أمضى سنوات في دراسة النشاط البدني والسمنة وقلة الحركة، بما في ذلك آثار «المكاتب الواقفة»، إن الحركة لا تتعلق بالرياضات الخطرة، بل بالحركات الصغيرة التي تتراكم على مدار اليوم والأسبوع والعمر كله.

ويضيف: «لقد لاحظنا في دراساتنا أن تغييرات بسيطة كالمشي أو الوقوف أو تمارين التمدد الخفيفة يمكن أن تُحسّن بشكلٍ ملحوظ الصحة البدنية والنفسية».

لقد أظهر فريقه البحثي أن المكاتب الواقفة تُحسّن وضعية الجسم، وتُخفف آلام الظهر، وتُعزز التركيز لدى موظفي المكاتب، بينما تُحسّن برامج المشي المنظمة صحة القلب والمزاج لدى النساء. ويؤكد غراديج: «الحركة دواء، وهي فعّالة حتى ولو بجرعات صغيرة».

ويُفنّد غراديج المعايير الأخرى الشائعة حول هذا الأمر: «لست بحاجة إلى 10 آلاف خطوة لتشعر بتحسن». في الواقع، تشير الأدلة الحديثة إلى أن المشي ما بين ألفين إلى أربعة آلاف خطوة يومياً قد يُساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب.

ويضيف غراديج: «في دراساتنا، ساعدت الحركة الأشخاص على إدارة الألم، وتنظيم التوتر، وتحسين مؤشرات صحية مثل ارتفاع ضغط الدم»، موضحاً أن الأمر يتعلق بالمشاركة في بيئات تُمكّن الناس من الحركة بفرح وأمان، دون أي عوائق.

الوصفة الأكثر سهولة

ويعتقد جون باتريسيوس، أستاذ علوم الرياضة وطب التمارين في كلية العلوم الصحية في جنوب أفريقيا، غير مشارك بالدراسة، أنه على الرغم من أهمية الخطوات الصغيرة، فإنه ينبغي علينا الالتزام بتوصيات منظمة الصحة العالمية التي تنص على ممارسة 300 دقيقة أسبوعياً من التمارين الرياضية متوسطة الشدة، لما لها من فوائد جمة.

ويقول باتريسيوس: «إن معرفة أن 60 دقيقة فقط من التمارين الرياضية المنتظمة أسبوعياً قد تُقلل من احتمالية تطور السرطان بنسبة 27 في المائة والوفاة بنسبة 47 في المائة، يجب أن تُشجع جميع الأطباء على استخدام الرياضة كعلاج. فالنشاط البدني المنتظم هو أقوى وأسهل وصفة طبية يُمكننا تقديمها لمرضانا».


علماء يعثرون على أقدم مياه على الأرض

اكتشاف ماء تحت سطح الأرض في منجم (شاترستوك)
اكتشاف ماء تحت سطح الأرض في منجم (شاترستوك)
TT

علماء يعثرون على أقدم مياه على الأرض

اكتشاف ماء تحت سطح الأرض في منجم (شاترستوك)
اكتشاف ماء تحت سطح الأرض في منجم (شاترستوك)

تمكّن علماء جيولوجيون من اكتشاف أقدم مياه معروفة على كوكب الأرض، وُجدت في أعماق منجم بكندا، حيث بقيت حبيسة تحت السطح لنحو 2.64 مليار سنة في عزلة مدهشة.

وكان لنتيجة الدراسة، التي نُشرت عام 2016 في مجلة «نيتشر» العلمية، آثار عميقة لا تقتصر على فهم تاريخ الأرض فحسب، بل تمتد إلى تعزيز فرضيات وجود الحياة خارج كوكبنا.

وفي أغوار تقارب ثلاثة كيلومترات تحت سطح الأرض، وفي قلب منجم «كيد كريك» بمقاطعة أونتاريو، اهتدى الباحثون عام 2016 إلى جيب مائي فريد وغير متوقع يُعتقد أنه ظل حبيس الصخور لمدة تزيد على 2.6 مليار سنة، وهي مدة تقارب عمر كوكب الأرض ذاته، مما يتيح للباحثين فرصة نادرة لدراسة نظام بيئي بدائي لم تمسّه العوامل الخارجية.

وكان الحجم الكامل للمياه المكتشفة مفاجئاً، متجاوزاً التوقعات الأولية، وممهداً مسارات جديدة للبحث والاستكشاف العلمي.

وما يجعل هذا الاكتشاف مهماً هو ما وُجد داخل المياه من أدلة تشير إلى وجود حياة قديمة؛ حيث حلل العلماء المياه بحثاً عن آثار من الكبريتات والهيدروجين، وهي مركبات كيميائية تعد دليلاً على وجود نشاط ميكروبي يعود إلى عصور سحيقة.

فقد اكتشف الباحثون أن الكبريتات الموجودة في الماء لم تكن كبريتات حديثة تدفقت من المياه السطحية، بل كبريتات ناتجة عن تفاعل بين الماء والصخور. وقد أوضح لونغ لي، الأستاذ المساعد في جامعة ألبرتا، أهمية هذا الاكتشاف. ولعلّ اللحظة الأكثر إثارة للدهشة في هذا الاكتشاف كانت عندما اتخذت البروفسورة شيروود لولار خطوة غير مسبوقة بتذوّقها الماء القديم. ورغم أن هذا الأمر ليس شائعاً في الدراسات العلمية، فإن قرار شيروود لولار بتذوّق الماء كان مدفوعاً برغبة في فهم خصائصه الفريدة. وقالت لشبكة «سي إن إن» الأميركية: «إنها كانت تبحث عن طعم مالح، لأن الماء الأكثر ملوحة يميل إلى أن يكون أقدم، ولدهشتها، كان السائل القديم (شديد الملوحة والمرارة)، أي أكثر ملوحة من مياه البحر».

ورغم أن هذه اللحظة بدت عابرة، فإنها قدمت فهماً أعمق للتركيب الكيميائي للماء. فقد أكدت ملوحته ومرارته أنه كان معزولاً لفترة طويلة جداً، مما سمح بتراكم المعادن والمواد الأخرى التي ساهمت في مذاقه المميز.


لوحة هزّت المجتمع الألماني تعود أخيراً إلى برلين

لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) (المتحف الوطني الألماني)
لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) (المتحف الوطني الألماني)
TT

لوحة هزّت المجتمع الألماني تعود أخيراً إلى برلين

لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) (المتحف الوطني الألماني)
لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) (المتحف الوطني الألماني)

بعد أن أحدثت لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) فضيحة مدوّية عام 1887، وسط مخاوف من أنها تَسخر من القيصر الألماني. وبعد أكثر من مائة عام، ها هي تُعرض اليوم في متحف حكومي، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وتُجسّد اللوحة هيكلاً عظمياً مهيباً يكتسي بعباءة بها فرو القاقم الفاخر، وعلى رأسه تاج حديدي مسنّن، في حين يرتكز بإحدى قدميه على مجسَّم للكرة الأرضية، ويُسقِط عرشاً ملكياً بحركة قوية درامية من معصم عاجيّ.

رسمت الفنانة الألمانية «هيرميون فون بريوستشين» هذه اللوحة الرمزية عام 1887 تحت عنوان «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم)، مجسِّدةً بها فناء وسرعة زوال الشهرة والسلطان. ومع ذلك رأت السلطات حينذاك فيها إيماءة ساخرة إلى الإمبراطور الألماني «فيلهلم الأول»، الذي كان قد أتمّ حينها التسعين من عمره، فآثرت إقصاءها ورفضت إدراجها ضمن المعرض السنوي لأكاديمية الفنون في برلين.

وبعد مرور أكثر من مائة عام على إثارة رفض اللوحة وعرضها لاحقاً فيما يشبه قاعة عرض مؤقتة خلال القرن التاسع عشر، ضجّة واسعة في أوساط المجتمع البرليني، عادت اللوحة إلى العاصمة الألمانية. ومن المقرر عرض اللوحة، التي يبلغ طولها 2.5 متر وعرضها 1.3 متر، ابتداءً من الأحد حتى منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في متحف «ألته ناسيونال غاليري» (المعرض الوطني القديم)، في أول ظهور لها داخل مؤسسة رسمية تابعة للدولة.

وتكشف الفضيحة، التي أحاطت بالعمل الفني لفون بريوستشين، ميل الأنظمة الاستبدادية للارتياب من المعاني والتأويلات الخفية المحتملة في الفن. ويرى أمين معرض برلين أن الإساءة إلى الحكم الملكي لم تكن من نيات الفنانة، ولا كما فهمها الهدف المزعوم.

وُلدت فون بريوستشين في دارمشتات عام 1854، وكانت شاعرة ورحّالة ورسّامة عُرفت بأعمالها التاريخية الكبيرة ذات الطابع الزخرفي، كما ألقت خطاباً حماسياً في المؤتمر العالمي للمرأة ببرلين عام 1896، دعت فيه إلى إتاحة التعليم الفني للنساء في الأكاديميات الفنية.